← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

القول الثاني: منع التمسك بها مطلقًا. قال الزركشي: وهو قول الأكثرين منهم القاضي وأتباعه، وحكاه ابن برهان عن الشافعي، قال الإمام: وبه قال طوائف من متكلمي الأصحاب (١). وقال الآمدي: وقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك به، وهو الحق (٢). وقال ابن قدامة: والصحيح أن ذلك ليس بحجة (٣). وهذا مذهب الظاهرية الذين التزموا بالنصوص، وقد اعتبروا أن المصالح هي ما وردت بظاهر النصوص، فأخذوها عن طريقه، ورفضوها إذا لم يدل النص عليها دلالة ظاهرة، فكان ذلك رفضًا للمصالح المرسلة (٤).

стр. 1017

القول الثالث: إذا كانت المصلحة ملائمة لأصل كلي من أصول الشرع، أو لأصل جزئي، جاز بناء الأحكام عليها، وإلا فلا. ونسبه ابن برهان في «الوجيز» إلى الشافعي، وقال: إنه الحق المختار. وقال إمام الحرمين: ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى اعتماد تعليق الأحكام بالمصالح المرسلة، بشرط ملاءمته للمصالح المعتبرة المشهود لها بالأصول، لكن إذا قيدناه بهذا انسلخت المسألة من المصالح المرسلة، فإنه إذا شرط التقريب من الأصول الممهدة، وفسره بالملاءمة كان من باب القياس في الأسباب فيكون من قسم المعتبر، وبه يخرج عن الإرسال، ويعود النزاع لفظيًّا (١). القول الرابع: إذا كانت تلك المصلحة ضرورية قطعية كلية كانت معتبرة: فإن فقد أحد هذه الثلاثة لم تعتبر، وهذا اختيار الغزالي والبيضاوي. والمراد بالضرورية: ما يكون من الضروريات الخمس التي يجزم بحصول المنفعة منها، والكلية: أن تعم جميع المسلمين، لا لو كانت

стр. 1018

لبعض الناس دون البعض، أو في حالة مخصوصة (١). قال الغزالي ﵀: الواقع في الرتبتين الأخيرتين -الحاجيات والتحسينات- لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل، إلا أنه يجري مجرى الشرع بالرأي، فهو كالاستحسان، فإن اعتضد بأصل فذاك قياس، أما الواقع في رتبة الضرورات، فلا بُعْد في أن يؤدي إليه اجتهاد، وإن لم يشهد له أصل معين. ومثاله: أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا، وغلبوا على دار الإسلام، وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلمًا معصومًا لم يذنب ذنبًا، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين، فيقتلونهم، ثم يقتلون الأسارى أيضًا، فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حال، فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع؛ لأنا نعلم قطعًا أن مقصود الشرع تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل، فكان هذا التفاتًا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصود الشرع لا بدليل واحد، بل بأدلة خارجة عن الحصر، لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق، وهو قتل

стр. 1019

من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين، فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معين، وانقدح اعتبارها باعتبار ثلاثة أوصاف أنها ضرورة قطعية كلية (١). لكن ذهب الغزالي في (شفاء الغليل) إلى اعتبار الحاجيات أيضًا، فقال: أما الواقع من المناسبات في رتبة الضرورات، أو الحاجات -كما فصلناها-، فالذي نراه فيها: أنه يجوز الاستمساك بها إن كان ملائمًا لتصرفات الشرع، ولا يجوز الاستمساك بها إن كان غريبًا لا يلائم القواعد (٢). * سبب الخلاف في العمل بالمصلحة المرسلة: ويرجع سبب الخلاف في العمل بالمصلحة المرسلة إلى اختلافهم في معنى الإرسال، فإنه قد يراد به معنيان: الأول: قد يراد به أنه يوكل أمر تقدير المصلحة إلى العقول البشرية دون التقيد باعتبار الشارع، أو عدم اعتباره لها. الثاني: قد يراد به ألا يتقيد المجتهد في حكمه على ما يستجد من الأحداث المختلفة بالقياس على أصل منصوص عليه، وأن يتقيد

стр. 1020

بالمصالح والأهداف التي رمى إليها الشارع، ولو أن العلماء اتفقوا على أحد هذين المعنيين للإرسال ما اختلفوا في حكم العمل بالمصلحة المرسلة. فإن من أنكر العمل بها لاحظ المعنى الأول، ولهذا يقول الشافعي ﵀ حينما ينكر العمل بها: القول بالاستحسان قول بأن الله تعالى ترك بعض مصالح خلقه، فلم يشرع من الأحكام ما يحققه لهم، أو يحفظه عليهم، وهو مناقض لقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]. ويقول الغزالي: كل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فُهِم من الكتاب، والسنة، والإجماع، وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع، فهي باطلة مطرحة، ومن صار إليها فقد شرع، كما أن من استحسن فقد شرع. ومن جوز العمل بها لاحظ المعنى الثاني؛ ولهذا يقول الغزالي: وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودًا بالكتاب والسنة والإجماع؛ فليس خارجًا من هذه الأصول، لكنه لا يسمى قياسًا، بل مصلحة مرسلة؛ إذ القياس أصل معين، وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات، فتسمى لذلك مصلحة

