Полный текст (979 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وَقَدْ كُنَّا نُوكِلُ أَمْرَكُمْ إِلَى قُرَى الضَّوَاحِي؛ لِيَكْبِتُوكُمْ (١) …
وَمَا كُنَّا نَغْزُوكُمُ اسْتِصْغَارًا لِشَأْنِكُمْ …
فَإِنْ كَانَ عَدَدُكُمْ كَثُرَ؛ فَلَا تَغُرَّنَكُمُ الْكَثْرَةُ …
وَإِنْ كَانَ ضِيقُ الْعَيْشِ هُوَ الَّذِي أَهَاجَكُمْ؛ فَرَضْنَا لَكُمْ قُوتًا إِلَى أَنْ تَخْصِبُوا، وَأَكْرَمْنَا سَادَتَكُمْ، وَمَلَّكْنَا عَلَيْكُمْ مَلِكًا يَرْفُقُ بِكُمْ.
ثُمَّ أَتْبَعَ يَقُولُ:
إِنَّمَا مَثَلُكُمْ فِي دُخُولِكُمْ أَرْضَنَا؛ كَمَثَلِ الذُّبَابِ رَأَى عَسَلًا؛ فَقَالَ: مَنْ يُوصِلُنِي إِلَيْهِ وَلَهُ دِرْهَمَانِ؛ فَلَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِ غَرِقَ فِيهِ … فَجَعَلَ يَطْلُبُ الْخَلَاصَ؛ فَلَا يَجِدُهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ: مَنْ يُخَلِّصُنِي وَلَهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ.
ثُمَّ اسْتَشَاطَ غَضَبًا، وَقَالَ:
أُقْسِمُ بِالشَّمْسِ لَأَقْتُلَنَّكُمْ غَدًا.
* * *
عِنْدَ ذَلِكَ قَامَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَقَالَ:
أَيُّهَا الْمَلِكُ … إِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَلَّمُوكَ أَشْرَافٌ يَسْتَحْيُونَ مِنَ الْأَشْرَافِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا أُرْسِلُوا بِهِ إِلَيْكَ قَالُوهُ لَكَ، وَقَدْ أَحْسَنُوا …
وَلَا يَجْدُرُ بِمِثْلِهِمْ إِلَّا مَا فَعَلُوهُ.
فَإِنْ شِئْتَ بَلَّغْتُكَ عَنْهُمْ وَهُمْ يَشْهَدُونَ.
إِنَّكَ قَدْ وَصَفْتَنَا بِمَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنْ سُوءِ الْحَالِ؛ فَجَاءَ وَصْفُكَ دُونَ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّكَ لَمْ تَكُنْ عَالِمًا بِنَا. стр. 912
وَأَمَّا جُوعُنَا الَّذِي ذَكَرْتَهُ؛ فَلَمْ يَكُنْ يُشْبِهُهُ جُوعٌ … فَقَدْ كُنَّا نَأْكُلُ الْخَنَافِسَ وَالْجِعْلَانَ وَالْعَقَارِبَ وَالْحَيَّاتِ، وَنَرَى ذَلِكَ طَعَامًا مُسْتَسَاغًا (١).
وَأَمَّا مَنَازِلُنَا؛ فَإِنَّمَا هِيَ ظَهْرُ الْأَرْضِ، وَلَا نَلْبَسُ إِلَّا مَا غَزَلْنَا مِنْ أَوْبَارِ الْإِبِلِ وَأَشْعَارِ الْغَنَمِ.
كَانَ دِينُنَا أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَأَنْ يَبْغِيَ (٢) بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ … وَقَدْ كَانَ الْوَاحِدُ مِنَا يَدْفِنُ ابْنَتَهُ وَهْيَ حَيَّةٌ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَأْكُلَ مِنْ طَعَامِهِ.
وَكُنَّا نَعْبُدُ الْحِجَارَةَ؛ فَإِذَا رَأَيْنَا حَجَرًا أَحْسَنَ مِنَ الَّذِي نَعْبُدُهُ؛ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا غَيْرَهُ.
لَقَدْ كَانَتْ حَالُنَا قَبْلَ الْيَوْمِ عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَجُلًا مِنَّا مَعْرُوفًا لَدَيْنَا …
فَأَرْضُهُ خَيْرُ أَرْضِنَا، وَحَسَبُهُ خَيْرُ حَسَبِنَا، وَبَيْتُهُ خَيْرُ بُيُوتِنَا، وَهْوَ نَفْسُهُ أَصْدَقُنَا وَأَحْلَمُنَا …
فَدَعَانَا إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَقَالَ وَقُلْنَا، وَصَدَّقَ وَكَذَّبْنَا، وَزَادَ وَنَقَصْنَا …
فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا؛ إِلَّا وَكَانَ …
فَقَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِنَا التَّصْدِيقَ لَهُ وَاتِّبَاعَهُ؛ فَصَارَ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَبِّ الْعَالَمِينَ …
فَمَا قَالَ لَنَا؛ فَهْوَ قَوْلُ اللَّهِ … وَمَا أَمَرَنَا بِهِ؛ فَهْوَ أَمْرُ اللَّهِ. стр. 913
وَقَالَ لَنَا: مَنْ تَابَعَكُمْ عَلَى هَذَا الدِّينِ؛ فَلَهُ مَا لَكُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْكُمْ …
وَمَنْ أَبَى؛ فَاعْرِضُوا عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، ثُمَّ احْمُوهُ مِمَّا تَحْمُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ، وَمَنْ أَبَى؛ فَقَاتِلُوهُ …
فَاخْتَرْ إِنْ شِئْتَ الْجِزْيَةَ؛ تَدْفَعُهَا وَأَنْتَ صَاغِرٌ (١)، وَإِنْ شِئْتَ؛ فَالسَّيْفُ …
أَوْ تُسْلِمُ؛ فَتُنْجِيَ نَفْسَكَ وَعَشِيرَتَكَ.
فَغَضِبَ الْمَلِكُ وَقَالَ:
لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمْ …
ثُمَّ قَالَ لِحُجَّابِهِ:
ائِتُونِي بِحِمْلٍ مِنْ تُرَابٍ؛ فَاحْمِلُوهُ عَلَى أَشْرَفِ هَؤُلَاءِ … ثُمَّ سُوقُوهُ كَمَا تُسَاقُ الدَّوَابُّ؛ حَتَّى يَخْرُجَ بَعِيدًا عَنْ بُيُوتِ الْمَدَائِنِ.
ثُمَّ قَالَ: مَنْ أَشْرَفُكُمْ؟.
فَقَامَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو وَقَالَ: أَنَا، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِيَحْمِلَ التُّرَابَ؛ فَحَمَلُوهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ:
ارْجِعُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ؛ فَأَعْلِمُوهُ أَنِّي مُرْسِلٌ إِلَيْهِ غَدًا رُسْتُمَ؛ لِيَدْفِنَهُ مَعَ جُنْدِهِ فِي خَنْدَقِ الْقَادِسِيَّةِ.
* * * стр. 914
وَمَا هِيَ إِلَّا سَاعَاتٌ مَعْدُودَاتٌ حَتَّى طَلَعَ الْغَدُ …
لَكِنَّ شَمْسَ ذَلِكَ الْغَدِ لَمْ تَغْرُبْ؛ إِلَّا بَعْدَ أَنْ رَأَى جُنُودُ الْفُرْسِ الْمُنْهَزِمُونَ رَأْسَ رُسْتُمَ مَحْمُولًا عَلَى رِمَاحِ الْمُسْلِمِينَ (*).
стр. 915
مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَأَخُوهُ مُعَوَّذٌ
"مَا سَرَّنِي أَنَّنِي كُنْتُ وَاقِفًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ غَيْرِهِمَا كَائِنًا مَنْ كَانَا؛ غَيْرَ الرَّسُولِ ﵊" [عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ]
بَيْنَمَا كَانَ الْفَتَى مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَتْرَابِهِ (١) يَسْرَحُونَ وَيَمْرَحُونَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالظِّلَالِ وَالْخُضْرَةِ؛ طَلَعَ عَلَيْهِمُ الدَّاعِيَةُ الْمَكِّيُّ الشَّابُّ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ (٢) رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ فَحَيَّاهُمْ فِي رِقَّةٍ وَأُنْسٍ، وَخَاطَبَهُمْ فِي حُبٍّ وَوِدَادٍ وَقَالَ:
أَلَا تَجْلِسُونَ إِلَيَّ سَاعَةً؛ فَأُحَدِّثَكُمْ بِمَا عِنْدِي …
فَإِنْ سَرَّكُمْ مَا تَسْمَعُونَ؛ أَتْمَمْتُ …
وَإِنْ أَضْجَرَكُمْ؛ أَمْسَكْتُ.
فَنَظَرَ الْفِتْيَةُ الْأَيْفَاعُ (٣) بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ نَظَرَاتٍ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الرِّضَى وَالِاطْمِئْنَانِ، وَقَالُوا: بَلَى.
ثُمَّ انْتَظَمُوا حَوْلَهُ كَمَا تَنْتَظِمُ حَبَّاتُ الْعِقْدِ الْأَنِيقِ حَوْلَ الْجِيدِ الْأَبْلَجِ (٤). فَاتَّجَهَ مُصْعَبٌ إِلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ الطَّلْقِ (٥) الْمَأْنُوسِ … стр. 916
وَخَاطَبَهُمْ بِبَيَانِهِ الْعَذْبِ الْمُشْرِقِ.
وَطَفِقَ يُحَدِّثُهُمْ عَنْ مَزَايَا الْإِسْلَامِ …
وَيُزَيِّنُ فِي قُلُوبِهِمْ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ …
وَيُكَرِّهُ إِلَيْهِمُ الْكُفْرَ وَعِبَادَةَ الْأَوْثَانِ.
فَمَا كَادَ يُتِمُّ كَلَامَهُ؛ حَتَّى تَأَلَّقَ وَجْهُ مُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ بِنُورِ الْإِيمَانِ … ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ:
كَيْفَ أَصْنَعُ إِذَا أَرَدْتُ الدُّخُولَ فِي هَذَا الدِّينِ؟.
فَقَالَ: تَقُومُ إِلَى هَذِهِ الْبِئْرِ؛ فَتَتَطَهَّرُ بِمَائِهَا.
