Полный текст (979 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ …
وَأَمَّا الصَّلَاةُ؛ فَلَنْ أَتْرُكَهَا أَبَدًا …
وَأَمَّا الزَّكَاةُ؛ فَإِنْ يَكُ لِي مَالٌ أُؤَدِّهَا …
وَأَمَّا رَمَضَانُ؛ فَسَأَصُومُهُ مَا حَيِيتُ …
وَأَمَّا الْحَجُّ؛ فَإِنْ أَسْتَطِعْ أَحُجَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
* * *
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ طَوَى لِصُّ الصَّحْرَاءِ رَافِعُ بْنُ عُمَيْرٍ تِلْكَ الصَّفْحَةَ السَّوْدَاءَ مِنْ حَيَاتِهِ، وَفَتَحَ الصَّفْحَةَ الأُخْرَى …
الصَّفْحَةَ الْمُشْرِقَةَ بِنُورِ الْإِيمَانِ …
الْمُتَلَأْلِئَةَ بِضِيَاءِ الْقُرْآنِ.
* * *
لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ نَبَأَ رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ فِي جَاهِلِيَّتِهِ …
فَإِلَيْكَ طَرَفًا مِنْ نَبَئِهِ بَعْدَ إِسْلَامِهِ …
سَيَّرَ خَلِيفَةُ الْمُسْلِمِينَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ جَيْشًا مُكَوَّنًا مِنْ أَرْبَعِ فِرَقٍ؛ لِغَزْوِ الرُّومِ فِي بِلَادِ الشَّامِ.
فَانْدَفَعَ الْجَيْشُ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُحَرِّرُ الْبِلَادَ، وَيَهْدِي الْعِبَادَ …
وَيَرْفَعُ فِي كُلِّ أَرْضٍ تَطَؤُهَا قَدَمَاهُ صَوْتَ الْأَذَانِ؛ لِيُعْلِنَ لِلنَّاسِ أَنَّ عَهْدَ الْعُبُودِيَّةِ لِلْقَيَاصِرَةِ قَدِ انْقَضَى، وَأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ لِلَّهِ وَحْدَهُ … حَتَّى بَلَغَ مَشَارِفَ (١) دِمَشْقَ، ثُمَّ انْطَلَقَ مِنْهَا إِلَى مَدِينَةِ حِمْصَ فِي أَوَاسِطِ سُورِيَّةَ.
* * * стр. 842
لَمْ يَكُنِ الرُّومُ يَحْسِبُونَ حِسَابًا لِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ يَأْبَهُونَ (١) لَهُ؛ فَلَمَّا رَأَوْهُ يُلْحِقُ بِهِمُ الْهَزِيمَةَ تِلْوَ الْهَزِيمَةِ، وَيُهَدِّدُ جُنْدَهُمْ بِالْفَنَاءِ … حَشَدُوا جُيُوشَهُمْ فِي "أَنْطَاكِيَةَ" (٢)، وَاسْتَقْدَمُوا النَّجْدَاتِ مِنْ أَطْرَافِ الدَّوْلَةِ "الْبِيزَنْطِيَّةِ" (٣)؛ حَتَّى اجْتَمَعَ لَهُمْ مِئَتَانِ وَخَمْسُونَ أَلْفَ مُحَارِبٍ …
ثُمَّ دَفَعُوا بِهَذَا الْجَيْشِ الْعَرَمْرَمِ اللَّجِبِ (٤) فِي وَجْهِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَمَضَى يَسْتَرِدُّ الْبِلَادَ الَّتِي فَقَدَهَا الرُّومُ، وَيُهَدِّدُ جُنْدَ الْمُسْلِمِينَ بِالْفَنَاءِ …
فَطَيَّرَ (٥) الْمُسْلِمُونَ رُسُلًا مِنْ عِنْدِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ يَصِفُونَ لِلْخَلِيفَةِ الْمَوْقِفَ، وَيَقُولُونَ: الْغَوْثَ … الْغَوْثَ …
وَالْعَجَلَ … الْعَجَلَ …
* * *
كَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ (٦) - إِذْ ذَاكَ - فِي الْعِرَاقِ عَلَى رَأْسِ جَيْشِهِ الْكَبِيرِ الْفَاتِحِ؛ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الصِّدِّيقُ يَأْمُرُهُ بِالتَّوَجُهِ تَوًّا إِلَى بِلَادِ الشَّامِ لِنَجْدَةِ الْجَيْشِ الْمُهَدَّدِ بِالْفَنَاءِ … وَيُبَصِّرُهُ بِالْكَارِثَةِ الَّتِي تُوشِكُ أَنْ تَحُلَّ بِالْمُسْلِمِينَ …
فَاسْتَجَابَ خَالِدٌ لِأَمْرِ الْخَلِيفَةِ، وَمَضَى بِعَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ صَنَادِيدِ (٧) الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ رَافِعُ بْنُ عُمَيْرِ الطَّائِيُّ … لِيَكُونُوا مَدَدًا لِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ فِي الشَّامِ.
* * * стр. 843
لَقَدْ كَانَ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنْ يَصِلَ بِجَيْشِهِ إِلَى سُورِيَّةَ فِي أَقْصَرِ وَقْتٍ …
وَأَنْ يَسْلُكَ طَرِيقًا يَتَجَنَّبُ فِيهِ مُوَاجَهَةَ الرُّومِ حَتَّى لَا تَحُولَ دُونَهُ وَدُونَ الاِلْتِقَاءِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَجَعَلَ يَسْتَشِيرُ أَصْحَابَهُ وَيَقُولُ:
مَنْ لِي بِمِثْلِ هَذِهِ الطَّرِيقِ؟!.
فَقَامَ إِلَيْهِ رَافِعُ بْنُ عُمَيْرٍ الطَّائِيُّ وَقَالَ: أَنَا لَكَ بِهَا أَيُّهَا الْأَمِيرُ.
فَقَالَ: وَكَيْفَ؟.
فَقَالَ: نَقْطَعُ الصَّحْرَاءَ ابْتِدَاءً مِنْ "قَرَاقِرَ"، وَمُرُورًا "بِسِوَى" و"أَرَاكَ"، وَانْتَهَاءً "بتَدْمُرَ" (١) …
فَإِذَا نَحْنُ خَلْفَ حِمْصَ فِي أَوَاسِطِ بِلَادِ الشَّامِ؛ حَيْثُ تُرَابِطُ جُيُوشُ الْمُسْلِمِينَ …
فَيْفَاجَأُ بِنَا الرُّومُ؛ فَلَا يَدْرُونَ إِنْ كُنَّا هَبَطْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ نَبَعْنَا لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ.
فَقَالَ خَالِدٌ: وَكَيْفَ لَنَا بِالْمَاءِ فِي هَذِهِ الصَّحْرَاءِ الْمُقْفِرَةِ؛ وَمَعَنَا عِشْرُونَ أَلْفَ نَسَمَةٍ بَيْنَ إِنْسَانٍ وَجَوَادٍ؟!.
فَقَالَ: مَا دَامَ اللَّهُ مَعَنَا؛ فَأَنَا لَكَ بِهِ.
* * *
اسْتَشَارَ خَالِدٌ أَصْحَابَ الرَّأْيِ مِنْ مُقَدَّمِي الْجَيْشِ؛ فَقَالُوا: стр. 844
لَا تَفْعَلْ أَيُّهَا الْأَمِيرُ؛ فَالْمَسَافَةُ بَيْنَ "قَرَاقِرَ" وَ"سِوَى" لَا تُقْطَعُ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِ لَيَالٍ …
وَهْيَ مَفَازَةٌ لَا مَاءَ فِيهَا، وَلَا مَسَالِكَ …
وَإِنَّ اجْتِيَازَهَا عَلَى الرَّاكِبِ الْفَرْدِ يَكَادُ يَكُونُ مُحَالًا؛ فَكَيْفَ بِهَذَا الْجَيْشِ الْكَبِيرِ؟! … فَلَا تُعَرِّضْ نَفْسَكَ وَنُفُوسَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْهَلَاكِ.
فَقَالَ خَالِدٌ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ؛ لَا يَخْتَلِفَنَّ هَدْيُكُمْ (١)، وَلَا يَضْعُفَنَّ يَقِينُكُمْ … وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمَعُونَةَ مِنَ اللَّهِ تَأْتِي عَلَى قَدْرِ النِّيَّةِ …
وَأَنَّ الْأَجْرَ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ …
وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْبَغِي (٢) أَنْ يُبَالِيَ بِشَيْءٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُ مَعُونَةَ رَبِّهِ …
ثُمَّ إِنَّ رَافِعَ بْنَ عُمَيْرٍ مَعَنَا، وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ يَجْهَلُ رَافِعَ ابْنَ الصَّحْرَاءِ.
ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ! لَا بُدَّ مِنْ هَذَا؛ فَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى إِنْفَاذِ أَمْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولٍ اللَّهِ ﷺ ، وَاسْتِنْقَاذِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ مِنْ بَرَاثِنِ الرُّومِ.
فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنِ اسْتَجَابُوا لَهُ طَائِعِينَ؛ وَقَالُوا:
أَنْتَ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ الْخَيْرَ؛ فَافْعَلْ مَا بَدَا لَكَ.
فَقَالَ: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا …
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى رَافِعٍ، وَقَالَ: افْعَلْ مَا بَدَا لَكَ يَا رَافِعُ.
فَقَالَ رَافِعٌ: ائْتِنِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ بِعِشْرِينَ نَاقَةً عِظَامًا سِمَانًا مَسَانَّ (٣).
فَأُتِيَ لَهُ بِهِنَّ … стр. 845
فَعَمَدَ إِلَيْهِنَّ رَافِعٌ؛ فَأَعْطَشَهُنَّ …
فَلَمَّا أَجْهَدَهُنَّ الْعَطَشُ أَوْرَدَهُنَّ الْمَاءَ؛ فَشَرِبْنَ حَتَّى امْتَلأْنَ.
ثُمَّ قَطَعَ مَشَافِرَهُنَّ (١)، وَرَبَطَ عَلَى أَفْوَاهِهِنَّ حَتَّى لَا يَجْتَرِرْنَ (٢)، ثُمَّ حَمَّلَ هَذِهِ النُّوقَ مَا تُطِيقُ حَمْلَهُ مِنَ الْمَاءِ؛ فَأَصْبَحَ الْمَاءُ فِي بُطُونِهَا وَعَلَى ظُهُورِهَا.
* * *
وَانْطَلَقَ الْجَيْشُ الْعَتِيدُ، وَجَعَلَ يُغِذُّ (٣) السَّيْرَ بِخُيُولِهِ وَأَثْقَالِهِ.
فَكَانَ كُلَّمَا نَزَلَ مَنْزِلًا؛ قَامَ رَافِعٌ إِلَى النُّوقِ وَذَبَحَ أَرْبَعَةً مِنْهَا.
فَأَخَذَ مَا فِي كُرُوشِهَا (٤) مِنَ الْمَاءِ، وَمَزَجَهُ بِلَبَنِهَا وَسَقَاهُ الْخَيْلَ …
وَسَقَى الْجَيْشَ مِمَّا عَلَى ظُهُورِهَا مِنَ الْمَاءِ.
* * *
فَلَمَّا أَتَمَّ الْجَيْشُ الْمَرْحَلَةَ الْخَامِسَةَ مِنْ مَرَاحِل سَيْرِهِ، وَاسْتَنْفَدَ (٥) سَائِرَ مَا لَدَيْهِ مِنَ الْمَاءِ … وَأَصْبَحَ عَلَى رَافِعٍ أَنْ يَدُلَّ الْجُنْدَ عَلَى مَصَادِرِهِ.
شَاءَ اللهُ أَنْ يُصَابَ رَافِعٌ بِالرَّمَدِ حَتَّى وَرِمَتْ عَيْنَاهُ؛ فَغَدَا لَا يُبْصِرُ شَيْئًا ....
فَأَتَى إِلَيْهِ خَالِدٌ وَقَالَ: وَيْحَكَ يَا رَافِعُ … لَقَدْ ذَبَحْنَا النُّوقَ جَمِيعَهَا، وَنَفِدَ الْمَاء كُلُّهُ، وَشَارَفَ الْجَيْشُ عَلَى الْهَلَاكِ ....
فَقَالَ: انْظُرُوا لَعَلَّكُمْ تَرَوْنَ جَبَلَيْنِ عَلَى هَيْئَةِ ثَدْيَيْنِ …
فَأَطْلَقَ خَالِدٌ بَصَرَهُ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ، ثُمَّ قَالَ: стр. 846
هَا هُمَا … نَعَمْ هَا هُمَا … يَا رَافِع.
فَقَالَ رَافِعٌ: أَبْشِرُوا …
قُومُوا الْتَمِسُوا (١) بَيْنَهُمَا شَجَرَةَ عَوْسَجٍ (٢) صِفَتُهَا كَذَا وَكَذَا.
فَالْتَمَسُوهَا؛ فَلَمْ يَجِدُوهَا.
فَقَالَ رَافِعٌ: وَيْحَكُمْ! انْفُضُوا (٣) عَنْهَا الْأَرْضَ نَفْضًا إِنَّهَا هُنَا …
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَجِدُوهَا هَلَكْتُمْ وَهَلَكْتُ مَعَكُمْ.
فَهَبُّوا يَبْحَثُونَ عَنْ شَجَرَةِ الْعَوْسَجِ فِي كُلِّ بُقْعَةٍ؛ فَمَا لَبِثُوا أَنْ وَجَدُوهَا وَقَدِ اجْتُثَّتْ (٤) وَبَقِيَ أَصْلُهَا فِي الْأَرْضِ … فَكَبَّرُوا وَكَبَّرَ رَافِعٌ مَعَهُمْ …
ثُمَّ قَالَ: احْفِرُوا فِي أَصْلِهَا؛ فَحَفَرُوا …
فَتَفَجَّرَتْ مِنْ تَحْتِهَا عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ نَمِيرٍ (٥) …
فَازْدَادُوا تَهْلِيلًا وَتَكْبِيرًا …
وَأَقْبَلُوا عَلَى رَافِعٍ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ مُهَنِّئِينَ؛ فَقَالَ لَهُمْ:
الْحَمْدُ للهِ … وَاللهِ لَقَدْ مَرَرْتُ بِهَذِهِ الْأَرْضِ مَعَ أَبِي مُنْذُ ثَلَاثِينَ عَامًا …
وَمَا أَبْصَرَتْهَا عَيْنَايَ بَعْدَ ذَلِكَ.
* * *
تَابَعَ الْجَيْشُ مَسِيرَتَهُ حَتَّى بَلَغَ الرَّوَابِيَ الْمُشْرِفَةَ عَلَى غُوطَةِ دِمَشْقَ؛ فَدَفَعَ стр. 847
خَالِدٌ بِرَايَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى رَافِعِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُرْكِزَهَا هُنَاكَ فَرَكَزَهَا، وَكَانَتْ تُسَمَّى "الْعُقَابَ".
ثُمَّ الْتَقَى جَيْشُ خَالِدٍ مَعَ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي كَانَتْ تَتَرَقَّبُ قُدُومَهُ …
وَخَاضُوا مَعْرَكَةَ الْيَرْمُوكِ الَّتِي أَذَلَّ اللهُ فِيهَا مَعَاطِسَ (١) الشِّرْكِ، وَرَفَعَ بِهَا رَايَةَ الْإِسْلَامِ …
وَكَانَتْ إِحْدَى الْمَعَارِكِ الْفَاصِلَةِ الْكَبْرَى فِي التَّارِيخِ.
* * *
وَبَعْدُ … فَهَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ عُمَيْرٍ الَّذِي كَانَ يُلَقَّبُ إِلَى زَمَنٍ قَرِيبٍ بِلِصِّ الصَّحْرَاءِ؛ قَدْ أَصْبَحَ يُدْعَى "بِرَافِعِ الْخَيْرِ"؟ …
وَهَلْ تَدْرِي أَنَّ السَّبَبَ فِي خَلْعِ هَذَا اللَّقَبِ عَلَيْهِ يَرْجِعُ إِلَى وَفْرَةِ بِرِّهِ (٢) بِالْفُقَرَاءِ، وَكَثْرَةِ عَطْفِهِ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ.
فَقَدْ دَأَبَ (٣) عَلَى أَنْ يُطْعِمَ أَهْلَ ثَلَاثِ مَسَاجِدَ مِنْ كَسْبٍ يَمِينِهِ وَعَرَقِ جَبِينِهِ، وَهُوَ قَانِعٌ مِنَ الدُّنْيَا بِثَوْبٍ وَاحِدٍ يَلْبَسُهُ فِي الْبَيْتِ ....
وَيَخْرُجُ بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ …
وَلَا يَأْخُذَنَّكَ الْعَجَبُ مِنْ ذَلِكَ ....
فَقَدْ تَتَلْمَذَ رَافِعُ بْنُ عُمَيْرٍ سَاعَةً فِي مَدْرَسَةِ مُحَمَّدٍ ﵊ … стр. 848
وَأَضَاءَ فِي صَدْرِهِ قَبَسٌ مِنْ نُورِ الْإِيمَانِ (*).
стр. 849
عثمان بن مظعون
"آثَرَ ابْنُ مَظْعُونٍ جِوَارَ اللهِ عَلَى كُلِّ جِوَارٍ"
كَانَتِ الْعَرَبُ في الْجَاهِلِيَّةِ تَرَى أَنَّ الْعَيْشَ كُلَّ الْعَيْشِ فِي كَأْسِ خَمْرٍ يَنْتَشِي (١) الشَّارِبُونَ بِحُمْيَاهَا (٢).
