الكتاب، كعمر وابن مسعود، وغيرهم إن قالوا مما لا يدرك بالاجتهاد ولا بالعقل؛ فهذه الأقوال حجة لها حكم الرفع، وإن لم يصرحوا بنسبتها إلى النبي ﷺ (١).
خلاصة ما سبق:
أن قول الصحابي حجة بشروط، وهي:
١ - أن يكون الصحابي من الفقهاء المعتبرين، فإن كان من الصحابة الذين ليسوا بمعتبرين، ولا ممن عهد منهم العلم، فقوله ليس بحجة كقول سائر الناس مثل رجال البادية.
٢ - ألا يخالف نصًّا، فإن خالف نصًّا أخذ بالنص مهما كان الصحابي، ولو كان من أفقه الصحابة.
٣ - ألا يعارضه قول صحابي آخر، فإن عارضه قول صحابي آخر طلب المرجح من الكتاب والسنة، واتبع ما ترجح من القولين.
стр. 982
ب- إذا فعل الصحابي فعلًا، واشتهر بين الصحابة، ولم ينكر فهو قويٌّ يقوى بعدم الإنكار (١).
تتمة وتلخيص:
في حجية قول الصحابي، يقول الدكتور محمود عبد الرحمن: نكتة المسألة والتي ذهل عنها الذاهلون أن قول الصحابي إن تضمن دليلًا كان حجة وإن لم يصرح بالدليل، وإن لم يتضمن دليلًا كان غير حجة في نفسه، ويرجح بينه وبين غيره من الأقوال المرجحات المعلومة، وهذا الدليل المتضمن يعرف بالقرائن، وكلهم حائمون في أقوالهم حول القرينة، فمنهم من يجعلها ما لا مجال للرأي فيه، وبعضهم يعبر عنها بموافقة القياس، وبعضهم رأى العكس، وهو أن مخالفة القياس قرينة وجود نقل لم ينقل، وإنما نقل مدلوله، وهو على صورة فتوى الصحابي، ومن قبل مطلقًا، فالقرينة عنده كونه صحابيًّا وَرِعًا لا يصدر في قول إلا عن دليل، وهذا هو المعهود في الصحابة، وأما القائل بالمنع مطلقًا فاكتفى بالرواية إذ ما من شيء يهم من أمر الدين إلا نقل (٢).
стр. 983
* مسائل فقهية بنيت على أقوال الصحابة:
١ - مسألة القصر للمسافر:
قال ابن رشد: ذهب مالك، والشافعي، وأحمد، وجماعة كثيرة إلى أن الصلاة تقصر في أربعة برد «البريد: أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال فيكون الأربعة برد ستة عشر فرسخًا = ٤٨ ميلًا، والميل البري = ١٦٠٩ مترًا، والميل البحري = ١٨٥٢ مترًا» (١).
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والكوفيون: أقل ما تقصر فيه الصلاة ثلاثة أيام، وإن القصر إنما هو لمن سار من أفق إلى أفق.
وقال أهل الظاهر: القصر في كل سفر قريبًا كان أو بعيدًا.
والسبب في اختلافهم: معارضة المعنى المعقول من ذلك اللفظ؛ وذلك أن المعقول من تأثير السفر في القصر أنه لمكان المشقة الموجودة فيه مثل تأثيره في الصوم، وإذا كان الأمر على ذلك فيجب القصر حيث المشقة.
أما الذين اعتبروا المشقة، فسببه اختلاف الصحابة في ذلك، وذلك أن مذهب الأربعة برد روي عن ابن عمر، وابن عباس، ومذهب الثلاثة
стр. 984
أيام مروي أيضًا عن ابن مسعود وعثمان وغيرهما (١).
وانظر الآثار الواردة عن هؤلاء الصحابة في مصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، والبيهقي في سننه عن ابن عباس، وابن عمر: كان يصليان ركعتين، ويفطران في أربعة برد مما فوق ذلك (٢).
٢ - إذا طهرت الحائض بعد العصر أو قبل الغروب تصلي الظهر، والعصر، وإذا طهرت قبل الفجر تصلي المغرب والعشاء.
قال ابن قدامة في «المغنى»: وإذا تطهرت الحائض، وأسلم الكافر، وبلغ الصبي قبل أن تغرب الشمس صلوا الظهر والعصر، وإن بلغ الصبي، وأسلم الكافر، وطهرت الحائض قبل أن يطلع الفجر صلوا المغرب والعشاء، وروي هذا القول في الحائض تطهر عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، وطاووس، ومجاهد، والنخعي، والزهري، وربيعة، ومالك، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، قال الإمام أحمد: عامة التابعين يقولون بهذا القول، إلا الحسن وحده قال: لا تجب إلا الصلاة التي طهرت في وقتها وحدها. وهو قول الثوري وأصحاب الرأي؛ لأن وقت الأولى خرج في حال عذرها.
стр. 985
ولنا: ما روى الأثرم وابن المنذر وغيرهما بإسنادهم عن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عباس أنهما قالا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة: تصلي المغرب والعشاء، فإذا طهرت قبل أن تغرب الشمس صلت الظهر والعصر جميعًا (١).