ثُمَّ تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَخَاتَمُ أَنْبِيَائِهِ.
ثُمَّ تُوَجِّهُ وَجْهَكَ لِلَّذِي فَطَرَ (١) السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَتُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ …
فَقَالَ مُعَاذٌ: كَأَنَّ أَوَّلَ هَذَا الدِّينِ طَهَارَةٌ لِلْبَدَنِ بِالْوُضُوءِ …
وَنِهَايَتَهُ طَهَارَةٌ لِلرُّوحِ بِالصَّلَاةِ.
فَتَبَسَّمَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ إِعْجَابًا بِهِ وَقَالَ:
مَا أَسْرَعَ مَا فَقِهْتَ (٢) يَا مُعَاذُ.
ثُمَّ قَامَ مُعَاذٌ إِلَى الْمَاءِ فَتَطَهَّرَ، وَشَهِدَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ …
فَمَا إِنْ رَآهُ أَخَوَاهُ مُعَوَّذٌ وَخَلَّادٌ حَتَّى أَسْلَمَا بِإِسْلَامِهِ، وَفَعَلَا فِعْلَهُ، وَدَخَلَا فِي دِينِ اللَّهِ مَعَهُ.
* * * стр. 917
كَانَ وَالِدُ مُعَاذٍ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ (١) - إِذْ ذَاكَ - شَيْخًا كَبِيرًا طَاعِنًا (٢) فِي السِّنِّ.
وَكَانَ لَهُ صَنَمٌ يُدْعَى "مَنَاةَ" اتَّخَذَهُ مِنْ نَفِيسِ الْخَشَبِ، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِ كَثِيرًا مِنَ الرُّوَاءِ وَالْبَهَاءِ (٣).
وَنَافَسَ فِيهِ أَمْثَالَهُ مِنَ الْأَشْرَافِ.
وَنَذَرَ نَفْسَهُ لِسَدَانَتِهِ (٤) …
فَكَانَ يَغْدُو عَلَيْهِ إِذَا أَصْبَحَ، وَيَرُوحُ إِلَيْهِ إِذَا أَمْسَى.
وَكَانَ لَا يَفْتَأُ يُضَمِّخُهُ (٥) بِأَطْيَبِ الطُّيُوبِ.
وَيُقَرِّبُ لَهُ أَعَزَّ الْقَرَابِينِ (٦).
فَوَجَدَ مُعَاذٌ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى إِسْلَامِ أَبِيهِ مَا لَمْ يَنْتَزِعْ هَذَا الصَّنَمَ مِنْ حَيَاتِهِ.
وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ أَبَاهُ الشَّيْخَ لَا يُطِيقُ أَنْ يَسْمَعَ كَلِمَةً فِي صَنَمِهِ تَسُوءُهُ، وَأَنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَتَخَلَّى عَنْهُ؛ بَعْدَ هَذِهِ الصُّحْبَةِ الطَّوِيلَةِ؛ لِلَوْمِ اللَّائِمِينَ …
أَوْ حِجَاجِ الْمُحَاجِّينَ.
فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَسْلُكَ لِغَايَتِهِ طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ طَرِيقِ الْإِقْنَاعِ؛ مُسْتَعِينًا بِإِخْوَتِهِ وَأَتْرَابِهِ.
* * * стр. 918
فَفِي ذَاتِ لَيْلَةٍ؛ عَمَدَ هُوَ وَأَخَوَاهُ مُعَوَّذٌ وَخَلَّادٌ وَأَتْرَابٌ لَهُمْ مِنْ غِلْمَانِ بَنِي سَلَمَةَ إِلَى "مَنَاةَ"؛ فَانْتَرَعُوهُ مِنْ مَكَانِهِ فِي هُدُوءٍ.
وَمَضَوْا بِهِ إِلَى حُفْرَةٍ خَلْفَ الْبُيُوتِ؛ تُرْمَى فِيهَا الْأَقْذَارُ.
وَطَرَحُوهُ فِي أَعْمَاقِهَا أَرْضًا، وَعَادُوا أَدْرَاجَهُمْ (١).
ثُمَّ نَامُوا مَعَ النَّائِمِينَ؛ وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَقَعْ …
فَلَمَّا أَصْبَحَ الشَّيْخُ مَضَى - عَلَى عَادَتِهِ - إِلَى صَنَمِهِ؛ فَلَمْ يَجِدْهُ.
فَاسْتَشَاطَ غَضَبًا (٢)، وَطَفِقَ يَبْحَثُ عَنْهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ إِلَى أَنْ وَجَدَهُ؛ مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ فِي الْحُفْرَةِ …
فَاسْتَخْرَجَهُ مِنْهَا وَغَسَلَهُ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ، وَطَيَّبَهُ بِأَغْلَى الطِّيبِ، وَبَوَّأَهُ (٣) مَكَانَهُ الَّذِي كَانَ فِيهِ.
* * *
وَكَرَّرَ مُعَاذٌ وَصَحْبُهُ صَنِيعَهُمْ بِالصَّنَمِ مَثْنَى وَثُلَاثَ، وَدَأَبَ الشَّيْخُ عَلَى إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحُفْرَةِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَغَسْلِهِ وَتَطْيِيبِهِ.
فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ أَدْرَكَهُ الْمَلَلُ؛ فَرَاحَ إِلَى الصَّنَمِ قَبْلَ مَنَامِهِ، وَأَخَذَ سَيْفًا مَسْنُونًا وَعَلَّقَهُ بِرَقَبَتِهِ، وَقَالَ لَهُ:
يَا "مَنَاةُ"؛ إِنْ كُنْتَ إِلَهًا حَقًّا؛ فَادْفَعْ عَنْ نَفْسِكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَبْغُونَ (٤) стр. 919
عَلَيْكَ، وَيُسِيئُونَ إِلَيْكَ.
وَهَذَا السَّيْفُ مَعَكَ؛ فَافْعَلْ بِهِ مَا تَشَاءُ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ؛ وَجَدَ صَنَمَهُ فِي الْحُفْرَةِ نَفْسِهَا، وَقَدْ قُرِنَ إِلَى كَلْبٍ مَيِّتٍ.
فَلَمْ يُخْرِجْهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ مِنْ مَكَانِهِ.
وَإِنَّمَا تَرَكَهُ حَيْثُ هُوَ، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ …
* * *
طَابَ مُعَاذٌ وَأَخَوَاهُ بِإِسْلَامِ أَبِيهِمْ نَفْسًا، وَقَرُّوا (١) بِإِيمَانِهِ عَيْنًا …
فَقَدْ تَحَوَّلَ الْبَيْتُ الْمُؤْمِنُ إِلَى مَعْقِلٍ مِنْ مَعَاقِلِ (٢) الْإِسْلَامِ فِي يَثْرِبَ؛ بَعْدَ أَنْ دَانَ كُلُّ مَنْ فِيهِ بِدِينِ الْإِسْلَامِ.
وَاسْتَضَاءَ جَمِيعُ سُكَّانِهِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
* * *
وَلَمْ يَمْضِ غَيْرُ قَلِيلٍ عَلَى إِسْلَامِ مُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو؛ حَتَّى قَدِمَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا.
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ مُعَاذٌ وَإِخْوَتُهُ إِقْبَالَ الظَّامِئِ عَلَى الْمَاءِ الْبَرُودِ.
وَتَعَلَّقُوا بِهِ تَعَلُّقَ الْأُمِّ بِوَحِيدِهَا.
وَلَازَمُوهُ مُلَازَمَةَ الْمُحِبِّ لِحَبِيبِهِ.
فَكَانُوا يَغْدُونَ مَعَهُ إِذَا غَدَا …
وَيَرُوحُونَ مَعَهُ إِذَا رَاحَ … стр. 920
وَيُصَلُّونَ خَلْفَهُ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ.
وَيَشْهَدُونَ مَوْعِظَتَهُ وَهَدْيَهُ إِذَا جَلَسَ يَعِظُ أَصْحَابَهُ، وَيُفَقِّهُهُمْ بِدِينِ اللَّهِ …
حَتَّى غَدَا مُعَاذٌ وَإِخْوَتُهُ؛ رَيْحَانَةً مِنْ رَيَاحِينِ فِتْيَانِ يَثْرِبَ.
وَقُرَّةَ عَيْنِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ.
* * *
ثُمَّ مَرَّتِ الْأَيَّامُ عَلَى الْفِتْيَةِ الصِّغَارِ الْأَبْرَارِ سِرَاعًا خِفَافًا …
وَوَقَعَتْ غَزْوَةُ بَدْرِ الْعُظْمَى …
فَكَانَ لِمُعَاذٍ وَأَخِيهِ مُعَوَّذٍ فِيهَا مَوْقِفٌ مَشْهُودٌ مَشْهُورٌ؛ دَوَّنَهُ تَارِيخُ الْإِسْلَامِ فِي أَنْصَعِ صَفَحَاتِهِ بِأَحْرُفٍ مِنْ نُورٍ.
فَلْنُلْقِ السَّمْعَ إِلَى الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ (١) رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وَلْنَسْتَمِعْ إِلَى طَرَفٍ مِنْ أَخْبَارِهِ عَنْهُمَا …
فَلَقَدْ رَأَى مِنْهُمَا مَا أَثَارَ دَهْشَتَهُ وَإِعْجَابَهُ …
* * *
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ:
بَيْنَا كُنْتُ وَاقِفًا يَوْمَ بَدْرٍ بِالصَّفِّ؛ نَظَرْتُ حَوْلِي … فَإِذَا عَنْ يَمِينِي وَشِمَالِي؛ غُلَامَانِ صَغِيرَا السِّنِّ مِنْ غِلْمَانِ الْأَنْصَارِ.
فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا … стр. 921
فَدَنَوْتُ مِنْهُ وَقُلْتُ: أَتَغْمِزُنِي أَنَا يَا بُنَيَّ؟.
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَمَا تُرِيدُ؟.
فَقَالَ: أَتَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ (١) يَا عَمِّ؟.
فَقُلْتُ: نَعَمْ.
فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَيْهِ.
فَقُلْتُ: وَمَا حَاجَتُكَ بِهِ يَا ابْنَ أَخِي؟!.
فَقَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ الرَّسُولَ ﵊، وَيَأْتَمِرُ بِقَتْلِهِ …
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَأُهَاجِمَنَّهُ، ثُمَّ لَا أَكُفُّ عَنْهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَسْبَقُ مِنَّا أَجَلًا …
فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ مُبْتَسِمًا مُتَعَجِّبًا، وَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟!.
فَقَالَ: مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ.
ثُمَّ اعْتَدَلْتُ فِي الصَّفِّ؛ فَدَنَا مِنِّي الْآخَرُ وَغَمَزَنِي.
فَمِلْتُ إِلَيْهِ؛ فَقَالَ لِي نَحْوًا مِنْ مَقَالَةِ صَاحِبِهِ.
فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟!.
فَقَالَ: مُعَوَّذُ بْنُ عَمْرٍو.
فَقُلْتُ: وَمَنْ هَذَا الْوَاقِفُ عَنْ يَمِينِي؟.
فَقَالَ: هُوَ أَخِي مُعَاذٌ. стр. 922
فَمَا سَرَّنِي أَنَّنِي كُنْتُ وَاقِفًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ غَيْرِهِمَا كَائِنًا مَنْ كَانَا؛ غَيْرَ الرَّسُولِ ﵊.
* * *
وَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ؛ حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا جَهْلٍ يَجُولُ فِي قُرَيْشٍ.
فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِمَا وَقُلْتُ: يَا ابْنَيْ أَخِي …
أَلَا تَرَيَانِ هَذَا الَّذِي يَجُولُ فِي النَّاسِ؟.
قَالَا: بَلَى.
قُلْتُ: هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِ عَنْهُ.
* * *
قَالَ مُعَاذٌ:
فَمَا إِنْ عَرَفْتُ أَبَا جَهْلٍ، وَتَثَبَّتُّ مِنْهُ؛ حَتَّى قَصَدْتُ جِهَتَهُ.
وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَلْتَفُّونَ حَوْلَهُ؛ كَأَنَّهُ فِي غَابَةٍ مِنَ الرِّجَالِ …
فَقَالَ لِي رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ يَرْمُقُنِي (١):
إِيَّاكَ وَأَبَا جَهْلٍ يَا غُلَامُ …
فَإِنَّ الْوُصُولَ إِلَيْهِ مَطْلَبٌ عَسِيرٌ عَلَيْكَ …
فَوَاللَّهِ مَا زَادَتْنِي مَقَالَتُهُ إِلَّا إِصْرَارًا وَعَزْمًا.
ثُمَّ انْدَفَعْتُ نَحْوَهُ؛ فَلَمَّا تَمَكَّنْتُ مِنْهُ … وَثَبْتُ عَلَيْهِ وَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ ضَرْبَةً أَهْوَتْ بِسَاقِهِ عَلَى الْأَرْضِ. وَكَانَ أَخِي مُعَوَّذٌ يَتْبَعُنِي.
فَلَمَّا غَدَا فَوْقَ أَبِي جَهْلٍ؛ أَكَبَّ عَلَيْهِ بِسَيْفِهِ، وَطَفِقَ يُعْمِلُهُ فِيهِ. стр. 923
وَرِمَاحُ الْمُشْرِكِينَ تَدْفَعُهُ عَنْهُ، وَتَنُوشُهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى أَثْخَنَتْهُ (١) الْجِرَاحُ؛ فَسَقَطَ شَهِيدًا إِلَى جَانِبِهِ.
أَمَّا أَنَا؛ فَقَدْ أَهْوَى ابْنُهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ (٢) عَلَى كَتِفِي بِسَيْفِهِ؛ فَطَرَحَ يَدِي الْيُسْرَى عَنْ عَاتِقِي …
لَكِنَّهَا بَقِيَتْ مُعَلَّقَةً بِجِلْدَةٍ فِي جَنْبِي.
فَمَضَيْتُ أُقَاتِلُ سَحَابَةَ النَّهَارِ كُلِّهِ، وَأَنَا أَجُرُّهَا خَلْفِي جَرًّا.
فَلَمَّا آذَتْنِي، وَصَارَتْ تَعُوقُنِي عَنِ الْقِتَالِ …
جَعَلْتُ كَفَّهَا عَلَى الْأَرْضِ، وَوَضَعْتُ قَدَمِي عَلَيْهِ، ثُمَّ مَا زِلْتَ أَتَمَطَّى حَتَّى فَصَلْتُهَا عَنْ جَسَدِي … وَطَرَحْتُهَا أَرْضًا.
* * *
وَلَمَّا وَضَعَتِ (٣) الْمَعْرَكَةُ أَوْزَارَهَا؛ جَاءَ الْمُبَشِّرُ يُبَشِّرُ الرَّسُولَ ﵊ بِمَصْرَعِ أَبِي جَهْلٍ … فَقَالَ لِلْمُبَشِّرِ:
(آللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ تَمَّ ذَلِكَ)؟.
فَقَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَقَدْ لَقِيَ حَتْفَهُ …
فَقَالَ: (اللَّهُ أَكْبَرُ … اللَّهُ أَكْبَرُ …
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ).
* * *
وَبَعْدُ … стр. 924
فَلَقَدْ ظَلَّ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ يُنَاضِلُ عَنْ حِيَاضِ الْإِسْلَامِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ زَمَنَ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ …
وَزَمَنَ صَاحِبَيْهِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄ …
وَفِي خِلَافَةِ ذِي النُّورَيْنِ عُثْمَانَ بْن عَفَّانَ (١)؛ لَبَّى مُعَاذٌ نِدَاءَ رَبِّهِ …
وَقَدْ مَضَتْ يُمْنَاهُ مَعَهُ …
أَمَّا يَدُهُ الْأُخْرَى …
فَكَانَ يَرْجُو أَنْ تَسْبِقَهُ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ (*). стр. 925
مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ
"أَوَّلُ مُبَشِّرٍ بِالْإِسْلَامِ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ"
لَمَّا صَدَعَ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِدَعْوَةِ الْحَقِّ؛ أَقْبَلَ عَلَيْهِ مَنْ شَرَحَ اللَّهُ صُدُورَهُمْ لِلْإِيمَانِ …
وَصَدَّ عَنْهُ مَنْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمُ الْكُفْرَ وَالْعِصْيَانَ.
وَكَانَ فِي جُمْلَةِ الَّذِينَ شَرَحَ اللَّهُ صُدُورَهُمْ لِدِينِهِ الْقَوِيمِ، وَهَدَاهُمْ إِلَى صرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ؛ فَتًى مَوْفُورُ (١) الشَّبَابِ؛ مَشْدُودُ الْإِهَابِ (٢) …
وَسِيمُ الطَّلْعَةِ؛ رَقِيقُ الْحَاشِيَةِ (٣) … وَافِرُ النِّعْمَةِ؛ مُتْرَفُ الْعَيْشِ …
يُدْعَى مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ
* * *
فَلَقَدْ مَضَى الْفَتَى النَّضِيرُ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى دَارِ الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ (٤)، وَقَدْ فَاحَ الطِّيبُ مِنْ أَرَدَانِهِ (٥)، وَبَدَتِ النِّعْمَةُ عَلَى وَجْهِهِ …
وَنَمَّتْ (٦) حُلَّتُهُ الثَّمِينَةُ عَلَى الثَّرَاءِ الْعَرِيضِ الَّذِي كَانَ يَتَقَلَّبُ فِي أَكْنَافِهِ.
* * * стр. 926
طَرَقَ الْفَتَى الوَادِعُ (١) النَّاعِمُ الْبَابَ طَرْقًا خَفِيفًا؛ فَفُتِحَ لَهُ …
فَدَخَلَ إِلَى الدَّارِ عَلَى اسْتِحْيَاءٍ، وَحَيَّا الْقَوْمَ بِأُنْسٍ وَوَدَاعَةٍ، ثُمَّ جَلَسَ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ …
فَتَعَلَّقَتْ بِهِ أَبْصَارُ الْقَوْمِ وَهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ عُيُونَهُمْ …
فَلَكَمْ تَمَنَّوْا أَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ هَذَا الْفَتَى وَأَمْثَالَهُ إِلَى مَا هَدَاهُمْ إِلَيْهِ، وَأَنْ يُجَنِّبَ هَذَا الشَّابَّ النَّضِيرَ عَذَابَ الْقَبْرِ، وَأَنْ يَقِيَهُ فَيْحَ (٢) جَهَنَّمَ.
* * *
انْطَلَقَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ يُنْذِرُ وَيُبَشِّرُ؛ فَإِذَا أَنْذَرَ انْخَلَعَتْ قُلُوبُ أَصْحَابِهِ مِنْ هَوْلِ النَّارِ وَسَعِيرِهَا …
وَإِذَا بَشَّرَ طَارَتْ أَفْئِدَتُهُمْ فَرَحًا بِالْجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا.
وَكَانَ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ ﷺ يَتْلُو بَيْنَ الْحِينِ وَالْحِينِ عَلَى أَصْحَابِهِ؛ شَيْئًا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْبَيِّنَاتِ … فَتَسْعَدُ بِهَا قُلُوبُهُمْ وَتَطْمَئِنُّ لَهَا نُفُوسُهُمْ، وَيَسْأَلُونَ اللَّهَ الْفَوْزَ بِنَعِيمِ الْجَنَّةِ والنَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ.
وَمَا إِنْ فَرَغَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ مِنْ مَوْعِظَتِهِ؛ حَتَّى نَهَضَ إِلَيْهِ الْفَتَى الْقُرَشِيُّ فِي أَنَاةٍ، وَدَنَا مِنْهُ فِي رِفْقِ وَهْوَ يَقُولُ:
أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ …
ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ إِلَى النَّبِيِّ الْأَعْظَمِ ﷺ ، وَبَايَعَهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ.
* * * стр. 927
كَتَمَ الْفَتَى خَبَرَ إِسْلَامِهِ عَنِ النَّاسِ؛ فَمَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَفْجَعَ أُمَّهُ الْمَشْغُوفَةَ (١) بِهِ بِنَبَإِ تَرْكِهِ لِدِينِهَا؛ لِمَا كَانَ يَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ عِنَادِهَا، وَمَدَى إِصْرَارِهَا عَلَى الْكُفْر …
وَمَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ تَقِفَ قُرَيْشٌ عَلَى أَمْرِ إِسْلَامِهِ؛ لِمَا كَانَ يَعْلَمُ مِنْ عَزْمِهَا عَلَى الْبَطْشِ بِكُلِّ مَنْ تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ بِنَبْذِ آلِهَتِهَا، وَخَاصَّةً حِينَ يَكُونُ فَتًى مِثْلَهُ يَقَعُ فِي الذُّرْوَةِ (٢) مِنْهَا، وَيَنْتَمِي إِلَى أَكَابِرِ مُتْرَفِيهَا.
