* من الكتب المهمة في موضوع العرف والعادة:
١ - قاعدة العادة مُحَكَّمة. دراسة نظرية تأصيلية تطبيقية، د. يعقوب الباحسين، دار الرشد.
٢ - المسائل الفقهية المبنية على العرف عند شيخ الإسلام ابن تيمية، إعداد: مشعل بن حمود بن فالح النفيعي.
٣ - العرف وتطبيقاته المعاصرة، د. سعود بن عبد الله الورقي.
٤ - إعلام الموقعين لابن القيم.
٥ - الأشباه والنظائر للسيوطي.
стр. 1087
الفصل الحادي عشر:
الاستقراء
стр. 1088
الاستقراء
الاستقراء لغة: التفحص والتتبع (١)، تتبع الجزئيات للوصول إلى نتيجة كلية (٢).
واصطلاحًا: هو تصفح أمور جزئية لنحكم بحكمها على أمر يشتمل على تلك الجزئيات (٣).
* أنواع الاستقراء:
١ - استقراء عام، وهو تصفح جميع الجزئيات ليحكم بحكمها على كلي يشملها.
أو هو ثبوت حكم كلي في الماهية لثبوته في كل جزئياتها، مثل كل حيوان متحرك، كل إنسان ناطق.
стр. 1089
أو تتبع الأفراد، فيوجد الحكم في كل صورة منها، ما عدا الصورة التي فيها النزاع؛ فيعلم أن الصورة المتنازع فيها حكمها حكم الصور الأخرى التي ليست محل النزاع.
حكمه: هو حجة بلا خلاف، وهو عند أكثرهم يفيد القطع (١).
مثاله: استدلال الجمهور بالاستقراء على أن أهل مكة لا بد أن يخرجوا إلى الحل للإحرام بالعمرة.
وبيانه: أن تتبع أفراد النسك، دل على أن كل نسك من حج، أو قران، أو عمرة، غير صورة النزاع لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم، حتى يكون صاحب النسك زائرًا قادمًا على البيت من خارج كما قال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]، فالمحرم بالحج، أو القران من مكة لا بد أن يخرج إلى عرفات، وهي في الحل، والآفاقيون يأتون من الحل لحجهم وعمرتهم، فجميع صور النسك غير صورة النزاع، لا بد فيها من الجمع بين الحل
стр. 1090
والحرم، فيعلم بالاستقراء التام أن صورة النزاع -وهي اشتراط خروج أهل مكة للحل للإحرام بالعمرة- لا بد فيها من الجمع أيضًا بين الحل والحرم (١).
٢ - الاستقراء الناقص: هو تصفح أغلب الجزئيات ليحكم بحكمها على كلي يشملها.
أو: هو ثبوت حكم كلي في الماهية لثبوته في أغلب جزئياتها.
مثل: كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ.
وإنما كان هذا استقراءً ناقصًا؛ لأن التمساح لا يحرك فكه الأسفل فالحكم مختلف فيه.
حكمه: مختلف فيه، فمن الأصوليين من قال: لا يفيد الحكم لا قطعًا، ولا ظنًّا، ومن هؤلاء الإمام الرازي، وقد نص على ذلك في «المحصول».
ومنهم من قال: يفيد الحكم ظنًّا، ولا يفيده قطعًا، وهو رأي الجمهور، ومنهم البيضاوي.
مثاله: استدلال الشافعية على عدم وجوب الوتر، بأن النبي ﷺ صلاه على الراحلة.
واستقراء أفعاله ﷺ أداءً وقضاءً أثبت أنه لم يفعل الواجبات على
стр. 1091
الراحلة، فكان من ذلك دليلًا على عدم وجوب الوتر (١).
* من المجالات التي يستعمل فيها الاستقراء التام:
١ - ما يمكن ملاحظة جزئياته جميعها:
يقول القرافي: من أراد القطع بقواعد أصول الفقه من الإجماع والقياس وغيرهما؛ فليتوجه إلى الاستقراء التام في أقضية الصحابة ومناظراتهم وأجوبتهم، وفتاويهم، ويكثر من الاطلاع على نصوص الكتاب والسنة (٢). وذلك لأن استقراء قضايا الصحابة -مع صعوبته- يمكن استيعابه لانحصارهم.
ومن أمثلته قول الشنقيطي ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]: التحقيق الذي دل عليه الاستقراء التام في القرآن؛ أن الأمر بالشيء بعد تحريمه يدل على رجوعه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحة أو وجوب (٣).
وقال ابن كثير ﵀: وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت
стр. 1092
عليه السبر أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي (١).
ومنه ما ذهب إليه المحققون من المفسرين: من أن الحروف المقطعة في كتاب الله جيء بها بيانًا ودلالة على إعجاز القرآن؛ لاطراد ذكر هذه الحروف مع ذكر القرآن، وهو القول الصحيح في هذه المسألة لدلالة الاستقراء التام عليه في القرآن.
