Полный текст (979 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
فَغَدَا لَا يَعْدِلُ (١) بِهَا لَذَّةً مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا …
وَتَذَوَّقَ حَلَاوَةَ التَّهَجُّدِ (٢) فِي اللَّيْلِ …
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ، وَالْتَزَمَهُ أَشَدَّ الْتِزَامٍ.
كَانَ إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَسْلَمَ النَّاسُ جُنُوبَهُمْ إِلَى الْمَضَاجِعِ؛ هَبَّ مِنْ رَقْدَتِهِ وَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، وَعَمَدَ إِلَى حُلَّةٍ لَهُ - شَرَاهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ - فَارْتَدَاهَا …
وَأَخَذَ زِينَتَهُ تَامَّةً كَامِلَةً لِيَمْثُلَ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الْمُلُوكِ، وَيَحْظَى بِقُرْبِهِ فِي نَجْوَةٍ مِنَ النَّاسِ …
ثُمَّ يُمْضِي لَيْلَتَهُ كُلَّهَا مُتَهَجِّدًا قَائِمًا بِآيِ الْقُرْآنِ …
وَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ؛ طَارَ شَوْقًا إِلَيْهَا …
وَإِذَا مَرَّ بِأُخْرَى فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ؛ زَفَرَ زَفْرَةً كَأَنَّ لَهِيبَ جَهَنَّمَ فِي أَحْشَائِهِ.
قَرَأَ لَيْلَةً قَوْلَهُ :
﴿أم حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا (٣) السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٤).
فَأَخَذَتْهُ رِعْدَةٌ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَاسْتَبَدَّتْ بِهِ رَهْبَةٌ مِنْ خَوْفِ عِقَابِهِ …
فَمَا زَالَ يُصَلِّي بِهَذِهِ الْآيَةِ مُنْذُ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ أَسْفَرَ (٥) الْفَجْرُ …
وَكَانَ كُلَّمَا أَعَادَهَا؛ اشْتَدَّ نَحِيبُهُ جَزَعًا مِنْ هَوْلِ يَوْمٍ عَظِيمٍ. стр. 877
وَقَدْ غَلَبَ عَلَى تَمِيمٍ النَّوْمُ ذَاتَ لَيْلَةٍ؛ فَلَمْ يَقُمْ لِلتَّهَجُّدِ؛ فَعَاقَبَ نَفْسَهُ بِأَنْ قَامَ سَنَةً كَامِلَةً لَا يَنَامُ فِيهَا.
* * *
ظَلَّ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ نَزِيلَ مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى أَنِ اسْتُشْهِدَ ذُو النُّورَيْنِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (١) …
فَغَادَرَ الْمَدِينَةَ أَسْوَانَ حَزِينًا عَلَى خَلِيفَةِ الْمُسْلِمِينَ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ لِيَقْضِيَ نَحْبَهُ فِي قَرْيَتِهِ مِنْ دِيَارِ الشَّامِ.
* * *
رَضِيَ اللهُ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ؛ الْعَبَّادِ السَّجَّادِ دَفِينِ مِنْطَقَةِ الْجَوْلَانِ …
وَنَوَّرَ لَهُ فِي قَبْرِهِ …
وَأَسْكَنَهُ عَالِيَاتِ الْجِنَانِ (*). стр. 878
العَلاءُ بنُ الحَضرمِيِّ
"يُنَاضِلُ الرِّيَاحَ السَّافِياتِ فِي الرُّبْع الخالي"
غَفَتِ الْمَدِينَةُ الْمَحْزُونَةُ الثَّكْلَى (١) عَلَى جِرَاحِهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ …
فَقَدْ فَقَدَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَهْيَ أَشَدُّ مَا تَكُونُ تَعَلُّقًا بِهِ، وَحَاجَةً إِلَيْهِ.
غَيْرَ أَنَّ خَلِيفَةَ الْمُسْلِمِينَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ لَمْ يَذُقْ لِلنَّوْمِ طَعْمًا.
فَكَأَنَّمَا حُشِيَ مِهَادُهُ (٢) بِالشَّوْكِ …
أَوْ كُحِّلَتْ عَيْنَاهُ بِالْجَمْرِ.
وَكَيْفَ تَطْمَئِنُ لِلصِّدِّيقِ نَفْسٌ؟! …
وَجُلُّ الْعَرَبِ قَدْ خَرَجُوا مِنْ دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا، وَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ.
وَكَيْفَ يَغْمَضُ لَهُ جَفْنٌ؟! …
وَدَوْلَةُ الرَّسُولِ ﷺ الْكُبْرَى؛ الَّتِي شُيِّدَتْ (٣) خِلَالَ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا بِالْجُهْدِ وَالْجِهَادِ، وَبُنِيَتْ بِالْأَحْزَانِ وَالْأَشْجَانِ (٤)؛ حَتَّى شَمِلَتِ الْجَزِيرَةَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْ أَقْصَاهَا إِلَى أَقْصَاهَا، قَدِ انْكَمَشَتِ الْيَوْمَ …
فَأَصْبَحَتْ مَحْصُورَةً فِي مُثَلَّثٍ صَغِيرٍ؛ رَأْسُهُ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَاصِمَةِ стр. 879
الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ …
وَقَاعِدَتُهُ تَمْتَدُّ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ.
* * *
وَلَقَدْ جَيَّشَ الصِّدِّيقُ مِنْ هَذِهِ الْقِلَّةِ الْقَلِيلَةِ الْبَاقِيَةِ مَعَهُ عَلَى الْإِيمَانِ؛ عَشَرَةَ جُيُوشٍ …
وَاخْتَارَ لَهَا عَشَرَةً مِنَ الْقَادَةِ الْأَفْذَاذِ (١) الَّذِينَ تُوُفِّيَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ …
وَدَفَعَ بِهِمْ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ لِقِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ.
وَكَانَ أَشَدَّ مَا يُؤَرِّقُهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ؛ اخْتِيَارُ الْقَائِدِ الْحَادِي عَشَرَ لِلْجَيْشِ الَّذِي سَيُوَجِّهُهُ إِلَى قِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ فِي الْبَحْرَيْنِ، وَمَا تَلَاهَا مِنْ بِلَادِ جَنُوبِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
فَقَدْ كَانَتْ مُهِمَّةُ هَذَا الْجَيْشِ مَحْفُوفَةً (٢) بِالْمَخَاطِرِ …
وَكَانَ طَرِيقُهُ مَفْرُوشًا بِالشَّوْكِ وَالْعَذَابِ.
* * *
وَظَلَّ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ يَتَقَلَّبُ عَلَى مِهَادِهِ حَتَّى شَقَّ سُكُونَ اللَّيْلِ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ (٣) بِصَوْتِهِ الشَّجِيِّ النَّدِيِّ.
فَدَمَعْتَ عَيْنَا الصِّدِّيقِ عِنْدَ سَمَاع صَوْتِ مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَمَعَتْ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ فِي ذِهْنِهِ فِكْرَةٌ، أَضَاءَتْ لَهُ السَّبِيلَ إِلَى اخْتِيَارِ الْقَائِدِ الْمَنْشُودِ.
فَانْبَسَطَتْ أَسَارِيرُهُ (٤) السَّمْحَةُ … стр. 880
وَلَاحَتْ عَلَى وَجْهِهِ الرَّقِيقِ النَّبِيلِ الْمَحْزُونِ غُلَالَةٌ شَفَّافَةٌ مِنَ الرِّضَا وَالطُّمَأْنِينَةِ.
وَلَمَّا قُضِيَتِ الْمَكْتُوبَةُ؛ دَعَا بِالْقِرْطَاسِ وَالدَّوَاةِ وَكَتَبَ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هَذَا عَهْدٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِلْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ؛ حِينَ بَعَثَهُ لِقِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ فِي الْبَحْرَيْنِ وَمَا جَاوَرَهَا.
وَعَهِدَ إِلَيْهِ بِأَنْ يَتَّقِي الله مَا اسْتَطَاعَ فِي سِرِّهِ، وَفِي جَهْرِهِ.
وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ فِي أَمْرِ اللهِ.
وَمُجَاهَدَةِ مَنْ تَوَلَّى عَنْ دِينِهِ …
وَرَجَعَ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَمَانِيِّ (١) الشَّيْطَانِ.
* * *
لَقِيَ اخْتِيَارُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ قَائِدًا لِلْجَيْشِ الْمُتَّجِهِ إِلَى قِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ فِي الْبَحْرَيْنِ ارْتِيَاحًا كَبِيرًا لَدَى وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ:
فَالْعَلَاءُ صَحَابِيٌّ قَدِيمُ الصُّحْبَةِ؛ وَثِيقُ الصِّلَةِ بِالرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَأَحَدُ كُتَّابِ الْوَحْيِ، وَالْمُؤْتَمَنِينَ عَلَيْهِ.
زِدْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ الْإِسْلَامَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ؛ دُونَ أَنْ يُرِيقَ قَطْرَةً دَمٍ …
أَوْ يُصِيبَ أَحَدًا بِكُلْمٍ (٢) … стр. 881
وَذَلِكَ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى الْمُنْذِرِ (١) بْنِ سَاوَى بِرِسَالَةٍ يَدْعُوهُ فِيهَا إِلَى الْإِسْلَامِ.
فَمَا زَالَ يَتَلَطَّفُ بِهِ …
وَيَتَوَخَّى (٢) الْحِكْمَةَ فِي عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ …
حَتَّى أَعْلَنَ إِسْلَامَهُ هُوَ وَقَوْمُهُ.
فَأَقَرَّهُ الرَّسُولُ ﷺ عَلَى مُلْكِهِ …
وَوَلَّى الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ عَلَى الصَّدَقَاتِ …
وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الزَّكَاةَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ، وَأَنْ يَضَعَهَا فِي الْفُقَرَاءِ.