٣ - سجود التلاوة:
ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه سنة، والدليل ما رواه مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد، وسجد الناس معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى، فتهيأ الناس للسجود، فقال: على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا، إلا أن نشاء. فلم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا.
وكان هذا بمحضر من الصحابة، فلم ينكر عليه أحد، ولم ينقل عن
стр. 986
أحد منهم خلاف، فيكون إجماعًا (١).
٤ - بيع العينة: وهي أن يشتري ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، وتسمى بيع الآجال، واختلف فيها:
أ- ذهب مالك، وأبو حنيفة، وأحمد إلى عدم جواز العقد؛ لأسباب:
١ - سدًّا لذريعة الربا.
٢ - ما أخرجه عبد الرزاق من حديث عائشة ﵂، وقد سألتها أم ولد زيد بن أرقم قالت: يا أم المؤمنين، إني بعت زيد بن أرقم جاريةً إلى عطائه بثمانمائة درهم نسيئة، واشتريتها منه بستمائة نقدًا، فقالت لها: بئس ما اشتريت، وبئس ما اشترى، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب (٢).
قالوا: وهذا الوعيد لا يقال من قبل الرأي؛ فله حكم المرفوع (٣).
ب- ذهب الشافعي ﵀ إلى الجواز، وحجته القياس.
стр. 987
قال: ولو اختلف بعض أصحاب النبي ﷺ في شيء، فقال بعضهم فيه شيئًا، وقال بعضهم بخلافه كان أصل ما نذهب إليه أنا نأخذ بقول الذي معه القياس، والذي معه القياس زيد بن أرقم، وجملة هذا أنا لا نثبت مثله على عائشة مع أن زيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالًا، ولا يبتاع مثله، فلو أن رجلًا باع شيئًا، أو ابتاعه نراه نحن محرمًا، وهو يراه حلالًا لم نزعم أن الله يحبط من عمله شيئًا (١).
واحتج بأن القياس صحة البيعة الأولى، وصحة البيعة الثانية كما لو باعها لغيره، أو باعها له بمثل الثمن أو أكثر.
٥ - إرث المطلقة البائن إذا طلقت في مرض الموت.
اختلف فيها على قولين:
الأول: ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أنها ترثه، وحجتهم في ذلك قضاء عثمان ﵁ بذلك؛ لما روى مالك، عن ابن شهاب، عن طلحة بن عبد الله بن عوف: أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته البتة، وهو مريض، فورثها عثمان منه بعد انقضاء عدتها (٢).
قال ابن قدامة: واشتهر ذلك في الصحابة فكان إجماعًا، وامرأته هذه
стр. 988
هي تماضر بنت الأصبغ الكلبية (١).
الثاني: ذهب الشافعي في الجديد من مذهبه إلى أنه لا إرث لها، وأن حكم الطلاق في حال الصحة والمرض سواء، واستدل بأمور منها:
١ - أن الزوج لا يرث الزوجة في هذه الحالة، وكذلك لا ترثه هي، وأنه لا يملك رجعتها، وأنها لا تعتد بوفاته عدة وفاة أربعة أشهر وعشرًا، بل تعتد عدة مطلقة، وأنه ينكح أختها، وأربعًا سواها، فكل هذا يدل على أنها ليست بزوجة، وإن الله أقام التوارث بين الزوجين ما داما زوجين (٢).
стр. 989
الفصل الثامن:
المصالح المرسلة
стр. 990
المصالح المرسلة أو الاستصلاح
* تعريف المصلحة المرسلة:
المصلحة لغة: المنفعة (١).
قال ابن منظور: والصلاح ضد الفساد، والإصلاح الصلاح، والمصلحة واحدة المصالح.
والاستصلاح: نقيض الاستفساد، وأصلح الشيء بعد فساده: أقامه وأزال فساده (٢)، صلح صلاحًا: زال عنه الفساد، صلح الشيء صلاحًا: كان نافعًا أو مناسبًا، واستصلح الشيء: طلب إصلاحه، والصلاح: الاستقامة والسلامة من العيب (٣).
والاستصلاح: استفعال من صلح يصلح، وهو اتباع المصلحة المرسلة، فإن الشرع أو المجتهد يطلب صلاح المكلفين باتباع
стр. 991
المصلحة المذكورة ومراعاتها.
والمصلحة: جلب نفع أو دفع ضر؛ لأن قوام الإنسان في دينه ودنياه، وفي معاشه ومعاده بحصول الخير، واندفاع الشر، وإن شئت قلت: بحصول الملائم، واندفاع المنافي.
مثاله: أن الإنسان لما كان يؤذيه غلبة الحر والبرد، احتاج في الصيف إلى رقيق اللباس، والتعرض للهواء البارد بالجلوس في أماكنه، وتبريدها بالماء ونحو ذلك؛ ليحصل له الروح الموافق، ويندفع عنه الكرب المنافي، وفي الشتاء على العكس من ذلك (١).
والمرسلة: من أرسل الشيء: أطلقه وأهمله.
وحديث مرسل: إذا كان غير متصل الإسناد، وجمعه مراسيل.