يقول الشنقيطي ﵀: أما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه، فهو أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.
وحكى هذا القول الرازي في تفسيره عن المبرد، وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء وقطرب، ونصره الزمخشري في الكشاف.
قال ابن كثير: وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية.
ووجه شهادة استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت
стр. 1093
بالحروف المقطعة يذكر فيها دائمًا عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه، وذكر ذلك بعدها دائمًا دليل استقرائي على أن الحروف المقطعة قصد بها إعجاز القرآن، وأنه حق (١).
فالقرآن محصور يمكن الإتيان على جميعه؛ فصحَّ ادعاء الاستقراء التام فيه إذا قيد المحكوم عليه بجهة يمكن استيعاب جزئياتها، مثل قولهم: كل ما في الظلمات والنور، فالمقصود به الهدى والضلال، إلا التي في أول الأنعام، فإن المقصود بها ظلمة الليل ونور النهار.
وقول الشنقيطي: كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير باستقراء القرآن (٢).
وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عسى في القرآن واجبة (٣).
٢ - التقسيم:
بأن يتتبع المستقرئ جزئيات، فيتوصل إلى أنها لا تدخل تحت نوع واحد، ولكنها أقسام تحت أمر كلي، بشرط أن يستقصي الأنواع حتى
стр. 1094
يعلم أنه لم يبق قسم في الخارج غير ما ذكر.
مثاله: قول النحاة: الكلمة إما اسم أو فعل أو حرف. وقول علماء العقيدة: التوحيد أنواع ثلاثة: توحيد الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات.
ومع أن الاستقراء التام لو تيسر، فإنه أكثر اطمئنانًا وأرفع قيمة؛ إلا أن طبيعة العلوم تقتضي تعذر التام؛ ولذا اختص التام بمجالات محددة، أما الناقص فمجال استعماله غير محدود (١).
* الدليل على أن الاستقراء حجة:
١ - ما أرشد إليه القرآن من كون الاستقراء مفيدًا للعلم أو غلبة الظن، ومن ذلك:
أ- الإنكار على ترك التدبر والنظر، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾ [الأعراف: ١٨٤]، أي: إنهم إن تتبعوا أحواله وجزئيات حياته فيهم منذ نشأته إلى أن بلغ الأربعين، وسبروا صلاح حاله؛ لعلموا أنه ليس بمجنون، وهذا منهج الاستقراء.
стр. 1095
ب- أن الغالب على الناس المخالفة بشهادة الاستقراء بعد البعثة، قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣].
ج- قول نوح ﵇: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾ [نوح: ٢٧]، قال في تتمة أضواء البيان: وكذلك بدليل الاستقراء، وهو دليل معتبر شرعًا وعقلًا، وهو أنه مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وما آمن معه إلا قليل، كانوا هم ومن معهم غيرهم حمل سفينة فقط؛ فكان دليلًا على قومه أنه فُتِنُوا بالمال ولم يؤمنوا له، وهو دليل نبي الله موسى ﵇ أيضًا على قومه.
كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ [يونس: ٨٨].
فأُخبر نبي الله موسى عن قومه أنهم لن يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، وذلك من استقراء حالهم في مصر لما أراهم الآية الكبرى: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٠ - ٢٤].
стр. 1096
وبعد أن ابتلاهم الله بما قص علينا في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾ [الأعراف: ١٣٣] (١).
٢ - دلالة السنة:
ومما يستفاد من السنة في مشروعية الاعتماد على الاستقراء: ما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا» (٢)، وهذا معناه أن استقراء هذه الظاهرة في أولاد فارس والروم الذي اطرد معها عدم إضرارهم؛ يدل على أنه قاعدة عامة في كل بني آدم، فاعتمد النبي ﷺ على نتيجة الاستقراء وتوقف عن النهي (٣).
الترجيح بالاستقراء: ومن ذلك:
١ - نوع الواو في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل
стр. 1097
عمران: ٧]، فمن قال بأنها استئنافية وليست عاطفة؛ استدل بدلالة الاستقراء، قال الشنقيطي ﵀: ومما يؤيد أن الواو استئنافية لا عاطفة: دلالة الاستقراء في القرآن، أنه تعالى إذا نفى عن الخلق شيئًا وأثبته لنفسه، أنه لا يكون له في ذلك الإثبات شريك، كقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فالمطابق لذلك أن يكون قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] معناه: أنه لا يعلمه إلا هو وحده. كما قاله الخطابي، وقال: لو كانت الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] للنسق؛ لم يكن لقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] فائدة، والقول بأن الوقف تام على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، وأن قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] ابتداء كلام، هو قول جمهور العلماء للأدلة القرآنية التي ذكرنا (١).
٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، قال بعض العلماء: إن قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الأنفال: ٦٤] في محل رفع بالعطف على اسم الجلالة، أي حسبك الله، وحسبك أيضًا
стр. 1098
من اتبعك من المؤمنين. وممن قال بهذا: الحسن، واختاره النحاس وغيره، كما نقله القرطبي. وقال بعض العلماء: هو في محل خفض بالعطف على الضمير الذي هو الكاف في قوله: ﴿حَسْبَكَ﴾ [الأنفال: ٦٢] وعليه، فالمعنى حسبك الله، أي: كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين. وبهذا قال الشعبي، وابن زيد وغيرهما، وصدر به صاحب الكشاف، واقتصر عليه ابن كثير وغيره، والآيات القرآنية تدل على تعيين الوجه الأخير، وأن المعنى كافيك الله، وكافي من اتبعك من المؤمنين؛ لدلالة الاستقراء في القرآن على أن الحسب والكفاية لله وحده، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾ [التوبة: ٥٩]، فجعل الإيتاء لله ورسوله، كما قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وجعل الحسب له وحده، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله. بل جعل الحسب مختصًا به وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، فخص الكفاية التي هي الحسب به وحده، وتمدح تعالى بذلك في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [الأنفال: ٦٢]، ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده.
стр. 1099
وقد أثنى على أهل التوحيد والتوكل من عباده، حيث أفردوه بالحسب، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ١٢٩]، الآية، إلى غير ذلك من الآيات (١).
الاستدلال على أنه لا حد لأكثر الطهر إجماعًا:
قال النووي في «المجموع»: ودليلها في الإجماع ومن الاستقراء أن ذلك موجود مشاهد، ومن أظرفه ما نقله القاضي أبو الطيب في تعليقه قال: أخبرتني امرأة عن أختها أنها تحيض في كل سنة يومًا وليلة، وهي صحيحة تحبل وتلد ونفاسها أربعون يومًا (٢).
стр. 1100
الفصل الثاني عشر:
الاستحسان
стр. 1101
الاستحسان
وقبل الكلام عن هذا المبحث إليك بعض المقدمات:
١ - كل استحسان أفضى إلى الوقوع فى الإحداث فى الدين فهو رد.
٢ - كل استحسان عقلي لا يستند إلا للرأى المجرد أفضى إلى ترك العمل بالدليل الصحيح فهو رد.
٣ - كل استحسان عقلي أفضى إلى مخالفة مقصود الشارع فهو رد.
٤ - كل استحسان خالف أصول الشريعة وقواعدها العامة فهو رد.
٥ - كل استحسان عطل الدليل الصحيح عن دلالته الصحيحة فهو رد.
٦ - كل استحسان تضمن الترغيب فى عبادة لا دليل عليها فهو رد.
стр. 1102
٧ - كل استحسان أيدته الأدلة وصدقته النصوص والقواعد فهو مقبول (١).
لغة: هو استفعال من الحسن، وهو: اعتقاد الشيء حسنًا.
وإنما قلنا: اعتقاد الشيء حسنًا. ولم نقل: العلم بكون الشيء حسنًا. لأن الاعتقاد لا يلزم منه العلم الجازم المطابق لما في نفس الأمر؛ إذ قد يكون الاعتقاد صحيحًا إذا طابق الواقع، وقد يكون فاسدًا إذا لم يطابق، وحينئذ قد يستحسن الشخص شيئًا بناء على اعتقاده، ولا يكون حسنًا في نفس الأمر، وقد يخالفه غيره في استحسانه.
وقد استحسن بعض الناس عبادة الأصنام، وبعضهم عبادة الكواكب، وبعضهم غير ذلك، وهي أمور مستقبحة في نفس الأمر (٢).
واصطلاحًا: تعددت عبارات الأصوليين في تعريف الاستحسان، واختلف حكم الاحتجاج به بناء على تصور ماهيته، فقيل في تعريفه:
١ - إنه دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه.
أي لا يقدر أن يفصح عنه بعبارة.
стр. 1103
وقد ذكر الآمدي هذا التعريف للاستحسان، وقال: لا نزاع في جواز التمسك بمثل هذا إذا تحقق المجتهد كونه دليلًا شرعيًّا، وإن عجز عن التعبير عنه، وإن نوزع في إطلاق اسم الاستحسان عليه، عاد النزاع إلى اللفظ، فرجع الأمر في هذا إلى أنه عمل بدليل شرعي؛ لأن النفوس يصير لها فيما تعانيه من العلوم والحرف ملكات قارة فيها تدرك بها الأحكام العارضة في تلك العلوم والحرف، ولو كلفت الإفصاح عن حقيقة تلك المعارف بالقول، لتعذر عليها، وقد أقر بذلك جماعة من العلماء، منهم ابن الخشاب (ت ٥٦٧ هـ) ويسمي ذلك أهل الصناعات وغيرهم: دربة، وأهل التصوف: ذوقًا، وأهل الفلسفة ونحوهم: ملكة.