وَظَلَّ الْعَلَاءُ فِي عَمَلِهِ هَذَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَلَحِقَ بِهِ الْمَلِكُ الْمُنْذِرُ بْنُ سَاوَى في نَفْسِ الشَّهْرِ عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللهِ.
* * *
لَمْ يَكُنْ أَمَامَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ وَجَيْشِهِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللهِ مِنْ طَرِيقٍ يَسْلُكُونَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ سِوَى صَحْرَاءِ الدَّهْنَاءِ (٣).
تِلْكَ الصَّحْرَاءُ الَّتِي كَانَتْ مَخُوفَةً آنَذَاكَ وَمَا تَزَالُ مَخُوفَةً إِلَى الْيَوْمِ، وَالَّتِي تُعْرَفُ الْآنَ بِالرُّبْعِ الْخَالِي (٤).
فَمَضَى الْجَيْشُ الْمُؤْمِنُ الْمُبَارَكُ يَطْوِي الْمَفَاوِزَ (٥) طَيًّا. стр. 882
وَهْوَ فِي حَرْبٍ ضَرُوسٍ (١) مَعَ الرِّيَاحِ السَّافِيَاتِ (٢) …
وَنِضَالٍ مَرِيرٍ مَعَ الرِّمَالِ الْعَاتِيَاتِ (٣).
وَصِرَاعٍ رَهِيبٍ مَعَ الطَّبِيعَةِ الْقَاسِيَةِ …
حَيْثُ لَا مَاءَ، وَلَا شَجَرَ، وَلَا حَيَاةَ.
* * *
وَفِيمَا كَانَ الْقَوْمُ عَلَى حَالِهِمْ هَذِهِ؛ نَزَلَ بِهِمْ مَا لَمْ يَقَعْ فِي حِسْبَانِ حَاسِبٍ …
أَوْ يَرْقَ إِلَيْهِ خَيَالُ مُتَخَيِّلٍ.
فَفِي مَسَاءِ لَيْلَةٍ ضَرِيرَةِ النَّجْم؛ حَالِكَةِ الْجِلْبَابِ (٤) …
نَزَلَ الْجَيْشُ عَنْ جِمَالِهِ طَلَبًا لِلرَّاحَةِ …
وَتَرَقُّبًا لانْبِلَاجِ الْفَجْرِ الْمُبْصِرِ.
إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِمْ أَنْ يَمْشُوا فِي اللَّيْلِ؛ خَوْفًا مِنَ الضَّيَاعِ فِي هَذِهِ الصَّحَارِي الَّتِي لَمْ تَخْطُطْ بِهَا قَدَمٌ طَرِيقًا …
وَلَوْ خَطَّتْهُ؛ لأَتَتْ عَلَيْهِ الرِّمَالُ السَّافِيَاتُ فِي بِضْعِ لَحَظَاتٍ.
فَمَا كَادُوا يَسْتَقِرُّونَ عَلَى الْأَرْضِ … حَتَّى هَبَّ جَمَلٌ مِنْ جِمَالِهِمْ مَذْعُورًا (٥) لِسَبَبٍ لَمْ يَعْرِفُوهُ ....
وَانْطَلَقَ يَعْدُو كَالْمَجْنُونِ فِي تِلْكَ الْفَيَافِي (٦) الْمُظْلِمَةِ. стр. 883
فَاسْتُثِيرَتْ لِذُعْرِهِ الْجِمَالُ الْأُخْرَى جَمِيعُهَا.
وَانْدَفَعَتْ تَجْرِي وَرَاءَهُ؛ كَأَنَّمَا رَكِبَهَا أَلْفُ عِفْرِيتٍ …
أَوْ لَدَغَ كُلًّا مِنْهَا أَلْفُ ثُعْبَانٍ.
وَقَدْ حَاوَلَ الرِّجَالُ الْأَشِدَّاءُ أَنْضَاءُ (١) الصَّحْرَاءِ أَنْ يُوقِفُوا هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ الْهَائِجَةَ الْمَائِجَةَ، أَوْ يَلْحَقُوا بِهَا.
لَكِنَّهُمْ مَا لَبِثُوا أَنْ أَضَلُّوهَا وَأَضَلَّتْهُمْ.
كَأَنَّمَا ابْتَلَعَتْهَا الصَّحْرَاءُ.
وَفِي لَحَظَاتٍ قَلِيلَاتٍ؛ وَجَدَ الْجَيْشُ نَفْسَهُ فِي تِلْكَ الْمَفَاوِزِ الْمُهْلِكَةِ بِغَيْرِ مَاءٍ …
وَلَا زَادٍ …
وَلَا رَاحِلَةٍ …
وَلَا أَمَلٍ …
* * *
لَكَ أَنْ تَتَصَوَّرَ - أَيُّهَا الْقَارِيُ - مَا دَهَمَ (٢) نُفُوسَهُمْ مِنْ كَرْبٍ.
وَلَكَ أَنْ تَتَخَيَّلَ مَا صَدَعَ أَفْئِدَتَهُمْ مِنْ خَطْبٍ.
وَلَكَ أَنْ تُطْلِقَ الْعِنَانَ لِخَيَالِكَ الْمُجَنِّحِ؛ لِتَرَى مَا الَّذِي كَانَ يَعْتَلِجُ فِي أَغْوَار تِلْكَ الصُّدُورِ …
لَقَدْ أَيْقَنُوا أَنَّهُمْ هَالِكُونَ لَا مَحَالَةَ. стр. 884
وَأَنَّ هَذِهِ الصَّحْرَاءَ سَتَطْوِيهِمْ فِي جَوْفِهَا الْكَبِيرِ؛ كَمَا يَطْوِي الْبَحْرُ الْمُحِيطُ فِي أَحْشَائِهِ حَفْنَةً (١) مِنَ الرِّمَالِ.
وَأَنَّهُمْ سَيَبْقَوْنَ سِرًّا مِنْ أَسْرَارِ هَذِهِ الْمَفَاوِزِ الرَّهِيبَةِ لَنْ تَبُوحَ (٢) بِهِ لِأَحَدٍ.
وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُوصِي بَعْضًا …
وَهُمْ عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّهُ لَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْنِ فَكَّيْ (٣) هَذِهِ الْمَهْلَكَةِ أَحَدٌ سَالِمًا.
وَلَكِنَّهَا سُنَّةُ الْحَيَاةِ.
* * *
عِنْدَ ذَلِكَ …
أَقْبَلَ الْقَائِدُ الْمُلْهمُ تِلْمِيذُ الْمَدْرَسَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ الْفَذَّةِ الْفَرِيدَةِ عَلَى جُنْدِهِ، وَقَالَ لَهُمْ فِي لَهْجَةِ الْمُطْمَئِنِّ الْوَاثِقِ (٤):
مَا هَذَا الَّذِي غَلَبَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْجَزَعِ (٥) وَالْهَلَعِ وَالْهَمِّ؟!
فَقَالُوا: مَا بَالُكَ تَلُومُنَا؟! …
وَنَحْنُ إِنْ بَقَيْنَا إِلَى غَدٍ وَأَسْلَمَنَا اللَّيْلُ إِلَى النَّهَارِ؛ فَإِنَّ الشَّمْسَ لَا تَلْبَثُ أَنْ تُهْلِكَنَا عَطَشًا قَبْلَ أَنْ يَرْتَفِعَ قُرْصُهَا (٦) إِلَى قُبَّةِ (٧) الْفَلَكِ.
فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي لَعَلَى ثِقَةٍ بِأَنَّكُمْ لَنْ تُصَابُوا بِضُرٍّ أَبَدًا.
فَأَنْتُمُ الْمُسْلِمُونَ للهِ …
الْمُؤْمِنُونَ بِهِ … стр. 885
فِي سَبِيلِهِ خَرَجْتُمْ ....
وَانْتِصَارًا لِدِينِهِ نَهَضْتُمْ …
فَأَبْشِرُوا بِفَرَجٍ مِنْ عِنْدِهِ …
وَوَاللَّهِ! إِنَّكُمْ لَنْ تُخَذَلُوا، وَلَنْ تُصَابُوا بِمَا يَسُوءُكُمْ …
وَإِنَّ فَرَجَ اللهِ أَقْرَبُ إِلَيْكُمْ مِمَّا تَظُنُّونَ.
* * *
نَزَلَتْ كَلِمَاتُ الْقَائِدِ الْمُؤْمِنِ فِي أَفْئِدَةِ رِجَالِهِ مَنْزِلَةَ الْمَاءِ الْعَذْبِ الْبَرُودِ مِنْ ذِي الْغُلَّةِ (١) الصَّادِي.
فَسَكَنَتْ نُفُوسُهُمْ …
وَاطْمَأَنَّتْ قُلُوبُهُمْ …
وَأَسْلَمُوا أَعْيُنَهُمْ إِلَى الْكَرَى (٢).
وَلَمَّا انْبَلَجَ (٣) الْفَجْرُ؛ تَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا.
وَوَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ خَاشِعِينَ مُخْبِتِينَ (٤).
فَلَمَّا انْتَهَتِ الصَّلَاةُ …
اسْتَدَارَ الْعَلَاءُ بِوَجْهِهِ نَحْوَهُمْ، وَرَفَعَ كَفَّيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ.
وَجَعَلَ يَدْعُو الله بِقَلْبٍ ضَارِعٍ، وَطَرْفٍ دَامِعٍ …
وَنَفْسٍ مُؤَمِّلَةٍ رَاجِيَةٍ. стр. 886
وَهُمْ يَدْعُونَ بِدُعَائِهِ، وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى رَجَائِهِ.
