جامع المسائل والقواعد
في علم الأصول والمقاصد
المجلد الثالث
طرق الاستنباط
تأليف
عبد الفتاح بن محمد بن مصيلحي
стр. 1122
طرق الاستنباط
وفيه تسعة فصول:
• الفصل الأول: الأمر.
• الفصل الثاني: النهي.
• الفصل الثالث: العام والخاص.
• الفصل الرابع: المطلق والمقيد.
• الفصل الخامس: الظاهر والمؤول.
• الفصل السادس: المجمل والمبين.
• الفصل السابع: المنطوق والمفهوم.
• الفصل الثامن: النسخ.
• الفصل التاسع: ترتيب الأدلة والتعارض والترجيح.
стр. 1123
الفصل الأول: الأمر
стр. 1124
الأمر
تمهيد
لما كان المسلم مطالبًا بالتزام أحكام الإسلام، والتي تحقق له السعادة في الدارين، وتحقق غاية مرامه لنيل محبة الله تعالى، وتوفيقه في الدنيا، ورضوانه وجنته في الآخرة، صار من الضروري له أن يتعلم الأحكام الشرعية العملية؛ لأنه المخاطب والمكلف بهذه الأحكام، ولا بد من معرفة ما يتوصل به إلى العلم بها، وهذا يكتسب من الأدلة التفصيلية لهذه الأحكام.
ومن أهم ما ينبغي معرفته المسائل المتعلقة بالأمر والنهي؛ لأنَّ التكليف ما هو إلا ذلك، والتكليف بالأمر والنهي يتنوع إلى: طلب جازم، وطلب غير جازم. سواء كان هذا الطلب أمرًا (طلب الفعل)، أونهيًا (طلب الترك)، ولكي يتم امتثال المسلم للتكليف على الوجه المطلوب والمرضي شرعًا؛ كان لا بد من معرفة ماهية هذا التكليف ودرجاته، ليستطيع التمييز بين واجب، ومندوب، ومحرم، ومكروه، ومباح، وهذه هي الأوصاف التي عليها مدار الأحكام التكليفية (١).
стр. 1125
فالأمر والنهي من أهم مباحث أصول الفقه؛ لأمرين:
الأول: أنهما أساس التكليف في توجيه الخطاب للمكلفين.
الثاني: أنَّ معرفتهما تؤدي إلى معرفة الأحكام الشرعية بتفاصيلها، وبهما يتميز الحلال من الحرام.
وأما سبب تقديم الأمر على النهي: فهوأنَّ الأمر طلب إيجاد الفعل، وأما النهي فهوطلب الاستمرار على عدم الفعل، فقدم الإيجاد على العدم (١).
تنبيه: إنَّ معرفة ماهية الأمر والنهي لا شك في أهميته إلا أنَّ صنفًا من الناس تعامل مع الأوامر والنواهي معاملة لم تكن من هدي الصحابة الكرام، فإذ به مقصوده وحاله معرفة المندوب وتركه وإهماله بحجة أنه ليس بواجب، وتعامل مع بعض الواجبات بالإهمال بحجة أنها موسعة، أوليست على الفور، فإلى الله المشتكى من أوامر ضيعناها، ونواهي أقمنا عليها.
من أجل ذلك أهيب بالقارئ الكريم ألَّا تكون ثمرة معرفته بالأمر والنهي الترخص فيهما، والانسلاخ والتفلت منهما، فإنَّ الأمر بجميع أنواعه يجلب رضا الله، والنهي قد يجلب سخط الله، ومن حام حول
стр. 1126
الحمى يوشك أن يرتع فيه، فافطن لهذا، وأعط الأوامر والنواهي قدرها، وسل ربك الإعانة على ذلك.
• تعريف الأمر:
لغة: يأتي لمعانٍ، منها:
١ - الفعل: قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أي: فعله.
قال ابن النجار الحنبلي: أي شأنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] أي: في الفعل ونحوه.
وقوله : ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١].
قال الزجاج: أمر الله: ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم من أصناف العذاب، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] أي: جاء ما وعدناهم به.
٢ - الحال والشأن: يقال: أمر فلان مستقيم، وأموره مستقيمة أي حاله وشأنه.
٣ - الحادثة: وفي التنزيل العزيز: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]، قيل: ما
стр. 1127
يصلحها. وقيل: ملائكتها.
٤ - الصفة: كقول الشاعر:
عزمت على إقامة ذي صباح لأمر ما يسوَّد من يسود (١)
أي: بصفة من صفات الكمال.
٥ - الشيء: مثل قوله تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١].
٦ - الحكم: مثل قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩].
٧ - الطلب أوالمأمور به -وهوالمراد من هذا المبحث-: مثل قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] (٢).
٨ - الدين والشريعة: مثل قوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو رد» (٣) أي دينه وشريعته، وأقواله وأفعاله (٤).
ملحوظة: الأمر الذي بمعنى الطلب: -والذي نحن بصدده- يجمع
стр. 1128
على أوامر، ويشتق منه اسم الفاعل (آمر)، بخلاف الأمر الذي بمعنى الشأن وغيره، فإنه لايشتق منه اسم الفاعل، وكذلك يجمع على أمور، ففرق بين الأمر الذي جمعه أوامر، والأمر الذي جمعه أمور (١).