فعلى هذا لا يبعد أن يحصل لبعض المجتهدين دربة وملكة في استخراج الأحكام لكثرة نظره فيها، حتى تلوح له الأحكام سابقة على أدلتها وبدونها، أو تلوح له أحكام الأدلة في مرآة الذوق والملكة على وجه تقصر عنها العبارة، فإذا اتفق ذلك للمجتهد، وحصل له به علم أو ظن، جاز العمل به.
حكمه بهذا المعنى: منعه كثير من العلماء من جهة أن هذا يصير حكمًا في الشرع بما يشبه الإلهام، وأحكام الشرع إنما بنيت على ظواهر
стр. 1104
الأدلة، فتدور معها وجودًا وعدمًا (١).
٢ - وقيل: هو ما استحسنه المجتهد بعقله.
قال القرافي: هو الحكم بغير دليل، وهو اتباع للهوى فيكون حرامًا إجماعًا (٢).
وهذا النوع من الاستحسان هو الذي أنكره الجمهور، حتى قال الشافعي عنه: من استحسن فقد شرع.
قال الروياني: ومعناه أن ينصب من جهة نفسه شرعًا غير شرع المصطفى، وهذا باطل، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقال الشافعي: الاستحسان تلذذ (٣).
ونسب القول به إلى أبي حنيفة ﵀، وأصحاب أبي حنيفة ينكرون هذا التفسير عنه (٤).
يقول عبد العزيز البخاري: وكل ذلك طعن من غير روية، وقدح من غير وقوف على المراد، فأبو حنيفة ﵀ أجل قدرًا، وأشد ورعًا من
стр. 1105
أن يقول في الدين بالتشهي (١).
وأوضح أن المراد بالاستحسان عنده هو ترجيح أحد القياسين على الآخر، فسمي أحد القياسين استحسانًا إشارة إلى أنه الوجه الأولى في العمل به لترجحه على الآخر.
٣ - قال الطوفي: وأجود ما قيل فيه -أي الاستحسان-: أنه العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص (٢).
قال الكرخي: هو العدول عما حكم به في نظائر مسألة إلى خلافه لوجه أقوى منه (٣).
قال الطوفي: مثاله قول أبي الخطاب في مسألة العينة: وإذا اشترى ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن الأول؛ لم يجز استحسانًا، وجاز قياسًا، فالحكم في نظائر هذه المسألة من الربويات الجواز، وهو القياس، لكن عدل بها عن نظائرها بطريق الاستحسان فمنعت، وحاصل هذا يرجع إلى تخصيص الدليل بدليل أقوى منه في نظر المجتهد.
стр. 1106
ومثاله: ما قاله أحمد ﵀: أنه يتيمم لكل صلاة استحسانًا، والقياس أنه بمنزلة الماء حتى يحدث.
وبهذا المعنى: هو مذهب أحمد.
قال ابن قدامة: قال القاضي يعقوب: القول بالاستحسان مذهب أحمد ﵀، وهو أن تترك حكمًا إلى حكم هو أولى منه، وهذا مما لا يُنكَر، وإن اختلف في تسميته، فلا فائدة في الاختلاف في الاصطلاحات مع الاتفاق في المعنى (١).
قال أبو الوليد الباجي من المالكية: هو القول بأقوى الدليلين.
قال القرافي: وعلى هذا يكون حجة إجماعًا، وليس كذلك (٢).
قال الزركشي: واعلم أنه إذا حرر المراد بالاستحسان زال التشنيع، وأبو حنيفة بريء إلى الله من إثبات حكم بلا حجة. قال العارض المعتزلي في «النكت»: وقد جرت لفظة الاستحسان لإياس بن معاوية، ولمالك بن أنس في كتابه، وللشافعي في مواضع (٣).
وعن ابن القاسم، قال مالك: تسعة أعشار العلم الاستحسان.
стр. 1107
ولا يمكن أن يكون هذا هو ما يستحسنه المجتهد بعقله، أو أنه ما ينقدح في نفس المجتهد، وتعسر عبارته عنه، فإن مثل هذا لا يكون تسعة أعشار العلم.
قال ابن العربي: الاستحسان إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء، والترخص لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته (١).
قال أصبغ بن الفرج: الاستحسان في العلم يكون أبلغ من القياس.
وقال الباجي: ذكر محمد بن خويزمنداد معنى الاستحسان الذي ذهب إليه أصحاب مالك: هو القول بأقوى الدليلين.
* أنواع الاستحسان:
الاستحسان: هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه هو أقوى منه، على سبيل التخفيف، ولما كان ما يقتضي التخفيف ليس منضبطًا فإنهم لجأوا إلى وسائل تضبط لهم ذلك فنوعوا الاستحسان بحسبها.