وَغَانِيَةٍ (٣) لَعُوبٍ يَسْتَمْتِعُ الْمُعْجَبُونَ بِجَمَالِهَا.
وَغَزْوَةٍ عَلَى ظُهُورِ الْجِيَادِ الصَّافِنَاتِ (٤) يَسْتَحِلُّ بِهَا الْغُزَاةُ مَا حَرَّمَ اللهُ مِنْ دِمَاءِ الْعِبَادِ وَأَمْوَالِهِمْ.
لَكِنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ - أَحَدُ حُكَمَاءِ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - كَانَ يَرَى أَنَّ لِلْحَيَاةِ غَايَاتٍ أَسْمَى مِنْ ذَلِكَ، وَأَهْدَافًا أَجَلَّ …
مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ؛ حَرَّمَ الْخَمْرَةَ عَلَى نَفْسِهِ؛ فَمَا عَرَفَ لَهَا طَعْمًا …
وَلَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ:
تَبًّا (٥) لَكُمْ …
أَأَشْرَبُ شَيْئًا يُذْهِبُ عَقْلِي …
وَيُضْحِكُ مِنِّي مَنْ هُوَ دُونِي …
وَيَجْعَلُنِي أُنْكِحُ كَرِيمَتِي لِمَنْ لَا أُرِيدُ … стр. 850
وَاللهِ لَا أَذُوقُهَا مَا امْتَدَّتْ بيَ الْحَيَاةُ.
* * *
وَلَمَّا أَشْرَقَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ بِنُورِ الْإِسْلَامِ، وَبَعَثَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِدِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ؛ كَانَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ مِنَ الْمُبَادِرِينَ (١) إِلَى الدُّخُولِ فِي دِينِ اللهِ .
إِذْ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَى هَذَا الْخَيْرِ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا.
* * *
وَلإِسْلَامِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ؛ قِصَّةٌ رَوَاهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ (٢)؛ قَالَ:
بَيْنَمَا كَانَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ جَالِسًا بِفِنَاءِ بَيْتِهِ فِي مَكَّةَ؛ إِذْ مَرَّ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ غَيْرَ آبِهٍ لَهُ، أَوْ مُلْتَفِتٍ إِلَيْهِ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊:
(أَلَا تَجْلِسُ إِلَيَّ يَا أَبَا السَّائِبِ نَتَحَدَّثُ سَاعَةً)؟.
قَالَ: بَلَى (٣).
ثُمَّ جَلَسَ أَمَامَهُ …
وَبَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُ النَّبِيَّ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ رَآهُ وَقَدْ شَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَثَبَّتَ نَظَرَهُ فِيهَا قَلِيلًا مِنَ الْوَقْتِ …
ثُمَّ جَعَلَ يَهْبِطُ بِبَصَرِهِ إِلَى الْأَرْضِ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِيهَا …
ثُمَّ أَخَذَ يَتَحَرَّفُ (٤) عَنْ جَلِيسِهِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ؛ حَتَّى بَلَغَ الْمَكَانَ стр. 851
الَّذِي وَضَعَ بَصَرَهُ فِيهِ …
ثُمَّ جَعَلَ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ كَأَنَّهُ يَسْتَفْهِمْ عَنْ شَيْءٍ يُقَالُ لَهُ …
كُلُّ ذَلِكَ جَعَلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ يَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﵊ دَهِشًا مِمَّا رَأى؛ مُسْتَغْرِبًا مَا وَقَعَ.
فَلَمَّا بَدَا الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ وَعَى جَمِيعَ مَا قِيلَ لَهُ؛ أَخَذَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ كَأَنَّمَا يَتَتَبَّعُ أَحَدًا …
ثُمَّ عَلَّقَ بَصَرَهُ بِذَلِكَ الَّذِي تَوَارَى (١) فِي السَّمَاءِ.
كَأَنَّهُ يَتَمَلَّى (٢) مِنْهُ وَيُوَدِّعُهُ.
ثُمَّ عَدَلَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ بِبَصَرِهِ وَجَسَدِهِ؛ كَمَا كَانَ أَوَّلَ الْأَمْرِ.
* * *
عِنْدَ ذَلِكَ حَدَّقَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ بِبَصَرِهِ فِي وَجْهِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ طَوِيلًا، وَقَالَ:
يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ جَالَسْتُكَ قَبْلَ ذَلِكَ كَثِيرًا؛ فَمَا رَأَيْتُكَ تَفْعَلُ فِعْلَكَ الْيَوْمَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (وَهَلْ تَنَبَّهْتَ إِلَى ذَلِكَ يَا عُثْمَانُ)؟!.
قَالَ: نَعَمْ لَقَدْ تَنَبَّهتُ إِلَيْهِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﵊:
(أَتَانِي رَسُولُ اللهِ جِبْرِيلُ آنِفًا (٣) وَأَنَا جَالِسٌ).
فَقَالَ عُثْمَانُ: تَقُولُ رَسُولُ اللهِ؟!. стр. 852
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (نَعَمْ).
قَالَ: وَمَا الَّذِي قَالَهُ لَكَ؟!.
قَالَ: لَقَدْ قَالَ لِي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ (١) ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ (٢) وَالْمُنْكَرِ (٣) وَالْبَغْيِ (٤)، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٥).
قَالَ عُثْمَانُ: يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى!! …
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي!!.
نِعْمَ مَا جَاءَكَ بِهِ؛ فَلَقَدْ أَمَرَ بِلُبَابِ (٦) الْخَيْرِ.
وَنَهَى عَنْ جُذُورِ الشَّرِّ كُلِّهَا.
* * *
قَالَ عُثْمَانُ:
فَمَا إِنْ سَمِعْتُ مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ؛ حَتَّى اسْتَقَرَّ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِي …
وَصَارَ مُحَمَّدٌ ﷺ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَوَلَدِي …
ثُمَّ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَسْلَمَ مَعِي ابْنِي السَّائِبُ وَأَخَوَايَ: قُدَامَةُ، وَعَبْدُ الله.
* * *
لَمْ تُنْكِرْ قُرَيْشٌ فِي بَادِيءِ الْأَمْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِسْلَامَهُمْ … стр. 853
فَمَا كَانَتْ تَزِيدُ - إِذَا رَأَتْ مُحَمَّدًا يَمُرُّ بِهَا - عَلَى أَنْ تَقُولَ فِي هُزْءٍ (١):
إِنَّ غُلَامَ بَنِي هَاشِمٍ يُكَلَّمُ مِنَ السَّمَاءِ وَيَتَنَزَّلُ عَلَيْهِ الْوَحْيِ مِنْهَا.
فَلَمَّا عَابَ النَّبِيُّ ﵊ آلِهَتَهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللهِ، وَذَكَرَ هَلَاكَ آبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا كُفَّارًا …
غَضِبُوا لِذَلِكَ أَشَدَّ الْغَضَبِ …
وَأَوْقَدُوا عَلَى الرَّسُولِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ نِيرَانَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ.
فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَطَفِقَتْ تُرْهِقُهُمْ مِنْ أَمْرِهِمْ عُسْرًا (٢)، فَتَضْرِبُ أَجْسَادَهُمْ بِالسِّيَاطِ …
وَتَكْوِي أَبْدَانَهُمْ بِالنَّارِ …
وَتَطْرَحُهُمْ عَلَى الرِّمَالِ الْمُلْتَهِبَةِ فِي رَمْضَاءِ (٣) مَكَّةَ؛ لِتَرُدَّهُمْ عَنْ دِينِهِمْ.
وَالرَّسُولُ ﵊ يَرَى بِعَيْنَيْهِ مَا يَحِلُّ بِأَصْحَابِهِ؛ فَيَتَفَطَّرُ (٤) قَلْبُهُ أَسًى (٥) عَلَيْهِمْ وَلَوْعَةً (٦) عَلَى مَا يُعَانُونَ وَلَا يَمْلِكُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ لَهُمْ:
(صَبْرًا صَبْرًا؛ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ).
عِنْدَ ذَلِكَ؛ أَذِنَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لِأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ؛ فَارْتَحَلَتْ إِلَيْهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ …
مُخَلِّفِينَ وَرَاءَهُمُ الْأَهْلَ وَالْوَطَنَ … стр. 854
مُوَدِّعِينَ الْعَشِيرَةَ وَالسَّكَنَ …
فَارِّينَ بِدِينِهِمْ إِلَى اللهِ.
وَكَانَ فِي طَلِيعَةِ الْمُهَاجِرِينَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَابْنُهُ وَأَخَوَاهُ.