الأمر اصطلاحًا: قول يتضمن طلب الفعل على وجه الاستعلاء، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
فخرج بقولنا: "قول" الإشارة، فلا تسمى أمرًا، وإن أفادت معناه (٢).
فالإشارة والكتابة في الأصل ليست بطلب، ولا بقول، ولكنها قد تقوم مقام الأمر.
ومثاله: ما روت عائشة ﵂: أنَّ النبي ﷺ صلى في بيته وهوشاكٍ، فصلى جالسًا ووراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم أن اجلسوا (٣).
فهنا الإشارة قامت مقام الأمر: اجلس. لكنها ليست أمرًا.
وخرج بقولنا: "طلب الفعل" النهي؛ لأنه طلب ترك.
وليس المقصود بالفعل هنا قسيم القول، بل المراد بالفعل هنا
стр. 1129
الإيجاد، ولوكان قولًا مثل قوله ﷺ : «قل لا إله إلا الله» (١)، فهذا أمر بإيجاد هذا القول (٢).
وخرج بقولنا: على وجه الاستعلاء. الدعاء؛ لأنه من الأدنى إلى الأعلى، وخرج الالتماس؛ لأنه من فرد إلى نده (٣).
والراجح هواشتراط الاستعلاء لا العلو؛ لأنَّ الاستعلاء صفة للأمر، والعلو صفة للآمر، وهوخارج عن ماهية التعريف (٤).
تنبيه: الأمر له صيغ معينة كما أن النهي له صيغ، فقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] هذه صيغة أمر، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] هذه صيغة نهي، ومن يقل: إنَّ الأمر ليس له صيغٌ والنهي كذلك، وكذلك العام والخاص، وغير ذلك، فيقولون: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] هذه ليست صيغة للأمر، بل هي قرينة تدل على الأمر، أما الأمر فهو في ذات الله تعالى.
стр. 1130
وهذه من المسائل التى بها النار تحت الرماد؛ لأنَّ هذا قول الذين قالوا: إنَّ كلام الله كلام في نفسه ليس كلامًا مسموعًا بصوت وحرف.
وهذا كلام باطل، والحق أنَّ كلام الله هو الذي نقرؤه بألفاظه، فالكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ، ومن الأدلة على ذلك:
١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، فصرح أنَّ ما يسمع ذلك المشرك المستجير بألفاظه ومعانيه هو كلامه تعالى.
٢ - قوله تعالى في قصة زكريا: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١٠، ١١]، فلم يكن ذلك المعنى القائم بنفسه، والذي عبر عنه بالإشارة كلامًا (١).
٣ - قوله ﷺ : «إنَّ الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أوتتكلم» (٢).، فدل ذلك على أنَّ ما يدور في النفس لا يسمى كلامًا، بل الكلام هو ما كان بصوت وحرف.
٤ - اتفق أهل اللغة على أنَّ الكلام: اسم وفعل وحرف، ولذلك
стр. 1131
اتفق الفقهاء بأجمعهم على أنَّ من حلف لا يتكلم، فحدث نفسه بشيء دون أن ينطق بلسانه لم يحنث، ولونطق حنث.
٥ - وأهل العرف كلهم يسمون الناطق متكلمًا، ومن عداه ساكتًا أوأخرس (١).
* صيغ الأمر:
١ - فعل الأمر: كقوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
٢ - اسم فعل الأمر: مثال: حي على الصلاة. فكلمة "حي" اسم فعل أمر بمعنى أقبل.
٣ - المصدر النائب عن فعل الأمر: كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، أي: فاضربوا الرقاب.
٤ - المضارع المقرون بلام الأمر: كقوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور: ٢٢].
٥ - وصفه بأنه فرض، أو واجب، أو مندوب، أو طاعة، أوغيرها:
стр. 1132
كقوله ﷺ «إنَّ الله فرض عليكم الحج فحجوا» (١).
٦ - الجملة الخبرية الإنشائية: مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والمعنى أنه يجب على المطلقة أن تتربص بنفسها ثلاثة قروء (٢).
وهناك ما يقوم مقام الأمر:
قال العز بن عبد السلام ﵀: كل فعل كسبي عظمه الشرع، أومدحه، أومدح فاعله لأجله، أوفرح به، أوأحبه، أوأحب فاعله، أورضي به، أورضي عن فاعله، أووصفه بالاستقامة، أوالبركة، أوالطيب، أوأقسم به، أوبفاعله، أونصبه سببًا لمحبته، أولثواب عاجل، أوآجل، أونصبه سببًا لذكره، أولشكره، أولهداية، أولإرضاء فاعله، أولمغفرة ذنبه، أولتكفيره، أولقبوله، أولنصرة فاعله، أوبشارته، أووصف فاعله بالطيب، أووصفه بكونه معروفًا، أو نفي الحزن والخوف عن فاعله، أووعده بالأمن، أونصبه سببًا لولاية الله تعالى، أووصف فاعله بالهداية، أووصفه بصفة مدح كالحياة، والنور، والشفاء، أودعا الله به الأنبياء فهو مأمور به، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ
стр. 1133
الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]، وقوله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] (١).