стр. 1021

مرسلة. وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع، فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة، وحيث ذكرنا خلافًا، فذلك عند تعارض مصلحتين، ومقصودين، وعند ذلك يجب ترجيح الأقوى، ولذلك قطعنا بكون الإكراه مبيحًا لكلمة الردة، وشرب الخمر، وأكل مال الغير، وترك الصوم، والصلاة؛ لأن الحذر من سفك الدم أشد من هذه الأمور، ولا يباح به الزنا، والقتل؛ لأنه مثل محذور الإكراه. وأبحنا أكل مال الغير بالإكراه -عند الضرورة- لعلمنا أن المال حقير في ميزان الشرع بالإضافة إلى الدم (١). لذلك يقول الطوفي: اعلم أن هؤلاء الذين قسموا المصلحة إلى معتبرة، وملغاة، ومرسلة ضرورية، وغير ضرورية تعسفوا وتكلفوا، والطريق إلى معرفة حكم المصالح أعم من هذا وأقرب، وذلك بأن نقول: قد ثبت مراعاة الشرع للمصلحة والمفسدة بالجملة إجماعًا، وحينئذ نقول: الفعل إن تضمن مصلحة مجردة حصلناها، وإن تضمن مفسدة مجردة نفيناها، وإن تضمن مصلحة من وجه، ومفسدة من وجه،

стр. 1022

فإن استوى في نظرنا تحصيل المصلحة ودفع المفسدة؛ توقفنا على المرجح، أو خيرنا بينهما، وإن لم يستو ذلك، بل ترجح أحد الأمرين تحصيل المصلحة، أو دفع المفسدة، فعلناه؛ لأن العمل بالراجح متعين شرعًا (١). كما في قصة موسى والخضر، لما خرق الخضر السفينة، وأنكر موسى عليه بين له أن مفسدة خرق السفينة صغيرة بجوار مصلحة حفظ السفينة بأكملها من غصب الملك الظالم. قال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ [الكهف: ٧٩]، أي كل سفينة صالحة، فلما رآها مخرقة تركها لهم ثم قاموا بإصلاحها. وزاد الشنقيطي ﵀ ذلك المعنى بيانًا فقال: فالحاصل أن الصحابة ﵃ كانوا يتعلقون بالمصالح المرسلة التي لم يدل دليل على إلغائها، ولم تعارضها مفسدة راجحة أو مساوية، وأن جميع المذاهب يتعلق أهلها بالمصالح المرسلة، وإن زعموا التباعد منها، ومن تتبع وقائع الصحابة، وفروع المذاهب علم صحة ذلك، ولكن التحقيق أن العمل بالمصلحة المرسلة أمر يجب فيه التحفظ، وغاية

стр. 1023

الحذر حتى يتحقق صحة المصلحة، وعدم معارضتها لمصلحة أرجح منها، أو مفسدة أرجح منها، أو مساوية لها، وعدم تأديتها إلى مفسدة في ثاني حال. مثال ما عارض مصلحة أرجح منها: منع زراعة العنب لتحقيق مصلحة السلامة من عصر الخمر من العنب تعارض مصلحة أرجح منها، وهي انتفاع الناس بالعنب، والزبيب. ومثال ما عارض مفسدة أرجح منها: ما اذا طلب المسلمون فداء أساراهم من الكفار، فامتنع الكفار أن يقبلوا الفداء إلا بسلاح يعلم به أن ذلك السلاح ييسر لهم قتل عدد الأسارى أو أكثر من المسلمين، فإن كان أكثر فهي مفسدة راجحة، وإن كان مساويًا فهي مفسدة مساوية. ومثال ما أدى إلى مفسدة في ثاني الحال: ما صنعه قوم نوح ﵇ في بادئ الأمر اتخذوا الصور والتماثيل لرجال صالحين يغوث ويعوق، ونسر، وود، وسواع لظنهم في ذلك مصلحة، وهي تذكيرهم بالطاعة والعبادة، لكنها مستلزمة لمفسدة في المآل، وهي أعظم المفاسد؛ إذ كان ذلك وسيلة إلى الكفر البواح والشرك بالله (١). وهذه الضوابط تنطبق على المصالح سواء الضرورية، أو الحاجية،

стр. 1024

أو التحسينية. تنبيه: المصالح المرسلة ليست أصلًا مستقلًّا من مصادر التشريع؛ لأن مرد المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع، ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب، والسنة، والإجماع. لذلك فلا بد من ضبط المصلحة المرسلة بضوابط، وهي مع ما سبق: ١ - أن لا تعارض نصًّا خاصًّا قطعيًّا. ٢ - أن تكون ملائمة لمقاصد الشرع، وليس ذلك قاصرًا على الضروريات، بل تشمل الحاجيات، والتحسينات أيضًا (١). ٣ - أن لا تدخل مجال العبادات، وما جرى مجراها من الأمور الشرعية. فالمصلحة المرسلة تكون في باب المعاملات، والعادات، وما كان من باب الوسائل لتيسير العبادات. ٤ - أن تكون المصلحة محققة، أو يغلب على الظن تحققها.