* * *
لَمْ يَمْضِ عَلَى هِجْرَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْحَبَشَةِ طَوِيلُ وَقْتٍ؛ حَتَّى جَاءَتْهُمُ الْأَخْبَارُ كَاذِبَةً أَنَّ جُلَّ (١) قُرَيْشٍ قَدْ دَخَلُوا فِي دِينِ اللهِ، وَآمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله ﷺ ؛ فَعَادَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى مَكَّةَ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا يُخَبِّئُهُ؛ لَهُمُ الْقَدَرُ مِن ابْتِلَاءٍ (٢) …
وَكَانَ فِي طَلِيعَةِ الْعَائِدِينَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ.
وَمَا إِنْ وَطِئَتْ (٣) أَقْدَامُهُمْ أَرْضَ مَكَّةَ …
حَتَّى اسْتَقْبَلَتْهُمْ قُرَيْشٌ بِمِثْلِ مَا وَدَّعَتْهُمْ بِهِ مِنْ تَعْذِيبٍ وَتَنْكِيلٍ (٤) …
وَأَحَلَّتْ بِهِمْ مِنَ الْأَذَى وَالضُّرِّ مَا لَا يُطِيقُونَ.
فَدَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فِي جِوَارِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ سَيِّدِ بَنِي مَخْزُومٍ، وَأَكْبَرِ زُعَمَاءِ قُرَيْشٍ، وَوَالِدِ سَيْفِ اللهِ خَالِدٍ (٥) …
فَقَدْ كَانَتْ تَرْبِطُهُ بِهِ بَعْضُ الْأَوَاصِرِ الْعَرِيقَةِ (٦) الْقَدِيمَةِ.
* * *
عَاشَ عُثْمَانُ بْنُ مَضْعُونِ فِي حِمَى (٧) الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَلَقِيَ فِي جِوَارِهِ стр. 855
أَقْصَى مَا يَطْمَحُ إِلَيْهِ مِنَ السَّلَامِ وَالْأَمْنِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَطِبْ نَفْسًا بِهَذِهِ الْحِمَايَة …
فَقَدْ كَانَ يُنَغِّصُ (١) عَلَيْهِ حَيَاتَهُ الْوَادِعَةَ الْآمِنَةَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ يَلْقَى مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ مَا يَلْقَاهُ، وَأَنَّ إِخْوَتَهُ فِي اللهِ يُعَانُونَ مِنْ بَطْشِهِمْ (٢) مَا يُعَانُونَ …
مِمَّا جَعَلَهُ يَتَّهِمُ نَفْسَهُ بِالْأَثَرَةِ (٣) وَالْجُبْنِ، وَضَعْفِ الْإِيمَانِ …
وَيَتَقَلَّبُ عَلَى نَارٍ هَادِئَةٍ مِنْ تَعْذِيبِ الضَّمِيرِ.
* * *
فَلْنَتْرُكُ لِعُثْمَانَ بْن مَظْعُونٍ الْحَدِيثَ عَنْ أَزْمَتِهِ النَّفْسِيَّةِ هَذِهِ؛ حَيْثُ قَالَ:
لَمَّا رَأَيْتُ مَا فِيهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْبَلَاءِ، وَأَنَا أَغْدُو وَأَرُوحُ فِي أَمَانٍ مِنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ؛ قُلْتُ فِي نَفْسِي:
تَبًّا لَكَ يَا بْنَ مَظْعُونٍ …
إِنَّكَ تَعِيشُ آمِنًا مُطْمَئِنًّا فِي جِوَارِ رَجُلٍ مُشْرِكٍ، وَالنَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَلْقَوْنَ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْأَذَى فِي اللهِ مَا لَا يُصِيبُكَ …
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَنَقْصًا كَبِيرًا فِي نَفْسِكَ وَضَعْفًا خَطِيرًا فِي إِيمَانِكَ …
ثُمَّ مَشَيْتُ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَقُلْتُ لَهُ:
يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ؛ لَقَدْ وَفَّيْتَ لِي بِذِمَّتِكَ (٤)، وَلَقِيتُ فِي حِمَاكَ السَّلَامَةَ وَالْأَمْنَ … стр. 856
وَلَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ.
قَالَ: وَلِمَ يَا ابْنَ أَخِي؟ …
لَعَلَّهُ آذَاكَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِي؟!.
فَقُلْتُ: لَا، وَلَكِنِّي أَثَرْتُ (١) جِوَارَ اللهِ عَلَى كُلِّ جِوَارٍ؛ فَلَا أُرِيدُ أَنْ أَسْتَجِيرَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ.
قَالَ: إِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَانْطَلِقْ مَعِي إِلَى الْمَسْجِدِ؛ فَارْدُدْ عَلَيَّ جوَارِي عَلَى مَلَإٍ مِنْ قُرَيْشٍ؛ كَمَا أَجَرْتُكَ عَلَى مَلَإٍ مِنْهُمْ.
فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ؛ فَقَالَ الْوَلِيدُ:
يَا قَوْمُ؛ هَذَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ جَاءَ يَرُدُّ عَلَيَّ جِوَارِي.
فَقُلْتُ: صَدَقَ؛ وَإِنِّي وَجَدْتُهُ وَفِيًّا كَرِيمَ الْجِوَارِ …
وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَلَّا أَسْتَجِيرَ بِغَيْرِ اللهِ؛ فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ جِوَارَهُ.
* * *
قَالَ عُثْمَانَ بْن مَظْعُون:
ثُمَّ انْصَرَفْتُ؛ فَمَرَرْتُ بِمَجْلِسٍ لِقُرَيْشٍ تَوَسَّطَهُ لَبِيدٌ الشَّاعِرُ، وَجَعَلَ يُنْشِدُ الْقَوْمَ شَيْئًا مِنْ شِعْرِهِ وَالنَّاسُ يَسْمَعُونَ.
فَقَالَ لَبِيدٌ:
"أَلَّا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا (٢) الله بَاطِلُ". стр. 857
فَقُلْتُ: صَدَقْتَ.
فَأَتْبَعَ يَقُولُ: "وَكُلٌّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ".
فَقُلْتُ: كَذَبْتَ؛ إِنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ …
فَاسْتَشَاطَ (١) لَبِيدٌ غَيْظًا مِنْ كَلِمَتِي هَذِهِ وَقَالَ:
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؛ وَاللهِ مَا كَانَ يُؤْذَى جَلِيسُكُمْ؛ فَمَتَى حَدَثَ فِيكُمْ هَذَا؟!.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنَّ هَذَا رَجُلٌ سَفِيهٌ مِنْ جَمَاعَةٍ سُفَهَاءَ؛ قَدْ نَبَذُوا (٢) آلِهَتَنَا …
وَفَارَقُوا دِينَنَا؛ فَلَا يَغِيظَنَّكَ قَوْلُهُ.
فَأَقْبَلْتُ عَلَى الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ فِينَا وَفِي دِينِنَا مَا قَالَ، وَتَلَاحَيْتُ (٣) مَعَهُ، فَلَطَمَنِي لَطْمَةً أَسَالَتْ (٤) عَيْنِي؛ فَمَا عُدْتُ أُبْصِرُ بِهَا.
وَكَانَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَرِيبًا مِنِّي؛ فَالْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ:
إِنَّ عَيْنَكَ يَا ابْنَ أَخِي كَانَتْ - وَاللهِ - غَنِيَّةً عَمَّا أَصَابَهَا.
فَقُلْتُ: بَلْ - وَاللهِ - إِنَّ عَيْنِي الصَّحِيحَةَ لَفَقِيرَةٌ إِلَى مِثْلِ مَا أَصَابَ أُخْتَهَا في الله.
فَقَالَ: هَلُمَّ يَا ابْنَ أَخِي؛ فَعُدْ إِلَى جِوَارِي - إِنْ شِئْتَ -. стр. 858
فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَعْدِلُ بِجِوَارِ اللهِ تَعَالَى جِوَارًا.
* * *
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ طَفِقَ (١) أَذَى الْمُشْرِكِينَ يَشْتَدُّ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَيَقْسُو، وَأَصْبَحَ هُوَ وَذَوُوهُ هَدَفًا لِنِكَايَةِ قُرَيْشٍ، وَبَطْشِهِمْ … مِمَّا حَمَلَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي طَلِيعَةِ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ …
وَهُنَاكَ شَهِدَ مَعَ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ هُوَ وَابْنُهُ وَأَخُوهُ بَدْرًا؛ فَأَبْلَوْا (٢) فِي سَاحَتِهَا أَصْدَقَ الْبَلَاءِ وَأَكْرَمَهُ، وَأَدَّوْا حَقَّ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، وَخَرَجُوا مِنْهَا - مَعَ الْمُسْلِمِينَ - مُنْتَصِرِينَ فَائِزِينَ.
* * *
وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى مَرِضَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ مَرَضَ الْمَوْتِ، وَفَارَقَ الحَيَاةَ.