* * *
وَقَدْ ظَلَّ الْفَتَى يَخْتَلِفُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ سِرًّا؛ فَيَسْعَدُ بِلِقَائِهِ، وَيَتَمَلَّى مِنْ مَوَاعِظِهِ …
حَتَّى رَآهُ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ يُصَلِّي ذَاتَ يَوْمٍ؛ فَأَذَاعَ خَبَرَهُ بَيْنَ النَّاسِ.
* * *
مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ بَدَأَتْ مِحْنَةُ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ …
فَلَقَدْ تَنَكَّرَ لَهُ أَبَوَاهُ بَعْدَ أَنْ عَجَزَا عَنْ رَدِّهِ إِلَى دِينِ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ؛ فَقَطَعَا رِفْدَهُمَا (٣) عَنْهُ؛ حَتَّى غَدَا أَشَدَّ فَقْرًا مِنَ الْفُقَرَاءِ، وَأَعْنَفَ بُؤْسًا مِنَ الْبُؤَسَاءِ …
وَقُرَيْشٌ تَصَدَّتْ لَهُ؛ فَسَجَنَتْهُ وَأَطَالَتْ سَجْنَهُ وَقَهَرَتْهُ وَلَجَّتْ (٤) فِي قَهْرِهِ، وَكَانَتْ تَظُنُّ أَنَّهَا تَسْتَطِيعُ بِذَلِكَ أَنْ تَصُدَّهُ عَنْ دِينِهِ …
وَلَكِنْ أَنَّى يَتِمُّ لَهَا ذَلِكَ، وَالْفَتَى قَدْ ذَاقَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ.
* * *
وَلَمَّا هَاجَرَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْحَبَشَةِ تَخَلُّصًا مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ؛ كَانَ الْفَتَى الْقُرَشِيُّ فِي زُمْرَةِ الْمُهَاجِرِينَ. стр. 928
فَلَقَدْ فَرَّ مُصْعَبٌ بِدِينِهِ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَخَلَّفَ وَرَاءَهُ مَرَاتِعَ (١) الطُّفُولَةِ وَمَغَانِيَ الشَّبَابِ، وَعِزَّةَ النَّسبِ …
وَاسْتَبْدَلَ بِذَلِكَ كُلِّهِ؛ بُعْدَ الدَّارِ وَوَحْشَةَ الْغُرْبَةِ، وَضَنْكَ الْفَقْرِ.
وَلَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ قَلِيلًا هَيِّنًا عِنْدَهُ؛ فِي جَنْبِ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَمَرْضَاةِ رَسُولِهِ ﷺ .
وَلَمَّا عَادَ مُصْعَبٌ مِنْ هِجْرَتِهِ الْأُولَى؛ أَنْكَرَهُ (٢) النَّاسُ؛ حَتَّى كَادُوا لَا يَعْرِفُونَهُ … فَالْفَتَى الطَّرِيرُ (٣) النَّضِيرُ؛ قَدْ مَسَّهُ الضُّرُّ …
فَرَثَّتْ ثِيَابُهُ؛ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ زَاهِيَةً …
وَخَشُنَ جِلْدُهُ؛ بَعْدَ أَنْ كَانَ غَضًّا بَضًّا …
وَتَخَدَّدَ (٤) وَجْهُهُ؛ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَسِيلًا (٥) مُشْرِقًا.
لَقَدْ رَآهُ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ مُقْبِلًا وَعَلَيْهِ جِلْدُ كَبْشٍ (٦) مُمَزَّقٌ؛ قَدْ تَمَنْطَقَ بِهِ؛ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ:
(انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْفَتَى الَّذِي قَدْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ …
لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَيْنَ أَبَوَيْنِ يَغْذُوَانِهِ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ …
فَدَعَاهُ حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى مَا تَرَوْنَ).
* * * стр. 929
ثُمَّ ضَاقَتِ الْأَرْضُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَرَّةً أُخْرَى، وَنَالَهُمْ مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ مَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ؛ فَهَاجَرُوا إِلَى الْحَبَشَةِ هِجْرَتَهُمُ الثَّانِيَةَ …
وَكَانَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فِي جُمَلَةِ الْمُهَاجِرِينَ أَيْضًا.
لَكِنَّ مُصْعَبًا لَمْ يُطْقِ صَبْرًا عَلَى فِرَاقِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ ؛ فَآثَرَ الْعَوْدَةَ إِلَى مَكَّةَ وَتَحَمُّلَ أَذَى قُرَيْشٍ عَلَى فِرَاقِ النَّبِيِّ ﵇.
وَلَزِمَ مُصْعَبٌ نَبِيَّهُ ﷺ لُزُومَ الظَّلِّ لِصَاحِبِهِ، وَنَهَلَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَنْهَلَ مِن هَدْيِهِ؛ فَإِذَا هُوَ مِنْ أَحْفَظِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ لِكِتَابِ اللَّهِ …
وَأَفْقَهِهِمْ بِشَرْعِ اللَّهِ …
وَأَجْمَعِهِمْ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
* * *
ثُمَّ تَمَّتْ يَبْعَةُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى، وَعَادَ الْمُبَايِعُونَ الْمَبْرُورُونَ (١) إِلَى قَوْمِهِمْ فِي الْمَدِينَةِ؛ يَدْعُونَهُمْ إِلَى دِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ …
لَكِنَّهُمْ مَا لَبِثُوا أَنْ شَعَرُوا أَنَّهُمْ بِحَاجَةٍ إِلَى مُبَشِّرِ؛ أَعْلَمَ مِنْهُمْ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَدْرَى مِنْهُمْ بِتَعَالِيمِ الْإِسْلَامِ …
فَبَعَثُوا يَسْأَلُونَ الرَّسُولَ الْكَرِيمَ ﷺ ؛ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ رَجُلًا يُعَلِّمُهُمْ دِينَهُمْ.
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مُصْعَبًا ﵁ …
فَكَانَ أَوَّلَ مُبَشِّرٍ بِالْإِسْلَامِ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ.
* * * стр. 930
حَلَّ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فِي الْمَدِينَةِ، وَشَرَعَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَيُفَقِّهُهُمْ بِأَحْكَامِهِ.
كان مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ دَائِبًا لَا يَهْدَأُ؛ نَشِطًا لَا يَفْتُرُ …
فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ …
حَتَّى لَمْ تَبْقَ دَارٌ فِي يَثْرِبَ إِلَّا وَفِيهَا مُسْلِمٌ أَوْ مُسْلِمَةٌ …
وَحَتَّى كُتِبَ لَهُ؛ بِأَنْ يَجْمَعَ أَوَّلَ جُمُعَةٍ فِي الْمَدِينَةِ؛ قَبْلَ أَنْ يَفِدَ عَلَيْهَا الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ .
* * *
وَلَمَّا أَقْبَلَ مَوْسِمُ الْحَجِّ؛ شَخَصَ (١) مُصْعَبٌ إِلَى مَكَّةَ وَمَعَهُ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَوَافَوُا الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْعَقَبَةِ، وَبَايَعُوهُ بَيْعَتَهُمُ الْمَشْهُورَةَ.
وَعَادَ الْمُبَايِعُونَ الْأَبْرَارُ إِلَى دِيَارِهِمْ، وَبَقِيَ مُصْعَبٌ مَعَ نَبِيِّهِ ﷺ إِلَى أَنْ أَذِنَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ …
فَكَانَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَمِّ مَكْتُومٍ (٢) أَوَّلَ الْمُهَاجِرِينَ.
* * *
وَلَمَّا عَزَمَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَلَى غَزْوِ قُرَيْشٍ فِي بَدْرٍ؛ كَتَّبَ كَتَائِبَهُ وَجَنَّدَ جُنُودَهُ؛ فَجَعَلَ عَلَى كَتِيبَةِ الْمُهَاجِرِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ …
وَعَلَى كَتِيبَةِ الْأَنْصَارِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ (٣) … стр. 931
وَعَلَى مَيْمَنَةِ الْجَيْشِ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ (١) …
وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْمِقْدَادَ الْكِنْدِيَّ …
أَمَّا رَايَةُ الرَّسُولِ ﷺ الْبَيْضَاءُ؛ فَعَقَدَهَا لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَسَلَّمَهَا لَهُ بِيَدَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ؛ فَتَلَقَّاهَا مُصْعَبٌ حَفِيًّا (٢) بِهَا، وَسَارَ بِهَا فِي مُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ مَرْفُوعَ الرَّأْسِ؛ نَاصِعَ الْجَبِينِ … وَنَافَحَ (٣) عَنْهَا مُنَافَحَةَ الْأَبْطَالِ الْمَيَامِينِ (٤).
وَفِيمَا كَانَ مُصْعَبٌ عَائِدًا مِنْ بَدْرٍ؛ رَأَى أَخَاهُ أَبَا عُزَيْرٍ أَسِيرًا فِي يَدِ أَحَدِ الْأَنْصَارِ وَهْوَ يَهِمُّ أَنْ يَضَعَ الْقَيْدَ فِي يَدَيْهِ.
فَقَالَ مُصْعَبٌ لِلْأَنْصَارِيِّ:
شُدَّ يَدَيْكَ عَلَيْهِ …
فَإِنَّ أُمَّهُ ذَاتُ ثَرْوَةٍ، وَهْيَ حَرِيَّةٌ (٥) بِأَنْ تَفْتَدِيَهُ بِمَالٍ كَثِيرٍ.
فَقَالَ أَبُو عُزَيْرٍ لِأَخِيهِ مُصْعَبٍ: أَهَذِهِ وَصَاتُكَ (٦) بِأَخِيكَ؟!.
فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ:
بَلْ إِنَّهُ هُوَ أَخِي مِنْ دُونِكَ؛ إِنَّهُ مُسْلِمٌ وَأَنْتَ مُشْرِكٌ.