стр. 1025

أما الموهومة، أو المظنونة ظنًّا ضعيفًا؛ فلا يجوز العمل بها. مثل: سلب الرجل الحق في الطلاق، وجعله بيد القاضي؛ لأن المنفعة في ذلك لا تساوي المنفعة التي تتحقق بتثبيت الطلاق بيد الرجل. وقيل: لا يشترط فيها أن تكون عامة كما اشترطها الإمام الغزالي وغيره؛ لأن هناك كثيرًا من المصالح الخاصة التي تراعيها الشريعة، مثل: حفظ المال من السرف بالحجر على السفيه، فذلك نفع لصاحب المال ليجده عند رشده، أو يجده وارثه. وكذلك مصلحة المرأة التي فقد زوجها، فقد أفتى عمر ﵁ أنها تنكح إن طالت بها المدة. وقد يقال إنها أيضًا عامة هنا لمصلحة هذا الجنس من السفهاء، أو جنس النساء. والله أعلم. ٥ - في المجتهد الذي يتبين المصلحة، أو يبني عليها الحكم؛ يجب أن يتصف بصفات المجتهد المعروفة من العلم بعلوم الشريعة، والتقوى، والورع، والبعد عن الهوى، ومسايرة الأهواء المشبوهة (١).

стр. 1026

٦ - ألا تؤدي إلى تفويت مصلحة أرجح منها، أو إلى ارتكاب مفسدة مساوية أو راجحة؛ لذلك امتنع النبي ﷺ من تغيير بناء الكعبة خوفًا من مفسدة ارتداد قريش عن الإسلام، ولا شك أن الحفاظ على إيمانهم وإسلامهم أرجح بكثير من تغيير بناء الكعبة. فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال لها: «يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهدٍ بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض وجعلت له بابين، بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، فبلغت به أساس إبراهيم» (١). وفي رواية: «ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض» (٢). • نماذج تطبيقية معاصرة للمصلحة المرسلة: ١ - في مجال السياسة الشرعية، وتشريع الأحكام والقوانين، ومن ذلك: أ- مبدأ فصل السلطات. ب- استحداث مؤسسة للقضاء، وتقسيم المحاكم حسب نوعية القضايا، فهناك محكمة الجنايات، والمحكمة التجارية، والابتدائية،

стр. 1027

والاستئناف. ج- تشريع القوانين التي تنظم حياة الناس، مثل: - قانون المرور والسير لضبط حركة المرور، وتقليل المخالفات التي تؤدي إلى إزهاق أرواح الناس. - قانون حماية البيئة للحد من التلوث المضر بالناس. - قوانين حماية الملكية الفكرية وبراءات الاختراعات. ٢ - في مجال الاقتصاد: مثل: إنشاء البنوك الإسلامية في العصر الحاضر، وإنشاء هيئة رقابية للبنك تراقب عمله، وتضبطه بضوابط الشرع (١).

стр. 1028

الفصل التاسع: سد الذرائع

стр. 1029

سد الذرائع معناها لغة: قال ابن منظور: الذريعة: الوسيلة. وقد تذرع فلان بذريعة أي توسل، والجمع ذرائع. والذريعة، مثل الدريئة: جملٌ يختل به الصيد يمشي الصياد إلى جنبه، فيستتر به، ويرمي الصيد إذا أمكنه، وذلك الجمل يسيب أولًا مع الوحش حتى تألفه. والذريعة: السبب إلى الشيء وأصله من ذلك الجمل. يقال: فلان ذريعتي إليك أي سببي ووصلتي الذي أتسبب به إليك. قال ابن الأعرابي: سمي هذا البعير الدريئة والذريعة، ثم جعلت الذريعة مثلًا لكل شيء أدنى من شيء، وقرب منه، وأنشد: وللمنية أسباب تقربها … كما تقرب للوحشية الذرع (١) واصطلاحًا: هو ما ظاهره مباح، ويتوصل به إلى محرم. وبيانه: أن يظهر عقدًا مباحًا يريد به محرمًا مخادعةً، وتوسلًا إلى