فَلَمَّا طَارَ خَبَرُ وَفَاتِهِ إِلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَضَى إِلَيْهِ، وَمِلْءُ جَوَانِحِهِ (٣) الْحُزْنُ …
وَرَفَعَ الْمُلَاءَةَ عَنْ جَبِينِهِ الطَّاهِرِ الْأَغَرِّ؛ فَقَبَّلَهُ …
أَحَبَّ عَلَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى فَقَبَّلَهُ الثَّانِيَةَ …
ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ الثَّالِثَةَ فَقَبَّلَهُ أَيْضًا …
وَإِذَا دُمُوعُ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ تَتَحَدَّرُ عَلَى وَجْهِهِ الْمُشْرِقِ النَّبِيلِ؛ فَبَكَى مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِبُكَائِهِ.
* * * стр. 859
رَضِيَ اللهُ عَنِ الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَأَرْضَاهُ …
وَجَعَلَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ مَقَرَّهُ وَمَأْوَاهُ.
فَقَدْ آثَرَ جِوَارَ اللهِ عَلَى كُلِّ جِوَارٍ (*) …
стр. 860
كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ
"شَاعِرُ الرَّسُولِ ﷺ ، وَوَاحِدٌ مِنَ الْأَنْصَارِ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَأَنْزَلَ فِيهِمْ قُرْآنًا"
قِصَّةُ الْيَوْمِ؛ عَنِيفَةٌ حَقًّا …
عَمِيقَةٌ صِدْقًا …
بَالِغَةٌ أَقْصَى مَا فِي الْقَصَصِ مِنْ عُنْفٍ، وَعُمْقٍ، وَإِثَارَةٍ.
وَقَدْ هَمَمْتُ - أَيُّهَا الْقَارِئُ الْكَرِيمُ - أَنْ أَرْوِيَهَا لَكَ بِنَفْسِي …
فَلَمَّا شَرَعْتُ؛ وَجَدْتُ أَنَّ بَيَانِي أَعْجَزُ مِنْ أَنْ يَنْقُلَهَا إِلَيْكَ بِلَفَتَاتِهَا الدَّقِيقَةِ الرَّائِعَةِ …
وَصُوَرِهَا الْبَدِيعَةِ الْبَارِعَةِ …
وَعَوَاطِفِهَا الْجَيَّاشَةِ (١) الزَّاخِرَةِ.
فَآثَرْتُ أَنْ أَتْرُكَ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْقِصَّةِ ....
فَهْوَ أَعْلَى مِنِّي بَيَانًا، وَأَقْدَرُ تَعْبِيرًا عَنْ خَلَجَاتِ (٢) نَفْسِهِ، وَأَدَقُّ تَصْوِيرًا لِهَمَسَاتِ ضَمِيرِهِ …
فَاسْتَمِعْ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ؛ شَاعِرِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ؛ فَهْوَ سَيَرْوِي لَكَ قِصَّتَهُ.
* * * стр. 861
قَالَ كَعْبٌ:
لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا يَوْمَ تَبُوكَ.
وَلَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى مِنِّي عَلَى الْغَزْوِ وَلَا أَيْسَرَ؛ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ تِلْكَ الْغَزْوَةِ.
وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً كَتَمَ خَبَرَهَا … وَوَرَّى (١) بِغَيْرِهَا؛ إِلَّا هَذِهِ الْغَزْوَةَ.
وَلَعَلَّ الَّذِي جَعَلَ الرَّسُولَ ﷺ لَا يَكْتُمُ خَبَرَهَا هُوَ أَنَّ الْحَرَّ كَانَ شَدِيدًا، وَأَنَّ السَّفَرَ كَانَ بَعِيدًا …
وَأَنَّ الثِّمَارَ قَدْ أَيْنَعَتْ، وَالظِّلالَ قَدْ طَابَتْ …
* * *
وَلَقَدْ تَجَهَّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتَجَهَّزَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ.
فَطَفِقْتُ أَغْدُو إِلَى السُّوقِ لِأَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ … لَكِنَّنِي كُنْتُ أَرْجِعُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَلَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا؛ فَأَقُولُ فِي نَفْسِي:
إِنِّي لَقَادِرٌ عَلَى أَنْ أَتَجَهَّزَ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ …
وَمَا زِلْتُ أَتَمَادَى فِي ذَلِكَ حَتَّى جَدَّ جِدُّ (٢) الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَا لَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا.
وَفِيمَا أَنَا كَذَلِكَ … بَادَرَ الرَّسُولُ ﵊ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الرَّحِيلِ؛ فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فِي أَثَرِهِمْ، وَأَنْ أُدْرِكَهُمْ - وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ - وَلَكِنَّهُ لَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ. стр. 862
ثُمَّ مَا لَبِثْتُ أَنْ رَكِبَنِي الْهَمُّ وَالْبَثُّ (١) لِمَا صَنَعْتُ، وَقَدْ زَادَنِي هَمًّا أَنَّنِي كُنتُ إِذَا خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِي وَطُفْتُ فِي النَّاسِ؛ لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مُتَّهَمًا بِنِفَاقٍ …
أَوْ عَاجِزًا عَذَرَهُ اللهُ لِعَجْزِهِ.
* * *
وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ؛ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ:
(مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ)؟!.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ:
إِنَّمَا حَبَسَهُ بُرْدَاهُ (٢) الزَّاهِيَانِ … وَنَظَرُهُ فِي عِطْفِهِ (٣).
فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ (٤):
بِئْسَ مَا قُلْتَ! وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا.
فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﵊، وَلَمْ يُضِفْ شَيْئًا.
* * *
ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّسُولَ ﵊ تَوَجَّهَ قَافِلًا (٥) إِلَى الْمَدِينَةِ؛ فَرَكِبَنِي هَمِّي … وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ، وَأَقُولُ:
بِمَاذَا أَعْتَذِرُ لَهُ وَأَخْرُجُ مِنْ سُخْطِهِ (٦) غَدًا؟.
وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي؛ فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَهُمْ شَيْئًا.
وَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ الرَّسُولَ ﵊؛ قَدْ أَطَلَّ قَادِمًا … стр. 863
انْزَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ …
وَعَرَفْتُ أَنَّنِي لَنْ أَخْرُجَ مِنْ سُخْطِهِ بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ …
فَأَزْمَعْتُ (١) الصِّدْقَ.
ثُمَّ أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ؛ فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ.
* * *
فَلَمَّا انْتَهَى النَّبِيُّ ﷺ مِنْ رَكْعَتَيْهِ جَلَسَ لِلنَّاسِ؛ فَجَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ (٢) أَمْثَالِي؛ فَجَعَلُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ …
وَكَانُوا بِضْعَةً (٣) وَثَمَانِينَ رَجُلًا.
فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ (٤) إِلَى اللهِ.
فَجِئْتُهُ أَنَا؛ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ؛ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ:
(تَعَالَ) …
فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ.
فَقَالَ لي: (مَا خَلَّفَكَ يَا كَعْبُ؟! …
أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ رَاحِلَتَكَ)؟!.
فَقُلْتُ: إِنِّي - وَاللهِ - يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا стр. 864
لَخَرَجْتُ مِنْ سُخْطِهِ بِعُذْرٍ أَصْنَعُهُ لَهُ (١) …
فَإِنِّي - وَاللهِ - قَدْ أُعْطِيتُ حُجَّةً وَبَيَانًا.
وَلَكِنِّي - وَاللهِ - لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ لِتَرْضَى بِهِ عَنِّي؛ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يُسخِّطَكَ عَلَيَّ …
وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ يُغْضِبُكَ عَلَيَّ؛ فَإِنِّي لأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللهِ.
وَاللهِ - يَا رَسُولَ اللهِ - مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ فِيمَا صَنَعْتُ …
وَمَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَأَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﵊: (أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ).
ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: (قُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيكَ) …
فَقُمْتُ، وَغَادَرْتُ الْمَسْجِدَ.
* * *
قَالَ كَعْبٌ:
فَمَا لَبِثَ أَنْ تَبِعَنِي رِجَالٌ مِنْ قَوْمِي؛ فَقَالُوا لِي:
وَاللهِ! مَا عَلِمْنَاكَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، فَمَا الَّذِي أَعْجَزَكَ عَنْ أَنْ تَعْتَذِرَ إِلَى الرَّسُولِ ﵊ كَمَا اعْتَذَرَ غَيْرُكَ مِنَ الْمُخَلَّفِينَ …
فَوَاللَّهِ! مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي (٢)؛ حَتَّى هَمَمْتُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي … لَكِنَّنِي مَا لَبِثْتُ أَنْ قُلْتُ لَهُمْ:
هَلْ شَارَكَنِي فِيمَا صَنَعْتُهُ أَحَدٌ؟. стр. 865
فَقَالُوا: نَعَمْ: رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ؛ فَقِيلَ لَهُمَا كَمَا قِيلَ لَكَ.
فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟.
قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ.
وَكَانَا رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، وَقَدْ شَهِدَا بَدْرًا.
فَقُلْتُ: إِنَّ لِي فِيهِمَا أُسْوَةً، ثُمَّ مَضَيْتُ.