• ما تقتضيه صيغة الأمر:
* أولًا: الوجوب:
والكلام في هذا المبحث في الأمر المطلق الذي لم يقترن بقرينة، فإن كان مقترنًا بقرينة تدل على أنَّ المراد به الوجوب، أوالندب، أوالإباحة حملت على ما دلت عليه القرينة، وإن كان مجردًا عن القرائن، فهو محل البحث، واختلف العلماء فيه على مذاهب (٢).
المذهب الأول: الوجوب. هومذهب أحمد وأصحابه، وجمهور العلماء من أرباب المذاهب الأربعة (٣)، وحجتهم ما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، فرتب الله تعالى العقاب على مجرد مخالفة الأمر، إما الفتنة، وإما العذاب الأليم.
٢ - قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ
стр. 1134
وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، فالله أمر الملائكة بقوله: اسجدوا. أمرًا مطلقًا، وإبليس لم يسجد، فرتب الله على ذلك طرده من رحمته، فدل ذلك على أنَّ من يخالف الأمر عليه عقاب، وهذا يدل على وجوبه.
٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]، وكلمة اركعوا أمر مطلق، فلم يقل اركعوا ندبًا، ولا إباحةً، فهو أمر مطلق، ورتب الله على مخالفته العقاب، فقال تعالى بعد ذلك: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠]، فدل على أنَّ الأمر المطلق يفيد الوجوب.
٤ - - قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]، ثم هدد على مخالفته بقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: ٥٤]، والتهديد على المخالفة دليل الوجوب (١).
٥ - قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]، وقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣]، وقوله: ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩].
ووجه الاستدلال: أنه تعالى وصف مخالفة الأمر بالعصيان،
стр. 1135
وهواسم ذم، وذلك لا يكون في غير الوجوب (١).
٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، والمراد من قوله: قضى؛ أي: ألزم، ومن قوله: أمرًا. أي: مأمورًا، وما لا خيرة فيه من المأمورات لا يكون إلا واجبًا (٢).
٧ - ومن السنة: قوله ﷺ لبريرة، وقد عتقت تحت عبد، وكرهته: «لو راجعتيه»، فقالت: بأمرك يا رسول الله؟ فقال: «لا، إنما أنا شافع»، فقالت: لا حاجة لي فيه (٣).
فقد فهمت أنه لوكان أمرًا لكان واجبًا، وأقرها النبي ﷺ على هذا الفهم (٤).
قال الخطابي: في قول بريرة: أتأمرني بذلك يا رسول الله؟ دليل على أنَّ أصل أمره ﷺ على الحتم والوجوب (٥).
٨ - قوله ﷺ لأبي سعيد حيث لم يجب دعاءه وهو في الصلاة: «أما
стр. 1136
سمعت الله تعالى يقول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]»، فقد لامه على مخالفة أمره، وهودليل الوجوب (١).
٩ - ومنها أيضًا: عن عمر ﵁: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا فانحروا، ثم احلقوا»، فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، قالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعوحالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا (٢)، فعُلم أنَّ أمره كان على الوجوب بدليل تكراره ثلاثًا، وشكواه لأم سلمة ﵂.
١٠ - وكذلك فهم الصحابة لما قيل لهم وهم يصلون في الصلاة: إنَّ القبلة قد حولت. فاستداروا وهم على حالهم نحو القبلة (٣)، وهذا يدل على الوجوب والفور.
стр. 1137
١١ - عَنْ مُعَاذَةَ العَدَويَّة أَنَّهَا قَالَتْ لعَائشَةَ: مَا بَالُ الحَائض تَقضى الصَّومَ، وَلَا تَقضى الصَّلَاةَ؟ قَالَتْ عَائشَةُ: كَانَ يُصيبُنَا ذَلكَ فَنُؤمَرُ بقَضَاء الصَّوم، وَلَا نُؤمَرُ بقَضَاء الصَّلَاة (١). فجعلت السبب هو مجرد الأمر.
وأجيب عن هذه الأدلة باحتمالية وجود قرينة جعلت الأمر للوجوب، ولا يخفى أنَّ مجرد الاحتمال لا يكفي، ولا يترك له ظاهر الخطاب (٢).
١٢ - الإجماع: وهوأنَّ الأمة في كل عصر لم تزل راجعة في إيجاب العبادات إلى الأوامر، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، إلى غير ذلك من غير توقف، وما كانوا يعدلون إلى غير الوجوب إلا لمعارض.
ومنه استدلال أبي بكر ﵁ على وجوب الزكاة على أهل الردة، بقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فكان ذلك إجماعًا (٣).
стр. 1138
١٣ - أنَّ العبد إذا خالف مجرد أمر سيده فعاقبه، لم يُلَم على عقابه باتفاق العقلاء، ولولا إفادة الأمر المجرد الوجوب، لكان للعبد أن يلوم سيده على عقابه في هذه الصورة، لكنه لا يتجه (١).
١٤ - العقل: حمل الأمر على الوجوب أحوط للمكلف مع عدم تفويت المندوب، بخلاف حمله على الندب، فإنه يفوت مقصود الوجوب (٢).
ومما سبق من الأدلة يترجح أنَّ الأصل في الأمر الوجوب.
هذا وقد تكلف الآمدي -رحمه الله تعالى-- في الرد على هذه الأدلة، بحجة أنَّ جميع ما ذكر لا خروج له عن الظن.