والمرسلة: قلادة تقع على الصدر (٢).
وأرسل الشعر: أطلقه.
وشِعرٌ مرسل: لا يتقيد بقافية واحدة (٣).
والمرسلة: مأخوذة من الإرسال، وهو الخلو التام، وكذا الإطلاق
стр. 992
عن التقييد، ومن ذلك قولك: أرسلت الطائر من يدي، إذا أطلقته، وأرسلت الكلب إرسالًا: أطلقته من غير تقييد.
وقال المطرزي: الأملاك المرسلة: هي المطلقة التي تثبت بدون أسبابها من الإرسال خلاف التقييد، ومنه الوصية بالمال المرسل يعني: المطلق من غير تقييد بصفة الثلث أو الربع (١).
فسميت مرسلة؛ لأنها لم تعتبر، ولم تلغ.
والمصالح المرسلة اصطلاحًا:
قال الخوارزمي: والمراد بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق.
وفسره الإمام الغزالي: بأن يوجد معنى يشعر بالحكم مناسب له عقلًا، ولا يوجد أصل متفق عليه، والتعليل المصور جارٍ فيه (٢).
وقيل هي: عبارة عن المصالح الملائمة لمقاصد الشارع، ولا يشهد لها أصل خاص بالاعتبار أو الإلغاء.
وقيل هي: الوصف المناسب الملائم الذي يترتب على تشريع
стр. 993
الحكم معه تحصيل منفعة أو دفع مضرة، ولم يقم دليل معين على اعتبار تلك المصلحة أو اعتبار إلغائها (١).
وقيل: أن يرى المجتهد أن هذا الفعل يجلب منفعة راجحة، وليس في الشرع ما ينفيه (٢).
قاعدة: الدين مبني على جلب المصالح، ودرء المفاسد.
فآيات القرآن تمدح الإصلاح، وتأمر به، وتذم الفساد، وتنهى عنه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ [البقرة: ١١ - ١٢].
وجعل الإصلاح من شروط التوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].
وأمر بإصلاح الوصية الجائرة، ولا إثم على من غيرها ليصلح ما فيها من جور وإثم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾ [البقرة: ١٨٢].
١١٧].
قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ [هود: ١١٧] أي أهل القرى. ﴿بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] أي: بشرك وكفر. ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: ١١٧] أي: فيما بينهم في تعاطي الحقوق، أي: لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد، كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان، وقوم لوط باللواط، ودل هذا على أن المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشرك، وإن كان عذاب الشرك في الآخرة أصعب.
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)﴾ [يونس: ٨١].
وقال صالح لقومه في التحذير من الفساد: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾ [الشعراء: ١٥٠ - ١٥٢].
ووصفهم الله تعالى بالفساد، فقال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾ [النمل: ٤٨].
ومدح تعالى من يريدون الإصلاح ويسعون لذلك، ووعدهم بالتوفيق، فقال في المطلقات: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا
стр. 996
إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وفي الصلح بين الزوجين، قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]، إلى غير ذلك من الآيات.
وفي مصالح الدنيا يأمر الله تعالى بالإصلاح وينهى عن الفساد كما رأيت في الآيات السابقة، ومن ذلك أيضًا قوله ﷺ في حديث تأبير النخل: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه» (١).
فهذه قاعدة جليلة، تنبني عليها أحكام كثيرة.
قال الشيخ الشنقيطي ﵀: وهنالك أصول أربعة أخرى محل اجتهاد الأصوليين، وهي مما تمس الحاجة إليها وهي:
١ - شرع من قبلنا.
٢ - قول الصحابي إذا لم يوجد له مخالف من الصحابة.
٣ - استصحاب الأصل، أو البراءة الأصلية.
٤ - المصالح المرسلة، أو الاستصلاح، وهي في الحقيقة أخطر هذه الأصول من حيث دقة البحث، وسعة الجوانب، وشدة الحاجة
стр. 997
المتجددة.
ومكمن الخطر في ادعاء المصلحة؛ لأنه ادعاء عام، وكلٌّ يدعيه لبحثه فيما يذهب إليه، ولن يذهب مجتهد فقط إلى حكم في مسألة لا نص فيها إلا وادعى أنه ذهب لتحقيق المصلحة، ولكن أي المصالح يعنون، إن المصلحة الإنسانية الخاصة أمر نسبي، وكل يدعيها فيما يذهب إليه، ومن هنا كان الخطر.
ولكن حقيقة المصلحة: هي المصلحة الشرعية التي تتمشى مع منهج الشرع في عمومه وإطلاقه، لا خاصة ولا نسبية، فهي التي يشهد لها الشرع الذي جاء لتحقيق مصالح جميع العباد، ومراعاة جميع الوجوه؛ لأن الشرع لا يقر مصلحة تتضمن مفسدة مساوية لها، أو راجحة عليها ظهر أمرها أو خفي على باحثها؛ لأن الشارع حكيم عليم.
كما أن المصلحة الشرعية تراعي أمر الدنيا والآخرة معًا، فلا تعتبر مصلحة دنيوية إذا كانت تستوجب عقوبة أخروية.