* * *
قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:
ثُمَّ مَا لَبِثَ الرَّسُولُ ﵇ أَنْ نَهَى عَنْ كَلَامِنَا نَحْنُ الثَّلَاثَةَ؛ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ …
فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَتَغَيَّرُوا لَنَا … حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الْأَرْضُ؛ فَمَا بَقِيَتْ هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي أَعْرِفُ …
وَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً.
أَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا (١) … وَقَعَدَا فِي بَيْتَيْهِمَا يَبْكِيَانِ.
وَأَمَّا أَنَا، فَكُنْتُ أَشَبَّ الثَّلَاثَةِ وَأَجْلَدَهُمْ؛ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ … لَكِنْ لَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ.
وَكُنْتُ آتِي رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهْوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ أَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ أم لَا؟!.
وَكُنْتُ أَحْرِصُ عَلَى أَنْ أُصَلِّيَ قَرِيبًا مِنْهُ؛ لِأُسَارِقَهُ النَّظَرَ (٢) …
فَكُنْتُ إِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي أَقْبَلَ عَلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي. стр. 866
فَلَمَّا طَالَتْ عَلَيَّ جَفْوَةُ (١) النَّاسِ؛ اشْتَدَّ بِيَ الضِّيقُ …
فَتَسَوَّرْتُ (٢) جِدَارَ بُسْتَانِ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ.
فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ … فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ؛ فَقُلْتُ:
يَا أَبَا قَتَادَةَ؛ أَنْشُدُكَ الله! هَلْ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ ﷺ ؟.
فَسَكَتَ، فَأَعَدْتُهَا عَلَيْهِ فَسَكَتَ، فَأَعَدْتُهَا، فَقَالَ:
اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ …
عِنْدَ ذَلِكَ؛ تَوَلَّيْتُ عَائِدًا مِنْ حَيْثُ أَتَيْتُ …
* * *
ثُمَّ حَدَثَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحُسْبَانِ.
فَبَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ مَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ … إِذَا نَبَطِيٌّ (٣) مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّامِ يَقُولُ:
مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟.
فَأَشَارَ النَّاسُ إِلَيَّ.
فَجَاءَنِي وَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ؛ فَإِذَا فِيهِ:
"أَمَّا بَعْدُ؛ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ".
فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْبَلَاءِ …
فَاتَّجَهْتُ بِالرِّسَالَةِ نَحْوَ تَنُّور (٤) يَتَّقِدُ، فَأَلْقَيْتُ الرِّسَالَةَ فِيهِ.
* * * стр. 867
قَالَ كَعْبٌ:
وَلَمَّا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ … جَاءَنِي رَجُلٌ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﵊ وَقَالَ:
إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ.
فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أم مَاذَا أَفْعَلُ؟!.
قَالَ: لَا … بَلِ اعْتَزِلْهَا فَلَا تَقْرَبْهَا.
وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ.
فَقُلْتُ لامْرَأَتِي:
الْحَقِي بِأَهْلِكِ وَامْكُثِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ …
فَمَضَتْ إِلَى أَهْلِهَا.
أَمَّا امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ؛ فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هِلَالًا شَيْخٌ فَانٍ (١) وَلَيْسَ لَهُ خَادِمٌ؛ فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدِمَهُ؟.
فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبُكِ.
فَقَالَتْ: إِنَّهُ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا يَزَالُ يَبْكِي مُنْذُ لَزِمَ بَيْتَهُ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا.
قَالَ كَعْبٌ:
عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي امْرَأَتِكَ، فَقَدْ يَأْذَنُ لَكَ كَمَا أُذِنَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ. стр. 868
فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَفْعَلُ، وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ لِيَ الرَّسُولُ ﵊؟ وَأَنَا امْرُؤٌ شَابٌّ …
* * *
قَالَ كَعْبٌ:
فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ حَتَّى كَمُلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً.
فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، وَقَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضِقْتُ بِنَفْسِي أَشَدَّ الضِّيقِ …
سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ مِنْ أَعْلَى جَبَلِ سَلْعٍ (١) يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ:
يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ …
يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ …
فَمَا إِنْ لَامَسَ الصَّوْتُ سَمْعِي؛ حَتَّى خَرَرْتُ سَاجِدًا للهِ …
وَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَنِي الْفَرَجُ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أَعْلَنَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ.
فَهَبَّ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنِي، وَكَانَ أَسْبَقَهُمْ إِلَيَّ فَارِسٌ جَاءَ عَلَى فَرَسِهِ، وَذَهَبَ إِلَى صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ أَيْضًا …
فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ؛ نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ … وَوَاللَّهِ! مَا أَمْلِكُ آنَئِذٍ غَيْرَهُمَا.
ثُمَّ اسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ وَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ إِلَى الرَّسُولِ ﵊. стр. 869
فَتَلَقَّانِي الْمُسْلِمُونَ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنّونِي بِالتَوْبَةِ وَيَقُولُونَ:
لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْكَ يَا بْنَ مَالِكٍ؛ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ …
فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ وَحَوْلَهُ النَّاسُ، وَقَدِ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ قِطْعَةُ الْقَمَرِ …
فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ؛ قَالَ وَوَجْهُهُ يَبْرُقُ مِنَ السُّرُورِ (١):
(أَبْشِرْ يَا كَعْبُ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكُ أُمُّكَ).
قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ ؟.
فَقَالَ: (لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ).
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي (٢) كُلِّهِ، وَأَنْ أَجْعَلَهُ صَدَقَةً للهِ وَرَسُولِهِ ﷺ .
فَقَالَ الرَّسُولُ ﵊:
(أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ يَا كَعْبُ؛ فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ).
قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، وَأَتَصَدَّقُ بِمَا عَدَاهُ.
ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ …
إِنَّمَا نَجَّانِي اللهُ بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَلَّا أَقُولَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ.
* * *
رَضِيَ اللهُ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ شَاعِرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ … стр. 870
فَقَدْ نَافَحَ عَنِ الْإِسْلَامِ بِسِنَانِهِ وَبَيَانِهِ …
وَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ قُرْآنًا مَا زَالَ يُتْلَى آنَاءَ اللَّيْل وَأَطْرَافَ النَّهَارِ.
وَسَيَظَلُّ يُتْلَى؛ حَتَّى يَرِثَ اللهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا (*).
стр. 871
تَمِيمٌ الدَّارِيُّ
"كَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ خَامِسَ أَرْبَعَةٍ جَمَعُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ "
نَزَحَتْ قَبِيلَةُ لَخْمٍ الْقَحْطَانِيَّةُ عَنْ بِلَادِ الْيَمَنِ السَّعِيدَةِ؛ بَعْدَ خَرَابِ سَدِّ مَأْرِبٍ (١)، وَاسْتَوْطَنَتْ بِلَادَ الشَّامِ …
فَحَلَّ فَرِيقٌ مِنْهَا فِي الرَّمْلَةِ وَهَضْبَةِ الْجَوْلَانِ، وَنَزَلَ فَرِيقٌ آخَرُ بِالْقُدْسِ …
فَدُعِيَتْ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ بَيْتَ لَخْمٍ.
ثُمَّ حَرَّفَهَا النَّاسُ؛ فَجَعَلُوهَا: بَيْتَ لَحْمٍ.
وَاتَّصَلَ اللَّخْمِيُّونَ بِجِيرَانِهِمُ الرُّومِ؛ فَدَانَ بَعْضُهُمْ بِالْمَسِيحِيَّةِ …
بَيْنَمَا ظَلَّ بَعْضُهُمُ الْآخَرُ يَعْبُدُ الْمُشْتَرِي (٢) وَيَحُجُّ إِلَى صَنَمٍ يُدْعَى "الْأُقَيْصِرَ"؛ أُقِيمَ عَلَى مَشَارِفِ الشَّامِ.
وَكَانَ تَمِيمُ بْنُ أَوْسِ بْنِ خَارِجَةَ الدَّارِيُّ اللَّخْمِيُّ؛ مِمَّنِ اعْتَنَقَ الْمَسِيحِيَّةَ، وَأَوْغَلَ فِيهَا … حَتَّى غَدًا رَاهِبَ بَيْتِ لَحْمٍ.
* * *
وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ؛ عَرَضَتْ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ حَاجَةٌ فِي قَرْيَةٍ مُجَاوِرَةٍ …
فَقَامَ إِلَى مِسْحِهِ (٣) الْأَسْوَدِ فَلَبِسَهُ، وَشَدَّ عَلَى وَسَطِهِ زُنَّارَهُ وَأَرْخَى طَرَفَيْهِ стр. 872
عَلَى جَنْبِهِ، وَتَقَلَّدَ قِلَادَتَهُ الَّتِي يَتَدَلَّى مِنْهَا صَلِيبُهُ الْفِضِّيُّ، ثُمَّ اعْتَمَرَ (١) قَلَنْسُوَتَهُ الصَّغِيرَةَ، وَمَضَى مُيَمِّمًا وَجْهَهُ شَطْرَ (٢) الْقَرْيَةِ …
فَلَمَّا جَنَّ (٣) عَلَيْهِ اللَّيْلُ؛ عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ لَمْ يَنْسَهُ طُولَ حَيَاتِهِ؛ فَلْنَتْرُكْ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ الْكَلَامَ لِيَقُصَّ عَلَيْنَا خَبَرَهُ الْمُثِيرَ.