стр. 1030

فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق، ونحو ذلك. وذكر ابن قدامة صورة من التحايل على بيع العينة، ثم قال: وهكذا لو أقرضه شيئًا، أو باعه سلعة بأكثر من قيمتها، أو اشترى منه سلعة بأقل من قيمتها توصلًا إلى أخذ عوض عن القرض، فكل ما كان من هذا على وجه الحيلة فهو خبيث محرم، وبهذا قال مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: ذلك كله وأشباهه جائز إذا لم يكن مشروطًا في العقد، وقال أصحاب الشافعي: يكره أن يدخلا في البيع على ذلك؛ لأن كل ما لا يجوز شرطه في العقد يكره أن يدخلا عليه (١). وقال القرافي: الذريعة: الوسيلة إلى الشيء. ومعنى ذلك: حسم مادة وسائل الفساد دفعًا له، فمتى كان الفعل السالم عن المفسدة وسيلةً إلى المفسدة منعنا من ذلك الفعل، وهو مذهب مالك ﵀ (٢)، وهو أيضًا مذهب أحمد ﵀. قال الطوفي: ومن مذهبنا أيضًا سد الذرائع، وهو قول أصحابنا بإبطال الحيل، ولذلك أنكر المتأخرون منهم على أبي الخطاب، ومن

стр. 1031

تابعه عقد باب في كتاب الطلاق يتضمن الحيلة على تخليص الحالف من يمينه في بعض الصور، وجعلوه من باب الحيل الباطلة، وهي التوصل إلى المحرم بسبب مباح، وقد صنف شيخنا تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية ﵀ كتابًا بناه على بطلان نكاح المحلل، وأدرج جميع قواعد الحيل، وبين بطلانها بأدلته على وجه لا مزيد عليه (١). قال الزركشي: قال الباجي: ذهب مالك إلى المنع من الذرائع، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز منعها. وقال القرطبي: وسد الذرائع ذهب إليه مالك وأصحابه، وخالفه أكثر الناس تأصيلًا، وعملوا عليه في أكثر فروعهم تفصيلًا (٢). وقال القرطبي في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤]، التمسك بسد الذرائع وحمايتها، وهو مذهب مالك، وأصحابه، وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وقد دل على هذا الأصل الكتاب والسنة (٣).

стр. 1032

* الأدلة على قاعدة سد الذرائع: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾ [البقرة: ١٠٤]. قال القرطبي: ووجه التمسك بها أن اليهود كانوا يقولون ذلك، وهي سبٌّ بلغتهم، فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ؛ لأنه ذريعة للسبِّ. قال ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ : راعنا. على جهة الطلب والرغبة من المراعاة، أي التفت إلينا، وكان هذا بلسان اليهود سبًّا، أي اسمع لا سمعت، فاغتنموها وقالوا: كنا نسبه سرًّا، فالآن نسبه جهرًا. فكانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويضحكون فيما بينهم، فنزلت الآية، ونهوا عنها؛ لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ، وتقصد المعنى الفاسد فيه (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، فمنع من سبِّ آلهتهم مخافة مقابلتهم بمثل ذلك، وفي هذه دليل على وجوب الحكم بسد الذرائع. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ

стр. 1033

إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف: ١٦٣]. فحرم عليهم ﵎ الصيد في يوم السبت، فكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شُرَّعًا، أي: ظاهرة، فسدوا عليها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد، وكان السد ذريعة للاصطياد، فمسخهم الله قردة وخنازير، وذكر الله لنا ذلك في معنى التحذير عن ذلك. وقال ابن قدامة في «المغني»: ولنا أن الله تعالى عذب أمة بحيلة احتالوها، فمسخهم قردة، وسماهم معتدين، وجعل ذلك نكالًا وموعظة للمتقين ليتعظوا بهم، ويمتنعوا من مثل أفعالهم (١). قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾ [البقرة: ٦٥ - ٦٦]. قال بعض المفسرين: أي لأمة محمد ﷺ . ٤ - حرم الله تعالى الزنا، وحرم وسائله، وذرائعه: قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾

стр. 1034

[الإسراء: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] الآية. ونهى النساء عن إبداء الزينة لغير المحارم، قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية، ونهى عن التبرج فقال تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣] الآية. وأمر بالحجاب، ونهى عن الخلوة بالنساء إلى غير ذلك من ذرائع الوقوع في الفاحشة. ٥ - حديث النعمان بن بشير: «إن الحلال بيِّنٌ، وإن الحرام بيِّنٌ، وبينهما مشتبهاتٌ لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (١). فمنع من الإقدام على الشبهات مخافة الوقوع في الحرام؛ وذلك سدًّا

стр. 1035

للذريعة (١). ٦ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه»، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: «يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه» (٢)، وفي رواية: «ويسب أمه فيسب أمه» (٣). قال النووي ﵀: وفيه قطع الذرائع، فيؤخذ منه النهي عن بيع العصير ممن يتخذ الخمر، والسلاح ممن يقطع الطريق، ونحو ذلك، والله أعلم (٤). قال ابن حجر ﵀: قال ابن بطال: هذا الحديث أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم، والأصل في هذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] الآية، واستنبط منه الماوردي منع بيع الثوب الحرير ممن يتحقق أنه يلبسه، والغلام الأمرد ممن