وفي هذا يكمن الفرق الأساسي بين المصلحة عند القانونيين الذين يقولون: حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله. وبين الأصوليين الشرعيين الذين يصدق على منهجهم أنه حيثما وجد الشرع فثم مصلحة العباد.
стр. 998
فإذا لم يوجد نص للشرع اجتهد العالم في النازلة ليرى هل هي محققة لمصلحة مما جاء الشرع لتحقيقها في العقيدة، أو النفس، أو المال، أو العرض، أو النسب، وأنها خالية من مفسدة تضر ببعض هذه الضرورات أم لا (١).
* أسماء المصلحة:
قال العز بن عبد السلام: ويعبر عن المصالح والمفاسد بالخير والشر، والنفع والضر، والحسنات والسيئات؛ لأن المصالح كلها خيور نافعات حسنات، والمفاسد بأسرها شرور مضرات سيئات، وقد غلب في القرآن استعمال الحسنات في المصالح، والسيئات في المفاسد (٢).
قال الشاطبي: والشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل، ودرء المفاسد عنهم.
وقال العز بن عبد السلام: الشريعة كلها مصالح إما درء مفاسد، أو جلب مصالح (٣).
وقال ابن القيم: إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم، ومصالح
стр. 999
العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه (١).
قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].
قال قتادة: صدقًا فيما قال، وعدلًا فيما حكم (٢). أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة، كما قال: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٣).
تنبيه: قسم العز بن عبد السلام أكساب العباد إلى ضربين: أحدهما: ما هو سببٌ للمصالح، وهو أنواع:
أحدها: ما هو سبب لمصالح دنيوية.
стр. 1000
الثاني: ما هو سبب لمصالح أخروية.
الثالث: ما هو سبب لمصالح دنيوية وأخروية.
قال: وكل هذه الأكساب مأمور بها، ويتأكد الأمر بها على قدر مراتبها في الحسن والرشاد.
الضرب الثاني: من الأكساب ما هو سبب للمفاسد، وهو أنواع:
أحدها: ما هو سبب لمفاسد دنيوية.
الثاني: ما هو سبب لمفاسد أخروية.
الثالث: ما هو سبب لمفاسد دنيوية وأخروية.
وكل هذه الأكساب منهي عنها، ويتأكد النهي عنها على قدر مراتبها في القبح والفساد (١).
وقال ﵀: وأما مصالح الآخرة ومفاسدها فلا تعرف إلا بالنقل (٢).
وقال في موضع آخر: أما مصالح الآخرة وأسبابها ومفاسدها فلا تعرف إلا بالشرع، فإن خفي منها شيء طلب من أدلة الشرع، وهي
стр. 1001
الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس المعتبر، والاستدلال الصحيح.
وأما مصالح الدنيا وأسبابها ومفاسدها، فمعروفة بالضرورات، والتجارب، والعادات، والظنون المعتبرات، فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته (١).
قلت: الضرورات: الأشياء التي تدرك بالحس مثل: لذة الحلو.
والتجارب: مثل الزراعة والصناعة.
والظنون المعتبرة: مثل ظن التاجر الربح.
وقوله: فإن خفي شيء من ذلك طلب من أدلته. قد يدل الشرع عليها مثل الأحاديث الواردة في الطب، والسفر رحمة بمن ليس له تجربة، وتأكيدًا لمن له تجربة، وحتى يثاب بموافقة الشرع.
فالمعيار الصحيح للمصلحة المعتبرة هو قصد الشرع، وأدلته دون الأهواء، وشهوات الناس، فالعقل وحده لا يستقل بدرك المصالح والمفاسد.
وأما قول الإمام العز بن عبد السلام: ومن أراد معرفة المناسبات، والمصالح، والمفاسد راجحها ومرجوها؛ فليعرض ذلك على عقله
стр. 1002
بتقدير أن الشرع لم يرد به، ثم يبني عليه الأحكام (١).
فمعناه المصالح الدنيوية التي لم يهدرها الشرع، أما مصالح الآخرة فلا تدرك إلا بالنقل كما قيل قبل ذلك (٢).
* فصل: تقسيم المصالح بالنسبة إلى شهادة الشرع لها بالاعتبار.
القسم الأول: ما شهد الشرع باعتباره:
وهو القياس الذي تقدم، وهي المصالح التي اعتبرها الشارع مصالح لدخولها في فلك النصوص، ومقاصد الشريعة، وهي بهذه حجة على كل مسلم لا يجوز إهمالها ولا استبدالها، ويعرف هذا الاعتبار بأحد مسالك العلة السابقة كالنص، والإيماء، والإجماع … إلخ.
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فهذا نص في اعتبار الذكورة والأنوثة في الميراث (٣).
ومثل: اعتبار الإسكار بالنسبة إلى تحريم الخمر، والصغر بالنسبة
стр. 1003
إلى الولاية على المال (١).
