* ضوابط العمل بقاعدة سد الذرائع:
١ - أن يكون الفعل المأذون فيه يفضي إلى المفسدة غالبًا، فإن كان إفضاؤه إلى المفسدة نادرًا لا غالبًا، فإنه لا يمنع ذلك، بل هو باق على الأصل.
٢ - أن تكون المفسدة المترتبة على فعل المأذون فيه مساوية لمصلحته، أو زائدة عليها، فما كان كذلك، فإنه يمنع؛ لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، وتقليل المفاسد وتعطيلها.
٣ - لا يشترط في العمل بسد الذرائع قصد المكلف إلى المفسدة، بل يكفي كثرة قصد ذلك في العادة؛ ذلك لأن القصد لا ينضبط في نفسه غالبًا، إذ إنه من الأمور الباطنة التي يصعب اعتبارها، فاعتبرت مظنة القصد، ولو صح تخلفه.
٤ - ما منع سدًّا للذريعة أبيح منه ما تدعو الحاجة إليه، كنظر الخاطب والطبيب إلى الأجنبية، فإنه يباح للحاجة إذا أمنت المفسدة (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في جواز صلاة النوافل ذوات الأسباب في أوقات النهي: فالنهي عن الصلاة فيها هو من باب سد الذرائع لئلا
стр. 1052
يتشبه بالمشركين، فيفضي إلى الشرك، وما كان منهيًّا عنه لسد الذريعة لا لأنه مفسدة في نفسه يشرع إذا كان فيه مصلحة راجحة، ولا تفوت المصلحة لغير مفسدة راجحة، والصلاة لله فيه ليس فيها مفسدة، بل هي ذريعة إلى المفسدة، فإذا تعذرت المصلحة إلا بالذريعة شرعت، واكتفى منها إذا لم يكن هناك مصلحة، وهو التطوع المطلق، فإنه ليس في المنع منه مفسدة، ولا تفويت مصلحة لإمكان فعله في سائر الأوقات، وهذا أصل لأحمد، وغيره: في أن ما كان من باب سد الذريعة إنما ينهى عنه إذا لم يحتج إليه، وأما مع الحاجة للمصلحة فلا (١).
стр. 1053
الفصل العاشر:
العرف أو العادة
стр. 1054
العرف أو العادة
العرف لغة: ضد النكر، والمعروف: ضد المنكر.
يقال: أولاه عرفًا، أي معروفًا، والعرف أيضًا: الاسم من الاعتراف، ومنه قولهم: له عليَّ ألفٌ عرفًا، أي اعترافًا، وهو توكيد، والعرف: عرف الفرس. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ [المرسلات: ١]، يقال هو مستعار من عرف الفرس، أي يتتابعون كعرف الفرس، ويقال: أرسلت بالعرف، أي بالمعروف (١).
قال ابن فارس: «عرف» العين والراء والفاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تتابع الشيء متصلًا بعضه ببعض، والآخر على السكون والطمأنينة.
فالأول العرف: عرف الفرس. وسمي بذلك لتتابع الشعر عليه، ويقال: جاءت القطا عرفًا عرفًا، أي بعضها خلف بعض، والأصل الآخر المعرفة والعرفان، تقول: عرف فلانٌ فلانًا عرفانًا ومعرفة. وهذا
стр. 1055
أمر معروف. وهذا يدل على ما قلناه من سكونه إليه؛ لأن من أنكر شيئًا توحش منه ونبا عنه. والعرف: المعروف، وسمي بذلك؛ لأن النفوس تسكن إليه. قال النابغة:
أبى الله إلا عدله ووفاءه … فلا النكر معروف ولا العرف ضائع (١)
والعرف: هو العادة الجارية بين الناس، أما عادات الإنسان الخاصة فلا تسمى عرفًا (٢).
وهو ما تعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم (٣).
واصطلاحًا: هو ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطبائع بالقبول (٤).
وقال المرداوي: قال ابن عطية: معناه: كل ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة.
وقال ابن ظفر في (الينبوع): العرف ما عرفه العقلاء بأنه حسن، وأقرهم الشارع عليه (٥).
стр. 1056
فالحاصل أن العرف أو العادة: هو ما ألفه المجتمع واعتاده، وسار عليه الناس في حياتهم من قول أو فعل مما لا ترده الشريعة.
* أقسام العرف:
ينقسم بعدة اعتبارات:
قال الشاطبي: العوائد المستمرة ضربان:
أحدهما: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابًا أو ندبًا، أو نهى عنها كراهة أو تحريمًا، أو أذن فيها فعلًا وتركًا.
والضرب الثاني: هي العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه ولا إثباته دليل شرعي.
فأما الأول: فثابت أبدًا كسائر الأمور الشرعية، كما في سلب العبد أهلية الشهادة، وفي الأمر بإزالة النجاسات، والتأهب للمناجاة وستر العورات، وما أشبه ذلك من العوائد الجارية في الناس، فإنها من جملة الأمور الداخلة تحت أحكام الشرع، فلا تبديل لها، وإن اختلفت آراء المكلفين فيها، فلا يصح أن ينقلب الحسن فيها قبيحًا، ولا القبيح حسنًا، حتى يقال مثلًا: إن قبول شهادة العبد لا تأباه محاسن العادات الآن فلنجزه، أو أن كشف العورة الآن ليس بعيب ولا قبيح؛ فلنجزه، أو
стр. 1057
غير ذلك؛ إذ لو صح مثل هذا لكان نسخًا للأحكام المستقرة المستمرة، والنسخ بعد موت النبي صلى الله عليه و سلم باطل، فرفع العوائد الشرعية باطل (١).