* * *
وَفِي يَوْمِ أُحُدٍ؛ دَفَعَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ بِرَايَتِهِ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ؛ كَمَا فَعَلَ يَوْمَ بَدْرٍ … فَحَمَلَهَا مُصْعَبٌ وَمَشَى بِهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَاشْتَدَّتْ وَطْأَةُ قُرَيْشٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ حَتَّى انْكَشَفُوا وَتَفَرَّقُوا عَنْ стр. 932
لِوَائِهِمْ، وَلَكِنَّ مُصْعَبًا أَثْبَتَ قَدَمَيْهِ إِلَى جَنْبِ نَبِيِّهِ ﷺ لَا يَمِيلُ عَنْهُ وَلَا يَحِيدُ …
وَهُنَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ ابْنُ قَمِيئَةَ أَحَدُ فُرْسَانِ الْمُشْرِكِينَ؛ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ ضَرْبَةً؛ فَسَقَطَتْ يَدُهُ وَسَقَطَ مَعَهَا اللِّوَاءُ …
فَأَخَذَهُ بِالْيَدِ الْأُخْرَى …
وَعَادَ الْفَارِسُ الشَّقِيُّ إِلَى الْمُجَاهِدِ التَّقِيِّ، وَعَاجَلَهُ بِضَرْبَةٍ أُخْرَى؛ فَسَقَطَتْ يَدُهُ الثَّانِيَةُ وَسَقَطَ مَعَهَا اللِّوَاءُ؛ فَأَخَذَهُ بِعَضُدَيْهِ وَضَمَّهُمَا عَلَيْهِ؛ لِيَبْقَى اللِّوَاءُ مَرْفُوعًا.
وَكَرَّ ابْنُ قَمِيئَةَ مَرَّةً ثَالِثَةً عَلَى مُصْعَبٍ؛ فَأَنْفَذَ الرُّمْحَ فِي صَدْرِهِ؛ فَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ؛ فَتَلَقَّى اللِّوَاءَ أَخُوهُ أَبُو الرَّوْمِ وَرَفَعَهُ، وَمَا زَالَ يَحْمِلُهُ حَتَّى بَلَغَ بِهِ الْمَدِينَةَ.
وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ مِنْ مَيْدَانِ الْقِتَالِ مُنْتَصِرَةً، وَثَابَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى شُهَدَائِهِمْ يُوَارُونَهُمُ التُّرَابَ …
فَإِذَا مُصْعَبٌ قَدْ خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ غَيْرِ يَدَيْنِ.
* * *
وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ بِدَفْنِ الشَّهِيدِ …
فَمَا وَجَدُوا لَهُ كَفَنًا إِلَّا ثَوْبًا صَغِيرًا؛ إِنْ سَتَرَ وَجْهَهُ كَشَفَ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَإِنْ غَطَّى قَدَمَيْهِ كَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ.
فَأَمَرَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِأَنْ يُغَطَّى وَجْهُهُ بِالثَّوْبِ، وَأَنْ تُسْتَرَ رِجْلَاهُ بِرَطَبِ الْكَلَإِ (١) … стр. 933
ثُمَّ وَقَفَ فَوْقَهُ، وَتَلَا قَوْلَهُ :
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (١) (*). стр. 934
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ
قَائِدُ أَجْرَإِ مُغَامَرَةٍ عَرَفَهَا تَارِيخُ الْفِدَاءِ
"ظَلَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى مَضَى إِلَى رَبِّهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْيَمَامَةِ" [ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ]
لَمْ يُكَابِدِ (١) الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مِنْ أَحَدٍ كَمَا كَابَدُوا مِنَ الْيَهُودِ …
وَلَمْ يَكُنْ فِي الْيَهُودِ أَحَدٌ أَنْكَى (٢) عَلَى دِينِ اللَّهِ، وَأَشَدُّ أَذًى لِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَسَلَامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ …
فَقَدِ اجْتَمَعَ فِي هَذَيْنِ الطَّاغِيَتَيْنِ (٣) مِنَ الشَّرِّ مَا تَفَرَّقَ فِي جَمِيعِ الْأَشْرَارِ … وَالْتَقَى عِنْدَهُمَا مِنَ الخُبْثِ مَا وُزِّعَ عَلَى سَائِرِ الْأَخْبَاثِ …
وَقَدْ جَعَلَا شُغْلَهُمَا الشَّاغِلَ الْكَيْدَ لِدِينِ اللَّهِ …
وَنَصْبَ الْعَدَاوَةِ لِمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
فَمَا عَقَدَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَعَ أَحَدٍ عَهْدًا؛ إِلَّا قَامَا يُحَرِّضَانِهِ (٤) عَلَى نَقْضِهِ (٥)، وَيَحُضَّانِهِ (٦) عَلَى نَبْذِهِ (٧) …
وَلَا وَجَدَا لِلْإِسْلَامِ عَدُوًّا سَاكِنًا؛ إِلَّا هَبَّا يُثِيرَانِهِ لِحَرْبِهِ.
* * * стр. 935
وَكَانَ أَوَّلُهُمَا شَاعِرًا؛ فَأَطْلَقَ لِسَانَهُ فِي أَعْرَاضِ الْمُحْصَنَاتِ؛ الْقَانِتَاتِ (١) مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلَ يُشَهِّرُ بِهِنَّ كَاذِبًا مُفْتَرِيًا …
وَكَانَ ثَانِيهُمَا مُفْسِدًا؛ فَهَبَّ يُحَزِّبُ الْأَحْزَابَ (٢) ضِدَّ الْمُسْلِمِينَ، وَيُثِيرُ عَلَيْهِمْ مَشَاعِرَ الْمُشْرِكِينَ، وَيُعِدُّ الْخُطَطَ لِلْغَدْرِ بِالرَّسُولِ الْكَرِيمِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى التَّسْلِيمِ …
حَتَّى كَادَ يَقْتُلُهُ بِإِلْقَاءِ صَخْرَةٍ عَلَيْهِ؛ لَوْلَا أَنْ نَبَّهَهُ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى مَا يُحِيقُ (٣) بِهِ مِنْ خَطَرٍ.
فَأَيْقَنَ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ أَنَّ جُرْثُومَةَ (٤) الشَّرِّ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُسْتَأْصَلَ (٥) إِلَّا بِاسْتِئْصَالِ هَذَيْنِ الطَّاغُوتَيْنِ …
وَأَنَّ دِمَاءَ النَّاسِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُحْصَنَ إِلَّا بِإِرَاقَةِ دِمَائِهِمَا.
* * *
وَكَانَ مِمَّا أَمَدَّ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ ﵊ أَنْ أَيَّدَهُ بِقَبِيلَتَيِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ (٦) …
فَكَانَ هَذَانِ الْحَيَّانِ مِنَ الْأَنْصَارِ؛ يَتَنَافَسَانِ فِي الْخَيْرِ، وَيَفْعَلَانِهِ …
وَيَتَسَابَقَانِ فِي الْبِرِّ وَيُؤَدِّيَانِهِ …
وَيَتَصَاوَلَانِ (٧) تَصَاوُلَ الْقِرْنَيْنِ (٨) فِي الْمَآثِرِ، وَالْمَفَاخِرِ. стр. 936
فَلَا تَصْنَعُ الْأَوْسُ شَيْئًا فِيهِ رِضًى لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ إِلَّا قَالَتِ الْخَزْرَجُ: لَا وَاللَّهِ لَا نَدَعُهُمْ يَتَفَوَّقُونَ عَلَيْنَا بِهَذَا الْفَضْلِ، وَيَتَقَدَّمُونَ عَلَيْنَا بِهَذَا الْخَيْرِ …
فَمَا يَزَالُونَ يَتَحَيَّنُونَ (١) الْفُرَصَ حَتَّى يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، أَوْ رُبَمَا يَرْبُو عَلَيْهِ.
وَلَا يَصْنَعُ الْخَزْرَجُ شَيْئًا فِيهِ بِرٌّ بِالْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ؛ إِلَّا قَالَتِ الْأَوْسُ مِثْلَ قَوْلِهِمْ … وَفَعَلَتْ مِثْلَ فِعْلِهِمْ ....
فَكَانَ فِي تَنَافُسِهِمْ هَذَا بَرَكَةٌ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَخَيْرٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
* * *
وَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ الْأَوْسَ؛ فَجَعَلَ مَصْرَعَ عَدُوِّ اللَّهِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ عَلَى أَيْدِي طَائِفَةٍ مِنْ فِتْيَانِهَا؛ فَقَالَتِ الْخَزْرَجُ:
لَا وَاللَّهِ لَا نَدَعُهُمْ يَرْجُحُونَ عَلَيْنَا بِهَذَا الْفَضْلِ، وَيَزِيدُونَ عَلَيْنَا بِهِ …
وَإِذَا كَانُوا قَدْ قَضَوْا عَلَى كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ أَحَدٍ عَدُوَّي الْإِسْلَامِ اللَّدُودَيْنِ؛ فَإِنَّ عَدُوَّ الْإِسْلَامِ الْآخَرَ سَلَامَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ مَا يَزَالُ حَيًّا …
وَسَيَكُونُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ مِنْ نَصِيبِنَا؛ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَعَانَ.
* * *
اسْتَأْذَنَتِ الْخَزَرجُ الرَّسُولَ ﵊ بِأَنْ تَنْدُبَ (٢) خَمْسَةً مِنْ فِتْيَانِهَا لِقَتْلِ عَدُوِّ اللَّهِ سَلَامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيقِ فَأَذِنَ لَهَا …
ثُمَّ أَمَّرَ عَلَى الْفِتْيَةِ الْأَخْيَارِ الْأَبْرَارِ وَاحِدًا مِنْهُمْ؛ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ وَأَوْصَاهُمْ أَلَّا يَقْتُلُوا امْرَأَةً وَلَا وَلِيدًا، وَأَلَّا يُلْحِقُوا أَذًى بِهِمَا.
فَوَدَّعُوا الرَّسُولَ ﵊، وَمَضَوْا لِيَقُومُوا بِأَجْرَإِ مُغَامَرَةٍ عَرَفَهَا стр. 937
تَارِيخُ الْفِدَاءِ.