قلت: فإن أراد بالظن (غلبة الظن)؛ فإنَّ عامة الأحكام تثبت به، وإن أراد الشك وعدم الوضوح فهوتأويل بعيد جدًا، وذلك لوضوح الأدلة، وصراحتها، واستيفائها للمطلوب.
بل من نظر إلى رده على الأدلة وجدها ردودًا لا تخلومن تكلف، وليس عليها حجة؛ لذا فضلت عدم ذكرها خشية الإطالة (٣).
стр. 1139
المذهب الثاني: قالوا: الأمر المجرد عن القرائن يقتضي الندب، وليس الوجوب، وهوقول المعتزلة.
واستدلوا بما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم» (١).
فالحديث جعل تنفيذ الأمر إلى مشيئة المكلفين من غير حتم، والواجب لا يكون كذلك، بل الذي يكون كذلك هوالمندوب؛ فإذن الأمر يفيد الندب (٢).
وأجيب عن هذا: بأنه دليل للقائلين بالوجوب لا للقائلين بالندب؛ لأنَّ ما لا نستطيعه لا يجب علينا، وإنما يجب علينا ما نستطيعه، والمندوب لا حرج في تركه مع الاستطاعة (٣).
وليس في الحديث الرد إلى المشيئة بل إلى الاستطاعة، والفرق بينهما كبير، فإنَّ التعليق بالمشيئة ينفي الوجوب، أما الاستطاعة فلا
стр. 1140
تنفي أن يكون الأمر للوجوب، فإنَّ كل واجب مقصود بالفعل معلق بالاستطاعة (١).
المذهب الثالث: قالوا: إنَّ الأصل في الأمر الإباحة. ونُسب لبعض المعتزلة، وبعض المالكية، ومما استدلوا به: أنَّ صيغة الأمر قد استعملت في الإباحة، والأصل في الاستعمال الحقيقة.
وأجيب: بأنَّ الصيغة قد استعملت في غيرها أيضًا، فليس جعلها حقيقة في الإباحة بأولى من جعلها حقيقة في غيرها (٢).
المذهب الرابع: قالوا بالوقف. وهومذهب الأشعرية، والغزالي، والآمدي (٣)، واستدلوا: بأنَّ الأمر مشترك بين الوجوب، والندب، والإباحة، والتهديد، وليس حمله على أحدهم أولى من الآخر، فوجب التوقف، فمثلًا قولك: عين. ليس بأن يوقع على عين النظر أولى من أن يوقع على عين الماء، وقولك: لون. ليس بأن يوقع على الحمرة أولى من أن يوقع على البياض، فكذلك قول القائل: افعل. لما وجد يراد به الندب، وورد يراد به إيجاب لم يكن إيقاعه على الإيجاب أولى من
стр. 1141
إيقاعه على الندب إلا بدليل (١).
والجواب عن ذلك: بأنه إذا كان الأمر مشتركًا بين ما ذكر، إلا أنه قام الدليل على أنَّ الأمر المجرد يفيد الوجوب، والمشترك إذا قام الدليل على تعيينه وجب المصير إليه.
كما أنَّ القول بالوقف يؤدي إلى الطعن في الشريعة؛ لأنه يؤدي إلى إبطال خطاب الله تعالى لنا، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤] (٢).
والراجح هوالمذهب الأول لما تقدم من الأدلة، والله أعلم.
* ثانيًا: الفورية:
اختلف أهل العلم في الأمر: هل يقتضي الفور أم التراخي؟ والخلاف إنما هو بالنسبة للأمر المطلق وهوالأمر الذي لم تصحبه قرينة تدل على فور أوتراخي، ولم يكن محددًا لفعله وقت معين، وذلك كإخراج زكاة المال، ودفعها إلى مستحقيها قبل حلول الحول،
стр. 1142
وكقضاء الفوائت، وكالكفارات والنذور غير المحددة بوقت (١)، فذهب أكثر الشافعية إلى أنَّ الأمر للتراخي، وهذا ما اختاره الآمدي، والغزالي، والشوكاني، وغيرهم (٢).
واحتجوا بالآتي:
١ - أنَّ الأمر إنما هوطلب الفعل لا غير، فمهما أتى بالفعل في أي زمان كان مقدمًا أومؤخرًا كان ممتثلًا للأمر، ولا إثم عليه بالتأخير؛ لأنه أتى بما أمر به (٣).
٢ - أنَّ الحج فرض في السنة السادسة، ولم يحج النبي ﷺ إلا في السنة العاشرة، فقالوا: لوكان الأمر على الفور؛ لحج النبي ﷺ على الفور، لأنه لا يفعل حرامًا. فدل ذلك على أنَّ الأمر على التراخي، وليس على الفور (٤).
وذهب آخرون إلى أنَّ الأمر على الفور، وهوظاهر مذهب أحمد ﵀، وهوقول الحنفية، ومالك -رحم الله الجميع- (٥)، واستدلوا
стр. 1143
بالشرع، واللغة، والعقل.
أما الشرع: فقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]، فقوله: (وَسَارعُوا)، وقوله (سَابقُوا) يدل على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامر الله فورًا.
ومن الآيات التي فيها الثناء على المبادرين إلى امتثال أوامر ربهم، قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١].