وأما الثاني - وهو المراد فى هذا المبحث -، فهو أقسام:
١ - ينقسم من حيث القول والفعل إلى:
أ- العرف العملي: وهو ما اعتاده الناس من أعمال كالبيع بالمعاطاة، وتقسيم المهر إلى معجل، ومؤجل، ودخول الحمامات العامة بدون تعيين مدة المكث فيها، ولا مقدار الماء المستهلك، واعتبار تقديم الطعام للضيف إذنًا له بالتناول منه.
ب- العرف القولي: هو ما تعارف عليه الناس في بعض ألفاظهم بأن يريدوا بها معنى معينًا غير المعنى الموضوع لها، كتعارفهم لفظ الولد على الذكر دون الأنثى، واسم اللحم على غير السمك، وإطلاق اسم الدابة على ذوات الأربع من الحيوانات.
٢ - ينقسم من حيث غلبة العادة إلى:
أ- عوائد ثابتة أو عامة: وهي السائدة في سائر البلاد والأقاليم، كوجود شهوة الطعام، والشراب، والوقاع، والنظر، والكلام، والبطش،
стр. 1058
والغضب، وأشباه ذلك، فهي عادات بحكم الجبلة، وقد يكون العرف العامُّ قوليًّا أو فعليًّا.
ب- عادات خاصة أو عرف خاص: وقد يكون خاصًّا ببعض البلاد دون بعض كالنقود والعيوب، وبعض صفات المروءة، فمثلًا: كشف الرأس في بعض البلاد قبيح، ومن خوارم المروءة، وفي بعض البلاد الأخرى كأهل المغرب غير قادح في المروءة، وهذا أيضًا يكون قوليًّا، ويكون عمليًّا:
فالقولي: كاختلاف العبارات بحسب اصطلاح أرباب الصنائع في صنائعهم مع اصطلاح الجمهور، واختلاف ألفاظ المدح والذم من بلد لآخر، فاللفظ قد يكون مدحًا في بلد دون أخرى، وكذلك الذم.
والعملي: كتقسيم المهر إلى معجل ومؤجل في بعض البلدان.
٣ - ينقسم من حيث الصحة والفساد إلى:
أ- العرف الصحيح: هو ما لا يخالف نصًّا من نصوص الشريعة، ولا يفوت مصلحة معتبرة، ولا يجلب مفسدة راجحة، كتعارف الناس أن ما يقدمه الخاطب إلى مخطوبته من ثياب ونحوها يعتبر هدية، ولا يدخل في المهر، وكتعارف الناس عقد الاستصناع، وتقسيم المهر إلى مقدم ومؤخر.
стр. 1059
ب- العرف الفاسد: ما كان مخالفًا لنص الشارع، أو يجلب ضررًا، أو يدفع مصلحة كتعارف الناس استعمال العقود الباطلة، كالاستقراض بالربا من المصارف، أو من الأفراد، ومثل اعتيادهم الميسر كاليانصيب، وسباق الخيل، والورق، والنرد، ونحو ذلك، وكاعتياد النساء التبرج والسفور، فهذا عرف فاسد، وكاعتيادهم حرمان الإناث من الميراث في بعض البلدان، وكتعارف كثير من الناس كثيرًا من المنكرات في الأفراح والمآتم، وكتعارفهم على بيع الثمار قبل بدو صلاحها.
وحكمه: أنه لا تجب مراعاته؛ لأن في مراعاته معارضة دليل شرعي، أو إبطال حكم شرعي، فإذا تعارف الناس عقدًا من العقود الربوية، أو عقدًا فيه غرر وخطر؛ فلا يكون لهذا العرف أثر في إباحة هذا العقد.
حجية العرف:
العرف الصحيح الذي لا يخالف نصًّا، ولا يفوت مصلحة، ولا يجلب مفسدة راجحة يعتبر أصلًا عند العلماء من أصول الاستنباط تبنى عليه الأحكام، ومن أقوالهم الدالة على حجية العرف: العادة مُحَكَّمة، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا.
قال القرافي: والعادة غلبة معنى من المعاني على الناس، فهذه العادة
стр. 1060
يقضى بها عندنا (١).
وقال الشاطبي ﵀: العوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعًا كانت شرعية في أصلها، أو غير شرعية، أي سواء كانت مقررة بالدليل شرعًا، أمرًا، أو نهيًا، أو إذنًا، أو لا، أما المقررة بالدليل فأمرها ظاهر، وأما غيرها فلا يستقيم إقامة التكليف إلا بذلك، فالعادة جرت بأن الزجر سبب الانكفاف «بيانه: أن العادة جرت أن النفس تكف عن الجريمة، وتنزجر إذا علمت بالعقوبة» عن المخالفة، كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، فلو لم تعتبر العادة شرعًا لم يتحتم القصاص، ولم يشرع إذ كان يكون شرعًا لغير فائدة، وذلك مردود بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وكذلك البذر سبب لنبات الزرع، والنكاح سبب للنسل، والتجارة سبب لنماء المال عادة.
وجه ثان: أن الشرائع بالاستقراء إنما جيء بها على ذلك، ولنعتبر بشريعتنا، فإن التكاليف الكلية فيها بالنسبة إلى من يكلف من الخلق موضوعة على وزان واحد، أي التكاليف واحدة من الصلاة وغيرها، وهذا يدل على أن الشارع اعتبر العادات المطردة فيهم، ولو لم يعتبرها
стр. 1061
لما كان هناك مانع من اختلاف التشريع، واختلاف الخطاب (١).