وربما كانت أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها، أو تباح لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى مصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظًا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد، بل لكونها المقصودة من شرعها لأدائها إلى المصالح المقصودة من شرعيتها كقطع السراق، وقطع الطريق، وقتل الجناة، ورجم الزناة، وجلدهم وتغريبهم، وكذلك التعزيرات، كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقية، وتسميتها بالمصالح من مجاز تسمية السبب باسم المسبب (٢).
فهذه المصالح اعتبرها الشارع، وإن كان في ظاهرها مفاسد لكونها تؤدي إلى مصالح أكبر منها.
القسم الثاني: ما شهد الشرع بعدم اعتباره:
نحو المنع من زراعة العنب لئلا يعصر خمرًا؛ إذ في زراعته من المنافع الكثيرة التي تربو على تلك المفسدة.
стр. 1004
ونحو: المنع من الشركة في سكنى الدور بين الرجال والنساء خشية الزنا، فهذه مصلحة ملغاة لما فيها من المفاسد ما يربو على تلك المصلحة، وقد أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على جواز مساكنة الرجال والنساء في البلد الواحد، ولم ينقل عن أحد أنه قال يجب عزل النساء والرجال؛ لأن مصلحة تعاون الذكور والإناث على الدين والدنيا في البلد الواحد، بأن يكون الرجل ونساؤه في دارهم يتعاونون بأن يقدم كل بما يليق به من الخدمة أرجح من مصلحة قطع الذريعة إلى الزنا باجتماع الجنسين في البلد الواحد.
ومثال استلزام المصلحة مفسدة راجحة أو مساوية: كما لو طلب المسلمون فداء أسراهم من الكفار، فامتنع الكفار أن يقبلوا الفداء إلا بسلاح يعلم به أن ذلك السلاح ييسر لهم قتل عدد الأسارى أو أكثر من المسلمين.
ومثال ما شهد الشرع ببطلانه أيضًا: قول من يقول: أن الموسر كالملك ونحوه يتعين عليه الصوم في كفارة الوطء في رمضان، ولا يخير بينه وبين العتق والإطعام؛ لأن فائدة الكفارة الزجر عن الجناية على العبادة، ومثل هذا لا يزجره العتق والإطعام لكثرة ماله، فيسهل عليه أن يعتق رقابًا في قضاء شهوته، وقد لا يسهل عليه صوم ساعة، فيكون الصوم أزجر له، فيتعين.
стр. 1005
فهذا وأمثاله ملغى غير معتبر؛ لأنه تغيير للشرع بالرأي وهو غير جائز، ولو أراد الشرع ذلك، لبينه أو نبه عليه في حديث الأعرابي أو غيره؛ إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإيهام التسوية بين الأشخاص في الأحكام مع افتراقهم فيها لا يجوز (١).
والله تعالى قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣].
والشرع لا يلغي اعتبار مصلحة، ويحكم بإهدارها إلا لتحصيل مصلحة أخرى أهم في نظر الشرع منها؛ لأن عتق الرقبة وإخراجها من الرق أهم في نظر الشرع من التضييق على الملك أو الغني بالصوم لينزجر بالتكفير بذلك (٢).
القسم الثالث: ما لم يشهد الشرع باعتباره ولا إلغائه:
وهي المصلحة المرسلة، وإنما قيل لها مصلحة؛ لأن المفروض تضمن الوصف المذكور لإحدى المصالح الثلاث: إما درء المفاسد وهو المعروف بالضروريات، وإما جلب المصالح وهو المعروف بالحاجيات، وإما الجري على مكارم الأخلاق وأحسن العادات وهو المعروف بالتحسينات أو التتميمات.
стр. 1006
وقيل لها: مرسلة. لإرسالها أي إطلاقها عن دليل خاص يقيد ذلك الوصف بالاعتبار أو بالإهدار (١).
* أسماؤها:
١ - المصالح المرسلة.
٢ - الاستدلال المرسل.
٣ - أطلق إمام الحرمين وابن السمعاني عليها اسم: الاستدلال.
٤ - الاستصلاح: أي طلب المصلحة.
٥ - المناسب المرسل، أو المرسل الملائم، أو المناسب الملائم (٢).
وهذا القسم على ثلاثة أضرب:
الأول: التحسيني الواقع موقع التحسين والتزيين، ورعاية حسن المناهج في العبادات والمعاملات، وحسن الأدب في السيرة بين الناس، كصيانة المرأة عن مباشرة عقد نكاحها بإقامة الولي مباشرًا لذلك؛ لأن المرأة لو باشرت عقد نكاحها، لكان ذلك منها مشعرًا بما لا يليق
стр. 1007
بالمروءة من غلبة القحة، وقلة الحياء، وتوقان نفسها إلى الرجال، فمنعت من ذلك حملًا للخلق على أحسن المناهج وأجمل السير (١).
قال الشاطبي: وأما التحسينات، فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق.