وأما اللغة: فإنَّ أهل اللسان العربي مطبقون على أنَّ السيد لوقال لعبده: اسقني ماء مثلًا. فلم يمتثل أمره، فأدبه على ذلك فليس للعبد أن يقول له صيغة افعل في قولك: اسقني. تدل على التراخي.
بل يقولون: إنَّ الصيغة ألزمتك فورًا، ولكنك عصيت سيدك بالتواني والتراخي.
أما العقل: فإنا لوقلنا: إنَّ وجوب الحج على التراخي. فلا يخلومن أحد أمرين: إما أن يكون ذلك التراخي له غاية ينتهي عندها، وإما لا.
والقسم الأول ممنوع؛ لأن الحج لم يعين له زمن يتحتم فيه دون غيره من الأزمنة، بل العمر كله تستوي أجزاؤه بالنسبة إليه إن قلنا: إنه
стр. 1144
ليس على الفور.
والقسم الثاني هوأنَّ تراخيه ليس له غاية ينتهي إليها يقتضي عدم وجوبه؛ لأنَّ عدم تحديد غاية للتراخي يجعل تركه جائزًا إلى غير غاية، وهذا يقتضي عدم وجوبه، والمفروض وجوبه.
فإن قيل: غايته الوقت الذي يغلب على الظن بقاؤه إليه.
فالجواب: أنَّ البقاء إلى زمن متأخر، ليس لأحد أن يظنه؛ لأنَّ الموت يأتي بغتة، فكم من إنسان يظن أنه يبقى سنين فيخترمه الموت فجأة، قال تعالى: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، ولا ينتهي إلى حالة يتيقن الموت فيها، إلا عند عجزه عن العبادات، ولا سيما العبادات الشاقة كالحج، والإنسان طويل الأمل، يهرم، ويشب أمله، وتحديد وجوبه بستين سنة تحديد لا دليل عليه (١).
وأما احتجاج المخالفين: بأنَّ المقصود القيام بالأمر، ومن فعله في أي وقت فقد قام به؛ فإنه مدفوع بما سبق من الأدلة على وجوب البدار والمسارعة.
стр. 1145
وأما القول بأنَّ الحج فرض في السنة الخامسة أوالسادسة، فيجاب عنه من وجوه:
أولًا: القول بأن الحج فرض سنة خمس بدليل قصة ضمام بن ثعلبة المتقدمة، فإنَّ قدومه سنة خمس، وقد ذكر له النَّبي ﷺ وجوب الحج، وأنَّ قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] نزلت عام ست في عمرة الحديبية دلت على أنَّ الحج مفروض عام ست، وأنه ﷺ أخره بعد فرضه إلى عام عشر، كل ذلك مردود، بل الحج إنما فرض عام تسع، قالوا: والصحيح أنَّ قدوم ضمام بن ثعلبة السعدي كان سنة تسع.
وقال ابن حجر ما نصه: وزعم الواقدي أنَّ قدومه كان في سنة خمس، وفيه نظر، وذكر ابن هشام عن أبي عبيد: أنَّ قدومه كان سنة تسع، وهذا عندي أرجح (١) اه.
وذكر ابن كثير: قدوم ضمام المذكور في حوادث سنة تسع (٢).
وأما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فهوأنه لم يذكر فيها إلا وجوب الإتمام بعد الشروع، فلا دليل فيها على
стр. 1146
ابتداء الوجوب.
وقد أجمع أهل العلم على أنَّ من أحرم بحج أوعمرة، وجب عليه الإتمام، ووجوب الإتمام بعد الشروع لا يستلزم ابتداء الوجوب.
قال ابن القيم: وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية، فليس فيها فرضية الحج، وإنما فيها الأمر بإتمامه، وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء.
فإن قيل: فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أوالعاشرة؟
قيل: لأنَّ صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله ﷺ وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة، ويدل عليه أنَّ أهل مكة وجدوا في نفوسهم على ما فاتهم من التجارة من المشركين، لما أنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فأعاضهم الله تعالى من ذلك الجزية، ونزول هذه الآيات، والمناداة بها كان عام تسع، وبعث الصديق ﵁ بذلك في مكة في موسم الحج، وأردفه بعلي ﵁،
стр. 1147
وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف والله أعلم (١).
فتحصل: أنَّ آية ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، لم تدل على وجوب الحج ابتداء، وإنما دلت على وجوب إتمامه بعد الشروع فيه كما هوظاهر اللفظ، ولوكان يتعين كونه يدل على ابتداء الوجوب لما حصل خلاف بين أهل العلم في وجوب العمرة، والخلاف في وجوبها معروف، بل الذي أجمعوا عليه: هووجوب إتمامها بعد الشروع فيها، كما هوظاهر الآية، وأن قصة ضمام بن ثعلبة، كانت عام تسع كما رجحه ابن حجر وغيره، فظهر سقوط الاستدلال بها، وبالآية الكريمة، وأنَّ الحج إنما فرض عام تسع كما أوضحه ابن القيم في كلامه المذكور آنفًا، لأنَّ آية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] هي الآية التي فرض بها الحج، وهي من صدر سورة آل عمران، وقد نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران، وصالحهم النَّبي ﷺ على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع.
وبه تعلم أنه لا حجة في تأخير النَّبي ﷺ الحج عام فتح مكة؛ لأنه انصرف من مكة والحج قريب، ولم يحج لأنه لم يفرض.