وجه ثالث: وهو أنه لما قطعنا بأن الشارع جاء باعتبار المصالح؛ لزم القطع بأنه لا بد من اعتباره العوائد، لأنه إذا كان التشريع على وزان واحد دل على جريان المصالح على ذلك؛ لأن أصل التشريع سبب المصالح والتشريع دائم، فالمصالح كذلك، وهو معنى اعتباره للعادات في التشريع.
ووجه رابع: وهو أن العوائد لو لم تُعتَبر؛ لأدى إلى تكليف ما لا يطاق، وهو غير جائز أو غير واقع، وذلك أن الخطاب إما أن يعتبر فيه العلم والقدرة على المكلف به، وما أشبه ذلك من العاديات المعتبرة في توجيه المكلف أو لا، فإن اعتبر فهو ما أردنا، وإن لم يعتبر فمعنى ذلك أن التكليف موجه على العالِم والقادر، وعلى غير العالِم والقادر، وعلى من له مانع، ومن لا مانع له، وذلك عين تكليف ما لا يطاق (٢).
ومن الأدلة على حجية العمل بالعرف: اعتبار الشرع أعراف الناس في كثير من المسائل، ومن ذلك:
١ - النفقة على الزوجات والأولاد، فأمر تعالى بالنفقة ولم يحدد
стр. 1062
مقدارها، فهي حسب العرف والعادة، قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧].
وعن عائشة ﵂: أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (١).
قال النووي: وفي الحديث فوائد، ومنها: اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعي (٢).
وقال الحافظ ابن حجر: وفيه اعتماد العرف في الأمور التي لا تحديد فيها من قبل الشرع، وقال القرطبي: فيه اعتبار العرف في الشرعيات خلافًا لمن أنكر ذلك لفظًا، وعمل به معنى كالشافعية - كذا قال -، والشافعية إنما أنكروا العمل بالعرف إذا عارضه النص الشرعي، أو لم يرشد النص الشرعي إلى العرف (٣).
٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨] الآية.
стр. 1063
فالأمر بالاستئذان في الأوقات التي جرت العادة فيها بالابتذال، ووضع الثياب، فابتنى الحكم الشرعي على ما كانوا يعتادونه (١).
٣ - قوله ﷺ لحمنة بنت جحش: «تحيضي في علم الله ستًّا أو سبعًا كما تحيض النساء، وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن» (٢).
قال الخطابي: يشبه أن يكون ذلك منه ﷺ على غير وجه التحديد من الستة والسبعة، لكن على معنى اعتبار حالها بحال من هي مثلها، وفي مثل سنها من نساء أهل بيتها.
فإن كانت عادة مثلها أن تقعد ستًّا قعدت ستًّا، وإن سبعًا فسبعًا.
وقال أحمد ﵀ في المبتدأة غير المميزة: ترجع إلى الحالة الغالبة في النساء ستًّا أو سبعًا.
وقال ابن قدامة في أقل الحيض وأكثره: ولنا أنه ورد في الشرع مطلقًا من غير تحديد ولا حد له في اللغة، ولا في الشريعة، فيجب الرجوع فيه إلى العرف والعادة، كما في القبض، والإحراز، والتفرق وأشباهها (٣).
стр. 1064
٤ - قوله ﷺ : «المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة» (١).
وذلك أن أهل المدينة لما كانوا أهل نخل وزرع اعتبرت عادتهم في مقدار الكيل، وأهل مكة أهل تجارة اعتبرت عادتهم في الوزن، والمراد اعتبار ذلك فيما يتقدر شرعًا: كنصب الزكوات، ومقدار الديات، وزكاة الفطر، والكفارات، والسلم، والربا، وغير ذلك (٢).
وقيل: وينبني على هذه القاعدة ما اعتمده إمامنا وأصحابنا في أقل سن الحيض للمرأة، وأقل الحيض والطهر وأكثرهما، وثمن المثل، وكفء النكاح، وأكثر مدة الحمل وأقلها، وسن اليأس، ومهر المثل.
وضابط كل فعل رُتِّب عليه الحكم، ولا ضابط له في الشرع ولا في اللغة: كإحياء الموات، والحرز في السرقة، والأكل من بيت الصديق، وما يُعَدُّ قبضًا، وإيداعًا، وإعطاء، وهدية، وغصبًا، والمعروف في المعاشرة، وانتفاع المستأجر.
ومن ذلك أيضًا: الرجوع للعادة في تخصيص عين، أو فعل، أو
стр. 1065
مقدار، يحمل اللفظ عليه: كالألفاظ في الأيمان، والأوقاف، والوصايا، والأقارير، والتفويضات، وإطلاق الدينار، والدراهم، والصاع، والمد، والوسق، والقلة، والأوقية، وإطلاق النقود في الحمل على الغالب، وصحة المعاطاة بما يعده الناس بيعًا، وهذا كثير لا ينحصر في عد (١).
وقال ابن القيم: وقد أجري العرف مجرى النطق في أكثر من مئة موضع.
وذكر منها: نقد البلد في المعاملات، ودفع الوديعة إلى من جرت العادة بدفعها إليه من امرأة، أو خادم، أو ولد، وجواز التخلي في دار من أذن له بالدخول إلى داره، والشرب من مائه، والاتكاء على الوسادة المنصوبة، وأكل الثمرة الساقطة من الغصن الذي على الطريق، ومنها لو رأى شاة غيره تموت فذبحها حفظًا لمالكها عليه كان ذلك أولى من تركها تذهب ضياعًا.
ومنها: لو حذ ثماره، أو حصد زرعه، ثم بقي من ذلك ما يرغب عنه عادة جاز لغيره التقاطه وأخذه، وإن لم يأذن فيه لفظًا.