فَلَمْ يَفْرُغْ مِنْ نَجْوَاهُ لِرَبِّهِ … حَتَّى لَاحَ لَهُمُ الْمَاءُ مِنْ بَعِيدٍ.
وَجَعَلَتْ صَفْحَتُهُ الْفِضِّيِّةُ تَلْتَمِعُ تَحْتَ تَبَاشِيرِ الصَّبَاحِ (١) …
فَحَسِبَهُ الْجُنْدُ أَوَّلَ الْأَمْرِ سَرَابًا (٢) كَذَلِكَ الَّذِي يَرَاهُ الْمَرْءُ فِي الصَّحْرَاءِ …
فَلَمَّا أَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَجَدُوهُ مَاءً …
فَجَعَلُوا يُهَلِّلُونَ وَيُكَبِّرُونَ.
وَطَفِقُوا يَشْرَبُونَ وَيَغْتَسِلُونَ.
وَلَبِثُوا عِنْدَهُ يَنْتَظِرُونَ بَقِيَّةَ فَرَجِ اللهِ.
وَمَا كَادَ يَنْتَصِفُ النَّهَارُ؛ حَتَّى رَأَوْا مِنْ بَعِيدٍ أَشْبَاحًا تَتَّجِهُ نَحْوَهُمْ.
فَحَدَّدُوا نَحْوَهَا النَّظَرَ …
فَإِذَا هِيَ تَدْنُو مِنْهُمْ شَيْئًا فَشَيْئًا.
وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ …
حَتَّى أَيْقَنُوا أَنَّهَا جِمَالُهُمْ تَسْعَى إِلَيْهِمْ؛ وَكَأَنَّ حَادِيًا (٣) يَسُوقُهَا نَحْوَهُمْ سَوْقًا.
وَمِنْ خِلَالِ دُمُوعِ الْفَرَحِ بِفَرَجِ اللهِ ، وَالْأَمَلِ بِنَصْرِهِ …
رَأَوْا عِيرَهُمْ تُقْبِلُ جَمِيعًا عَلَى الْمَاءِ؛ كَمَا ذَهَبَتْ جَمِيعًا. стр. 887
وَعَلَيْهَا أَقْتَابُهَا (١) …
وَأَحْلَاسُهَا (٢) …
وَالْمَؤُونَةُ وَالزَّادُ. стр. 888
العلاءُ بنُ الحضرميِّ
"يُحَاربُ المرتدِّينَ في البحرين"
امْتَطَى الْكُمَاةُ (١) الْغُزَاةُ مِنْ طُلَّابِ الشَّهَادَةِ مُتُونَ إِبِلِهِمْ (٢).
وَاسْتَأْنَفُوا نِضَالَهُمُ الْمَرِيرَ مَعَ صَحْرَاءِ الدَّهْنَاءِ فِي الرُّبْعِ الْخَالِي حَتَّى قَهَرُوا - بِإِذْنِ اللهِ وَفِي سَبِيلِهِ - رِمَالَهَا الْمُحْرِقَةَ …
وَذَلَّلُوا مَفَاوِزَهَا (٣) الْمُهْلِكَةَ …
وَرَوَّعُوا (٤) وَحْشَهَا الضَّارِيَ.
وَجَعَلُوهَا تَشْكُو مِنْ وَقْعِ خُطَاهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا شَكَوْا مِنْهَا.
وَكَانُوا كُلَّمَا أَوْشَكُوا أَنْ يَمَسَّهُمُ الْوَنَى (٥) بَرَزَ لَهُمْ قَائِدُهُمُ الْعَبْقَرِيُّ الْفَذُّ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ؛ فَسَكَبَ فِي أَفْئِدَتِهِمْ مِنْ رُوحِهِ؛ مَا يُتْرِعُهَا (٦) عَزِيمَةً وَتَصْمِيمًا …
وَأَفْرَغَ فِيهَا مِنْ حَزْمِهِ وَعَزْمِهِ، مَا يُشْعِلُهَا حَمِيَّةً (٧) وَإِقْدَامًا …
وَذَكَّرَهُمْ بِفَضْلِ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ فِي صَحْرَاءِ الدَّهْنَاءِ …
فَزَادَهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ إِيمَانًا. стр. 889
وَمَا زَالَ الْجَيْشُ الْمُؤْمِنُ يُوَاصِلُ كَلَالَ اللَّيْلِ بِكَلَالِ النَّهَارِ (١)؛ حَتَّى بَلَغَ الْبَحْرَيْنَ.
وَعَسْكَرَ فِي ضَوَاحِيهَا …
* * *
لَمْ يُضِع الْقَائِدُ الْمُلْهَمُ لَحْظَةً مِنْ وَقْتِهِ؛ فَبَثَّ عُيُونَهُ (٢) فِي كُلِّ مَكَانٍ لِيَتَسَقَّطُوا (٣) لَهُ الْأَخْبَار …
وَيَسْتَقْصُوا (٤) لَهُ الْأَحْوَالَ.
فَعَرَفَ أَنَّهُ مَا كَادَ رَسُولُ اللهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ يَلْحَقُ بِجِوَارِ رَبِّهِ حَتَّى هَبَّ دُعَاةُ السُّوءِ يَقُولُونَ:
لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمَا مَاتَ.
فَارْتَدَّ أَهْلُ الْبَحْرَيْنِ جَمِيعًا عَنْ دِينِهِمْ …
وَأَسْلَمُوا قِيَادَتَهُمْ لِلْحَطَمِ بْنِ ضُبَيعَةَ …
وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ عَلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا أَهْلُ قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ.
هِيَ قَرْيَةُ "جُوَاثَا" (٥).
* * *
وَكَانَ مِنْ خَبَرِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الْمُؤْمِنَةِ أَنَّهُ كَانَ فِيهَا رَجُلٌ مِنْ أَخْيَارِ صَحَابَةِ الرَّسُولِ ﵊ هُوَ: الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى … стр. 890
فَقَدْ وَفَدَ عَلَى الرَّسُولِ الْأَعْظَمِ ﷺ ، وَنَهَلَ (١) مِنْ هَدْيِهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَنْهَلَ …
ثُمَّ عَادَ إِلَى قَوْمِهِ، وَأَقَامَ فِيهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ …
وَيُفَقِّهُهُمْ بِدِينِهِ الْقَوِيمِ.
فَلَمَّا رَأَى قَوْمَهُ قَدْ جَنَحُوا (٢) إِلَى الارْتِدَادِ مَعَ الْمُرْتَدِّينَ جَمَعَهُمْ، وَقَالَ:
يَا قَوْمِ إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ أمرٍ؛ فَأَخْبِرُونِي إِنْ عَلِمْتُمُوهُ؟.
فَقَالُوا: سَلْ.
قَالَ: أَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ للهِ أَنْبِيَاءُ قَبْلَ مُحَمَّدٍ؟.
قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: فَأَيْنَ هُمْ؟!.
قَالُوا: مَاتُوا.
قَالَ: فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ؛ مَاتَ كَمَا مَاتُوا …
وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ …
وَأَنَّ الله حَيٌّ لَا يَمُوتُ …
فَقَالُوا: أَنْتَ أَفْضَلُنَا، وَأَعْقَلُنَا، وَسَيِّدُنَا …
وَمَا قُلْتَ إِلَّا حَقًّا.
ثُمَّ ثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ؛ مُخَالِفِينَ فِي ذَلِكَ بَنِي قَوْمِهِمْ جَمِيعًا.
* * * стр. 891
عِنْدَ ذَلِكَ حَاصَرَهُمُ الْحَطَمُ بِجُنُودِهِ، وَأَحْكَمَ عَلَيْهِمُ الطَّوْقَ (١).
وَمَنَعَ عَنْهُمُ الْقُوتَ …
وَتَرَكَهُمْ لِيَمُوتُوا جُوعًا مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ وَلَا قِتَالٍ.
فَلَمْ يُثْنِهِمْ (٢) ذَلِكَ الْحِصَارُ الشَّدِيدُ عَنْ إِيمَانِهِمْ.
وَقَالَ شَاعِرُهُمْ يَسْتَنْجِدُ بِالصِّدِّيقِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ عَلَى الْبُعْدِ:
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ شَكَاةً … وَفِتْيَانَ الْمَدِينَةِ أَجْمَعِينَا
فَهَلْ لَكُمُ إِلَى قَوْمٍ كِرَامٍ … قَعُودٍ فِي "جُوَاثَ" مُحَصَّرِينَا
تَوَكَّلْنَا عَلَى الرَّحْمَنِ إِنَّا … وَجَدْنَا الصَّبْرَ لِلْمُتَوَكِّلينا
* * *
مَا كَادَ يَصِلُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْبَحْرَيْنِ حَتَّى أَرْسَلَ رَسُولًا مُتَخَفِّيًا مِنْ قِبَلِهِ إِلَى "جُوَاثَا"، وَأَمَرَهُ أَنْ يُخْبِرَ الْجَارُودَ بِقُدُومٍ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَشُدَّ مِنْ عَزِيمَتِهِ وَعَزِيمَةِ قَوْمِهِ …
وَأَنْ يَطْلُبَ مِنْهُمُ الاسْتِعْدَادَ لِلَّحْظَةِ الْحَاسِمَةِ؛ حِينَ يُقَرِّرُ الْمُسْلِمُونَ الْوُثُوبَ عَلَى عَدُوِّهِمْ.
* * *
أَدْرَكَ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِقِتَالِ الْحَطَمِ وَرِجَالِهِ، وَذَلِكَ لِكَثْرَتِهِمْ وَقِلَّةِ جَيْشِهِ.