стр. 1148
فإن قيل: سلمنا تسليمًا جدليًّا أنَّ سبب تأخيره الحج عام فتح مكة، مع تمكنه منه، وقدرته عليه أنَّ الحج لم يكن مفروضًا في ذلك الوقت، وقد اعترفتم بأنَّ الحج فرض عام تسع، وهو ﷺ لم يحج عام تسع، بل أخر حجه إلى عام عشر، وهذا يكفينا في الدلالة على أنَّ وجوبه على التراخي، إذ لوكان على الفور لما أخره بعد فرضه إلى عام عشر.
فالجواب والله تعالى أعلم: أنَّ عام تسع لم يتمكن فيه النَّبي ﷺ وأصحابه من منع المشركين من الطواف بالبيت وهم عراة، وقد بين الله تعالى في كتابه أنَّ منعهم من قربان المسجد الحرام إنما هوبعد ذلك العام الذي هوعام تسع، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وعامهم هذا هوعام تسع، فدل على أنه لم يمكن منعهم عام تسع، ولذا أرسل عليًّا ﵁ بعد أبي بكر ينادي بالبراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا عريان، فلوبادر ﷺ إلى الحج عام تسع؛ لأدى ذلك إلى رؤيته المشركين يطوفون بالبيت وهم عراة، وهولا يمكنه أن يحضر ذلك، ولا سيما في حجة الوداع التي يريد أن يبين للناس فيها مناسك حجهم، فأول وقت أمكنه فيه الحج صافيًا من الموانع والعوائق بعد وجوبه عام عشر، وقد بادر بالحج فيه.
ويجاب عن استدلالهم بأنَّ الأمر على التراخي: بأنه لوأخره من
стр. 1149
سنة إلى أخرى، أوسنين، ثم فعله بعد ذلك، فإنه يسمى مؤديًا لا قاضيًا بالإجماع، ولوحرم التأخير، لكان قضاء بأنَّ القضاء لا يكون إلا في العبادة الموقتة بوقت معين، ثم خرج ذلك الوقت المعين لها، كما هومقرر في الأصول، والحج لم يوقت بزمن معين، والعمر كله وقت له، وذلك لا ينافي وجوب المبادرة خوفًا من طروء العوائق، أونزول الموت قبل الأداء.
وأما استدلالهم بأنَّ من تمكن من أداء الحج، ثم أخره، ثم فعله لا ترد شهادته، ولوكان التأخير حرامًا لردت شهادته لارتكابه ما لا يجوز.
والجواب: أنه ليس كل من ارتكب محرمًا ترد شهادته، بل لا ترد إلا بما يؤدي إلى الفسق، وهنا قد يمنع من الحكم بتفسيقه مراعاة الخلاف، وقول من قال: إنه لم يرتكب حرامًا (١).
وكذا يمكن القول: بأنَّ تأخير النبي ﷺ كان بوحي، وكان قد أعلمه ربه أنه لا يقبض حتى يتم التعليم، ويكمل التبليغ، ويدخل الناس في دين الله أفواجًا، وهذا يقتضي أنه لا يموت حتى يعلم الناس مناسكهم، وليس غيره ﷺ كذلك (٢).
стр. 1150
وخلاصة المسألة:
أنَّ النبي ﷺ إنما أخر الحج لعلة، فلعله أخره لمرض، أوفقر، أوكراهية رؤية المشركين عراة حول الكعبة، أوأخره لاستقباله الوفود الكثيرة في السنة التاسعة؛ لذلك سميت سنة الوفود، أوأخره لأجل أن تكون حجة الوداع في السنة التي استدار فيها الزمان كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، ولتوافق وقفة عرفة يوم الجمعة، ويكمل بذلك دينه، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال (١).
ومما تقدم تبين أنَّ تأخير النبي ﷺ للحج لا حُجة فيه على أنَّ الأمر على التراخي.
ومما استدل به من قال بأن الأمر للفور بقوله ﷺ «من كسر أو عرج فقد حل وعليه حج من قابل» (٢).
ووجه الاستدلال قوله ﷺ «فعليه حج من قابل»، فلو كان الأمر على التراخي ما حده النبي بالحج من العام القادم.
وقوله ﷺ «من أراد الحج فليتعجل» (٣).
стр. 1151
ووجه الاستدلال قول النبي فليتعجل، فهو أمر بالتعجيل، وهو بمعنى الفورية، والسبب في ذلك لأنه قد يصاب بالعوارض والعقبات التي تحول بينه وبين الفعل.
* ثالثًا: التكرار.
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال، منها:
• أولًا: أنَّ الأمر يقتضي التكرار:
وهوقول أحمد وأكثر أصحابه، وجماعة من الفقهاء المتكلمين (١).
واستدلوا بالآتي (٢):
١ - أنَّ أوامر الشارع في الصوم والصلاة محمولة على التكرار، فدل على إشعار الأمر به.
وأجيب: بأنَّ الحمل على التكرار في هذه الأوامر كان بقرينة فعل النبي ﷺ ، ليس التكرار مأخوذًا من ظاهر هذه الأوامر.
стр. 1152
٢ - قوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] يعم كل مشرك، فقوله: (صم)، و (صل) ينبغي أن يعم جميع الأزمان.