وهذا أكثر من أن نحصره، وعليه يخرج حديث عروة بن الجعد البارقي، حيث أعطاه النبي ﷺ دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى شاتين
стр. 1066
بدينار، فباع إحداهما بدينار، وجاءه بالدينار، والشاة الأخرى، فباع وأقبض وقبض بغير إذن لفظي، اعتمادًا منه على الإذن العرفي الذي هو أقوى من اللفظي في أكثر المواضع (١).
وقال الشيخ السعدي في منظومته:
والعرف معمول به إذا ورد … حكم من الشرع الشريف لم يحد
قال: وهذا معنى قول الفقهاء: العادة مُحَكَّمة. أي معمول بها، فإذا نص الشارع على حكم، وعلق به شيئًا، فإن نص على حده وتفسيره، وإلا رجع إلى العرف الجاري، وذلك كالمعروف في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وهو الذي جرى عليه عرف الناس.
وكذلك لفظ القبض والحرز، وألفاظ العقود كلها يرجع فيها إلى عرف الناس، ومن هذا: إذا أمر أمرًا حمَّالًا، ونحوه بعمل شيء من غير إجارة، فله أجرة عادته … إلخ (٢).
ومن القواعد المبنية على العرف: الشرط العرفي كالشرط اللفظي.
стр. 1067
قال ابن القيم: ومن هذا الشرط العرفي كاللفظي، وذلك كوجوب نقد البلد عند الإطلاق، ووجوب الحلول حتى كأنه مشترط لفظًا، فانصرف العقد بإطلاقه إليه، وإن لم يقتضه لفظه، ومنها السلامة من العيوب حتى يسوغ له الرد بوجود العيب تنزيلًا لاشتراط سلامة المبيع عرفًا منزلة اشتراطها لفظًا، ومنها وجوب وفاء المسلم في مكان العقد، وإن لم يشترطه لفظًا بناءً على الشرط العرفي، ومنها لو دفع ثوبه إلى من يعرف أنه يغسل، أو يخيط بالأجرة، أو عجينًا لمن يخبزه، أو لحمًا لمن يطبخه، أو حبًّا لمن يطحنه، أو متاعًا لمن يحمله، ونحو ذلك ممن نصب نفسه للأجرة على ذلك وجب له أجرة مثله، وإن لم يشترط معه ذلك لفظًا عند جمهور أهل العلم حتى عند المنكرين لذلك، فإنهم ينكرونه بألسنتهم ولا يمكنهم العمل إلا به (١).
ومن ذلك: منع النبي ﷺ عليًّا ﵁ أن يتزوج ابنة أبي جهل على فاطمة.
فعن المسور بن مخرمة: أنه سمع رسول الله ﷺ على المنبر، وهو يقول: «إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يحب ابن
стр. 1068
أبي طالب أن يطلق ابنتي، وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها» (١).
وفي رواية قال: ثم ذكر صهرًا له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إياه فأحسن، قال «حدثني فصدقني، ووعدني فأوفى لي، وإني لست أحرم حلالًا ولا أحل حرامًا، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله مكانًا واحدًا أبدًا» (٢).
وفي لفظ: «عند رجل واحد أبدًا» قال: فترك علي الخطبة (٣).
قال ابن القيم: فيؤخذ من هذا أن المشروط عرفًا كالمشروط لفظًا، وأن عدمه يملك الفسخ لمشترطه، وعلى هذا، فلو فرض أن المرأة من بيت لا يتزوج الرجل على نسائهم ضرةً، ولا يمكنونه من ذلك، وعادتهم مستمرة بذلك، كان كالمشروط لفظًا.
وكذلك لو كانت ممن يعلم أنها لا تمكن إدخال الضرة عليها عادةً لشرفها، وحسبها، وجلالتها كان ترك التزوج عليها كالمشروط لفظًا سواء.
стр. 1069
وعلى هذا فسيدة نساء العالمين، وابنة سيد ولد آدم أجمعين أحق النساء بهذا، فلو شرطه علي في صلب العقد كان تأكيدًا لا تأسيسًا (١).
* شروط اعتبار العرف لبناء الأحكام عليه:
١ - أن لا يكون مخالفًا للنص، بأن يكون عرفًا صحيحًا، فإن كان مخالفًا للنص فلا عبرة به، كالتعامل بالربا، وأخذ الرشوة، وإدارة الخمور في الولائم، ومنكرات الأفراح، وكشف العورات، فهذا ونحوه غير معتبر بلا خلاف.
قال السرخسي: وكل عرف ورد النص بخلافه فهو غير معتبر (٢).
٢ - أن يكون مطردًا أو غالبًا، ومعنى الاطراد: أن تكون العادة كلية، بمعنى أنها لا تتخلف، وقد يعبر بالعموم، أي يكون العرف مستفيضًا شائعًا بين أهله، معروفًا عندهم، معمولًا به من قبلهم.
ومعنى الغلبة: أن تكون أكثرية، بمعنى أنها لا تتخلف إلا قليلًا، والغلبة والاطراد إنما يعتبران إذا وجدا عند أهل العرف لا في الكتب الفقهية لاحتمال تغيرها.
قال السيوطي: إنما تعتبر العادة إذا اطردت، فإن اضطربت فلا، وإن
стр. 1070
تعارضت الظنون في اعتبارها فخلاف (١).
٣ - أن يكون العرف الذي يحمل عليه التصرف موجودًا وقت إنشائه، بأن يكون حدوث العرف سابقًا عن وقت التصرف، ثم يستمر إلى زمانه فيقارنه، وعلى هذا يجب تفسير حجج الأوقاف، والوصايا، والبيوع، ووثائق الزواج، وما يرد فيها من شروط في زمانهم لا على عرف حادث بعدهم.