стр. 1036

يتحقق أنه يفعل به الفاحشة، والعصير ممن يتحقق أنه يتخذه خمرًا (١). ٧ - عن عائشة أم المؤمنين ﵂، أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي ﷺ فقال: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بنوا على قبره مسجدًا، وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» (٢). قال القرطبي: قال علماؤنا: ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم إنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك، وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك (٣). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»،

стр. 1037

قالت: لولا ذاك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا (١). قال النووي: قال العلماء: إنما نهى النبي ﷺ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه، والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية (٢). ٨ - حديث ابن عمرقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم» (٣). قال أبو عبيد الهروي: العينة هو أن يبيع الرجل من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به، فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم، وقبضها، ثم باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى، ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضًا عينة، وهي أهون من الأولى، وهو جائز عند بعضهم. وسميت عينة؛ لحصول النقد لصاحب العينة، وذلك لأن العين هو

стр. 1038

المال الحاضر والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره (١). قال ابن القيم في بيان تحريم العينة: لأنها وسيلة إلى الربا، والوسيلة إلى الحرام حرام. ٩ - حديث عمر بن الخطاب ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات» (٢). قال ابن القيم: والمتوسل بالوسيلة التي صورتها مباحة إلى المحرم إنما نيته المحرم، ونيته أولى به من ظاهر عمله. قال ابن المنير: والاستدلال بهذا الحديث على سد الذرائع، وإبطال الحيل من أقوى الأدلة (٣). ١٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» (٤).

стр. 1039

١١ - حديث عمر بن الخطاب أنه بلغه أن فلانًا باع خمرًا، فقال: قاتل الله فلانًا، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها» (١). قال ابن القيم: جملوها يعني أذابوها وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم، ويحدث لها اسم آخر وهو الودك، وذلك لا يفيد الحل، فإن التحريم تابع للحقيقة، وهي لم تتبدل بتبدل الاسم. قال: ولهذا الأصل -وهو تحريم الحيل المتضمنة إباحة ما حرم الله، أو إسقاط ما أوجبه الله عليه- أكثر من مئة دليل، وقد ثبت أن النبي ﷺ لعن المُحَلِّل والمُحَلَّل له (٢)، مع أنه أتى بصورة عقد النكاح الصحيح، لما كان مقصوده التحليل، لا حقيقة النكاح. قال الترمذى: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم من

стр. 1040

أصحاب النبي ﷺ منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو، وغيرهم، وهو قول الفقهاء من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وذكر ابن القيم ﵀ تسعة وتسعين وجهًا لسد الذرائع المفضية إلى الحرام في كتابه القيم إعلام الموقعين (١). * قيمة سد الذرائع: قال ابن القيم: وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه. والثاني: وسيلة إلى المقصود. والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه. والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة. فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين (٢).

стр. 1041

* أقسام سد الذرائع: قال القرافي ﵀: وأما الذرائع فقد أجمعت الأمة على أنها ثلاثة أقسام: أحدها: معتبرٌ إجماعًا، كحفر الآبار في طرق المسلمين، وإلقاء السم في أطعمتهم، وسب الأصنام عند من يعلم من حاله أنه يسب الله تعالى حينئذٍ. وثانيها: ملغًى إجماعًا، كزراعة العنب، فإنه لا يمنع خشية الخمر، والشركة في سكنى الدور خشية الزنا، فلا يمنع من ذلك. وثالثها: مختلفٌ فيه، كبيوع الآجال، اعتبرنا نحن الذريعة فيها، وخالفنا غيرنا (١). وقال القرطبي: وعليه -أي سد الذرائع- بنى المالكية كتاب الآجال وغيره من المسائل في البيوع وغيرها، وليس عند الشافعية كتاب الآجال؛ لأن ذلك عندهم عقود مختلفة مستقلة، قالوا: وأصل الأشياء على الظواهر لا على الظنون، والمالكية جعلوا السلعة محللة ليتوصل بها إلى دراهم بأكثر منها، وهذا هو الربا بعينه فاعلمه (٢)، وبيوع الآجال