وهي جارية في العبادات، وفي العادات، وفي المعاملات، وفي الجنايات، ففي العبادات كإزالة النجاسة وستر العورة، وأخذ الزينة، والتقرب بنوافل الخيرات من الصدقات، والقربات، وفي العادات، كآداب الأكل والشرب، ومجانبة المآكل النجسات، والمشارب المستخبثات، والإسراف، والإقتار في المتناولات، وفي المعاملات، كالمنع من بيع النجاسات، وفضل الماء والكلأ، وسلب العبد منصب الشهادة والإمامة، وسلب المرأة منصب الإمامة، وإنكاح نفسها، وفي الجنايات، كمنع قتل الحر بالعبد، أو قتل النساء والصبيان والرهبان في الجهاد (٢).
الضرب الثاني: الحاجي أي الواقع في رتبة الحاجة، أي تدعو إليه
стр. 1008
الحاجة، كتسليط الولي على تزويج الصغيرة؛ لحاجة تقييد الكفء خشية أن يفوت، فإن ذلك مما يحتاج إليه، ويحصل بحصوله نفع، ويلحق بفواته ضرر، وإن لم يكن ضروريًّا قاطعًا (١).
وقال الشاطبي: وأما الحاجيات، فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين -على الجملة- الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة.
قال: وهي جارية في العبادات، والعادات، والمعاملات، والجنايات: ففي العبادات كالرخص المخففة بالنسبة إلى لحوق المشقة بالمرض، والسفر، وفي العادات كإباحة الصيد، والتمتع بالطيبات مما هو حلال، مأكلًا، ومشربًا، وملبسًا، ومسكنًا، ومركبًا، وما أشبه ذلك، وفي المعاملات كالقراض، والمساقاة، والسلم، وإلغاء التوابع في العقد على المتبوعات، كثمرة الشجر، ومال العبد، وفي الجنايات كالحكم باللوث، والتدمية، والقسامة، وضرب الدية على العاقلة، وتضمين الصناع، وما أشبه ذلك (٢).
стр. 1009
قال الطوفي تبعًا للغزالي: ولا يصح التمسك بهذين الضربين المذكورين من المصلحة -وهما التحسيني والحاجي- من غير أصل يشهد لهما بالاعتبار (١).
قال الغزالي: لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل؛ لأنه يجري مجرى وضع الشرع بالرأي فهو كالاستحسان، فإن اعتضد بأصل فذاك قياس وسيأتي (٢).
الضرب الثالث: الضروري، أي الواقع في رتبة الضروريات، وهي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج، وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين.
وهذه الضروريات هي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض والنسب، والمال. والحفظ لها يكون بأمرين:
أحدهما: ما يقيم أركانها، ويثبت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود.
والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع، أو المتوقع فيها، وذلك عبارة
стр. 1010
عن مراعاتها من جانب العدم.
فحفظ الدين من جانب الوجود: بالأمر بالإيمان، والنطق بالشهادتين، وأركان الإسلام، ومن جانب العدم: شرع الجهاد، عقوبة المرتد، والداعي إلى البدعة، وغير ذلك.
وحفظ النفس من جانب الوجود: إباحة الطعام والشراب، وما يحتاج إليه الإنسان، ومن جانب العدم: تحريم قتل النفس، شرع القصاص، الدية، وغير ذلك.
وحفظ العقل من جانب الوجود: أباح الطعام والشراب، والتداوي، وغيرها، ومن جانب العدم: حرم المسكرات، وشرع حد شارب الخمر؛ لأنها تزيل العقل، وبقاء العقل مقصود للشرع؛ لأنه آلة الفهم، وحامل الأمانة، ومحل الخطاب، والتكليف.
وحفظ العرض والنسل من جانب الوجود: أباح النكاح، وشرع للرضاع أحكام، والحضانة، والنفقات، وغير ذلك، ومن جانب العدم: حرم الزنا، وشرع الحد فيه، وحرم القذف؛ لأن في الاعتداء على العرض اختلاط الأنساب، وتلطيخ الفراش، وانقطاع التعهد عن الأولاد.
وحفظ المال من جانب الوجود: أباح المعاملات المالية كالبيع، والسلم، والقراض، والتجارة، وسائر الصنائع، ومن جانب العدم: حرم
стр. 1011
السرقة، وعاقب عليها، وحرم الربا، والغرر، والغش، والاختلاس، وأكل أموال الناس بالباطل، وغير ذلك.
واعتبار المصالح المرسلة قصرها الغزالي في «المستصفى»، والطوفي في «شرح مختصر الروضة» على الضروريات، لكن الغزالي في شفاء الغليل عمم القول بها في الضروريات، والحاجيات، فقال بعد ذكر الضروريات والحاجيات: ثم للشرع في هذا الجنس نوع تصرف، فلا ينبغي أن نغفل عنه، وهو إدارة الحكم على أمارة المصلحة من غير تتبع وجه المصلحة، وإنما الغرض التنبيه على مراتب المناسب، وأن حاصل جملتها يرجع إلى رعاية المقاصد، وأن المقصود قد يقع في محل الحاجة، وقد يقع في محل الضرورة، وقد يعلم كونها مقصودًا من جهة الشرع على القطع، وقد يظن ذلك (١).
وقال في موضع آخر: أما الواقع من المناسبات في رتبة الضرورات، أو الحاجات -كما فصلناها-، فالذي نراه فيها: أنه يجوز الاستمساك بها إن كان ملائمًا لتصرفات الشرع، ولا يجوز الاستمساك بها إن كان غريبًا لا يلائم القواعد (٢).