قال السيوطي: العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر (٢).
وقال الشاطبي: العوائد التي تختلف باختلاف الأعصار، والأمصار، والأحوال، كهيئات اللباس، والمسكن، واللين في الشدة، والشدة فيه، والبطء والسرعة في الأمور، والأناة والاستعجال، وما كان نحو ذلك. فلا يصح أن يقضى به على من تقدم البتة، حتى يقوم دليل على الموافقة من خارج، فإذا ذاك يكون قضاء على ما مضى بذلك الدليل لا بمجرى العادة (٣).
стр. 1071
٤ - ألا يعارض العرف تصريح بخلافه، أي ألا يوجد قول أو عمل يفيد عكس مضمونه، إذ إن تحكيم العرف يعود إلى أن سكوت المتعاقدين عن الأمر المتعارف، وعدم اشتراطها إياه صراحة يعتبر إقرارًا منهما له، فإثبات الحكم العرفي في هذه الحالة هو من قبيل الدلالة، فإذا وقع تصريح بخلافه أصبحت هذه الدلالة باطلة لكون العرف أضعف من دلالة اللفظ، فيترجح جانبه عند المعارضة (١).
كما إذا كان العرف في السوق تقسيط الثمن، واتفق العاقدان صراحة على الأداء، أو كان العرف أن مصاريف التصدير على المشتري، واتفقا على أن تكون على البائع، أو كان العرف أن مصاريف تسجيل العقار في الشهر العقاري على المشتري، واتفق الطرفان على جعلها على البائع.
* من المسائل المبنية على العرف:
١ - خدمة المرأة لزوجها:
عن علي ﵁ أن فاطمة ﵂ اشتكت ما تلقى من الرحى في يدها، وأتى النبيَّ ﷺ سبيٌ، فانطلقت فلم تجده، ولقيت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي ﷺ أخبرته عائشة بمجيء فاطمة إليها،
стр. 1072
فجاء النبي ﷺ إلينا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم فقال النبي ﷺ : «على مكانكما»، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدمه على صدري، ثم قال: «ألا أعلمكما خيرًا مما سألتما، إذا أخذتما مضاجعكما، أن تكبرا الله أربعًا وثلاثين، وتسبحاه ثلاثًا وثلاثين، وتحمداه ثلاثًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم» (١).
قال علي: ما تركته منذ سمعته من النبي ﷺ ، قيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين (٢).
عن أسماء بنت أبي بكر قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء، غير فرسه، قالت: فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤونته، وأسوسه، وأدق النوى لناضحه، وأعلفه، وأستقي الماء، وأخرز غربه وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز لي جارات من الأنصار، وكن نسوة صدق، قالت: وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي، وهي على ثلثي فرسخ، … قالت: حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك بخادم، فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقتني (٣).
стр. 1073
وفي رواية: كنت أخدم الزبير خدمة البيت … الحديث (١).
قال ابن القيم: فاختلف الفقهاء في ذلك، فأوجب طائفة من السلف والخلف خدمتها له في مصالح البيت، وقال أبو ثور: عليها أن تخدم زوجها في كل شيء، ومنعت طائفة وجوب خدمته عليها، وممن ذهب إلى ذلك مالك والشافعى وأبو حنيفة وأهل الظاهر، قالوا: لأن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع، لا الاستخدام وبذل المنافع. قالوا: والأحاديث المذكورة إنما تدل على التطوع ومكارم الأخلاق، فأين الوجوب منها؟
واحتج من أوجب الخدمة: بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله سبحانه بكلامه، أي قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] وأما ترفيه المرأة، وخدمة الزوج، وكنسه، وطحنه، وعجنه، وغسيله، وفرشه، وقيامه بخدمة البيت، فمن المنكر، والله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، وإذا لم تخدمه المرأة، بل يكون هو الخادم لها، فهي القوامة عليه.
وأيضًا: فإن المهر في مقابلة البضع، وكل من الزوجين يقضى وطره
стр. 1074
من صاحبه، فإنما أوجب الله سبحانه نفقتها، وكسوتها، ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها وخدمتها، وما جرت به عادة الأزواج.
وأيضًا: فإن العقود المطلقة إنما تنزل على العرف، والعرف خدمة المرأة وقيامها بمصالح البيت الداخلة، وقولهم: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعًا وإحسانًا، يرده أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى من الخدمة، فلم يقل لعلي: لا خدمة عليها، وإنما هي عليك. وهو ﷺ لا يحابي في الحكم أحدًا، ولما رأى أسماء والعلف على رأسها والزبير معه، لم يقل له: لا خدمة عليها، وأن هذا ظلم لها. بل أقره على استخدامها، وأقر سائر أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية، هذا أمر لا ريب فيه (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتنازع العلماء: هل عليها أن تخدمه في مثل فراش المنزل، ومناولة الطعام، والشراب، والخبز، والطحن والطعام لمالكيه وبهائمه: مثل علف دابته ونحو ذلك؟ فمنهم من قال: لا تجب الخدمة. وهذا القول ضعيف كضعف قول من قال: لا تجب عليه العشرة والوطء. فإن هذا ليس معاشرة له بالمعروف؛ بل الصاحب في السفر الذي هو نظير الإنسان، وصاحبه في المسكن إن لم يعاونه على
стр. 1075
مصلحة لم يكن قد عاشره بالمعروف.