* * *
قَالَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ:
كُنْتُ أُقِيمُ بِالشَّامِ حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﵊؛ فَخَرَجْتُ إِلَى الْأَمَاكِنِ الْمُجَاوِرَةِ لِقَضَاءِ بَعْضِ حَاجَاتِي؛ فَأَدْرَكَنِي اللَّيْلُ عِنْدَ وَادٍ سَحِيقٍ مُظْلِمٍ …
فَأَخَذَتْنِي الرَّهْبَةُ، وَدَبَّ فِي نَفْسِيَ الْخَوْفُ …
فَتَذَكَّرْتُ مَا كَانَتْ تَقُولُهُ الْعَرَبُ مِنَ الاسْتِعَادَةِ بِالْجِنِّ في أَمْثَالَ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ؛ فَهَتَفْتُ:
أَنَا فِي جِوَارِ (٤) عَظِيمِ هَذَا الْوَادِي اللَّيْلَةَ.
ثُمَّ أَخَذْتُ مَضْجَعِي لِأَرْقُدَ؛ فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي - وَأَنَا لَا أَرَاهُ - وَيَقُولُ:
عُذْ بِاللهِ أَيُّهَا الرَّجُلُ وَاسْتَجِرْ بِهِ، فَإِنَّ الْجِنَّ لَا تُجِيرُ أَحَدًا عَلَى اللهِ.
فَقُلْتُ لِلْهَاتِفِ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِاللهِ؛ أَتَقُولُ الْحَقَّ؟!.
فَقَالَ: قَدْ خَرَجَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ؛ فَأَسْلَمْنَا، وَاتَّبَعْنَاهُ، وَذَهَبَ كَيْدُ الْجِنِّ، стр. 873
وَرُمِيَتْ بِالشُّهُبِ … فَانْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَأَسْلِمْ.
قَالَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ:
فَسَكَنَتْ نَفْسِي بَعْضَ الشَّيْءِ، وَقَضَيْتُ لَيْلَتِي أَسْتَعِيدُ مَا قَالَهُ الْهَاتِفُ وَأَتَدَبَّرُهُ …
وَجَعَلْتُ أَتَذَكَّرُ مَا كُنْتُ أَقْرَؤُهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ عَنْ ظُهُورِ نَبِيٍّ جَدِيدٍ.
قَالَ تَمِيمٌ:
فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ذَهَبْتُ إِلَى دَيْرِ (١) أَيُّوبَ، وَكَانَ فِيهِ رَاهِبٌ طَاعِنٌ فِي السِّنِّ أَثِقُ بِعِلْمِهِ وَفَهْمِهِ، فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، وَسَأَلْتُهُ عَنْهُ … فَقَالَ:
صَدَقَكَ الْهَاتِفُ؛ فَإِنَّ هَذَا النَّبِيَّ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضِ مَكَّةَ، وَهُوَ خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ؛ فَبَادِرْ إِلَيْهِ، وَلَا يَسْبِقَنَّكَ أَحَدٌ إِلَيْهِ إِنِ اسْتَطَعْتَ.
* * *
خَلَعَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ ثِيَابَ الرَّهْبَانِيَّةِ، وَصَحِبَ أَخًا لَهُ يُدْعَى هِنْدًا، وَطَفِقَا يَقْطَعَانِ الطَّرِيقَ بَيْنَ بَيْتِ لَحْمٍ وَالْمَدِينَةِ؛ لِيَلْقَيَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَيُعْلِنَا إِسْلَامَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُقِيمَا بِجِوَارِهِ.
وَلَمَّا بَلَغَ الْأَخَوَانِ الْمَدِينَةَ؛ أَنَاخَا رَاحِلَتَيْهِمَا قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَأَقْبَلَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ … فَحَيَّاهُ الْأَخَوَانِ تَحِيَّةَ الْإِسْلَامِ، وَأَعْلَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، وَدَخَلَا فِي دِينِ اللهِ.
وَهُنَا قَالَ تَمِيمٌ لِلنَّبِيِّ ﵊: стр. 874
إِنَّ اللهَ مُظْهِرٌ دِينَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَنَاشِرٌ لِوَاءَكَ فِي الْآفَاقِ …
وَأَنَا قَدْ خَلَّفْتُ وَرَائِي أَهْلِي وَمَوْطِنِي، وَجِئْتُ لِأَنْقَطِعَ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ ، فَهَبْ لِي قَرْيَتِي جِبْرِينَ إِذَا فَتَحَ اللهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمَلَكُوا بَيْتَ الْمَقْدِسِ.
فَقَالَ ﵇: (هِيَ لَكَ).
قَالَ تَمِيمٌ: اكْتُبْ لِي بِذَلِكَ كِتَابًا يَا رَسُولَ اللهِ …
فَكَتَبَ لَهُ النَّبِيُّ ﵇ كِتَابًا بِذَلِكَ.
* * *
ثُمَّ دَارَتِ الْأَيَّامُ، وَجَعَلَتْ جُيُوشُ الْمُسْلِمِينَ تُشَرِّقُ فِي أَرْضِ اللهِ الْوَاسِعَةِ وَتُغَرِّبُ، وَطَفِقَتْ حُصُونُ الشِّرْكِ تَتَهَاوَى تَحْتَ سَنَابِكِ (١) خَيْلَ الْمُؤْمِنِينَ حِصْنًا إِثْرَ حِصْنٍ …
وَتَوَالَتْ بَشَائِرُ الْفَتْحِ عَلَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَمَا تَكَادُ تُزَفُّ بِشَارَةٌ حَتَّى تَهُلَّ أُخْرَى؛ إِلَى أَنْ كَانَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ …
حَيْثُ جَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ مِنْ قَائِدِهِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (٢)؛ يُبَشِّرُهُ بِاسْتِسْلَامِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ …
وَيُخْبِرُهُ بِإِصْرَارِ أَهْلِهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةُ الْمُسْلِمِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ هُوَ الَّذِي يَعْقِدُ لَهُمُ الصُّلْحَ، وَيَدْعُوهُ إِلَى الشُّخُوص (٣) إِلَى أُولَى الْقِبْلَتَيْنِ وَثَالِثِ الْحَرَمَيْنِ. стр. 875
فَمَضَى الْفَارُوقُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ إِلَى أَرْضِ فِلَسْطِينَ الْمُحَرَّرَةِ، وَعَقَدَ بِنَفْسِهِ لِأَهْلِهَا الصُّلْحَ، وَرُفِعَتْ عَلَى رُبَى الْقُدْسِ رَايَاتُ الْإِسْلَامِ، وَجَلْجَلَتْ فِي رُبُوعِ الْجَوْلَانِ الَّتِي تَسْكُنُهَا لَخْمٌ أَصْوَاتُ الْأَذَانِ.
وَهُنَا قَامَ فَتَى لَخْمٍ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَقَالَ:
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ هَا هُوَ ذَا بَيْتُ الْمَقْدِسِ قَدْ فَتَحَهُ اللهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهَبَنِي قَرْيَتِي جِبْرِينَ …
فَأَنْفِذْ لِي مَا وَهَبَنِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
فَقَامَ أَحَدُ الصَّحَابَةِ وَقَالَ: وَمَنْ يَشْهَدُ لَكَ بِذَلِكَ؟!.
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَنَا أَشْهَدُ بِذَلِكَ …
وَأَنْفَذَ الْفَارُوقُ هِبَةَ النَّبِيِّ ﵊ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ.
* * *
لَزِمَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ - مُنْذُ أَسْلَمَ - مَسْجِدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَمَا يَكَادُ يَبْرَحُهُ (١) إِلَّا قَلِيلًا.
وَعَكَفَ (٢) عَلَى كَلَامِ اللهِ؛ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ؛ حَتَّى جَعَلَ يُتِمُّ الْمُصْحَفَ مَرَّةً فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّام …
وَوَقَفَ نَفْسَهُ عَلَى خِدْمَةِ كِتَابِ اللهِ …
فَكَانَ خَامِسَ أَرْبَعَةٍ جَمَعُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
* * *
أَحَسَّ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ مِتْعَةَ الْعِبَادَةِ … стр. 876
فَغَدَا لَا يَعْدِلُ (١) بِهَا لَذَّةً مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا …
وَتَذَوَّقَ حَلَاوَةَ التَّهَجُّدِ (٢) فِي اللَّيْلِ …
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ، وَالْتَزَمَهُ أَشَدَّ الْتِزَامٍ.