وَقُوَّتِهِمْ وَضَعْفِهِ … стр. 892
وَوَفْرَةِ عُدَّتِهِمْ وَعَتَادِهِمْ (١) وَشُحِّ مَوَارِدِهِ …
فَاحْتَفَرَ لِجَيْشِهِ خَنْدَقًا يَتَتَرَّسُ بِهِ.
وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْحَطَمُ؛ لِأَنَّ خَوْفَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَكُنْ بِأَقَلَّ مِنْ خَوْفِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ.
* * *
تَذَرَّعَ (٢) الْقَائِدُ الْمُسْلِمُ الْمُحَنَّكُ (٣) بِالصَّبْرِ.
وَاتَّخَذَ الْحَيْطَةَ وَالْحَذَرَ …
وَظَلَّ الْفَرِيقَانِ شَهْرًا كَامِلًا؛ يَتَدَاوَلَانِ الْقِتَالَ الْخَفِيفَ فِي النَّهَارِ، وَيَعُودَانِ إِلَى خَنَادِقِهِمَا فِي اللَّيْلِ.
وَقَدْ كَانَ الْعَلَاءُ خِلَالَ ذَلِكَ مُرْهَفَ (٤) السَّمْعِ.
حَدِيدَ الْبَصَرِ.
مَشْدُودَ الانْتِبَاهِ لِكُلِّ مَا يَجْرِي وَرَاءَ خَنَادِقِ الْعَدُوِّ …
تَرَقُبًا لِلْفُرْصَةِ الَّتِي تُتِيحُ لَهُ الِانْقِضَاضَ (٥) عَلَى عَدُوِّهِ فِي غَفْلَةٍ مِنْ غَفَلَاتِهِ.
* * *
وَفِي ذَاتِ لَيْلَةٍ؛ سَمِعَتْ طَلَائِعُ الْمُسْلِمِينَ وَعُيُونُهُ هَرَجًا (٦) وَمَرَجًا فِي مُعَسْكَرِ الْعَدُوِّ …
وَرَأَتْ - عَلَى الْبُعْدِ - حَرَكَةً غَيْرَ مَأْلُوفَةٍ. стр. 893
فَقَالَ الْعَلَاءُ لِرِجَالِهِ: مَنْ يَأْتِينَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟.
فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُدْعَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَفٍ، وَقَالَ:
أَنَا آتِيكَ بِخَبَرِهِمْ أَيُّهَا الْأَمِيرُ.
فَنَدَبَهُ لِذَلِكَ الْأَمْرِ، وَحَذَّرَهُ، وَأَوْصَاهُ، وَاسْتَوْدَعَهُ اللَّهَ.
* * *
مَضَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَفٍ نَحْوَ خَنَادِقِ الْعَدُوِّ؛ مُسْتَتِرًا بِجُنْحِ الظَّلَامِ …
وَاجْتَازَ الْخَنَادِقَ فِي خِفَّةٍ وَحَذَرٍ.
فَلَمَّا غَدًا دَاخِلَ مُعَسْكَرِهِمْ … نَذِرُوا (١) بِهِ.
وَقَبَضُوا عَلَيْهِ …
عِنْدَ ذَلِكَ؛ جَعَلَ يَسْتَصْرِخُ مُسْتَغِيثًا وَيُنَادِي: يَا أَبْجَرَاهُ؛ يَا أَبْجَرَاهُ …
وَالْأَبْجَرُ الَّذِي اسْتَغَاثَ بِهِ؛ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عِجْلٍ مَرْمُوقُ (٢) الْمَكَانَةِ فِي جَيْشِ الْحَطَمِ، وَكَانَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ عِجْلِيَّةً.
فَجَاءَهُ الْأَبْجَرُ وَسَأَلَهُ عَنْ نَسَبِهِ؛ فَانْتَسَبَ لَهُ.
وَقَالَ لَهُ: إِنَّكُمْ أَخْوَالِي.
فَعَرَفَهُ وَأَجَارَهُ، وَاسْتَفْسَرَ مِنْهُ عَنْ أَمْرِهِ؛ فَقَالَ:
لَقَدْ ضَلَلْتُ طَرِيقِي …
ونَزَلْتُ بَيْنَ جُنُودِكُمْ فَأَخَذُونِي أَسِيرًا.
فَقَالَ لَهُ الْأَبْجَرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ بِئْسَ ابْنِ أُخْتِ قَوْمٍ جَاءَ أَخَوَالَهُ. стр. 894
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: دَعْنَا مِنْ هَذَا، وَأَطْعِمْنِي؛ فَقَدْ قَتَلَنِي الْجُوعُ.
فَقَدَّمَ لَهُ طَعَامًا.
فَجَعَلَ يَأْكُلُهُ فِي أَنَاةٍ وَمَهَلٍ؛ لِيَتَعَرَّفَ عَلَى أَحْوَالِ الْقَوْمِ …
وَيَقِفَ عَلَى خَفَايَا أَخْبَارِهِمْ.
فَلَمَّا تَحَقَّقَ لَهُ مَا أَرَادَ قَالَ:
زَوِّدْنِي (١)، وَاحْمِلْنِي، وَأَجِزْنِي (٢) حَتَّى أَبْلُغَ مُعَسْكَرَ قَوْمِي.
فَزَوَّدَهُ، وَحَمَلَهُ عَلَى دَابَّةٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ مَنْ أَجَازَهُ حَتَّى بَلَغَ مَأْمَنَهُ.
فَلَمَّا وَصَل إِلَى مُعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ؛ أَخْبَرَ الْعَلَاءَ بِأَنَّ الْقَوْمَ يَحْتَفِلُونَ بِمُنَاسَبَةٍ مِنْ مُنَاسَبَاتِهِمْ …
وَأَنَّهُمْ قَدْ نَثَرُوا دِنَانَ (٣) الْخُمُورِ فِي كُلِّ مَكَانٍ …
وَأَقْبَلُوا عَلَيْهَا يَعُبُّونَ مِنْهَا عَبًّا؛ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهِمُ السُّكْرُ.
فَغَدَوْا بَيْنَ نَائِمٍ وَوَاجِمٍ (٤) …
وَمُعَرْبِدٍ لَا يَدْرِي مَا يَفْعَلُ.
وَأَنَّ صَاحِبَهُ الْعِجْلِيَّ كَانَ مِنَ الْفَرِيقِ الْأَخِيرِ.
* * *
لَمْ يُضَيِّعِ الْعَلَاءُ دَقِيقَةً مِنَ الْوَقْتِ سُدًى …
فَأَرْسَلَ إِلَى الْجَارُودِ مَنْ يَأْمُرُهُ بِالْهُجُومِ عَلَى الْأَعْدَاءِ مِنَ الْخَلْفِ … стр. 895
وَانْطَلَقَ هُوَ بِجَيْشِهِ نَحْوَهُمْ مِنَ الْأَمَامِ؛ انْطِلَاقَ السِّهَامِ فِي غَبَشِ (١) الظَّلَامِ.
وَاقْتَحَمَ عَلَى الْجَيْشِ الْمَخْمُورِ خَنَادِقَهُ الْمَنِيعَةَ (٢) مِنْ كُلِّ صَوْبٍ …
وَأَعْمَلَ السُّيُوفَ فِي رِقَابِ جُنْدِ الْعَدُوِّ مِنْ غَيْرِ هَوَادَةٍ (٣).
فَانْجَلَتِ الْمَعْرَكَةُ عَنْ شَرٍّ مُسْتَطِيرٍ (٤) لِلْجَيْشِ الْمُرْتَدِّ وَقَائِدِهِ الْحَطَمِ …
أَمَّا قَائِدُ الْجَيْشِ؛ فَكَانَ نَائِمًا حِينَ نَزَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مُعَسْكَرِهِ نُزُولَ الصَّاعِقَةِ.
فَلَمْ يُوقِظْهُ مِنْ غَيْبُوبَتِهِ إِلَّا صَلِيلُ السُّيُوفِ، وَطَعْنُ الرِّمَاحِ …
وَأَصْوَاتُ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ.
فَهَبَّ مَذْعُورًا، وَامْتَطَى صَهْوَةَ جَوَادِهِ.
لَكِنَّهُ مَا لَبِثَ أَنِ انْقَطَعَ رِكَابُ سَرْجِهِ (٥)؛ فَجَعَلَ يُنَادِي:
أَنَا الْحَطَمُ … مَنْ يُصْلِحُ لِي رِكَابِي؟.
فَأَقَبْلَ عَلَيْهِ أَحَدُ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ لَهُ:
ارْفَعْ رِجْلَكَ - أَيُّهَا الْأَمِيرُ - لِأُصْلِحَهُ لَكَ.
فَلَمَّا رَفَعَ رِجْلَهُ أَهْوَى (٦) عَلَيْهِ بِسَيْفِهِ فَبَتَرَهَا (٧) عَنْ جَسَدِهِ بَتْرًا …
فَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ وَالدِّمَاءُ تَنْزِفُ مِنْهُ، وَالْآلَامُ تَكْوِي كَبِدَهُ كَيًّا. стр. 896
عِنْدَ ذَلِكَ؛ جَعَلَ يَسْأَلُ كُلَّ مَنْ يَمُرُّ بِهِ أَنْ يُجْهِزَ (١) عَلَيْهِ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ آلَامِهِ … وَلِيَنْجُوَ مِنْ وَقَعِ أَقْدَامِ الْمُنْهَزِمِينَ الَّتِي تَمُرُّ فَوْقَهُ.
وَظَلَّ عَلَى حَالِهِ هَذِهِ؛ حَتَّى قَتَلَهُ أَحَدُ جُنُودِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِيقَتِهِ شَيْئًا.
وَأَمَّا الْجَيْشُ؛ فَقَدْ حَلَّتْ بِهِ هَزِيمَةٌ مَاحِقَةٌ نَكْرَاءُ (٢).