стр. 1042

هي بيع العينة، وتقدم إيضاحه. وقسم ابن القيم ﵀ الوسائل المفضية إلى المفاسد إلى أربعة أقسام: الأول: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة وليس لها ظاهر غيرها، مثل شرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر، والزنا المفضي إلى اختلاط الأنساب وفساد الفراش ونحو ذلك، فالشريعة جاءت بالمنع من هذا القسم كراهة، أو تحريمًا حسب درجات المفسدة. الثاني: وسيلة موضوعة للمباح لكن قصد بها التوسل إلى المفسدة، كمن يقصد بعقد النكاح التحليل، أو بعقد البيع الربا، ونحو ذلك. الثالث: وسيلة موضوعة للمباح يقصد بها التوسل إلى المفسدة، لكنها مفضية إليها غالبًا، ومفسدتها أرجج من مصلحتها، مثال: الصلاة في أوقات النهي من غير سبب، وسب آلهة المشركين بين ظهرانيهم، وتزين المتوفى عنها في زمن عدتها، ونحو ذلك. فهذان القسمان هما محل النظر، وهما اللذان دلل ابن القيم على سد الذرائع فيهما من تسعة وتسعين وجهًا. الرابع: وسيلة موضوعة للمباح، وقد تفضي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجح من مفسدتها.

стр. 1043

فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم، أو استحبابه، أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة والمفسدة (١). وهناك قسم خاص نبه عليه القرافي ﵀ وهو: أن تكون وسيلة المحرم غير محرمة إذا أفضت إلى مصلحة راجحة، كالتوسل إلى فداء الأسرى بدفع المال إلى العدو، والذي هو محرم عليهم للانتفاع به لكونهم مخاطبين بفروع الشريعة، وكدفع مال لرجل يأكله حرامًا حتى لا يزني بامرأة إذا عجز عن ذلك إلا به. وكدفع المال للمحارب حتى لا يقتل هو، وهو صاحب المال، واشترط مالك فيه اليسارة. قال: فحاصل القضية أنا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا، لا أنها خاصة بنا. واعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، ويكره، ويندب، ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة كالسعي للجمعة، والحج. وموارد الأحكام على قسمين: الأول: مقاصد، وهي المتضمنة للمصالح والمفاسد في أنفسها.

стр. 1044

الثاني: وسائل، وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها كحكم ما أفضت إليه من تحريمٍ أو تحليلٍ، غير أنها أخفض رتبةً من المقاصد في حكمها، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسطة، وينبه على اعتبار الوسائل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فأثابهم الله على الظمأ والنصب، وإن لم يكونا من فعلهم؛ لأنهما حصلا لهم بسبب التوسل إلى الجهاد الذي هو وسيلة لإعزاز الدين وصون المسلمين، فالاستعداد وسيلة الوسيلة (١). فمعنى فتح الذرائع: الأخذ بالذرائع إذا كانت النتيجة مصلحة؛ لأن المصلحة مطلوبة. تتمة: كيفية العلم بإفضاء الذرائع إلى مفسدة؟ ١ - بالتجربة والمشاهدة، كما في منع النبي ﷺ بيع الثمر قبل بدو الصلاح بعد ما رأى ما يفضي إليه من النزاع والشقاق. قال زيد بن ثابت ﵁: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ ،

стр. 1045

يتبايعون الثمار، فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدمان، أصابه مراض، أصابه قشام، عاهات يحتجون بها. فقال رسول الله ﷺ لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: «فإما لا، فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر»، كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم (١). فهنا نجد أن النبي ﷺ منع بيع الثمر قبل بدو الصلاح لما ظهر بالتجربة والمشاهدة كثرة النزاع الناتج عن أكل المال بالباطل، الذي هو مفسدة الغرر الكثير المحرم، فلما ظهر ذلك نهى عنه. ٢ - يعلم من الحوافز الفطرية، والسنن الاجتماعية والكونية، وإن لم يتحقق ذلك في الواقع، وهو ما عبر عنه شيخ الإسلام بأن الطبع متقاض لإفضائها، ومن هذا الباب النهي عن سب آلهة المشركين؛ لأن هذا يحفزهم على مبادلة السب بمثله وفق مبدأ المعاملة بالمثل، وهذا هو مقتضى الجبلة البشرية، ولا يلزم أن ننتظر حتى يتحقق غلبة مبادلتهم السب لنمتنع عن سب آلهتهم، وعلى هذا أكثر الذرائع المحرمة شرعًا (٢).

стр. 1046

كذلك ما كان طريقة العلوم، مثل علم الاقتصاد في إفضاء المعاملة إلى الربا، أو علم الطب في الإفضاء إلى الضرر، وهكذا. مسائل بنيت على أصل أو قاعدة سد الذرائع: ١ - أن النبي ﷺ كان يكف عن قتل المنافقين - مع كونه مصلحة-؛ لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس، وقولهم: إن محمدًا يقتل أصحابه (١). ٢ - حرم الله تعالى الخمر لما فيها من المفاسد الكثيرة، وحرم القطرة الواحدة منها، وحرم إمساكها للتخليل لئلا تتخذ القطرة ذريعة الى الحسوة، ويتخذ إمساكها للتخليل ذريعة إلى إمساكها للشرب. ٣ - حرم الخلوة بالأجنبية، ولو في إقراء القرآن سدًّا لذريعة ما يحاذر من الفتنة، وغلبات الطباع. ٤ - نهى عن التشبه بأهل الكتاب، ومن ذلك قوله ﷺ : «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (٢)، وقوله: «إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم» (٣).