وقيل: وهو الصواب وجوب الخدمة؛ فإن الزوج سيدها في كتاب الله، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]؛ وهي عانية عنده بسنة رسول الله ﷺ ، وهو قوله ﷺ : «اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، وإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» (١).
وعلى العاني والعبد الخدمة؛ ولأن ذلك هو المعروف، ثم من هؤلاء من قال: تجب الخدمة اليسيرة. ومنهم من قال: تجب الخدمة بالمعروف. وهذا هو الصواب؛ فعليها أن تخدمه الخدمة المعروفة من مثلها لمثله، ويتنوع ذلك بتنوع الأحوال: فخدمة البدوية ليست كخدمة القروية، وخدمة القوية ليست كخدمة الضعيفة (٢).
وقال ابن جزى المالكي في باب النفقات: الواجب الثالث: نفقة الخادم. فإن كانت الزوجة ذات منصب وحال، والزوج مليء فليس عليها من خدمة بيتها شيء، ولزمه إخدامها، وإن كانت بخلاف ذلك والزوج فقير؛ فعليها الخدمة الباطنة من عجن، وطبخ، وكنس، وفرش،
стр. 1076
واستقاء ماء إذا كان معها في البيت، وليس عليها غزل، ولا نسج، وإن كان معسرًا فليس عليه إخدام، وإن كانت ذات منصب وحال، ولا تطلق عليه بذلك، وإذا وجب عليه الإخدام فلا يجب عليه شراء خادم، بل يجوز أن يستأجر (١).
٢ - اعتبار العادات في الأيمان:
فيرجع إليها في مطلق الأيمان، ولهذا قال الشافعي ﵀: فمن حلف لا يأكل الرؤوس، فأكل رؤوس الحيتان لا يحنث؛ لأن عادة المتكلمين بهذا الكلام قد جرت أنه يريد بهذا الرؤوس التي تبان من أجساد الحيوان، وتقصد بالأكل دون ما كان منها تبعًا لأبدانها، ولا يكاد القائل يقول: أكلت الرؤوس. وهو يريد رؤوس الحيتان، وإنما يقال هذا، ويراد به رؤوس الغنم، وما يشبهها من الحيوان (٢).
٣ - اعتبار العرف في اللباس:
اللباس من الأمور التي يكون الأصل فيها الإباحة، لكن لها ضوابط شرعية، سواء في لباس المرأة، أو لباس الرجل، فلا يكون مخالفًا لنص شرعي.
стр. 1077
ولا يكون ثوب شهرة، وهذا يضبط بعرف الناس حسب البلدان، فقد يكون الثوب معتادًا في بلد، ولا يكون معتادًا في آخر.
قال السيوطي: قال الإمام في باب الأصول والثمار: كل ما يتضح فيه اطراد العادة فهو المحكم، ومضمره كالمذكور صريحًا، وكل ما تعارض الظنون بعض التعارض في حكم العادة فيه، فهو مثار الخلاف.
قال الشيخ جاد الرب رمضان ﵀: قول الإمام: ومضمره كالمذكور صريحًا. المضمر هو الخفي، والمذكور أي المنطوق، فالخفي كالمنطوق صريحًا.
فمثلًا: بيع الثمرة قبل النضج، وهي في تلك الحالة عرضة للآفات، فكيف يباع ما ليس معلومًا قدرًا وصفة فإن كان العرف مطردًا؛ فلا يمنع ذلك البيع تنزيلًا للعرف منزلة الشرط، وإن لم يكن العرف مطردًا؛ فلا بد من النص، وعلى ذلك كل ما يتضح اطراد العادة فيه، فالاطراد محكم، وينزل العقد على ما جرت به العادة (١).
стр. 1078
* قواعد في العرف:
١ - العادة غير موجبة شيئًا بنفسها بحال، وإنما هي قرينة للواجبات، أو منبئة عن المقاصد فيها، كالغسل؛ فإن الله تعالى قال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولما كانت العادة جارية بأن يكون الغسل بالماء صرف الأمر إلى ذلك، وإن لم يجر له ذكر؛ لأن العادة جرت بذلك (١).
٢ - العرف يكون ملزمًا إذا اجتمعت الشروط السابقة أصبح العرف ملزمًا ومعتبرًا في التشريع، أي يتحتم العمل به في نظر الناس، وهذا معنى قول الفقهاء: المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، والمعروف بين التجار كالمشروط بينهم، والعادة مُحَكَّمة.
٣ - قال السيوطي: فصل في تعارض العرف مع الشرع، وهو نوعان:
أحدهما: أن لا يتعلق بالشرع حكم؛ فيقدم عليه عرف الاستعمال.
فلو حلف لا يأكل لحمًا لم يحنث بالسمك وإن سماه الله لحمًا، أو لا يجلس على بساط، أو تحت سقف، أو في ضوء سراج لم يحنث بالجلوس على الأرض، وإن سماها الله بساطًا، ولا تحت السماء، وإن سماها الله سقفًا، ولا في الشمس، وإن سماها الله سراجًا، أو لا يضع رأسه على وتد لم يحنث بوضعها على جبل، أو لا يأكل ميتة أو دمًا لم
стр. 1079
يحنث بالسمك والجراد والكبد والطحال، فقدم العرف في جميع ذلك؛ لأنها استعملت في الشرع تسمية بلا تعلق حكم وتكليف.
والثاني: أن يتعلق به حكم، فيقدم على عرف الاستعمال، فلو حلف لا يصلي لم يحنث إلا بذات الركوع والسجود، أو لا يصوم لم يحنث بمطلق الإمساك، أو لا ينكح حنث بالعقد لا بالوطء، أو قال: إن رأيتِ الهلال فأنت طالق. فرآه غيرها، وعلمت به طلقت حملًا له على الشرع، فإنها فيه بمعنى العلم لقوله: «إذا رأيتموه فصوموا» (١)(٢).