стр. 1108
• وقد قسم علماء الحنفية الوجوه الدالة على الاستحسان إلى أقسام:
الأول: الاستحسان بالنص:
ويعبرون عنه بقولهم: ما ثبت بالأمر، وهو العدول عن حكم القياس، أو القواعد المقررة في الباب في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالكتاب أو بالسنة (١).
والاستثناء بالنص قد يكون بسبب الضرورة، أو الحاجة، وسمي هذا الاستثناء بالنص؛ لأن إفراد هذه الصورة من القاعدة العامة جاء بنص، أما في باقي أنواع الاستحسان جاء بالاجتهاد.
أمثلة الاستحسان بالنص:
١ - جواز الإجارة عند الأحناف؛ لأنها تمليك منفعة، والمنافع معدومة، والأصل أو القياس في المعدوم عدم صحة تملكه، ولا إضافة التمليك إليه، ولكنها استثنيت من هذا القياس بالنص، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال عن موسى والرجل الصالح: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، فتجويزها لحاجة الناس إليها.
стр. 1109
٢ - جواز السلم: وهو بيع ما ليس عند الإنسان، والقاعدة العامة عدم جواز بيع المعدوم؛ لقوله ﷺ : «لا تبع ما ليس عندك» (١)، لكن رخص في السلم بالنص، وهو قوله ﷺ : «من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» (٢)، فشرع لشدة الحاجة إليه، ولأجل ما فيه من مصلحة.
ونازع بعض العلماء في تسمية هذا النوع استحسانًا؛ لأن الأحكام ثبتت بالنص، وليست بالاستحسان، فتسميته استحسانًا هي حشر للشيء في غير موضعه.
ويجاب: بأن المسألة اصطلاحية، ولا مشاحة في الاصطلاح، وعلماء الحنفية وغيرهم ممن أخذ بالاستحسان كانوا بصدد تقرير نظرية شرعية عامة تتعلق بالفروع المستثناة من كم نظائرها، وبالأدلة التي يمكن أن تصلح سندًا للاستثناء، وهذا لا يعارض أن الأحكام ثابتة بالنصوص، كما لا يبرر سلب حق العلماء في جمع المتشابهات،
стр. 1110
والتوفيق فيما بينها، وإعطائها اسم نظرية ما (١).
الثاني: الاستحسان بالإجماع:
ومقتضاه: العدول عن مقتضى القواعد في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالإجماع.
ومن أمثلة ذلك:
أ- عقد الاستصناع: الاستئجار على تحصيل الصنائع، فالقياس يقتضي عدم جوازه؛ لأنه بيع معدوم من كل وجه، لكن عدل عن هذا الحكم إلى جوازه؛ لتعامل الأمة به من لدن عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكير، فصار إجماعًا عمليًّا (٢).
ب- تجويز دخول الحمام من غير تعيين الأجرة، وتقدير مدة اللبس، مع أن القياس يمنع ذلك؛ لأن دخول الحمام إجارة، ولا بد فيها من بيان المدة، كما أنها واردة على استهلاك العين، ولا بد من بيان مقداره، ففيها جهالتان: في المعقود عليه، وفي المدة، وكل واحدة تكفي في إفساد الإجارة، ولكنها أبيحت استحسانًا، وتساهلوا في أمرها، وانعقد إجماعهم على ذلك.
стр. 1111
الثالث: الاستحسان بالضرورة:
ويتحقق هذا النوع في كل جزئية يكون الأخذ وفق الأصل العام، أو القواعد المقررة، أو القياس أمرًا متعذرًا أو ممكنًا، لكنه يلحق بالمكلف مشقة وعسرًا شديدين، فيعدل بها عن أن يحكم فيها بمثل ما حكم به في نظائرها للسبب المذكور (١).
مثاله:
١ - تطهير الحياض والآبار بعد تنجيسها، يعني الحكم بتطهيرها بنزحها حتى يذهب أثر النجاسة من لون أو طعم أو ريح.
وذلك أن الحياض والآبار لو قيس تطهيرها على تطهير الأواني لما أمكن؛ لأنه لا يمكن غسل البئر والحوض كما يغسل الإناء والثوب، لأن ما ينبع في البئر، أو يصب في الحوض لا بد أن يلاقي نجسًا فينجس، فلا تتحقق طهارته، ولكن الشارع حكم بطهارتهما للضرورة (٢).
٢ - جواز نظر الطبيب إلى المرأة الأجنبية لمداواتها، فينظر إلى موقع المرض مع أنه أجنبي عنها لغرض مداواتها، وحفظ حياتها، وكذلك نظر الخاطب، والقاضي الذي يحكم، والشاهد عليها.
стр. 1112
قال السرخسي: والمرأة عورة مستورة، ثم أبيح النظر إلى بعض المواضع منها للحاجة والضرورة، فكان ذلك استحسانًا لكونه أرفق بالناس (١).