فَفَرِيقٌ سَقَطَ قَتِيلًا فِي خَنَادِقِهِ الَّتِي احْتَفَرَهَا بِيَدَيْهِ؛ فَغَدَتْ قُبُورًا لَهُ …
وَفَرِيقٌ وَقَعَ أَسِيرًا فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ.
إِلَّا أَنَّ جَمْهَرَةَ الْجَيْشِ الْكُبْرَى لَاذَتْ بِالسُّفُنِ الرَّاسِيَةِ عَلَى الشَّوَاطِئِ، وَوَلَّتِ الْأَدْبَارَ هَارِبَةً إِلَى جَزِيرَةِ دَارِينَ.
* * *
لَقَدْ حَرَّرَ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ الْبَحْرَيْنَ، وَأَعَادَهَا إِلَى حَوْزَةِ (٣) الْإِسْلَامِ …
وَلَكِنْ أَتَظُنُّ أَنَّ فِي وُسْعِ بَطَلٍ مُجَاهِدٍ مِثْلِهِ أَنْ يَطْمَئِنَّ لَهُ جَنْبٌ، أَوْ يَغْمَضَ لَهُ جَفْنٌ … مَا دَامَ الْمُرْتَدُّونَ يَسْرَحُونَ وَيَمْرَحُونَ قَرِيبًا مِنْهُ …
مُتَحَصِّنِينَ بِجَزِيرَةِ دَارِينَ؟!. стр. 897
الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ "يَغْزُو البَحْرَ"
لَاذَ الْمُرْتَدُّونَ الْفَارُّونَ بِحِمَى جَزِيرَةِ دَارِينَ (١) …
وَتَحَصَّنُوا بِأَمْوَاجِ الْبَحْرِ الَّتِي تُحِيطُ بِهَا إِحَاطَةَ السِّوَارِ بِالْمِعْصَمِ.
ثُمَّ أَرْخَوْا لِأَنْفُسِهِمْ أَعِنَّتَهَا (٢) …
وَأَخْلَدُوا (٣) إِلَى مِهَادِ (٤) الرَّاحَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ …
وَأَغْفَلُوا الْحَيْطَةَ وَالْحَذَرَ.
ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّ جُنْدَ الْمُسْلِمِينَ النَّابِتِينَ فِي بَطْنِ الصَّحْرَاءِ لَمْ يَعْرِفُوا رُكُوبَ الْبِحَارِ …
وَلَمْ يَأْلَفُوا مُتُونَ (٥) السُّفُنِ.
زِدْ عَلَى ذَلِكَ؛ أَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُون شَيْئًا مِنْهَا.
* * *
لَكِنَّ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ كَانَ قَدْ أَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ أَمْرًا عَظِيمًا خَطِيرًا؛ لَمْ يُفَكِّرْ فِيهِ قَائِدٌ إِسْلَامِيٌّ مِنْ قَبْلُ …
وَلَا خَطَرَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَالٍ. стр. 898
لَقَدْ عَقَدَ الْعَزْمَ عَلَى غَزْوِ دَارِينَ، وَالظَّفَرِ بِالْمُرْتَدِّينَ الْمُعْتَصِمِينَ (١) بِأَسْوَارِ الْمَاءِ …
* * *
لَمْ يَكُنِ الْعَلَاءُ يَجْهَلُ أَنَّ جُنُودَهُ أَبْنَاءَ الصَّحْرَاءِ؛ يَهَابُونَ الْبَحْرَ أَعْظَمَ الْهَيْبَةِ، وَيَخْشَوْنَ مَخَاطِرَهُ أَشَدَّ الْخَشْيَةِ.
وَلَمْ يَكُنْ في حَاجَةٍ إِلَى مَنْ يُذَكِّرُهُ؛ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ سَفِينَةً وَاحِدَةً يَنْقُلُ عَلَيْهَا جُنْدِيًّا وَاحِدًا مِنْ جُنُودِهِ …
فَكَيْفَ إِذَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى أُسْطُولٍ ضَخْمِ؛ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ هَذَا الْجَيْشَ الْكَبِيرَ كُلَّهُ؟!.
كَمَا يَحْتَاجُ إِلَى جُسُورٍ مُتَحَرِّكَةٍ لِيَعْبُرَ فَوْقَهَا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْيَابِسَةِ.
إِنَّ هَذَا كُلَّهُ كَانَ يَعْرِفُهُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ …
وَيَعْرِفُ مَعَهُ أَيْضًا أَنَّ جَزِيرَةَ دَارِينَ تَبْعُدُ عَنْ شَوَاطِئِ الْبَحْرَيْنِ مَسَافَةً تَقْطَعُهَا السُّفُنُ الشِّرَاعِيَّةُ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ …
فَإِنَّهُ لَمْ يَتَرَدَّدْ لَحْظَةً وَاحِدَةً فِيمَا عَقَدَ الْعَزْمَ عَلَيْهِ.
* * *
وَلَمَّا أَشْبَعَ الْعَلَاءُ الْخِطَّةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ بَحْثًا وَدَرْسًا، وَأَوَسَعَهَا تَدْبِيرًا وَتَقْدِيرًا … جَمَعَ عَسْكَرَهُ، وَوَقَفَ فِيهِمْ خَطِيبًا …
فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى حَقَّ الْحَمْدِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ أَجَلَّ الثَّنَاءِ، وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ стр. 899
مُحَمَّدٍ أَكْمَلَ الصَّلَاةِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ أَزْكَى السَّلَامِ …
ثُمَّ أَخْبَرَ الْجَيْشَ بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ عُبُورِ الْبَحْرِ …
وَغَزْوِ الْمُرْتَدِّينَ اللَّائِذِينَ (١) بِدَارِينَ …
الْمُتَحَصِّنِينَ وَرَاءَ أَسْوَارِ الْمَاءِ …
ثُمَّ أَدَارَ عَيْنَيْهِ فِي وُجُوهِ الْجُنْدِ؛ فَوَجَدَ مِائَةَ سُؤَالٍ تَلُوحُ عَلَى شِفَاهِهِمْ، وَتَكَادُ تَنْطَلِقُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ.
فَأَوْصَدَ فِي وُجُوهِهِمْ أَبْوَابَ الْقَوْلِ؛ خَشْيَةَ أَنْ تَبْدُرَ مِنْ أَحَدِهِمْ كَلِمَةٌ تُوهِنُ الْعَزَائِمَ، وَتُثِيرُ الشُّكُوكَ؛ فَأَتْبَعَ يَقُولُ:
لَا تَقُولُوا: كَيْفَ لَنَا ذَلِكَ؟!!.
وَقَدْ أَرَاكُمُ اللَّهُ مِنْ آيَاتِهِ فِي الْبَرِّ مَا لَوْ تَدَبَّرْتُمُوهُ؛ لَأَيْقَنْتُمْ بِمَا يَنْتَظِرُكُمْ مِنْ آيَاتِهِ فِي الْبَحْرِ.
لَا تَقُولُوا: كَيْفَ؟!.
وَاللَّهُ مَعَكُمْ …
أَلَمْ يَمْلَأْ لَكُمُ الْغَدِيرَ (٢) بِالْمَاءِ الْعَذْبِ النَّمِيرِ (٣) فِي قَلْبِ صَحْرَاءِ الدَّهْنَاءِ!!.
فَرَوَّاكُمْ مِنْ عَطَشٍ، وَأَنْقَذَكُمْ مِنْ هَلَكَةٍ.
أَلَمْ يَرُدَّ إِلَيْكُمُ الْإِبِلَ الشَّارِدَةَ فِي الْقِفَارِ (٤)؛ الْهَائِمَةَ فِي الْفَيَافِي (٥)!!. стр. 900
فَرَأَيْتُمُوهَا بِأَعْيُنِكُمْ وَكَأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَنِ تَحُفُّهَا (١) بِأَجْنِحَتِهَا …
وَتَسُوقُهَا إِلَى مَوَاطِئِ أَقْدَامِكُمْ (٢) سَوْقًا.
دُونَ أَنْ تَفْقِدُوا صَاعًا مِنَ الزَّادِ الَّذِي فَوْقَ ظُهُورِهَا …
أَوْ جُرْعَةً مِنَ الْمَاءِ الَّذِي عَلَى مُتُونِهَا.
فَأَطْعَمَكُمْ مِنْ جُوعٍ …
وَأَمَّنَكُمْ مِنْ خَوْفٍ …
وَأَنْقَذَكُمْ مِنْ هَلَاكٍ …
إِنَّ اللَّهَ الَّذِي أَجَابَ دَعْوَتَكُمْ حِينَ دَعَوْتُمُوهُ فِي جَوْفِ الصَّحْرَاءِ مُخْبِتِينَ (٣)؛ رَاجِينَ؛ وَاثِقِينَ … سَيُجِيبُ دَعْوَتَكُمْ - بِفَضْلِهِ - حِينَ تَدْعُونَهُ وَأَنْتُمْ تَعْبُرُونَ الْيَمَّ (٤)؛ لِلِقَاءِ عَدُوِّهِ صَادِقِينَ مُخْلِصِينَ.
ثُمَّ أَنْهَى كَلَامَهُ قَائِلًا:
أَعِدُّوا أَنْفُسَكُمْ …
وَامْضُوا إِلَى لِقَاءِ عَدُوِّ اللَّهِ وَعَدُوِّكُمْ.
وَامْتَطُوا إِلَيْهِ ظُهُورَ إِبِلِكُمْ، وَخَيْلِكُمْ …
وَاعْبُرُوا عَلَى مُتُونِهَا مَاءَ الْخَلِيجِ.
عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ.
فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا بِصَوْتٍ وَاحِدٍ: стр. 901
نَعَمْ … نَعَمْ …
نَفْعَلُ مَا أَمَرْتَنَا بِهِ أَيُّهَا الْقَائِدُ الْمُلْهَمُ …
وَاللَّهِ! لَا نَهَابُ بَعْدَ الدَّهْنَاءِ شَيْئًا إِلَّا اللَّهَ.
* * *
رَكِبَ الْكُمَاةُ (١) الْأَشَاوِسُ (٢) صَهَوَاتِ (٣) الْجِيَادِ الصَّافِنَاتِ (٤)، وَمُتُونَ النُّوقِ الْكَرِيمَاتِ، وَتَوَجَّهُوا نَحْوَ شَاطِئِ الْبَحْرِ …
فَلَمَّا غَمَسُوا أَقْدَامَ رَوَاحِلِهِمْ فِي الْمَاءِ؛ رَفَعَ الْقَائِدُ التَّقِيُّ النَّقِيُّ الْمُؤْمِنُ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ لِجُنْدِهِ: رَدِّدُوا مَعِي …
ثُمَّ قَالَ: " … يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ؛ يَا صَمَدُ يَا قَوِيُّ؛ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ …
لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ …
عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا، وَبِقُدْرَتِكَ اسْتَعَنَّا …
وَبِطَوْلِكَ (٥) اعْتَصَمْنَا … ".
ثُمَّ عَبَرَ الْبَحْرَ أَمَامَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِالْعُبُورِ وَرَاءَهُ … فَتَبِعُوهُ.
وَكَانَ الْخَلِيجُ يَوْمَئِذٍ فِي أَوَانِ هُدُوئِهِ وَجَزْرِهِ.
فَجَعَلَتِ الْخَيْلُ وَالْإِبِلُ تَسْبَحُ فَوْقَ مَائِهِ السَّاجِي (٦) كَأَنَّهَا تَمْشِي عَلَى رَمْلَةٍ دَمِثَةٍ (٧) … يُغَطِّيهَا قَلِيلٌ مِنَ الْمَاءِ.
* * * стр. 902
وَلَمَّا بَلَغَ الْجَيْشُ شَوَاطِئَ دَارِينَ … وَثَبَ الْجُنْدُ عَلَى الْبَرِّ؛ وُثُوبَ الْأُسُودِ عَلَى فَرَائِسِهَا …
وَجَرَّدُوا سُيُوفَهُمُ الْبَتَّارَةَ (١) مِنْ أَغْمَادِهَا (٢) …
وَمَضَوْا يَحْصِدُونَ رُؤُوسَ أَعْدَاءِ اللَّهِ حَصْدًا.
وَذَهِلَ (٣) الْمُرْتَدُّونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَعَمَّا حَوْلَهُمْ، وَدَهِشُوا لِهَوْلِ الْمُفَاجَأَةِ الْمُرْعِبَةِ، وَحَارُوا فِي أَمْرِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ …
فَمَا يَدْرُونَ أَهبَطُوا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ أَمْ نَبَعُوا لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ؟!.
إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِمْ أَنْ يَتَصَوَّرُوا - مُجَرَّدَ تَصَوُّرٍ - أَنَّهُمْ جَاؤُوهُمْ مِنَ الْبَحْرِ.
* * *
وَفِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ طَهَّرَ الْعَلَاءُ وَجُنْدُهُ الْجَزِيرَةَ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ؛ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا ذِرَاعًا …
وَمَسَحُوهَا مِنَ الشَّاطِئِ إِلَى الشَّاطِئِ جِيئَةً وَذِهَابًا …
وَذَلِكَ؛ بَعْدَ أَنْ قَتَلُوا الرِّجَالَ وَسَبَوُا الذَّرَارِيَ وَالنِّسَاءَ، وَأَحْرَزُوا الْأَمْوَالَ وَالْأَنْعَامَ.
ثُمَّ قَسَّمَ الْقَائِدُ الْمُظَفَّرُ الْغَنَائِمَ بَيْنَ جُنُودِهِ؛ فَأَصَابَ كُلُّ فَارِسٍ أَلْفَيْنِ.
وَلَمْ يَفْقِدِ الْمُسْلِمُونَ فِي عُبُورِهِمُ الْبَحْرَ رَجُلًا، وَلَا حِصَانًا، وَلَا جَمَلًا … سِوَى عَلِيقَةِ فَرَسٍ لِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَرَجَعَ الْعَلَاءُ إِلَيْهَا بِنَفْسِهِ وَأَعَادَهَا لِصَاحِبِهَا …
* * * стр. 903
هَذَا؛ وَلَقَدْ مَرَّ الْجَيْشُ الْمُؤْمِنُ فِي بَعْضِ طَرِيقِهِ بِرَاهِبٍ مِنْ نَصَارَى هَجَرَ؛ فَاسْتَأْذَنَ الرَّاهِبُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فِي أَنْ يَصْحَبَهُمْ، وَيَحْتَمِيَ بِهِمْ فَأَذِنَ لَهُ.
فَلَمَّا انْتَهَتْ رِحْلَةُ الْجَيْشِ الظَّافِرِ إِلَى مَا انْتَهَتْ إِلَيْهِ مِنْ جُهْدٍ وَجِهَادٍ، وَنَصْرٍ مُؤَزَّرٍ …
وَمَا وَقَعَ لَهُ فِي أَثْنَائِهَا مِنْ أَهْوَالٍ وَأَحْدَاثٍ، وَمَا أَسْبَغَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ عَوْنٍ وَفَضْلٍ.
اهْتَزَّتْ مَشَاعِرُ الرَّاهِبِ الْخَامِدَةُ، وَاسْتَيْقَظَ إِيمَانُهُ الْغَافِي …
فَأَعْلَنَ إِسْلَامَهُ أَمَامَ الْجَيْشِ وَقَائِدِهِ.
وَلَمَّا عَادَ إِلَى قَوْمِهِ؛ قَالُوا لَهُ:
وَيْحَكَ! مَا الَّذِي حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَتْرُكَ دِينَكَ؟! …
وَتَعْتَنِقَ الْإِسْلَامَ.
فَقَالَ: ثَلَاثَةُ أُمُورٍ …
وَلَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَمْسَخَنِي (١) اللَّهُ بَعْدَهَا إِذَا أَنَا لَمْ أُسْلِمْ.
فَقَالُوا: وَمَا هِيَ؟.
فَقَالَ: مَا سَمِعْتُهُ مِنْ دُعَائِهِمْ فِي السَّحَرِ …
وَفَيَضَانُ الْمَاءِ لَهُمْ فِي رِمَالِ الصَّحْرَاءِ الَّتِي لَا مَاءَ فِيهَا وَلَا شَجَرَ …
وَتَذْلِيلُ أَمْوَاجِ الْبَحْرِ تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ. стр. 904
فَأَيْقَنْتُ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُعَانُوا بِالْمَلَائِكَةِ؛ إِلَّا وَهُمْ عَلَى حَقٍّ …
وَأَنَّهُمْ عَلَى حَقٍّ.
* * *
نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ.
فَقَدْ عَاشَ مُجَاهِدًا بِلِسَانِهِ …
وَسِنَانِهِ …
وَسَيَظَلُّ عَلَى الْأَيَّامِ أَوَّلَ قَائِدٍ مُسْلِمٍ رَكِبَ مُتُونَ الْبِحَارِ …
إِعْلَاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ (*).
стр. 905
الكتاب الرابع عشر
الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةِ
"دُهَاةُ الْعَرَبِ أَرْبَعَةٌ: مُعَاوِيَةُ لِلْأَنَاةِ … وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِلْمُعْضِلَاتِ … وَالْمُغِيرَةُ لِلْبَدِيهَةِ … وَزيَادُ بْنُ أَبِيهِ لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ" [الشَّعْبِيُّ]
مَنْ هَؤُلَاءِ الْبُدَاةُ الَّذِينَ قَطَعُوا الْفَيَافِيَ (١) وَجَازُوا (٢) الْقِفَارَ (٣) يَتَعَاقَبُونَ كُلَّ ثَلَاثَةٍ عَلَى جَمَلٍ؛ حَتَّى بَلَغُوا دِيَارَ فَارِسَ هُدَاةً (٤)؟ …
فَإِذَا أَبَى الْفُرْسُ الْهِدَايَةَ؛ صَارُوا غُزَاةً.
مَنْ هَؤُلَاءِ الرِّجَالُ الَّذِينَ تَقْتَحِمُهُمْ عُيُونُ الْفُرْسِ؟ …
فَلَا تَرَى عَلَى أَبْدَانِهِمْ إِلَّا ثَوْبًا صَفِيقًا (٥) …
وَلَا تَجِدُ فِي أَيْدِيهِمْ إِلَّا سَلَاحًا خَفِيفًا …
وَلَا تُبْصِرُ تَحْتَهُمْ؛ إِلَّا خَيْلًا أَهْزَلَهَا الضَّرْبُ (٦) فِي الْآفَاقِ، وَأَضْنَتْهَا (٧) قِلَّةُ الْمَؤُونَةِ.
إِنَّهُمُ الْكُمَاةُ (٨) الْأُبَاةُ (٩) …
فُرْسَانُ النَّهَارِ؛ عُبَّادُ اللَّيْلِ … стр. 906
صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
لَقَدْ نَهَدوا (١) مِنْ بَطْنِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِقِيَادَةِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (٢)، وَجَاءُوا إِلَى كِسْرَى وَقَوْمِهِ يَحْمِلُونَ إِلَيْهِمْ دَعْوَةَ الْهُدَى وَالْحَقِّ …
فَإِذَا أَبَوْهَا حَمَلُوا فِي وُجُوهِهِمُ السُّيُوفَ.