فَلْنَتْرُكْ لِأَمِيرِ الْفِرْقَةِ الْكَلَامَ لِيَرْوِيَ لَنَا قِصَّتَهُمُ الْمُثِيرَةَ …
* * *
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكِ:
مَا إِنْ أَذِنَ لَنَا الرَّسُولُ ﵊ بِالْمُضِيِّ إِلَى مَا نَدَبْنَا أَنْفُسَنَا لَهُ؛ حَتَّى يَمَّمْنَا (١) وُجُوهَنَا شَطْرَ أَوَاسِطِ الْحِجَازِ حَيْثُ كَانَ يُقِيمُ سَلَامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقُ وَقَوْمُهُ فِي حِصْنٍ لَهُمْ …
فَلَمَّا صِرْنَا قَرِيبًا مِنَ الْحِصْنِ؛ رَكَنَّا فِي مَكَانِنَا حَتَّى دَنَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَطَفِقَ أَهْلُ الْحِصْنِ يَعُودُونَ بِمَوَاشِيهِمْ مِنَ الْمَرَاعِي.
فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: اجْلِسُوا فِي مَكَانِكُمْ؛ فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ نَحْوَ بَابِ الْحِصْنِ لَعَلِي أَسْتَطِيعُ الدُّخُولَ فِيهِ مَعَ الدَّاخِلِينَ …
ثُمَّ صَافَفْتُ (٢) النَّاسَ، وَمَشَيْتُ مَعَهُمْ كَأَنِّي وَاحِدٌ مِنْهُمْ؛ فَلَمْ يَفْطِنْ لِي أَحَدٌ …
فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنَ الْبَابِ تَقَنَّعْتُ بِثَوْبِي؛ لِئَلَا يَتَنَبَّهَ لِي بَوَّابُ الْحِصْنِ، وَجلَسْتُ كَأَنِّي أَقْضِي الْحَاجَةَ …
فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ غَيْرِي؛ هَتَفَ بِيَ الْبَوَّابُ وَقَالَ:
يَا عَبْدَ اللَّهِ؛ إِنْ كُنْتَ تَبْغِي الدُّخُولَ فَادْخُلْ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ … стр. 938
فَدَخَلْتُ وَكَمِنْتُ (١) غَيْرَ بَعِيدٍ مِنْهُ؛ مُسْتَتِرًا بِجُنْحِ الظَّلَامِ.
فَلَمَّا اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ خَارِجَ الْحِصْنِ أَغْلَقَ الْبَابَ، وَعَلَّقَ قِلَادَةَ الْمَفَاتِيحَ عَلَى وُدٍّ … وَمَضَى إِلَى سَكَنِهِ.
* * *
أَمَّا أَنَا فَمَكَثْتُ فِي مَكْمَنِي، وَطَفِقْتُ أَتَفَحَّصُ الْحِصْنَ، وَأَتَعَرَّفُ عَلَى مَسَالِكِهِ، وَأُجِيلُ بَصَرِي فِيهِ بَحْثًا عَنْ عُلِّيَّةِ (٢) الرَّجُلِ …
وَاهْتِدَاءً إِلَى الطَّرِيقِ الْمُؤَدِيَةِ إِلَيْهَا …
فَمَا لَبِثْتُ أَنْ أَثْبَتُّ مَكَانَهُ، وَعَرَفْتُ مِنْ خِلَالِ ضَوْءِ الْمِصْبَاحِ الْخَافِتِ أَنَّ فِئَةً مِنْ أَصْحَابِهِ تَسْمُرُ عِنْدَهُ …
فَلَمَّا انْفَضَّ السُّمَارُ (٣) وَأُطْفِئَ الْمِصْبَاحُ …
وَأَيْقَنْتُ (٤) أَنَّهُ أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ وَدَخَلَ فِي النَّوْمِ؛ أَخَذْتُ الْمَفَاتِيحَ مِنَ الْوُدِّ، وَمَضَيتُ فِي عَتَمَةِ اللَّيْلِ إِلَى بَابِ قَصْرِهِ الْخَارِجِيِّ فَفَتَحْتُهُ فِي رِفْقٍ …
فَلَمَّا صِرْتُ دَاخِلَ الْقَصْرِ؛ أَغْلَقْتُهُ عَلَيَّ مِنَ الدَّاخِل بِالْقِفْلِ حَتَّى لَا يَدْخُلَهُ أَحَدٌ.
ثُمَّ مَضَيْتُ إِلَى الْبَابِ الثَّانِي؛ فَفَعَلْتُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلْتُهُ بِالْبَابِ الْأَوَّلِ.
ثُمَّ جَرَيْتُ عَلَى ذَلِكَ … فَكُنْتُ كُلَّمَا دَخَلْتُ بَابًا أَغْلَقْتُهُ عَلَيَّ.
وَقَدْ حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ تَقْدِيرِي بِأَنَّ الْقَوْمَ إِذَا تَنَبَّهُوا لِي، أَوْ صَرَخَ فِيهِمْ صَارِخٌ؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْوُصُولَ إِلَيَّ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَكُونَ قَدْ قَتَلْتُهُ. стр. 939
فَلَمَّا بَلَغْتُ عُلِّيَّةَ الْقَصْرِ أَلْفَيْتُهَا (١) مُظْلِمَةً، وَوَجَدْتُهُ مُضَّجِعًا بَيْنَ أَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ، فَلَمْ أَعْلَمْ أَيْنَ مَكَانَهُ بَيْنَهُمْ …
فَخَشِيتُ إِنْ ضَرَبْتُهُ عَلَى الظِّنَّةِ أَنْ أُصِيبَ غَيْرَهُ؛ فَأُخَالِفَ وَصِيَّةَ الرَّسُولِ ﵊ بِأَلَّا نَقْتُلَ امْرَأَةً وَلَا وَلِيدًا، وَأُعَرِّضَ نَفْسِي لِلْهَلَاكِ دُونَ طَائِلٍ …
فَبَادَرْتُ وَنَاديتُهُ بِكُنْيَتِهِ الَّتِي كَانَ يُنَادِيهِ بِهَا خَوَاصُّهُ؛ فَقُلْتُ: أَبَا رَافِعَ …
فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟!.
فَعَرَفْتُ مَكَانَهُ … وَأَهْوَيْتُ بِسَيْفِي عَلَى مَوْضِعِ الصَّوْتِ، وَكُنْتُ مُضْطَرِبًا؛ فَلَمْ تَفْعَلْ ضَرْبَتِي فِيهِ شَيْئًا.
فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ … فَخَرَجْتُ مِنَ الْحُجْرَةِ، وَعَثَرْتُ بِالْمِصْبَاحِ؛ فَأَخَذْتُهُ بِيَدِي وَطَرَحْتُهُ بَعِيدًا عَنْ مَوْضِعِهِ؛ حَتَّى لَا يَقُومَ إِلَيْهِ أَحَدٌ فَيُضِيئَهُ.
ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ وَغَيَّرْتُ صَوْتِي وَقُلْتُ: مَا هَذَا الصِّيَاحُ يَا أَبَا رَافِعَ؟!.
فَقَالَ: لِأُمِّكَ الْوَيْلُ … إِنَّ فِي الْبَيْتِ رَجُلًا ضَرَبَنِي بِالسَّيْفِ وَتَوَارَى.
فَاقْتَرَبْتُ مِنْهُ، وَأَهْوَيْتُ عَلَيْهِ بِضَرْبَةٍ أَثْبَتَ مِنْ تِلْكَ وَأَحْكَمَ …
فَأَثْرَتْ فِيهِ أَثَرًا بَلِيغًا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَمُتْ.
فَأَغْمَدْتُ (٢) سَيْفِي فِي بَطْنِهِ وَضَغَطْتُ عَلَيْهِ بِثِقَلِي كُلِّهِ؛ فَصَرَخَ صَرْخَةً أَيْقَظَتْ زَوْجَتَهُ … فَانْتَزَعْتُ سَيْفِي مِنْ جَسَدِهِ وَلَمْ يَكُنْ بِهِ حَرَاكٌ.
* * * стр. 940
اسْتَيْقَظَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى صَوْتِ زَوْجِهَا، وَهَبَّتْ مَذْعُورَةً … وَجَعَلَتْ تَسْتَصْرِخُ (١) …
فَهَمَمْتُ أَنْ أَهْوِيَ عَلَيْهَا بِالسَّيْفِ لَوْلَا أَنِّي تَذَّكَرْتُ أَنَّ الرَّسُولَ ﵊ قَدْ نَهَانَا عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ؛ فَكَفَفْتُ عَنْهَا.
وَمَا هِيَ إِلَّا لَحَظَاتٌ حَتَّى اسْتَفَاقَ النَّاسُ عَلَى صُرَاخِهَا، وَدَبَّتْ الْحَرَكَةُ فِي الْحِصْنِ … فَمَا كَانَ مِنِّي إِلَّا أَنْ مَضَيْتُ أَسْتَصْرِخُ النَّاسَ وَأَقُولُ:
الْغَوْثَ … الْغَوْثَ … النَّجْدَةَ … النَّجْدَةَ …
فَجَعَلُوا يَتَدَفَقُونَ نَحْوَ الْعُلِّيَّةِ وَأَنَا أَمْضِي خَارِجًا …
حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى آخِرِ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِ الْحِصْنِ، وَكُنْتُ ضَعِيفَ الْبَصَرِ …
فَظَنَنْتُ أَنِّي بَلَغْتُ الْأَرْضَ فَوَقَعْتُ فَانْكَسَرَتْ سَاقِي؛ فَعَصَبْتُ السَّاقَ الْمَكْسُورَةَ بِعِمَامَتِي، وَمَضَيْتُ أَجُرُّهَا جَرًا حَتَّى صِرْتُ عِنْدَ رِفَاقِي خَارِجَ الْحِصْنِ.
* * *
أَوْقَدَ أَهْلُ الْحِصْنِ النِّيرَانَ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَهَبُّوا جَمِيعًا مِنْ مَرَاقِدِهِمْ (٢)، وَانْطَلَقُوا يَعْدُونَ خَارِجَ الْحِصْنِ بَحْثًا عَنِ الَّذِينَ أَغَارُوا عَلَيْهِمْ … أَمَّا نَحْنُ فَكُنَّا كَامِنِينَ فِي قَنَاةِ مَاءٍ أَسْفَلَ الْحِصْنِ.