الرابع: الاستحسان بالقياس الخفي:
وقد صوره السرخسي بأنه قياسان: أحدهما جلي ظاهر ضعيف أثره، والآخر خفي قوي أثره، فيسمى استحسانًا أي قياسًا مستحسنًا، فالترجيح بالأثر لا بالخفاء والوضوح.
فسموا ما ضعف أثره قياسًا، وما قوي أثره استحسانًا، وقُدِّم على الأول وإن كان جليًّا؛ لأن العبرة بقوة الأثر دون الجلاء والظهور.
مثاله: الدنيا ظاهرة والعقبى باطنة، لكن أثرها وهو الدوام والخلود وصفو العيش أقوى من أثر الدنيا، وهو ضد ذلك، والنفس في البدن أظهر من القلب، لكن القلب أقوى أثرًا لدوران صلاح الجسد وفساده مع صلاح القلب وفساده (٢)، وجودًا وعدمًا، كما ورد به النص
стр. 1113
الصحيح (١).
ومثال ذلك: أن القياس يقتضى أن سؤر سباع الطير نجس كسؤر سباع البهائم بجامع تحريم الأكل فيهما، والاستحسان يقتضي أنه طاهر فرقًا بينهما بأن سباع البهائم إنما تنجس سؤرها لمجاورته رطوبة فمها ولعباها، بخلاف سباع الطير فإنها تشرب بمنقارها، وهو عظم يابس طاهر خال عن مجاورة نجس، وإذا كان عظم الميتة طاهرًا فعظم الحي أولى، فهذا أثر قوي باطن، فسقط له حكم القياس الظاهر (٢).
ومثاله: دخول حقوق الارتفاق كالشرب، والطريق، والمسيل في الوقف، وإن لم ينص الواقف على ذلك استحسانًا قياسًا على الإجارة، وإن كان قياس الوقف على البيع أظهر، والبيع لا بد فيه من النص على ذلك.
زاد بعض المالكية أنواعًا أخرى من الاستحسان منها:
الخامس: الاستحسان بالمصلحة:
والمقصود به: أن الداعي إلى إخراج جزئية ما عن حكم القياس، أو القاعدة هو المصلحة التي يتحقق بها رفع الحرج والمشقة عن الناس،
стр. 1114
وتيسير معاملاتهم.
مثاله: تضمين الأجير المشترك وإن لم يكن صانعًا، كتضمين صاحب الحمام الثياب، وتضمين صاحب السفينة، وتضمين السماسرة المشتركين، وتضمين حمال الطعام دون غيره من الحمالين؛ لأن الطعام تسرع إليه الأيدي كثيرًا.
فهنا استثناء من القاعدة العامة: وهي براءة المؤتمن بالبراءة الأصلية، وعدم تضمينه الذي هو شأن الإجارة. فترك هذا الوجه لوجه أقوى منه للمصلحة، وهي المحافظة على أموال الناس من الضياع نظرًا لكثرة الخيانة بين الناس، وقلة الأمانة، ولو لم يتضمن الأجير لامتنع كثير من الناس من دفع أمتعتهم إليه خوفًا عليها من الضياع، أو التلف، أو الخيانة.
السادس: الاستحسان بالعرف:
وهو العادات والأعراف الجارية بين الناس في الجزئيات التي يكون الآخذ بالعرف أو العادة فيها مخالفًا للأقيسة والقواعد المقررة (١).
وهو كثير عند المالكية يليهم الحنفية، ثم باقي المذاهب.
مثاله: الحكم بعدم حنث من حلف لا يأكل اللحم بأكل السمك،
стр. 1115
والأصل أنه يحنث؛ لأن السمك لحم، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢]، ولكن قالوا: لا يحنث استحسانًا؛ لأن العرف جرى على التفريق بين اللحم والسمك، وأن السمك لا يسمى لحمًا في العرف.
ومثاله: جواز استئجار جمل ليحمل عليه محملًا وراكبين إلى أحد البلدان، مع أن القياس يمنع ذلك لما في هذه الإجارة من الجهالة التي قد تفضي إلى المنازعة، لكن هذه الجهالة تصرف إلى المتعارف عليه، وهو المحمل المعتاد فلا يفضي إلى المنازعة.
ومثل ذلك في عصرنا: استئجار السيارات اللوري، أو الباصات لنقل الركاب وأمتعتهم في الشركات التي لا تتطلب تعيين المحمولات.
قال الشاطبي: والرابع: أن مالك بن أنس من مذهبه أن يترك الدليل للعرف، فإنه رد الأيمان إلى العرف مع أن اللغة تقتضي في ألفاظها غير ما يقتضيه العرف، كقوله: والله لا دخلت مع فلان بيتًا، فلا يحنث بدخوله معه المسجد، وما أشبه ذلك.