* * *
عَسْكَرَ جَيْشُ الْمُسْلِمِين بِقِيادَةِ الْأَسَدِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاص عِنْدَ الْقَادِسِيَّةِ يَتَأَهَّبُ لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَهْوَ لَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِينَ أَلْفًا …
أَمَّا جَيْشُ فَارِسَ فَقَدْ بَلَغَ عِشْرِينَ وَمِائَةَ أَلْفٍ.
وَكَانَتْ عُدَّةُ الْمُسْلِمِينَ قَلِيلَةً ضَئِيلَةً، وَكَانَتْ عُدَّةُ الْفُرْسِ تَفُوقُ الْحَصْرَ وَتَعِزُّ عَلَى التَّقْدِير …
وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ كَانَ الْفُرْسُ يَرْهَبُونَ الْمُسْلِمِينَ أَشَدَّ الرَّهْبَةِ، وَيَخَافُونَهُمْ أَعْظَمَ الْخَوْفِ.
وَلَا غَرْوَ (٣) فَصَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَاءُوا يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ، وَيَبْغُونَ الشَّهَادَة؛ لَا يُبَالِي (٤) الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعُهُ.
أَمَّا جُنُودُ فَارِسَ؛ فَقَدْ كَانُوا عَلَى وَفْرَةِ الْعُدَّةِ وَكَثْرَةِ الْعَدَدِ؛ لَا يَعْرِفُونَ لِأَيِّ شَيْءٍ يُحَارِبُونَ، وَعَنْ أَيِّ شَيْءٍ يُدَافِعُونَ. стр. 907
لِذَلِكَ كَانَ قَادَتُهُمْ يُقَرِّنُونَهُمْ (١) بِالسَّلَاسِلِ وَالْأَصْفَادِ (٢) حَتَّى لَا يَفِرُّوا عِنْدَ الزَّحْفِ (٣) وَيُوَلُّوا (٤) الأَدْبَارَ.
* * *
كَانَ صَاحِبُ فَارِسَ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَقَدْ بَلَاهُمْ (٥) مِنْ قَبْلُ …
وَيَعْرِفُ مَا عَلَيْهِ جُنْدُهُ؛ فَقَدْ خَذَلُوهُ أَمَامَ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ.
وَمِنْ هُنَا أَرْسَلَ رُسُلَهُ إِلَى قَائِدِ جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَسْأَلُهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ نَفَرًا مِنْ رِجَالِهِ؛ لِيُفَاوِضَهُمْ فِيمَا جَاءَ مِنْ أَجْلِهِ الْمُسْلِمُونَ، وَلِيَقِفَ مِنْهُمْ عَلَى مَا يُرِيدُونَ.
* * *
اخْتَارَ سَعْدٌ عَشَرَةً مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمُ: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ لِلِقَاءِ عَظِيمِ الْفُرْسِ.
وَلَا تَسْأَلْ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي جَعَلَهُ يَخْتَارُ الْمُغِيرَةَ …
فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ أَحَدَ دُهَاةِ الْعَرَبِ الْمَعْدُودِينَ؛ حَتَّى كَانَ يُقَالُ لَهُ: "مُغِيرَةَ الرَّأْيِ" وَكَانَ الشَّعْبِيُّ (٦) يَقُولُ:
دُهَاةُ الْعَرَبِ أَرْبَعَةٌ:
مُعَاوِيَةُ لِلْأَنَاةِ (٧) … стр. 908
وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِلْمُعْضِلَاتِ (١) …
وَالْمُغِيرَةُ لِلْبَدِيهَةِ (٢) …
وَزِيَادُ بْنُ أَبِيهِ لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ.
وَلَمْ يُخْطِئْ سَعْدٌ؛ فَقَدْ كَانَ الْمَوْقِفُ يَحْتَاجُ إِلَى الْبَدِيهَةِ أَكْثَرَ مِنْ حَاجَتِهِ لِأَيِّ شَيْءٍ.
* * *
مَضَى هَؤُلَاءِ النَّفَرُ إِلَى لِقَاءِ عَظِيمِ الْفُرْسِ عَلَى مَوْعِدٍ؛ فَخَرَجَ النَّاسُ شِيبًا وَشُبَّانًا وَنِسَاءً وَوِلْدَانًا؛ لِيَروا هَؤُلَاءِ الْقَادِمِينَ.
لَقَدْ سَمِعُوا مِنْ أَخْبَارِ بَأْسِهِمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَمُسَاوَاتِهِمْ بَيْنَ رَئِيسِهِمْ وَمَرْؤُوسِهِمْ، وَإِيمَانِهِمْ بِرِسَالَتِهِمْ … مَا أَغْرَاهُمْ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ لِيَنْظُرُوا مَا يَكُونُونَ.
فَلَمَّا رَأَوْهُمْ … أَخَذَ مِنْهُمُ الْعَجَبُ كُلَّ مَأْخَدٍ؛ لَقَدْ لَفَتْ أَنْظَارَهُمْ أَجْسَامُهُمُ الدَّقِيقَةُ، وَأَرْدِيَتَهُمُ الصَّفِيقَةُ، وَنِعَالُهُمُ الْبَسِيطَةُ …
وَخُيُولُهُمُ الضَّعِيفَةُ الَّتِي تَخبِطُ الْأَرْضَ بِأَرْجُلِهَا خَبْطًا، وَسِيَاطُهُمُ الَّتِي يَحْمِلُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ، وَسُيُوفُهُمْ، وَتُرُوسُهُمْ.
وَلَمَّا اسْتَأْذَنُوا عَلَى عَظِيم الْفُرْسِ؛ وَجَدُوهُ قَدْ زُيِّنَ مَجْلِسُهُ بِالنَّمَارِقِ (٣) الْمُذَهَّبَةِ، وَجُمِّلَ بِالطَّنَافِسِ (٤) الْمُزَرْكَشَةِ، وَأُظْهِرَتْ فِيهِ الْيَوَاقِيتُ الثَّمِينَةُ وَاللَّآلِئُ الْفَرِيدَةُ، وَمُخْتَلِفُ ضُرُوبِ الزِّينَةِ وَالْمَتَاعِ … стр. 909
أَمَّا هُوَ؛ فَقَدْ جَلَسَ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ.
وَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ؛ قَالَ لَهُمُ الْحُجَّابُ:
ضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ لَدَى الْبَابِ.
فَقَالُوا: إِنَّنَا لَمْ نَأْتِكُمْ وَإِنَّمَا أَنْتُمْ دَعَوْتُمُونَا … فَإِمَّا أَنْ تَتْرُكُونَا عَلَى مَا جِئْنَا عَلَيْهِ، وَإِلَّا رَجَعْنَا.
فَأُذِنَ لَهُمْ … فَدَخَلُوا عَلَى مَا يُحِبُّونَ.
* * *
وَمَا إِنِ اسْتَقَرَّ بِهِمُ الْمَجْلِسُ؛ حَتَّى أَخَذَ مَلِكُ فَارِسَ يُعَرِّضُ (١) بِفَقْرِهِمْ …
فَسَأَلَهُمْ عَنْ مَلَابِسِهِمْ مَا اسْمُهَا؟ …
وَعَنْ أَرْدِيَتِهِمْ مَا ثَمَنُهَا؟ …
وَعَنْ نِعَالِهِمْ مَا صِنْعُهَا؟.
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: مَا الَّذِي أَقْدَمَكُمْ هَذِهِ الْبِلَادَ؟.
فَنَهَضَ إِلَيْهِ أَحَدُهُمْ، وَقَالَ:
إِنَّ اللَّهَ ابْتَعَثَنَا؛ لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى عَدَالَةِ الْإِسْلَامِ؛ فَأَرْسَلَنَا بِدِينِهِ إِلَى خَلْقِهِ لِنَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ …
فَمَنْ قَبِلَ ذَلِكَ؛ قَبِلْنَا مِنْهُ وَرَجَعْنَا عَنْهُ، وَمَنْ أَبَى … قَاتَلْنَاهُ أَبَدًا حَتَّى نُفْضِيَ (٢) إِلَى مَوْعُودِ اللَّهِ. стр. 910
قَالَ: وَمَا مَوْعُودُ اللَّه؟.
قَالَ: الْجَنَّةُ لِمَنْ قُتِلَ، وَالظَّفَرُ لِمَنْ سَلِمَ.
فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكُمْ؛ فَهَلْ لَكُمْ أَنْ تُؤَخِّرُوا هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى نَنْظُرَ فِيهِ، وَتَنْظُرُوا؟.
قَالَ: نَعَمْ؛ كَمْ أَحَبُّ إِلَيْكُمْ؟ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ؟.
قَالَ: لَا بَلْ حَتَّى نُكَاتِبَ أَهْلَ رَأْيِنَا وَرُؤَسَاءَ قَوْمِنَا.
فَقَالَ: مَا سَنَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُؤَخِّرَ الْأَعْدَاءَ عِنْدَ اللِّقَاءِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ؛ فَانْظُرْ فِي أَمْرِكَ وَأَمْرِ قَوْمِكَ وَاخْتَرْ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ.
قَالَ: وَمَا هَذِهِ الثَّلَاثُ؟.
قَالَ: لَقَدْ أَمَرَنَا نَبِيُّنَا ﷺ أَنْ نَبْدَأَ بِدَعْوَةِ مَنْ يُجَاوِرُنَا مِنَ الْأُمَمِ، وَأَنْ نَسْلُكَ مَعَهُمْ سَبِيلَ الْإِنْصَافِ …
فَإِمَّا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دِينِنَا الَّذِي حَسَّنَ الْحَسَنَ كُلَّهُ وَقَبَّحَ الْقَبِيحَ كُلَّهُ …
وَإِمَّا أَنْ يَخْتَارُوا أَهْوَنَ الْأَمْرَيْنِ وَهْوَ الْجِزْيَةُ (١)؛ فَإِنْ أَبَوْا لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْحَرْبُ وَالْمُنَاجَزَةُ (٢).