فَلَمَّا يَئِسَ الْقَوْمُ مِنَ الْعُثُورِ عَلَيْنَا؛ عَادُوا إِلَى صَاحِبِهِمْ يَنْظُرُونَ مَا حَلَّ بِهِ.
فَقَالَ أَصْحَابِي: النَّجَاءَ … النَّجَاءَ … стр. 941
فَإِنَّ الْقَوْمَ قَدْ كَفُّوا عَنْ طَلَبِنَا، وَانْشَغَلُوا بِصَاحِبِهِمْ عَنَّا.
فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ! لَا أَبْرَحُ هَذَا الْمَكَانَ حَتَّى أَعْلَمَ أَنِّي قَتَلْتُهُ.
فَقَالَ أَحَدُ أَصْحَابِي: أَنَا أَذْهَبُ فَآتِيكُمْ بِخَبَرِهِ.
ثُمَّ مَضَى حَتَّى دَخَلَ فِي النَّاسِ وَدَنَا مِنَ الرَّجُلِ … فَرَأَى امْرَأَتَهُ تَمْضِي نَحْوَهُ وَبِيَدِهَا الْمِصْبَاحُ وَكِبَارُ الْيَهُودِ وَرَاءَهَا يَسْأَلُونَهَا عَمَّا حَدَثَ … وَعَنِ الرَّجُلِ الْغَرِيبِ الَّذِي اقْتَحَمَ حِصْنَهُمْ، وَمَا فَعَلَ …
فَقَالَتْ:
وَاللَّهِ لَا أَدْرِي، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا غَيْرَ غَرِيبٍ عَنِّي … فَلَمَّا أَصْغَيْتُ إِلَيْهِ قُلْتُ: هَذَا صَوْتُ ابْنِ عَتِيكِ؛ غَيْرَ أَنِّي كَذَّبْتُ نَفْسِي وَقُلْتُ: أَيْنَ ابْنُ عَتِيكٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ؟!.
ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَى زَوْجِهَا وَرَفَعَتِ الْمِصْبَاحَ، وَحَدَّقَتْ فِي وَجْهِهِ …
ثُمَّ ارْتَدَّتْ عَنْهُ وَهْيَ تَقُولُ: مَاتَ … وَإِلَهِ يَهُودٍ مَاتَ …
فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهَا قَرَّتْ عَيْنُهُ، وَعَادَ إِلَيْنَا وَبَشَّرَنَا.
* * *
عِنْدَ ذَلِكَ؛ احْتَمَلَنِي (١) أَصْحَابِي، وَمَضَوْا بِي حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ …
فَوَجَدْنَاهُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ؛ فَلَمَّا رَآنَا قَالَ:
(أَفْلَحَتِ (٢) الْوُجُوهُ … أَفْلَحَتِ الْوُجُوهُ) …
فَقُلْنَا: أَفْلَحَ وَجْهُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ … стр. 942
وَبَشَّرْنَاهُ بِقَتْلِ عَدُوِّ اللَّهِ.
فَلَمَّا نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ؛ رَأَى مَا بِي؛ فَقَالَ:
(لَا بَأْسَ عَلَيْكَ يَا بْنَ عَتِيكِ).
ثُمَّ قَالَ:
(ابْسُطْ رِجْلَكَ)؛ فَبَسَطْتُهَا …
فَمَسَحَهَا؛ فَوَقَفْتُ عَلَيْهَا …
كَأَنَّنِي لَمْ أَشْكُ مِنْهَا قَطُّ … (*)
стр. 943
الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو
"إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ: عَلِيٌّ، وَالْمِقْدَادُ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَسَلْمَانُ" [حَدِيثٌ شَرِيفٌ]
أَصَابَ (١) عَمْرُو بْنُ ثَعْلَبَةَ دَمًا فِي قَوْمِهِ؛ فَكَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُغَادِرَ مَوَاطِنَ قَبِيلَتِهِ "بُهْرَاءَ"، أَوْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلثَّأْرِ …
فَآثَرَ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ، وَوَلَّى هَارِبًا إلَى حَضْرَمَوْتَ، وَاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ فِيهَا مُقَامًا.
ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ تَزَوَّجَ مِنْ أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ، وَوُلِدَ لَهُ صَبِيٌّ دَعَاهُ الْمِقْدَادَ.
* * *
وَرِثَ الْمِقْدَادُ عَنْ أَبِيهِ جُلَّ صِفَاتِهِ الْخَلْقِيَّةِ وَالْخُلُقِيَّةِ …
فَكَانَ طَوِيلًا بَائِنَ الطُّولِ؛ أَسْمَرَ شَدِيدَ السُّمْرَةِ …
حَتَّى لَيَصِحُّ أَنْ يُنْعَتَ بِأَنَّهُ أَسْوَدُ …
جَسِيمًا (٢) يَمْلَأُ عَيْنَ رَائِيهِ مَهَابَةً وَرَوْعَةً.
وَكَانَ إِلَى ذَلِكَ شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ (٣) قَوِيَّ الْعَزِيمَةِ …
مُمْتَلِئًا حَمِيَّةً وَمُرُوءَةً وَحِدَّةً.
* * *
وَفِي ذَاتِ يَوْمٍ اخْتَصَمَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو مَعَ سَيِّدٍ مِنْ سَادَاتِ الْقَوْمِ فِي стр. 944
حَضْرَمَوْتَ هُوَ أَبُو شَمْرِ بْنِ حَجَرٍ …
فَنَدَّتْ (١) مِنَ الشَّيْخِ الْحَضْرَمِيِّ كَلِمَةٌ قَاسِيَةٌ جَرَحَتْ كِبْرِيَاءَ الْفَتَى وَأَثَارَتْ حَفِيظَتَهُ (٢)؛ فَامْتَشَقَ حُسَامَهُ وَأَهْوَى بِهِ عَلَى الشَّيْخِ الْحَضْرَمِيِّ … فَبَتَرَ سَاقَهُ.
عِنْدَ ذَلِكَ؛ وَجَدَ الْمِقْدَادُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَجْلُوَ عَنْ حَضْرَمَوْتَ كَمَا جَلَى أَبُوهُ مِنْ قَبْلِهِ عَنْ دِيَارِ قَبِيلَتِهِ "بُهْرَاء"؛ فَوَلَّى وَجْهَهُ شَطْرَ مَكَّةَ.
* * *
أَدْرَكَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو مُنْذُ وَطِئَتْ أَقْدَامُهُ مَكَّةَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي وُسْعِ أَحَدٍ أَنْ يَعِيشَ فِي هَذَا الْمُجْتَمَعِ الْقُرَشِيِّ آمِنًا مُطْمَئِنًّا … إِلَّا إِذَا كَانَتْ لَهُ قَبِيلَةٌ تَحْمِيهِ، أَوْ عَصَبِيَّةٌ تَمْنَعُهُ (٣) …
أَمَّا الْغُرَبَاءُ أَمْثَالُهُ؛ فَمَا عَلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ يَخْتَارُوا بَيْنَ اثْنَتَيْنِ:
فَإِمَّا أَنْ يُحَالِفُوا سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ الْقَوْمِ؛ فَيَعِيشُوا فِي كَنَفِهِ، وَيَأْمَنُوا فِي حِمَاهُ …
وَإِمَّا أَنْ يُعَرِّضُوا أَنْفُسَهُمْ لِلذِّلَّةِ وَالْمَهَانَةِ …
فَحَالَفَ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ هُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ.
* * *
لَكِنَّ الْأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ مَا لَبِثَ أَنْ رَأَى فِي الْفَتَى الْحَضْرَمِيِّ مِنْ سِمَاتِ الرُّجُولَةِ، وَشَمَائِلِ الْمُرُوءَةِ، وَخَصَائِلِ الشَّجَاعَةِ وَالنَّجْدَةِ؛ مَا مَلَأَ قَلْبَهُ حُبًّا لَهُ … فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ، وَمَضَى بِهِ إِلَى مَجَالِسِ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ … стр. 945
فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ أَعْلَنَ تَبنِّيهِ لَهُ، وَقَالَ:
اشْهَدُوا - يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَنَّ هَذَا ابْنِي أَرِثُهُ وَيَرِثُنِي …
فَأَطْلَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ اسْمَ: الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ.
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ أَبْطَلَ التَّبَنِّي فِيمَا بَعْدُ؛ فَقَدْ ظَلَّ أَكْثَرُ النَّاسِ يُنَادُونَهُ كَذَلِكَ …
لِكَثْرَةِ مَا تَرَدَّدَ هَذَا الاِسْمُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، وَفَرْطِ مَا تَدَاوَلُوهُ بَيْنَهُمْ.
* * *
لَمْ يَكُنِ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو - أَوِ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ كَمَا كَانُوا يُنَادُونَهُ - مُرْتَاحًا إِلَى ذَلِكَ الْمُجْتَمَعِ الْجَاهِلِيِّ الَّذِي تُرَاقُ فِيهِ الدِّمَاءُ ظُلْمًا وَبَغْيًا، وَتُسْتَبَاحُ فيهِ الْحُرُمَاتُ عُدْوَانًا وَجَوْرًا …
وَيَسْتَذِلُّ فِيهِ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ، وَتَسُودُهُ الْعَصَبِيَاتُ الْعَمْيَاءُ.
فَهْوَ - عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ قَدْ تَبَنَّاهُ - مَا يَزَالُ فِي نَظَرِ الْقَوْمِ شَرِيدًا طَرِيدًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصْهِرَ (١) لِأَيٍّ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ فِي عُرْفِهِمْ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِأَيِّ بِنْتٍ مِنْ بَنَاتِهِمْ مَهْمَا دَنَتْ مَنْزِلَتُهَا.
وَكَانَ الْمِقْدَادُ يَسْمَعُ مَا يَدُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْكُهَّانِ (٢) وَمَا يَرْوِيهِ أَحْبَارُ (٣) يَهُودَ: مِنْ أَنَّ نَبِيًّا قَدْ أَطَلَّ (٤) زَمَانُهُ سَيَمْلَأُ الدُّنْيَا بِرًّا وَخَيْرًا وَعَدْلًا؛ فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ:
عَسَى وَلَعَلَ.