стр. 1047

٥ - حرم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، وقال: «إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم» (١)، حتى لو رضيت المرأة بذلك لم يجز؛ لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرمة، كما علل به النبي ﷺ . ٦ - نهى النبي ﷺ أن يجمع الرجل بين سلف وبيع (٢)، وذلك لأن اقتران أحدهما بالآخر ذريعة إلى أن يقرضه ألفًا ويبيعه سلعة تساوي ثمانمائة بألف أخرى، فيكون قد أعطاه ألفًا وسلعة بثمانمائة ليأخذ منه ألفين، وهذا هو معنى الربا. ٧ - ما رواه البخاري، عن عبد الله بن سلام أنه قال لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري: إنك بأرضٍ الربا بها فاشٍ، إذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قتٍّ، فلا تأخذه فإنه ربا (٣). فنهى المقرض عن قبول الهدية من المقترض، وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى تأخير الدين لأجل الهدية، فيكون ربا، فإنه يعود

стр. 1048

إليه ماله، وأخذ الفضل الذي استفاده بسبب القرض. ٨ - أن الوالي والقاضي والشافع ممنوع من قبول الهدية، وهو أصل فساد العالم، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وتولية الخونة، والضعفاء والعاجزين، وقد دخل بذلك من الفساد ما لا يحصيه إلا الله، وما ذاك إلا لأن قبول الهدية ممن لم تجر عادته بمهاداته ذريعة إلى قضاء حاجته، وحبك الشيء يعمى ويصم، فيقوم عنده شهوة لقضاء حاجته مكافأة له مقرونة بشره، وإغماض عن كونه لا يصلح. ٩ - نهي المرأة إذا خرجت إلى المسجد أن تتطيب أو تصيب بخورًا (١)، وذلك لأنه ذريعة إلى ميل الرجال، وتشوفهم إليها، فإن رائحتها وزينتها وصورتها وإبداء محاسنها تدعو إليها، فأمرها أن تخرج تفلة، وأن لا تتطيب، وأن تقف خلف الرجال، وأن لا تسبح في الصلاة إذا نابها شيء، بل تصفق ببطن كفها على ظهر الأخرى، كل ذلك سدًّا للذريعة، وحماية عن المفسدة (٢). ١٠ - مسألة رتق غشاء البكارة: تمزق غشاء البكارة يحدث بأسباب مختلفة: جماع، أو وثبة، أو تعبث المرأة بيدها في فرجها، أو زنا، أو

стр. 1049

اغتصاب - والعياذ بالله-، ومن ثم اختلف الحكم: ١ - إذا كان سبب التمزق حادثة، أو فعلًا لا يعد في الشرع معصية، ولا جماعًا في نكاح صحيح ينظر، فإن غلب على الظن أن الفتاة ستلاقي عنتًا وظلمًا بسبب الأعراف السائدة كان إجراء الرتق واجبًا؛ لما فيه من دفع مفاسد يغلب على الظن وقوعها، فإن غلب وقوع المفسدة، ولو في المآل جعلت كالمفسدة الواقعة، وإن لم يغلب على الظن كان إصلاح الغشاء مندوبًا، لكنه غير واجب لما فيه من دفع مفاسد محتملة. ٢ - إن كان التمزق حصل بوطء من عقد نكاح صحيح، فإنه يحرم رتقه سواء كانت المرأة متزوجة، أو مطلقة، أو أرملة؛ لأنه لا مصلحة فيه، بل هو عندئذ نوع من العبث الذي لا يقره الشرع. ٣ - إذا كان التمزق بسبب زنا اشتهر بين الناس، سواء كانت نتيجة صدور حكم قضائي على الفتاة بالزنا، أو كانت نتيجة تكرار الزنا منها، وإعلانها بذلك، واشتهارها بالبغاء، ففي هذه الحالة يحرم على الطبيب رتق غشاء البكارة لعدم وجود مصلحة؛ ولأنه لا يخلو من مفسدة من الكذب والتدليس على الخاطب والزوج عندما تتزوج. ٤ - إن كان سبب التمزق زنا لم يشتهر، وتابت الفتاة من هذه المعصية، وهي مقبلة على الزواج، وتخشى الفضيحة؛ كان الطبيب مخيرًا في إجراء عملية الرتق، أو عدم إجرائها، وذهب بعض العلماء إلى