وأجيب: بأنَّ العموم في قوله: (المشركين) متحقق؛ لأنَّ اللفظ عام، بخلاف قوله: (صم)، أو (صل)، فإنَّ اللفظ ليس بعام.
٣ - قياس الأمر على النهي، فكما أنَّ مقتضى النهي الترك أبدًا، فوجب أن يكون الأمر مقتضيًا للفعل أبدًا لاشتراكهما في اقتضاء الطلب.
وأجيب: بأنَّ هذا القياس غير صحيح؛ لأنه قياس من ناحية اللغة، ولا يصح، ولأنه قياس مع الفارق.
٤ - أنَّ الحمل على التكرار أحوط للمكلف؛ لأنه إن كان للتكرار، فقد حصل المقصود، ولا ضرر، وإن لم يكن للتكرار لم يكن فعله مضرًّا.
وأجيب: بأنَّ العمل بالأحوط ليس بواجب، والتكرار مع عدم وجود الأمر به القول بأنه ليس مضرًّا غير صحيح؛ لأنه فيه مشقة وحرج، وكلاهما مرفوع في الشريعة الإسلامية المباركة، كما أنَّ التكرار سيمنع من القيام بأعمال أخرى لاستغراقه للأزمان.
стр. 1153
٥ - قوله ﷺ : «وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١)، وذلك يقتضي وجوب التكرار.
وأجيب: ليس في الحديث الأمر بالتكرار، بل الأمر بالفعل حسب الاستطاعة.
٦ - أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ سأل النبي ﷺ لما رآه صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه، قال: «عمدًا صنعته يا عمر» (٢).
ولولا أنه فهم تكرار الطهارة من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] لما كان للسؤال معنى.
وأجيب: أنَّ التكرار مفهوم من فعله ﷺ قبل ذلك؛ لذا سأل عن عدم التكرار هاهنا.
٧ - إذا قال الرجل لغيره: أحسن عشرة فلان. فإنه يفهم منه التكرار والدوام.
وأجيب: بأنَّ وجود المأمور بإكرامه، وحسن عشرته سبب، وقرينة
стр. 1154
لتكرار، ودوام الإكرام.
• ثانيًا: أنَّ الأمر لا يقتضي التكرار:
وهو قول أكثر الفقهاء، ورجحه الآمدى، وابن الحاجب، وهو اختيار الشيخ موفق الدين الطوفى.
واستدلوابأدلة منها:
١ - قوله ﷺ : «إنَّ الله فرض عليكم الحج فحجوا»، فقال رجل: أكلَّ عام (١). فسأل عن التكرار، فكان سكوت النبي ﷺ مع إرادته عدم التكرار دليلًا على أنَّ الأصل عدم التكرار، فالأصل أنَّ كل أمر للمرة الواحدة، فإن كان يراد منه التكرار لابد من وجود دليل على ذلك التكرار، فمثلًا قول النبي ﷺ : «خمس صلوات كتبهن الله على العباد» (٢).
فالأصل في الأمر أنه يوجد مرة واحدة في الواقع، فإن كان يراد منه التكرار لا بد من وجود دليل على التكرار وقد وُجد.
стр. 1155
ومن الفروع الفقهية لذلك: أنه لوقال لوكيله: طلق زوجتي. فلا يطلقها إلا مرة واحدة (١).
٢ - أنه إذا قال له: (صل) أو (صم)، فقد أمره بإيقاع المصدر، وهوالصلاة، أوالصيام فإن ورد ما يفيد التكرار حمل عليه، وإلا فالمرة الواحدة كافية، وكذا لوأمر عبده أن يتصدق بصدقة، أويشتري خبزًا أولحمًا، فإنه يكتفى منه بصدقة واحدة وشراء واحد، ولوزاد على ذلك، فإنه يستحق اللوم والتوبيخ لعدم القرينة الصارفة إليه (٢).
٣ - أنَّ الأمر لواقتضى التكرار، لكان قول القائل: صل مرة. تناقضًا؛ لأنَّ صل بوضعه يقتضي التكرار، وبقوله: مرة. قد نقض مقتضاه في التكرار، وكذا لوقال له: صل مرارًا. لكان تكرارًا؛ لأنَّ صل بوضعه يقتضي التكرار، فقوله: مرارًا. لم يفد فائدة زائدة، فكان تكرارًا، لكن قوله: صل مرة أومرارًا. ليس نقضًا ولا تكرارًا، فلا يكون الأمر للتكرار (٣).
стр. 1156
• مسألة: لا يشترط في الأمر إرادة الآمر. أي: لا يشترط في كون الأمر أمرًا إرادة الآمر.
وبيان ذلك: أنَّ الإرادة نوعان: إرادة شرعية دينية، وإرادة كونية قدرية، والأمر الشرعي إنما تلازمه الإرادة الشرعية الدينية، ولا تلازم بينه وبين الإرادة الكونية القدرية، فالله أمر أبا جهل مثلًا بالإيمان، وأراده منه شرعًا ودينًا، ولم يرده منه كونًا وقدرًا؛ إذ لوأراده كونًا لوقع، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥].
فإن قيل: ما الحكمة في أمره بشيء وهويعلم أنه لا يريد وقوعه كونًا وقدرًا؟.