كَانَ إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَسْلَمَ النَّاسُ جُنُوبَهُمْ إِلَى الْمَضَاجِعِ؛ هَبَّ مِنْ رَقْدَتِهِ وَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، وَعَمَدَ إِلَى حُلَّةٍ لَهُ - شَرَاهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ - فَارْتَدَاهَا …
وَأَخَذَ زِينَتَهُ تَامَّةً كَامِلَةً لِيَمْثُلَ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الْمُلُوكِ، وَيَحْظَى بِقُرْبِهِ فِي نَجْوَةٍ مِنَ النَّاسِ …
ثُمَّ يُمْضِي لَيْلَتَهُ كُلَّهَا مُتَهَجِّدًا قَائِمًا بِآيِ الْقُرْآنِ …
وَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ؛ طَارَ شَوْقًا إِلَيْهَا …
وَإِذَا مَرَّ بِأُخْرَى فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ؛ زَفَرَ زَفْرَةً كَأَنَّ لَهِيبَ جَهَنَّمَ فِي أَحْشَائِهِ.
قَرَأَ لَيْلَةً قَوْلَهُ :
﴿أم حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا (٣) السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٤).
فَأَخَذَتْهُ رِعْدَةٌ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَاسْتَبَدَّتْ بِهِ رَهْبَةٌ مِنْ خَوْفِ عِقَابِهِ …
فَمَا زَالَ يُصَلِّي بِهَذِهِ الْآيَةِ مُنْذُ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ أَسْفَرَ (٥) الْفَجْرُ …
وَكَانَ كُلَّمَا أَعَادَهَا؛ اشْتَدَّ نَحِيبُهُ جَزَعًا مِنْ هَوْلِ يَوْمٍ عَظِيمٍ. стр. 877
وَقَدْ غَلَبَ عَلَى تَمِيمٍ النَّوْمُ ذَاتَ لَيْلَةٍ؛ فَلَمْ يَقُمْ لِلتَّهَجُّدِ؛ فَعَاقَبَ نَفْسَهُ بِأَنْ قَامَ سَنَةً كَامِلَةً لَا يَنَامُ فِيهَا.
* * *
ظَلَّ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ نَزِيلَ مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى أَنِ اسْتُشْهِدَ ذُو النُّورَيْنِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (١) …
فَغَادَرَ الْمَدِينَةَ أَسْوَانَ حَزِينًا عَلَى خَلِيفَةِ الْمُسْلِمِينَ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ لِيَقْضِيَ نَحْبَهُ فِي قَرْيَتِهِ مِنْ دِيَارِ الشَّامِ.
* * *
رَضِيَ اللهُ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ؛ الْعَبَّادِ السَّجَّادِ دَفِينِ مِنْطَقَةِ الْجَوْلَانِ …
وَنَوَّرَ لَهُ فِي قَبْرِهِ …
وَأَسْكَنَهُ عَالِيَاتِ الْجِنَانِ (*). стр. 878
العَلاءُ بنُ الحَضرمِيِّ
"يُنَاضِلُ الرِّيَاحَ السَّافِياتِ فِي الرُّبْع الخالي"
غَفَتِ الْمَدِينَةُ الْمَحْزُونَةُ الثَّكْلَى (١) عَلَى جِرَاحِهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ …
فَقَدْ فَقَدَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَهْيَ أَشَدُّ مَا تَكُونُ تَعَلُّقًا بِهِ، وَحَاجَةً إِلَيْهِ.
غَيْرَ أَنَّ خَلِيفَةَ الْمُسْلِمِينَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ لَمْ يَذُقْ لِلنَّوْمِ طَعْمًا.
فَكَأَنَّمَا حُشِيَ مِهَادُهُ (٢) بِالشَّوْكِ …
أَوْ كُحِّلَتْ عَيْنَاهُ بِالْجَمْرِ.
وَكَيْفَ تَطْمَئِنُ لِلصِّدِّيقِ نَفْسٌ؟! …
وَجُلُّ الْعَرَبِ قَدْ خَرَجُوا مِنْ دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا، وَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ.
وَكَيْفَ يَغْمَضُ لَهُ جَفْنٌ؟! …
وَدَوْلَةُ الرَّسُولِ ﷺ الْكُبْرَى؛ الَّتِي شُيِّدَتْ (٣) خِلَالَ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا بِالْجُهْدِ وَالْجِهَادِ، وَبُنِيَتْ بِالْأَحْزَانِ وَالْأَشْجَانِ (٤)؛ حَتَّى شَمِلَتِ الْجَزِيرَةَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْ أَقْصَاهَا إِلَى أَقْصَاهَا، قَدِ انْكَمَشَتِ الْيَوْمَ …
فَأَصْبَحَتْ مَحْصُورَةً فِي مُثَلَّثٍ صَغِيرٍ؛ رَأْسُهُ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَاصِمَةِ стр. 879
الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ …
وَقَاعِدَتُهُ تَمْتَدُّ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ.
* * *
وَلَقَدْ جَيَّشَ الصِّدِّيقُ مِنْ هَذِهِ الْقِلَّةِ الْقَلِيلَةِ الْبَاقِيَةِ مَعَهُ عَلَى الْإِيمَانِ؛ عَشَرَةَ جُيُوشٍ …
وَاخْتَارَ لَهَا عَشَرَةً مِنَ الْقَادَةِ الْأَفْذَاذِ (١) الَّذِينَ تُوُفِّيَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ …
وَدَفَعَ بِهِمْ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ لِقِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ.
وَكَانَ أَشَدَّ مَا يُؤَرِّقُهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ؛ اخْتِيَارُ الْقَائِدِ الْحَادِي عَشَرَ لِلْجَيْشِ الَّذِي سَيُوَجِّهُهُ إِلَى قِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ فِي الْبَحْرَيْنِ، وَمَا تَلَاهَا مِنْ بِلَادِ جَنُوبِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
فَقَدْ كَانَتْ مُهِمَّةُ هَذَا الْجَيْشِ مَحْفُوفَةً (٢) بِالْمَخَاطِرِ …
وَكَانَ طَرِيقُهُ مَفْرُوشًا بِالشَّوْكِ وَالْعَذَابِ.
* * *
وَظَلَّ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ يَتَقَلَّبُ عَلَى مِهَادِهِ حَتَّى شَقَّ سُكُونَ اللَّيْلِ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ (٣) بِصَوْتِهِ الشَّجِيِّ النَّدِيِّ.
فَدَمَعْتَ عَيْنَا الصِّدِّيقِ عِنْدَ سَمَاع صَوْتِ مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَمَعَتْ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ فِي ذِهْنِهِ فِكْرَةٌ، أَضَاءَتْ لَهُ السَّبِيلَ إِلَى اخْتِيَارِ الْقَائِدِ الْمَنْشُودِ.
فَانْبَسَطَتْ أَسَارِيرُهُ (٤) السَّمْحَةُ … стр. 880
وَلَاحَتْ عَلَى وَجْهِهِ الرَّقِيقِ النَّبِيلِ الْمَحْزُونِ غُلَالَةٌ شَفَّافَةٌ مِنَ الرِّضَا وَالطُّمَأْنِينَةِ.
وَلَمَّا قُضِيَتِ الْمَكْتُوبَةُ؛ دَعَا بِالْقِرْطَاسِ وَالدَّوَاةِ وَكَتَبَ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هَذَا عَهْدٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِلْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ؛ حِينَ بَعَثَهُ لِقِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ فِي الْبَحْرَيْنِ وَمَا جَاوَرَهَا.
وَعَهِدَ إِلَيْهِ بِأَنْ يَتَّقِي الله مَا اسْتَطَاعَ فِي سِرِّهِ، وَفِي جَهْرِهِ.
وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ فِي أَمْرِ اللهِ.
وَمُجَاهَدَةِ مَنْ تَوَلَّى عَنْ دِينِهِ …
وَرَجَعَ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَمَانِيِّ (١) الشَّيْطَانِ.
* * *
لَقِيَ اخْتِيَارُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ قَائِدًا لِلْجَيْشِ الْمُتَّجِهِ إِلَى قِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ فِي الْبَحْرَيْنِ ارْتِيَاحًا كَبِيرًا لَدَى وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ:
فَالْعَلَاءُ صَحَابِيٌّ قَدِيمُ الصُّحْبَةِ؛ وَثِيقُ الصِّلَةِ بِالرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَأَحَدُ كُتَّابِ الْوَحْيِ، وَالْمُؤْتَمَنِينَ عَلَيْهِ.
زِدْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ الْإِسْلَامَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ؛ دُونَ أَنْ يُرِيقَ قَطْرَةً دَمٍ …
أَوْ يُصِيبَ أَحَدًا بِكُلْمٍ (٢) … следующие страницы →