ووجهه: أن اللفظ يقتضي الحنث بدخول كل موضع يسمى بيتًا في اللغة، والمسجد يسمى بيتًا فيحنث على ذلك، إلا أن عرف الناس أن لا يطلقوا هذا اللفظ عليه، فخرج بالعرف عن مقتضى اللفظ فلا
стр. 1116
يحنث (١).
السابع: الاستحسان بنزارة الشيء وتفاهته:
وسماه ابن العربي المالكي: الاستحسان بترك مقتضى الدليل في اليسير لنزارته وتفاهته.
قال الشاطبي: ووجه ذلك: أن التافه في حكم العدم، ولذلك لا تنصرف إليه الأغراض في الغالب، وأن المشاحة في اليسير قد تؤدي إلى الحرج والمشقة، وهما مرفوعان عن المكلف.
مثاله: جوز الإمام مالك أن يُستَأْجَر الأجير بطعامه، وإن كان لا ينضبط مقدار أكله ليسارة أمره، وخفة خطبه، وعدم المشاحة فيه.
تجويز التفاضل اليسير في المراطلة الكثيرة، وتجويز الجهالة اليسيرة كجهالة الوصف في الوكالة استحسانًا كأن يوكله وكالة عامة، فيقول: ابتع لي ما رأيت؛ لأن مبنى التوكيل على التوسعة، وفي اشتراط عدم الجهالة اليسيرة حرج، وهو مرفوع (٢).
стр. 1117
الثامن: الاستحسان بمراعاة الخلاف:
وهو إعمال لكل واحد من الدليلين فيما هو فيه أرجح (١).
قال الشاطبي: وهو أصل في مذهب مالك ينبني عليه مسائل كثيرة.
وأورد عن أبي العباس بن القباب ما يعني تصحيح التصرف المخالف بعد الوقوع أو فوات الأوان.
وقال الشاطبي: ووجهه: أنه راعى دليل المخالف في بعض الأحوال؛ لأنه ترجح عنده، ولم يترجح له في بعضها، فلم يراعه (٢).
وذكر الشاطبي أمثلة، وذكر عن أبي العباس بن القباب أمثلة نذكر بعضها:
١ - مسألة امرأة المفقود: أنه إن قدم المفقود قبل نكاحها فهو أحق بها، وإن كان بعد نكاحها والدخول بها بانت، وإن كانت بعد العقد، وقبل البناء فقولان، فإنه يقال: الحكم لها بالعدة من الأول إن كان قطعًا لعصمته، فلا حق له فيها، ولو قدم قبل تزوجها، أو ليس بقاطع للعصمة، فكيف تباح لغيره في عصمة المفقود؟
стр. 1118
وما روي عن عمر وعثمان (١) في ذلك أغرب، وهو أنهما قالا: إذا قدم المفقود يخير بين امرأته، أو صداقها، فإن اختار صداقها بقيت للثاني، فأين هذا من القياس؟ وقد صحح ابن عبد البر هذا النقل عن الخليفتين عمر وعثمان ﵄ (٢).
٢ - ومثاله: من نسي تكبيرة الإحرام، وكبر للركوع، وكان مع الإمام أنه يتمادى مراعاة لقول من قال: إن ذلك يجزئه. فإذا سلم الإمام أعاد هذا المأموم (٣).
٣ - ومن أمثلته عند المالكية: فالمالكية والحنابلة في المشهور عنهم يرون نجاسة جلد الميتة سواء دبغ أم لم يدبغ، وقال الشافعية والحنفية بأن الجلد سواء كان من ميتة أو من مذبوح غير مأكول اللحم يطهر بالدباغ.
стр. 1119
فالمجتهد المالكي القائل بمراعاة الخلاف يعمل بمقتضى دليله في عدم جواز الصلاة على جلد الميتة المدبوغ، فإذا وقعت نازلة، ووقع ذلك فإنه يصحح الصلاة، ويعتبر دليل المخالف، فهو في هذه الحالة عمل بدليله ابتداءً، وبدليل المخالف بعد وقوع النازلة لما له في النفس من اعتبار، فمراعاة الخلاف كما يلاحظ في المثال تكون بعد الوقوع.
فالعمل بدليل المخالف يعد استثناءً مما يقتضيه دليل المذهب الراجح عندهم، والتيسير فيه واضح نظرًا لتصحيح التصرف، وعدم إلغائه، أو ترك الاعتداد به (١).
قلت: قد يمثل لذلك إن صح المثال: الرضاع المحرم عند المالكية، وهو مطلق الرضاع قليلًا أو كثيرًا، وعند الشافعية والحنابلة خمس رضعات يحرمن، فالمالكي يمنع الزواج بسبب الرضاع ابتداءً سواءً رضعة واحد أو أكثر، فإذا وقع الزواج ودخل بها وأنجب أولادًا، وكان الرضاع أقل من خمس رضعات فيمكن إمضاء هذا النكاح، وتصحيحه مراعاة لخلاف من اشترط الخمس.