فالجواب: أنَّ الحكمة في ذلك ابتلاء الخلق، وتمييز المطيع من غير المطيع، وقد صرح تعالى بهذه الحكمة، فإنه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده مع أنه لم يرد وقوع ذبحه بالفعل كونًا وقدرًا، وقد صرح بأنَّ الحكمة في ذلك ابتلاء إبراهيم، حيث قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦]، فظهر بطلان قول المعتزلة أن لا يكون أمرًا إلا بإرادة وقوعه، وقد جرهم ضلالهم هذا إلى قولهم: إنَّ معصية العاصي ليست بمشيئة الله؛ لأنها أمر بتركها، ولم يرد إلا التزام الذي أمر به؛ لأنَّ الأمر
стр. 1157
لا يكون أمرًا إلا بالإرادة. فنسبوا إليه تعالى العجز واستقلال الحادث بالفعل دونه عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وقد يشاهد السيد يأمر عبده اختبارًا لطاعته ونيته، أنه إن أظهر الطاعة أعفاه من فعل المأمور به، فهوأمر دون إرادة وقوع المأمور به (١).
وحل الإشكال كما تقدم بلزوم التفريق بين الأوامر الشرعية الدينية، والأوامر الكونية القدرية؛ لأن الخلط بينهما يوقع في الضلال، والعياذ بالله.
خروج الأمر عن الوجوب إلى أمور، منها:
١ - الندب: كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فالأمر بالإشهاد على التبايع للندب، بدليل أنَّ النبى ﷺ اشترى فرسًا من أعرابي ولم يُشهد (٢).
والنبى ﷺ لا يترك واجبًا، ولا يفعل محرمًا، فلما ترك النبى ﷺ الإشهاد علمنا أنَّ الإشهاد ليس واجبًا، وإنما كان مندوبًا.
стр. 1158
٢ - الإباحة: وأكثر ما يقع ذلك إذا ورد بعد الحظر، أوجوابًا لما يتوهم أنه محظور.
فغالب ذلك في صورتين:
الأولى: أنَّ الشرع يحظر شيئًا، ثم بعد ذلك يأمر به، وكان قبل الحظر مباحًا، والحظر المراد هنا هوالحظر لمدة معينة، أما لوكان المعنى أنه حظر، ثم أباح فهذا باب النسخ، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، فالله تعالى أباح الصيد، ولكن إذا كان الشخص في وقت الإحرام حظر عليه الصيد، فإذا أمر بالصيد بعد هذا الحظر عاد الأمر للإباحة مرة أخرى.
فالصحيح: أنَّ الأمر بعد الحظر يعود لما كان عليه قبل الحظر.
مثل الحيض: منع الله القرب من المرأة عند الحيض، فقال: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فهنا حظر القرب وقت الحيض، ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فأمر بالإتيان، ومعناه أن يعود لما كان عليه قبل الحظر، وحكمه قبل الحظر الإباحة.
مثال آخر: قتال المشركين كان واجبًا، ثم حظره الشرع بالأشهر الحرم، ثم قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾
стр. 1159
[التوبة: ٥]، فالأمر هنا للوجوب، فالصحيح أنَّ الأمر يعود حكمه لما كان عليه قبل الحظر.
فإن كان قبل الحظر مباحًا يعود بعد الحظر مباحًا، وإن كان قبل الحظر واجبًا يعود بعد الحظر واجبًا.
والثانية: عند توهم أنَّ هذا الشاء محظورٌ، فيأمر النبى بفعله، عن جَابر بن سَمُرَة أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّه ﷺ : أَنَتَوَضَّأُ من لُحُوم الغَنَم؟ قَالَ: «إن شئتَ فَتَوَضَّأ، وَإن شئتَ فَلَا تَتَوَضَّأ»، قَالَ: أَنَتَوَضَّأُ من لُحُوم الإبل؟ قَالَ: «نَعَم تَوَضَّأ من لُحُوم الإبل»، قَالَ: أُصَلّى في مَرَابض الغَنَم. قَالَ: «نَعَم»، قَالَ: أُصَلّى في مبارك الإبل؟ قَالَ: «لَا» (١).
مثال آخر: لما سئل النبى ﷺ ، فقال له رجل: لم أشعر فقدمت كذا على كذا. فقال النبى ﷺ : «افعل ولا حرج» (٢)، عن عبد الله بن عمروبن العاص أنَّ النبى ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل، فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. فقال: «اذبح ولا حرج»، فجاءه آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. فقال: «ارم ولا
стр. 1160
حرج»، فما سئل النبى عن شاء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج».
فهذا فعل أمر، فهل هذا يعنى أنَّ عدم الترتيب في الحج أصبح واجبًا على الناس؟ لا، ولكن الرجل ظن أنَّ ذلك محظور، فلما سأل قال النبى ﷺ : «افعل».
وقد يأتي في غير ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
وقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، فحكم الأكل والشرب الإباحة، وإن أتى بصيغة الأمر لكن علمنا بقرائن أخرى أنَّ الأكل والشرب مباح.
٣ - التهديد: كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، فهنا الأمر للتهديد؛ لذلك قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩].
٤ - التأديب: كقوله ﷺ للغلام: «يا غلام، سم الله وكل بيمينك» (١) فكل بيمينك فعل أمر للتأديب؛ لأنَّ الصغير غير مكلف.
٥ - الإرشاد: نحوقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].