стр. 1012
وهذا هو الأولى؛ لأن الحاجة إذا كانت عامة تنزل منزلة الضرورة.
* أقوال العلماء في الاحتجاج بالمصلحة المرسلة:
القول الأول: جواز التمسك بالمصالح مطلقًا.
وهو مذهب مالك وبعض الشافعية ورجحه الطوفي (١).
وقال القرافي: لنا أن الله تعالى إنما بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام لتحصيل مصالح العباد عملًا بالاستقراء، فمهما وجدنا مصلحة غلب على الظن أنها مطلوبة للشرع.
وقال: قد تقدم أن المصلحة المرسلة في جميع المذاهب عند التحقيق؛ لأنهم يقيسون ويفرقون بالمناسبات، ولا يطلبون شاهدًا بالاعتبار، ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك (٢).
قال: وإمام الحرمين قد عمل في كتابه المسمى ب «الغياثي» أمورًا وجوزها وأفتى بها، والمالكية بعيدون عنها، وجسر عليها، وقالها للمصلحة المطلقة، وكذلك الغزالي في «شفاء الغليل» مع أن الاثنين شديدا الإنكار علينا في المصلحة المرسلة.
стр. 1013
قال الزركشي: قال البغدادي في «جنة الناظر»: لا تظهر مخالفة الشافعي لمالك في المصالح، فإن مالكًا يقول: إن المجتهد إذا استقرأ موارد الشرع ومصادره أفضى نظره إلى العلم برعاية المصالح في جزئياتها وكلياتها، وألَّا مصلحة إلا وهي معتبرة في جنسها، لكنه استثنى من هذه القاعدة كل مصلحة صادمها أصل من أصول الشريعة.
قال: وما حكاه أصحاب الشافعي عنه لا يعدو هذه المقالة؛ إذ لا أخص منها إلا الأخذ بالمصلحة المعتبرة بأصل معين، وذلك مغاير للاسترسال الذي اعتقدوه مذهبًا، فبان أن من أخذ بالمصلحة غير المعتبرة، فقد أخذ بالمرسلة التي قال بها مالك، إذ لا واسطة بين المذهبين (١).
واستدل القائلون بهذا القول بأدلة منها:
١ - ما جاء في رواية الصحيحين: وانتهرها بعض أصحابه، فقال: اصدقي رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لها به. فقالت: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر (٢).
قال ابن حجر: المراد بقوله: حتى أسقطوا لها به. يقال: أسقط
стр. 1014
الرجل في القول إذا أتى بكلام ساقط. والمراد: حتى صرحوا لها بالأمر، فلهذا تعجبت.
قال الشنقيطي: وبريرة مسلمة، وانتهارها من غير ذنب أذى لها بلا موجب، وأذى المسلم حرام، وكان مستند من انتهرها هو مطلق المصلحة المرسلة، ولم ينكر النبي ﷺ ذلك، فهو تقرير منه للعمل بالمصلحة المرسلة في الجملة (١).
٢ - أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا يعملون بها من غير أن يخالف منهم أحد، فقد عملوا أمورًا لمطلق المصلحة، لا لتقدم شاهد بالاعتبار، نحو نقط المصحف وشكله وكتابته؛ لأجل حفظه في الأولين من التصحيف، وفي الثالث من الذهاب والنسيان، ولم يتقدم في هذه الأمور أمر ولا نظير.
٣ - حرق عثمان ﵁ للمصاحف، وجمع الناس على مصحف واحد خوف الاختلاف، وكان ذلك بمحضر من الصحابة كما صرح بذلك علي بن أبي طالب، حيث قال: يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف،
стр. 1015
وإحراق المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعًا (١).
٤ - تولية أبي بكر لعمر؛ لأنه لا مستند له فيها إلا المصلحة المرسلة على التحقيق، وقول بعضهم إنه من القياس خلاف الظاهر، يعنون قياس العهد على العقد.
٥ - ترك عمر الخلافة شورى بين ستة؛ لأن النبي ﷺ توفي وهو عنهم راض (٢).
٦ - تدوين الدواوين، وعمل السكة للمسلمين، واتخاذ السجن لمعاقبة أهل الجرائم، فعل ذلك عمر ﵁.
٧ - هدم عثمان الدور المجاورة للمسجد عند ضيق المسجد لأجل مصلحة توسعته، وزاد الأذان الأول للجمعة عند الزوراء لكثرة الناس، ثم نقله هشام إلى المسجد، وكل ذلك لمطلق المصلحة (٣).
стр. 1016
القول الثاني: منع التمسك بها مطلقًا.
قال الزركشي: وهو قول الأكثرين منهم القاضي وأتباعه، وحكاه ابن برهان عن الشافعي، قال الإمام: وبه قال طوائف من متكلمي الأصحاب (١).
وقال الآمدي: وقد اتفق الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم على امتناع التمسك به، وهو الحق (٢).
وقال ابن قدامة: والصحيح أن ذلك ليس بحجة (٣).