تنبيه: بالرغم من أن الشافعية يرفضون الاستحسان أصلًا، إلا أنهم
стр. 1120
ممن يأخذ بمراعاة الخلاف، ومن قواعدهم: الخروج من الخلاف مستحب. ومما ذكر من فروعها عندهم: كراهة صلاة المنفرد خلف الصف خروجًا من خلاف من أبطلها، وكراهة مفارقة الإمام بدون عذر، والاقتداء خلال الصلاة خروجًا من خلاف من لم يجز ذلك (١).
وذكر هذه القاعدة السيوطي في «الأشباه والنظائر»، فقال: فروعها كثيرة جدًا لا تكاد تحصى، فمنها استحباب الدلك في الطهارة، واستيعاب الرأس بالمسح، وغسل المني بالماء، والترتيب في قضاء الصلوات … إلخ.
وقال: لمراعاة الخلاف شروط:
أحدها: أن لا يوقع مراعاته في خلاف آخر.
الثاني: أن لا يخالف سنة ثابتة، فلا يعتد بخلاف الحنفية بإبطالهم الصلاة برفع اليدين.
الثالث: أن يقوى مدركه بحيث لا يعد هفوة، ومن ثم كان الصوم في السفر أفضل لمن قوي عليه، ولم يبال بقول داود إنه لا يصح (٢).
стр. 1121
جامع المسائل والقواعد
في علم الأصول والمقاصد
المجلد الثالث
طرق الاستنباط
تأليف
عبد الفتاح بن محمد بن مصيلحي
стр. 1122
طرق الاستنباط
وفيه تسعة فصول:
• الفصل الأول: الأمر.
• الفصل الثاني: النهي.
• الفصل الثالث: العام والخاص.
• الفصل الرابع: المطلق والمقيد.
• الفصل الخامس: الظاهر والمؤول.
• الفصل السادس: المجمل والمبين.
• الفصل السابع: المنطوق والمفهوم.
• الفصل الثامن: النسخ.
• الفصل التاسع: ترتيب الأدلة والتعارض والترجيح.
стр. 1123
الفصل الأول: الأمر
стр. 1124
الأمر
تمهيد
لما كان المسلم مطالبًا بالتزام أحكام الإسلام، والتي تحقق له السعادة في الدارين، وتحقق غاية مرامه لنيل محبة الله تعالى، وتوفيقه في الدنيا، ورضوانه وجنته في الآخرة، صار من الضروري له أن يتعلم الأحكام الشرعية العملية؛ لأنه المخاطب والمكلف بهذه الأحكام، ولا بد من معرفة ما يتوصل به إلى العلم بها، وهذا يكتسب من الأدلة التفصيلية لهذه الأحكام.
ومن أهم ما ينبغي معرفته المسائل المتعلقة بالأمر والنهي؛ لأنَّ التكليف ما هو إلا ذلك، والتكليف بالأمر والنهي يتنوع إلى: طلب جازم، وطلب غير جازم. سواء كان هذا الطلب أمرًا (طلب الفعل)، أونهيًا (طلب الترك)، ولكي يتم امتثال المسلم للتكليف على الوجه المطلوب والمرضي شرعًا؛ كان لا بد من معرفة ماهية هذا التكليف ودرجاته، ليستطيع التمييز بين واجب، ومندوب، ومحرم، ومكروه، ومباح، وهذه هي الأوصاف التي عليها مدار الأحكام التكليفية (١).
стр. 1125
فالأمر والنهي من أهم مباحث أصول الفقه؛ لأمرين:
الأول: أنهما أساس التكليف في توجيه الخطاب للمكلفين.
الثاني: أنَّ معرفتهما تؤدي إلى معرفة الأحكام الشرعية بتفاصيلها، وبهما يتميز الحلال من الحرام.
وأما سبب تقديم الأمر على النهي: فهوأنَّ الأمر طلب إيجاد الفعل، وأما النهي فهوطلب الاستمرار على عدم الفعل، فقدم الإيجاد على العدم (١).
تنبيه: إنَّ معرفة ماهية الأمر والنهي لا شك في أهميته إلا أنَّ صنفًا من الناس تعامل مع الأوامر والنواهي معاملة لم تكن من هدي الصحابة الكرام، فإذ به مقصوده وحاله معرفة المندوب وتركه وإهماله بحجة أنه ليس بواجب، وتعامل مع بعض الواجبات بالإهمال بحجة أنها موسعة، أوليست على الفور، فإلى الله المشتكى من أوامر ضيعناها، ونواهي أقمنا عليها.
من أجل ذلك أهيب بالقارئ الكريم ألَّا تكون ثمرة معرفته بالأمر والنهي الترخص فيهما، والانسلاخ والتفلت منهما، فإنَّ الأمر بجميع أنواعه يجلب رضا الله، والنهي قد يجلب سخط الله، ومن حام حول