فَاسْتَشَاطَ (٣) عَظِيمُ الْفُرْسِ غَضَبًا، وَقَالَ:
إِنِّي لَا أَعْلَمُ أُمَّةً فِي الْأَرْضِ كَانَتْ أَشْقَى مِنْكُمْ، وَلَا أَقَلَّ عَدَدًا، وَلَا أَسْوَأَ ذَاتِ بَيْنٍ (٤). стр. 911
وَقَدْ كُنَّا نُوكِلُ أَمْرَكُمْ إِلَى قُرَى الضَّوَاحِي؛ لِيَكْبِتُوكُمْ (١) …
وَمَا كُنَّا نَغْزُوكُمُ اسْتِصْغَارًا لِشَأْنِكُمْ …
فَإِنْ كَانَ عَدَدُكُمْ كَثُرَ؛ فَلَا تَغُرَّنَكُمُ الْكَثْرَةُ …
وَإِنْ كَانَ ضِيقُ الْعَيْشِ هُوَ الَّذِي أَهَاجَكُمْ؛ فَرَضْنَا لَكُمْ قُوتًا إِلَى أَنْ تَخْصِبُوا، وَأَكْرَمْنَا سَادَتَكُمْ، وَمَلَّكْنَا عَلَيْكُمْ مَلِكًا يَرْفُقُ بِكُمْ.
ثُمَّ أَتْبَعَ يَقُولُ:
إِنَّمَا مَثَلُكُمْ فِي دُخُولِكُمْ أَرْضَنَا؛ كَمَثَلِ الذُّبَابِ رَأَى عَسَلًا؛ فَقَالَ: مَنْ يُوصِلُنِي إِلَيْهِ وَلَهُ دِرْهَمَانِ؛ فَلَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِ غَرِقَ فِيهِ … فَجَعَلَ يَطْلُبُ الْخَلَاصَ؛ فَلَا يَجِدُهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ: مَنْ يُخَلِّصُنِي وَلَهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ.
ثُمَّ اسْتَشَاطَ غَضَبًا، وَقَالَ:
أُقْسِمُ بِالشَّمْسِ لَأَقْتُلَنَّكُمْ غَدًا.
* * *
عِنْدَ ذَلِكَ قَامَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَقَالَ:
أَيُّهَا الْمَلِكُ … إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَلَّمُوكَ أَشْرَافٌ يَسْتَحْيُونَ مِنَ الْأَشْرَافِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا أُرْسِلُوا بِهِ إِلَيْكَ قَالُوهُ لَكَ، وَقَدْ أَحْسَنُوا …
وَلَا يَجْدُرُ بِمِثْلِهِمْ إِلَّا مَا فَعَلُوهُ.
فَإِنْ شِئْتَ بَلَّغْتُكَ عَنْهُمْ وَهُمْ يَشْهَدُونَ.
إِنَّكَ قَدْ وَصَفْتَنَا بِمَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنْ سُوءِ الْحَالِ؛ فَجَاءَ وَصْفُكَ دُونَ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ عَالِمًا بِنَا. стр. 912
وَأَمَّا جُوعُنَا الَّذِي ذَكَرْتَهُ؛ فَلَمْ يَكُنْ يُشْبِهُهُ جُوعٌ … فَقَدْ كُنَّا نَأْكُلُ الْخَنَافِسَ وَالْجِعْلَانَ وَالْعَقَارِبَ وَالْحَيَّاتِ، وَنَرَى ذَلِكَ طَعَامًا مُسْتَسَاغًا (١).
وَأَمَّا مَنَازِلُنَا؛ فَإِنَّمَا هِيَ ظَهْرُ الْأَرْضِ، وَلَا نَلْبَسُ إِلَّا مَا غَزَلْنَا مِنْ أَوْبَارِ الْإِبِلِ وَأَشْعَارِ الْغَنَمِ.
كَانَ دِينُنَا أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَأَنْ يَبْغِيَ (٢) بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ … وَقَدْ كَانَ الْوَاحِدُ مِنَا يَدْفِنُ ابْنَتَهُ وَهْيَ حَيَّةٌ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ طَعَامِهِ.
وَكُنَّا نَعْبُدُ الْحِجَارَةَ؛ فَإِذَا رَأَيْنَا حَجَرًا أَحْسَنَ مِنَ الَّذِي نَعْبُدُهُ؛ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا غَيْرَهُ.
لَقَدْ كَانَتْ حَالُنَا قَبْلَ الْيَوْمِ عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَجُلًا مِنَّا مَعْرُوفًا لَدَيْنَا …
فَأَرْضُهُ خَيْرُ أَرْضِنَا، وَحَسَبُهُ خَيْرُ حَسَبِنَا، وَبَيْتُهُ خَيْرُ بُيُوتِنَا، وَهْوَ نَفْسُهُ أَصْدَقُنَا وَأَحْلَمُنَا …
فَدَعَانَا إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَقَالَ وَقُلْنَا، وَصَدَّقَ وَكَذَّبْنَا، وَزَادَ وَنَقَصْنَا …
فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا؛ إِلَّا وَكَانَ …
فَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِنَا التَّصْدِيقَ لَهُ وَاتِّبَاعَهُ؛ فَصَارَ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَبِّ الْعَالَمِينَ …
فَمَا قَالَ لَنَا؛ فَهْوَ قَوْلُ اللَّهِ … وَمَا أَمَرَنَا بِهِ؛ فَهْوَ أَمْرُ اللَّهِ. стр. 913
وَقَالَ لَنَا: مَنْ تَابَعَكُمْ عَلَى هَذَا الدِّينِ؛ فَلَهُ مَا لَكُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْكُمْ …
وَمَنْ أَبَى؛ فَاعْرِضُوا عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، ثُمَّ احْمُوهُ مِمَّا تَحْمُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ، وَمَنْ أَبَى؛ فَقَاتِلُوهُ …
فَاخْتَرْ إِنْ شِئْتَ الْجِزْيَةَ؛ تَدْفَعُهَا وَأَنْتَ صَاغِرٌ (١)، وَإِنْ شِئْتَ؛ فَالسَّيْفُ …
أَوْ تُسْلِمُ؛ فَتُنْجِيَ نَفْسَكَ وَعَشِيرَتَكَ.
فَغَضِبَ الْمَلِكُ وَقَالَ:
لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمْ …
ثُمَّ قَالَ لِحُجَّابِهِ:
ائِتُونِي بِحِمْلٍ مِنْ تُرَابٍ؛ فَاحْمِلُوهُ عَلَى أَشْرَفِ هَؤُلَاءِ … ثُمَّ سُوقُوهُ كَمَا تُسَاقُ الدَّوَابُّ؛ حَتَّى يَخْرُجَ بَعِيدًا عَنْ بُيُوتِ الْمَدَائِنِ.
ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَشْرَفُكُمْ؟.
فَقَامَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو وَقَالَ: أَنَا، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِيَحْمِلَ التُّرَابَ؛ فَحَمَلُوهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ:
ارْجِعُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ؛ فَأَعْلِمُوهُ أَنِّي مُرْسِلٌ إِلَيْهِ غَدًا رُسْتُمَ؛ لِيَدْفِنَهُ مَعَ جُنْدِهِ فِي خَنْدَقِ الْقَادِسِيَّةِ.
* * * стр. 914
وَمَا هِيَ إِلَّا سَاعَاتٌ مَعْدُودَاتٌ حَتَّى طَلَعَ الْغَدُ …
لَكِنَّ شَمْسَ ذَلِكَ الْغَدِ لَمْ تَغْرُبْ؛ إِلَّا بَعْدَ أَنْ رَأَى جُنُودُ الْفُرْسِ الْمُنْهَزِمُونَ رَأْسَ رُسْتُمَ مَحْمُولًا عَلَى رِمَاحِ الْمُسْلِمِينَ (*).
стр. 915
مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَأَخُوهُ مُعَوَّذٌ
"مَا سَرَّنِي أَنَّنِي كُنْتُ وَاقِفًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ غَيْرِهِمَا كَائِنًا مَنْ كَانَا؛ غَيْرَ الرَّسُولِ ﵊" [عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ]
بَيْنَمَا كَانَ الْفَتَى مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَتْرَابِهِ (١) يَسْرَحُونَ وَيَمْرَحُونَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالظِّلَالِ وَالْخُضْرَةِ؛ طَلَعَ عَلَيْهِمُ الدَّاعِيَةُ الْمَكِّيُّ الشَّابُّ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ (٢) رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ فَحَيَّاهُمْ فِي رِقَّةٍ وَأُنْسٍ، وَخَاطَبَهُمْ فِي حُبٍّ وَوِدَادٍ وَقَالَ:
أَلَا تَجْلِسُونَ إِلَيَّ سَاعَةً؛ فَأُحَدِّثَكُمْ بِمَا عِنْدِي …
فَإِنْ سَرَّكُمْ مَا تَسْمَعُونَ؛ أَتْمَمْتُ …
وَإِنْ أَضْجَرَكُمْ؛ أَمْسَكْتُ.
فَنَظَرَ الْفِتْيَةُ الْأَيْفَاعُ (٣) بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ نَظَرَاتٍ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الرِّضَى وَالِاطْمِئْنَانِ، وَقَالُوا: بَلَى.
ثُمَّ انْتَظَمُوا حَوْلَهُ كَمَا تَنْتَظِمُ حَبَّاتُ الْعِقْدِ الْأَنِيقِ حَوْلَ الْجِيدِ الْأَبْلَجِ (٤). فَاتَّجَهَ مُصْعَبٌ إِلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ الطَّلْقِ (٥) الْمَأْنُوسِ … следующие страницы →