٤ - التقييد بالعرف المقارن للخطاب: اتفق العلماء على العرف العملي يقيد المطلق، فلو قال شخص لآخر موكلًا إياه: اشتر لي لحمًا، وكان ذلك في بلد اعتاد أهله أكل لحم الضأن، فإنه يتقيد في ذلك بشراء لحم الضأن دون غيره من أنواع اللحوم، بحيث لو اشترى غيره كان مخالفًا لإرادة الموكل، مع أن كلمة لحم مطلقة، ولكن الإطلاق مقيد بالعرف العملي.
стр. 1080
٤ - تخصيص العام بالعرف: اتفق الأصوليون على أن العرف القولي مخصص للعام.
قال ابن أمير حاج الحنفي: أما تخصيص العام بالعرف القولي، وهو أن يتعارف قوم إطلاق لفظ لمعنى بحيث لا يتبادر عند سماعه إلا ذاك المعنى فاتفاق.
وقال القرافي المالكي في «الفروق»: الفرق الثامن والعشرون: بين قاعدة العرف القولي يقضى به على الألفاظ، ويخصصها، وبين قاعدة العرف الفعلي لا يقضى به على الألفاظ، ولا يخصصها (١).
وقال الإسنوي: لا إشكال في أن العادة القولية تخصص العموم، نص عليه الغزالي، وصاحب المعتمد، والآمدي، ومن تبعه؛ لأن الحقيقة العرفية مقدمة على اللغوية (٢).
وقال ابن رجب الحنبلي في القاعدة الحادية والعشرين بعد المائة: في تخصيص العموم بالعرف، وله صورتان:
إحداهما: أن يكون قد غلب استعمال الاسم العام في بعض أفراده،
стр. 1081
حتى صار حقيقة عرفية، فهذا يختص به العموم بغير خلاف (١).
واختلف الأصوليون في تخصيص العام بالعرف العملي المقارن على قولين:
الأول: أن العرف العملي يخصص العام. وهذا قول الحنفية، وجمهور المالكية كالباجي، والقرطبي، وابن رجب الحنبلي.
الثاني: أن العرف العملي لا يخص العام. وهذا قول الشافعية، والحنابلة، وبعض المالكية كالقرافي.
والقول بالتخصيص هو الراجح قياسًا على تقييد المطلق بالعرف العملي.
وقد قال الشافعي في قوله ﷺ في حديث المعرور بن سويد: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» (٢).
قال الشافعي: هذا كلام مجمل يجوز أن يكون على الجواب، فسأل السائل عن مماليكه، وهو إنما يأكل تمرًا أو شعيرًا أو أدنى ما يقدر عليه
стр. 1082
من الطعام، ويلبس صوفًا أو أدنى ما يقدر عليه من اللباس، فقال: «أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون»، وكان أكثر حال الناس فيما مضى ضيقة، وكان كثير ممن اتسعت حاله مقتصدًا فهذا يستقيم.
قال: والسائلون عرب، ولبوس عامتهم، وطعامهم خشن، ومعاشهم ومعاش رقيقهم متقارب، فأما من لم تكن حاله هكذا، وخالف معاش السلف والعرب، وأكل رقيق الطعام، ولبس جيد الثياب، فلو آسى رقيقه كان أكرم وأحسن، فإن لم يفعل فله ما قال رسول الله ﷺ : «للمملوك طعامه، وكسوته بالمعروف» (١)، والمعروف عندنا المعروف لمثله في بلده الذي به يكون، ولو أن رجلًا كان لبسه الوشي، والخز، والمروي، والقصب وطعمته النقي، وألوان لحم الدجاج والطر لم يكن عليه أن يطعم مماليكه، ويكسوهم مثل ذلك، فإن هذا ليس بالمعروف للمماليك (٢).
فلهذا خص الشافعي ﵀ عموم الشرع بعادات المكلفين في تلك الأزمان.
стр. 1083
ومثال ذلك: هل يأكل الناذر من نذره؟
ذهب الحنفية، والشافعية إلى عدم جواز أكل الناذر من المنذور مطلقًا.
قال الكسائي الحنفي في «بدائع الصنائع» في كتاب الحج: ولا يجوز له أن يأكل من دم النذر شيئًا.
وجملة الكلام فيه أن الدماء نوعان: نوع يجوز لصاحب الدم أن يأكل منه، وهو دم المتعة، والقران، والأضحية، وهدي التطوع إذا بلغ محله، ونوع لا يجوز له أن يأكل منه، وهو دم النذر، والكفارات، وهدي الإحصار، وهدي التطوع إذا لم يبلغ محله؛ لأن الدم في النوع الأول دم شكر، فكان نسكًا، فكان له أن يأكل منه، ودم النذر دم صدقة، وكذا دم الكفارة في معناه؛ لأنه وجب تكفير الذنب (١).
وقال الإمام العمراني الشافعي: فإن كان نذر مجازاة بأن قال: إن شفى الله مريضي، أو قدم غائبي فعلي لله أن أهدي، أو أضحي شاة. لم يجز له أن يأكل منها؛ لأنه لزمه على وجه المجازاة فهو كجزاء الصيد (٢).
стр. 1084
وذهب الحنابلة إلى عدم جواز أكل الناذر من الذبيحة المنذورة، عدا الأضحية فيجوز له الأكل منها.