стр. 1050

عدم جوازه أيضًا؛ لما يترتب عليه من مفاسد من الغش والتدليس، وتساهل الفتيات في الزنا، وإقدام الأطباء على إجهاض الفتاة، ثم إجراء عملية الرتق، ودرء المفسدة هنا مقدم على جلب المصلحة (١). ٥ - إن كان سبب التمزق هو الاغتصاب والإكراه، فالأولى في هذه الحالة جوازه للستر عليها، وهي لا ذنب لها في ذلك، والله أعلم. قاعدة: كلما سقط اعتبار المقصد سقط اعتبار الوسيلة، فإنها تبع (٢). قال الشيخ السعدي في منظومته: وسائل الأمور كالمقاصد … واحكم بهذا الحكم للزوائد أي أن الوسائل تعطى أحكام المقاصد، فإذا كان مأمورًا بشيء كان مأمورًا بما لا يتم إلا به، وما يتم المسنون إلا به فهو مسنون، وكذلك الوسائل إلى سائر المعاصي المحرمة، وكذلك الزوائد أي المتممات مثل: الرجوع من الصلاة، والجهاد، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، ونحو ذلك (٣).

стр. 1051

* ضوابط العمل بقاعدة سد الذرائع: ١ - أن يكون الفعل المأذون فيه يفضي إلى المفسدة غالبًا، فإن كان إفضاؤه إلى المفسدة نادرًا لا غالبًا، فإنه لا يمنع ذلك، بل هو باق على الأصل. ٢ - أن تكون المفسدة المترتبة على فعل المأذون فيه مساوية لمصلحته، أو زائدة عليها، فما كان كذلك، فإنه يمنع؛ لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، وتقليل المفاسد وتعطيلها. ٣ - لا يشترط في العمل بسد الذرائع قصد المكلف إلى المفسدة، بل يكفي كثرة قصد ذلك في العادة؛ ذلك لأن القصد لا ينضبط في نفسه غالبًا، إذ إنه من الأمور الباطنة التي يصعب اعتبارها، فاعتبرت مظنة القصد، ولو صح تخلفه. ٤ - ما منع سدًّا للذريعة أبيح منه ما تدعو الحاجة إليه، كنظر الخاطب والطبيب إلى الأجنبية، فإنه يباح للحاجة إذا أمنت المفسدة (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية في جواز صلاة النوافل ذوات الأسباب في أوقات النهي: فالنهي عن الصلاة فيها هو من باب سد الذرائع لئلا

стр. 1052

يتشبه بالمشركين، فيفضي إلى الشرك، وما كان منهيًّا عنه لسد الذريعة لا لأنه مفسدة في نفسه يشرع إذا كان فيه مصلحة راجحة، ولا تفوت المصلحة لغير مفسدة راجحة، والصلاة لله فيه ليس فيها مفسدة، بل هي ذريعة إلى المفسدة، فإذا تعذرت المصلحة إلا بالذريعة شرعت، واكتفى منها إذا لم يكن هناك مصلحة، وهو التطوع المطلق، فإنه ليس في المنع منه مفسدة، ولا تفويت مصلحة لإمكان فعله في سائر الأوقات، وهذا أصل لأحمد، وغيره: في أن ما كان من باب سد الذريعة إنما ينهى عنه إذا لم يحتج إليه، وأما مع الحاجة للمصلحة فلا (١).

стр. 1053

الفصل العاشر: العرف أو العادة

стр. 1054

العرف أو العادة العرف لغة: ضد النكر، والمعروف: ضد المنكر. يقال: أولاه عرفًا، أي معروفًا، والعرف أيضًا: الاسم من الاعتراف، ومنه قولهم: له عليَّ ألفٌ عرفًا، أي اعترافًا، وهو توكيد، والعرف: عرف الفرس. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ [المرسلات: ١]، يقال هو مستعار من عرف الفرس، أي يتتابعون كعرف الفرس، ويقال: أرسلت بالعرف، أي بالمعروف (١). قال ابن فارس: «عرف» العين والراء والفاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تتابع الشيء متصلًا بعضه ببعض، والآخر على السكون والطمأنينة. فالأول العرف: عرف الفرس. وسمي بذلك لتتابع الشعر عليه، ويقال: جاءت القطا عرفًا عرفًا، أي بعضها خلف بعض، والأصل الآخر المعرفة والعرفان، تقول: عرف فلانٌ فلانًا عرفانًا ومعرفة. وهذا

стр. 1055

أمر معروف. وهذا يدل على ما قلناه من سكونه إليه؛ لأن من أنكر شيئًا توحش منه ونبا عنه. والعرف: المعروف، وسمي بذلك؛ لأن النفوس تسكن إليه. قال النابغة: أبى الله إلا عدله ووفاءه … فلا النكر معروف ولا العرف ضائع (١) والعرف: هو العادة الجارية بين الناس، أما عادات الإنسان الخاصة فلا تسمى عرفًا (٢). وهو ما تعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم (٣). واصطلاحًا: هو ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول (٤). وقال المرداوي: قال ابن عطية: معناه: كل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة. وقال ابن ظفر في (الينبوع): العرف ما عرفه العقلاء بأنه حسن، وأقرهم الشارع عليه (٥).
следующие страницы →