* * * стр. 946
لَمْ يَمْضِ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ قَلِيلٍ؛ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِدِينِ الْهُدَى وَالْحَقِّ …
فَمَا إِنْ سَمِعَ بِهِ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو حَتَّى بَادَرَ إِلَيْهِ، وَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدَيْهِ، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
ثُمَّ مَضَى إِلَى مَجَالِسِ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَأَعْلَنَ إِسْلَامَهُ عَلَى مَلَإٍ (١) مِنَ الْقَوْمِ …
فَكَانَ سَابِعَ سَبْعَةٍ أَعْلَنُوا إِسْلَامَهُمْ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ.
* * *
لَمْ يَكُنِ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو حِينَ تَوَجَّهَ إِلَى مَجَالِسِ قُرَيْشٍ لِيُعْلِنَ دُخُولَهُ فِي دِينِ اللَّهِ جِهَارًا نَهَارًا؛ يَجْهَلُ وَقْعَ ذَلِكَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا سَيُنْزِلُونَهُ بِهِ مِنَ الْأَذَى وَالنَّكَالِ …
لَكِنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ دَعْوَةً كَدَعْوَةِ الْإِسْلَامِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ قَرَابِينَ (٢)؛ فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَكُونَ أَحَدَ شُهَدَائِهَا وَضَحَايَاهَا.
* * *
صَبَّتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ بَطْشِهَا وَنَكَالِهَا مَا يُزَلْزِلُ الْجِبَالَ … فَلَمْ يَتَزَعْزَعْ، وَلَمْ يَتَضَعْضَعْ …
وَمَا كَانَ يَزِيدُهُ الْعَذَابُ إِلَّا صَلَابَةً فِي دِينِهِ، وَرُسُوخًا فِي إِيمَانِهِ وَيَقِينِهِ.
* * *
وَلَمَّا أَذِنَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ لِأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ أَبَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو أَنْ يُغَادِرَ سِجْنَهَا الْكَبِيرَ … стр. 947
فَقَدْ كَانَ حِقْدُهَا عَلَيْهِ يَتَكَافَأُ مَعَ تَحَدِّيهِ لَهَا.
وَلِذَا كَانَ مِنْ أَوَاخِرِ الْمُسْلِمِينَ هِجْرَةً …
ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعِ التَّخَلُّصَ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا بِحِيلَةٍ.
فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ فَرِحَ الرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِمَقْدَمِهِ؛ إِذْ كَانَ يُحِبُّهُ حُبًّا جَمًّا وَيَقُولُ:
(إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ: عَلِيٌّ، وَالْمِقْدَادُ، وَأَبُو ذَرٍّ (١)، وَسَلْمَانُ (٢)).
* * *
قَسَّمَ الرَّسُولُ ﷺ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ عَشَرَاتٍ، وَجَعَلَ كُلَّ عَشَرَةٍ فِي بَيْتٍ …
فَكَانَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو مِنَ الْعَشَرَةِ الَّتِي سَعِدَتْ بِمُسَاكَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ وَنَعِمَتْ بِكَرِيم شَمَائِلِهِ، وَلَقِيَتْ مِنْ بِرِّهِ وَعَطْفِهِ الشَّيْءَ الْكَثِيرَ.
* * *
حَدَّثَ الْمِقْدَادُ قَالَ:
كُنْتُ فِي جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَكُونُوا مَعَهُ فِي بَيْتِهِ.
وَكَانَتْ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ ثَلَاثُ أَعْنُزٍ؛ يَحْتَلِبُونَهَا وَيُوَزِّعُونَ لَبَنَهَا بَيْنَنَا، وَكُنَّا نَرْفَعُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَصِيبَهُ.
وَفِي ذَاتِ لَيْلَةٍ جِئْتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي، وَكَانَ الْجُوعُ قَدْ نَهَكَنَا (٣) حَتَّى стр. 948
أَوْشَكْنَا أَلَّا نَسْمَعَ وَلَا نُبْصِرَ.
أَمَّا صَاحِبَايَ؛ فَقَدْ شَرِبَا نَصِيبَهُمَا وَنَامَا، وَأَمَّا أَنَا فَلَمْ يَكْفِنِي مَا شَرِبْتُهُ، وَبَقِيتُ خَاوِيَ الْبَطْنِ لَا أَسْتَطِيعُ النَّوْمَ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ.
فَقَالَ لِيَ الشَّيْطَانُ: مَاذَا عَلَيْكَ لَوْ شَرِبْتَ هَذِهِ الْجُرْعَةَ الَّتِي رُفِعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَأْتِي إِلَيْهِ الأَنْصَارُ؛ فَيُهْدُونَ لَهُ أَمْثَالَهَا إِذَا شَاءَ.
وَمَا زَالَ بِي يُغْرِينِي بِهَا حَتَّى شَرِبْتُهَا …
فَلَمَّا شَرِبْتُهَا؛ جَاءَنِي الشَّيْطَانُ يُنَدِّمُنِي عَلَى مَا فَعَلْتُ وَيَقُولُ:
مَاذَا صَنَعْتَ بِنَفْسِكَ؟!! …
الْآنَ يَجِيءُ مُحَمَّدٌ فَلَا يَجِدُ شَرَابَهُ؛ فَيَدْعُو عَلَيْكَ فَتَهْلَكُ.
وَكَانَتِ اللَّيْلَةُ بَارِدَةً، وَكَانَتْ عَلَيَّ شَمْلَةٌ (١) إِذَا وَضَعْتُهَا عَلَى رَأْسِي بَدَتْ مِنْهَا قَدَمَايَ، وَإِذَا غَطَّيْتُ بِهَا قَدَمَيَّ انْكَشَفَ رَأْسِي.
وَكَانَ الرَّسُولُ ﷺ إِذَا جَاءَ فِي اللَّيْلِ؛ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُ الْيَقْظَانَ، وَلَا يُوقِظُ النَّائِمَ.
فَمَا هُوَ إِلَّا قَلِيلٌ؛ حَتَّى جَاءَ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُصَلِّيَ …
وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ تَحْتِ الشَّمْلَةِ.
ثُمَّ تَفَقَّدَ شَرَابَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ؛ فَرَفَعَ يَدَهُ …
فَقُلْتُ: الْآنَ يَدْعُو عَلَيَّ فَأَهْلَكُ.
لَكِنَّهُ قَالَ: (اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي، وَاسْقِ مَنْ سَقَانِي). стр. 949
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: أَنَا أُطْعِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَفُوزُ بِدَعْوَتِهِ.
فَتَسَلَّلْتُ مِنْ مَكَانِي وَأَخَذْتُ شَفْرَتِي (١)، وَقُلْتُ:
أَذْبَحُ لَهُ وَاحِدَةً مِنَ الْأَعْنُزِ، وَلْيَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَكُونُ.
ثُمَّ مَضَيْتُ إِلَى الْأَعْنُزِ وأَخَذْتُ أَجُسُّهُنَّ لِأَرَى أَيُّهُنَّ أَسْمَنُ؛ فَإِذَا ضُرُوعُهُنَّ قَدْ حَفِلَتْ بِاللَّبَنِ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُنَّ حُلِبْنَ وَشِيكًا.
فَأَخَذْتُ إِنَاءً وَحَلبْتُ إِحْدَاهُنَّ حَتَّى امْتَلأَ وَعَلَتْهُ الرَّغْوَةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؛ فَشَرِبَ …
ثُمَّ نَاوَلَنِي فَشَرِبْتُ …
ثُمَّ نَاوَلْتَهُ فَشَرِبَ …
ثُمَّ نَاوَلَنِي فَشَرِبْتُ، ثُمَّ ضَحِكْتُ …
فَقَالَ لِيَ: (إِنَّهَا إِحْدَى فِعْلَاتِكَ يَا مِقْدَادُ؛ مَا الَّذِي يُضْحِكُكَ)؟!.
فَحَدَّثْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ؛ فَقَالَ: (مَا كَانَتْ إِلَّا رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لَوْ كُنْتَ أَيْقَظْتَ صَاحِبَيْكَ؛ فَأَصَابَا مِنَ اللَّبَنِ الَّذِي شَرِبْنَا مِنْهُ).
فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُبَالِي (٢) إِذَا شَرِبْتَ مِنْهُ أَنْتَ، وَشَرِبْتُ أَنَا مِنْ فَضْلَتِكَ (٣)؛ أَلَّا يَشْرَبَ أَحَدٌ.
* * *
اسَتَقَرَّ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فِي الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ تَزَوَّجَ بَعْدُ … فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ (٤) ﵄؛ قَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: стр. 950
مَا لَكَ لَا تَتَزَوَّجُ يَا مِقْدَادُ؟.
فَقَالَ الْمِقْدَادُ:
زَوِّجْنِي ابْنَتِكَ.
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ:
ابْنَتِي!! … لَا أُزَوِّجُكَ ابْنَتِي، وَأَسْمَعَهُ كَلِمَةً لَمْ تُرْضِهِ.
فَقَامَ الْمِقْدَادُ وَهْوَ يَقُولُ: أَمَا زَالَتْ فِينَا بَقِيَّةٌ مِنْ جَاهِلِيَّةٍ؟!.
أَمَا سَوَّى الْإِسْلَامُ بَيْنَ أَبْنَائِهِ، وَجَعَلَ أَكْرَمَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ.
ثُمَّ مَضَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊:
(أَفَلَا يُرْضِيكَ أَنْ تُصَاهِرَ رَسُولَ اللَّهِ يَا مِقْدَادُ).
فَلَمْ يُصَدِّقِ الْمِقْدَادُ أُذُنَيْهِ، وَقَالَ:
بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ …
وَلَكِنْ مَنْ لِي بِذَلِكَ الشَّرَفِ؟!.
فَقَالَ: (أَنَا لَكَ بِهِ) …
وَزَوَّجَهُ ابْنَةَ عَمِّهِ ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
فَغَدَا صِهْرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَحَسْبُهُ بِذَلِكَ مَجَادَةً وَفَخْرًا.
* * *
ثُمَّ كَانَتْ بَدْرٌ حَيْثُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِثَلَاثِمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ؛ وَهُمْ لَا يَنْوُونَ أَنْ يَخُوضُوا حَرْبًا شَامِلَةً … فَلَمَّا
следующие страницы →