قال ابن قدامة: وعن أحمد أنه لا يأكل من المنذور، وجزاء الصيد ويأكل مما سواهما، وهو قول ابن عمر، وعطاء، والحسن، وإسحاق؛ لأن جزاء الصيد بدل، والنذر جعله لله تعالى بخلاف غيرهما، وقال ابن أبي موسى: لا يأكل من الكفارة أيضًا، ويأكل مما سوى هذه الثلاثة، ونحوه مذهب مالك (١).
وذهب المالكية إلى أن الناذر إذا عين النذر للمساكين باللفظ أو النية؛ فلا يجوز له الأكل منه، وإن لم ينذر أو ينو يجوز له الأكل منه (٢).
فالناذر إن نوى في نذره أن يأكل منه أكل، وإن لم ينو، أو أطلق، فلا يأكل إلا أن تكون العادة الجارية في بلده أن الشخص إذا نذر شيئًا مما يؤكل أكل منه، فحينئذ يجوز له أن يأكل منه بناءً على العرف والعادة في ذلك، فيكون كلٌّ من العرف والنية مخصصًا للجزء الذي يأكله، فلا يكون داخلًا في المنذور به.
стр. 1085
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: مصرف نذر الطاعة على ما نواه به صاحبه في حدود الشريعة المطهرة، فإن نوى باللحم الذي نذره للفقراء؛ فلا يجوز له أن يأكل منه، وإن نوى بنذره أهل بيته أو الرفقة التي هو أحدهم جاز له أن يأكل كواحد منهم؛ لقوله ﵊: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (١)، وهكذا لو شرط ذلك في نذره أو كان ذلك هو عرف بلاده (٢).
تنبيه:
المراد بتخصيص العرف للعمومات هنا أقوال الناس التي خرجت منهم بصيغة العموم، فإن العرف يخصصها؛ إذ أول ما يتبادر لذهن المتكلم هو عرفه، بخلاف ما يأتي إن شاء الله تعالى - في مبحث العام والخاص في المجلد الثالث - وأن الجمهور على عدم تخصيص العام بالعرف، فالمراد بالعام هناك العام الوارد في كلام الله، وكلام رسوله ﷺ .
стр. 1086
* من الكتب المهمة في موضوع العرف والعادة:
١ - قاعدة العادة مُحَكَّمة. دراسة نظرية تأصيلية تطبيقية، د. يعقوب الباحسين، دار الرشد.
٢ - المسائل الفقهية المبنية على العرف عند شيخ الإسلام ابن تيمية، إعداد: مشعل بن حمود بن فالح النفيعي.
٣ - العرف وتطبيقاته المعاصرة، د. سعود بن عبد الله الورقي.
٤ - إعلام الموقعين لابن القيم.
٥ - الأشباه والنظائر للسيوطي.
стр. 1087
الفصل الحادي عشر:
الاستقراء
стр. 1088
الاستقراء
الاستقراء لغة: التفحص والتتبع (١)، تتبع الجزئيات للوصول إلى نتيجة كلية (٢).
واصطلاحًا: هو تصفح أمور جزئية لنحكم بحكمها على أمر يشتمل على تلك الجزئيات (٣).
* أنواع الاستقراء:
١ - استقراء عام، وهو تصفح جميع الجزئيات ليحكم بحكمها على كلي يشملها.
أو هو ثبوت حكم كلي في الماهية لثبوته في كل جزئياتها، مثل كل حيوان متحرك، كل إنسان ناطق.
стр. 1089
أو تتبع الأفراد، فيوجد الحكم في كل صورة منها، ما عدا الصورة التي فيها النزاع؛ فيعلم أن الصورة المتنازع فيها حكمها حكم الصور الأخرى التي ليست محل النزاع.
حكمه: هو حجة بلا خلاف، وهو عند أكثرهم يفيد القطع (١).
مثاله: استدلال الجمهور بالاستقراء على أن أهل مكة لا بد أن يخرجوا إلى الحل للإحرام بالعمرة.
وبيانه: أن تتبع أفراد النسك، دل على أن كل نسك من حج، أو قران، أو عمرة، غير صورة النزاع لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم، حتى يكون صاحب النسك زائرًا قادمًا على البيت من خارج كما قال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]، فالمحرم بالحج، أو القران من مكة لا بد أن يخرج إلى عرفات، وهي في الحل، والآفاقيون يأتون من الحل لحجهم وعمرتهم، فجميع صور النسك غير صورة النزاع، لا بد فيها من الجمع بين الحل
стр. 1090
والحرم، فيعلم بالاستقراء التام أن صورة النزاع -وهي اشتراط خروج أهل مكة للحل للإحرام بالعمرة- لا بد فيها من الجمع أيضًا بين الحل والحرم (١).
٢ - الاستقراء الناقص: هو تصفح أغلب الجزئيات ليحكم بحكمها على كلي يشملها.
أو: هو ثبوت حكم كلي في الماهية لثبوته في أغلب جزئياتها.
مثل: كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ.
وإنما كان هذا استقراءً ناقصًا؛ لأن التمساح لا يحرك فكه الأسفل فالحكم مختلف فيه.
حكمه: مختلف فيه، فمن الأصوليين من قال: لا يفيد الحكم لا قطعًا، ولا ظنًّا، ومن هؤلاء الإمام الرازي، وقد نص على ذلك في «المحصول».
ومنهم من قال: يفيد الحكم ظنًّا، ولا يفيده قطعًا، وهو رأي الجمهور، ومنهم البيضاوي.
مثاله: استدلال الشافعية على عدم وجوب الوتر، بأن النبي ﷺ صلاه على الراحلة.
واستقراء أفعاله ﷺ أداءً وقضاءً أثبت أنه لم يفعل الواجبات على