وهذا مذهب الظاهرية الذين التزموا بالنصوص، وقد اعتبروا أن المصالح هي ما وردت بظاهر النصوص، فأخذوها عن طريقه، ورفضوها إذا لم يدل النص عليها دلالة ظاهرة، فكان ذلك رفضًا للمصالح المرسلة (٤).
стр. 1017
القول الثالث: إذا كانت المصلحة ملائمة لأصل كلي من أصول الشرع، أو لأصل جزئي، جاز بناء الأحكام عليها، وإلا فلا.
ونسبه ابن برهان في «الوجيز» إلى الشافعي، وقال: إنه الحق المختار.
وقال إمام الحرمين: ذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة إلى اعتماد تعليق الأحكام بالمصالح المرسلة، بشرط ملاءمته للمصالح المعتبرة المشهود لها بالأصول، لكن إذا قيدناه بهذا انسلخت المسألة من المصالح المرسلة، فإنه إذا شرط التقريب من الأصول الممهدة، وفسره بالملاءمة كان من باب القياس في الأسباب فيكون من قسم المعتبر، وبه يخرج عن الإرسال، ويعود النزاع لفظيًّا (١).
القول الرابع: إذا كانت تلك المصلحة ضرورية قطعية كلية كانت معتبرة:
فإن فقد أحد هذه الثلاثة لم تعتبر، وهذا اختيار الغزالي والبيضاوي.
والمراد بالضرورية: ما يكون من الضروريات الخمس التي يجزم بحصول المنفعة منها، والكلية: أن تعم جميع المسلمين، لا لو كانت
стр. 1018
لبعض الناس دون البعض، أو في حالة مخصوصة (١).
قال الغزالي ﵀: الواقع في الرتبتين الأخيرتين -الحاجيات والتحسينات- لا يجوز الحكم بمجرده إن لم يعتضد بشهادة أصل، إلا أنه يجري مجرى الشرع بالرأي، فهو كالاستحسان، فإن اعتضد بأصل فذاك قياس، أما الواقع في رتبة الضرورات، فلا بُعْد في أن يؤدي إليه اجتهاد، وإن لم يشهد له أصل معين.
ومثاله: أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم لصدمونا، وغلبوا على دار الإسلام، وقتلوا كافة المسلمين، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلمًا معصومًا لم يذنب ذنبًا، وهذا لا عهد به في الشرع، ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين، فيقتلونهم، ثم يقتلون الأسارى أيضًا، فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حال، فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع؛ لأنا نعلم قطعًا أن مقصود الشرع تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل، فكان هذا التفاتًا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصود الشرع لا بدليل واحد، بل بأدلة خارجة عن الحصر، لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق، وهو قتل
стр. 1019
من لم يذنب غريب لم يشهد له أصل معين، فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معين، وانقدح اعتبارها باعتبار ثلاثة أوصاف أنها ضرورة قطعية كلية (١).
لكن ذهب الغزالي في (شفاء الغليل) إلى اعتبار الحاجيات أيضًا، فقال: أما الواقع من المناسبات في رتبة الضرورات، أو الحاجات -كما فصلناها-، فالذي نراه فيها: أنه يجوز الاستمساك بها إن كان ملائمًا لتصرفات الشرع، ولا يجوز الاستمساك بها إن كان غريبًا لا يلائم القواعد (٢).
* سبب الخلاف في العمل بالمصلحة المرسلة:
ويرجع سبب الخلاف في العمل بالمصلحة المرسلة إلى اختلافهم في معنى الإرسال، فإنه قد يراد به معنيان:
الأول: قد يراد به أنه يوكل أمر تقدير المصلحة إلى العقول البشرية دون التقيد باعتبار الشارع، أو عدم اعتباره لها.
الثاني: قد يراد به ألا يتقيد المجتهد في حكمه على ما يستجد من الأحداث المختلفة بالقياس على أصل منصوص عليه، وأن يتقيد
стр. 1020
بالمصالح والأهداف التي رمى إليها الشارع، ولو أن العلماء اتفقوا على أحد هذين المعنيين للإرسال ما اختلفوا في حكم العمل بالمصلحة المرسلة.
فإن من أنكر العمل بها لاحظ المعنى الأول، ولهذا يقول الشافعي ﵀ حينما ينكر العمل بها: القول بالاستحسان قول بأن الله تعالى ترك بعض مصالح خلقه، فلم يشرع من الأحكام ما يحققه لهم، أو يحفظه عليهم، وهو مناقض لقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦].
ويقول الغزالي: كل مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فُهِم من الكتاب، والسنة، والإجماع، وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع، فهي باطلة مطرحة، ومن صار إليها فقد شرع، كما أن من استحسن فقد شرع.
ومن جوز العمل بها لاحظ المعنى الثاني؛ ولهذا يقول الغزالي: وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودًا بالكتاب والسنة والإجماع؛ فليس خارجًا من هذه الأصول، لكنه لا يسمى قياسًا، بل مصلحة مرسلة؛ إذ القياس أصل معين، وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات، فتسمى لذلك مصلحة