← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فأدخلوا على علم الأصول مسائل ليست من صلب علم الأصول، فأدخلوا علم الكلام، ومسائل الاعتقاد، والمقدمات المنطقية على علم الأصول. ولكن كان هناك من العلماء الذين لم يتأثروا بعلم الكلام، وانحرافات العقيدة، فكانوا على هدي السلف الصالح وطريقتهم؛ فنقوا علم الأصول مما شابهُ من المباحث الكلامية والمنطقية، وعادوا به مرة أخرى غضًّا طريًّا كما صنف فيه الإمام الشافعي ﵀. ومن هؤلاء: ١ - القاضي أبو الوليد الباجي المتوفى سنة (٤٧٤ هـ)، صنف كتاب الإشارة في معرفة الأصول. ٢ - أبو اسحاق الشيرازي المتوفى سنة (٤٧٦ هـ) في كتابه اللمع. ٣ - أبو المظفر السمعاني المتوفى سنة (٤٨٩ هـ) في كتابه القواطع. وقد أثنى على كتاب القواطع أهل العلم. وقال تاج الدين السبكي: ولا أعرف في أصول الفقه أحسن من كتاب القواطع ولا أجمع (١).

стр. 107

وقال الزركشي: والقواطع لأبي المظفر السمعاني، وهو أجل كتاب للشافعية في أصول الفقه نقلًا وحجاجًا (١). وكان أبو المظفر السمعاني أحد أئمة أهل السنة من أصحاب الشافعي (٢). وقال الذهبي: تعصب لأهل الحديث والسنة والجماعة، وكان شوكًا في أعين المخالفين وحجة لأهل السنة (٣). • وقد أفصح أبو المظفر عن دافعه في تصنيف القواطع، فذكر سببين: الأول: طلب جماعة من أصحابه منه أن يؤلف مجموعًا في أصول الفقه. الثاني: قصور كتب الأصحاب عن معاني الفقه، وانتهاجها في الأصول سبيل المتكلمين. • مميزات كتاب القواطع: ١ - توسعه في ذكر المسائل والدلائل، وإيضاحه للحق بأقوى البراهين وتفنيد شبهات المخالفين. ٢ - سهولة عبارته، وعذوبة ألفاظه، وبُعده عن التقعر والتشدق في

стр. 108

الكلام. ٣ - خلو كتابه من المباحث الكلامية التي امتلأت بها كتب أصول المعتزلة والأشاعرة التي لا شأن لها بالأصول أو الفقه. ٤ - انتقاده الشديد لطريقة المتكلمين، ونقد مسالكهم، والتحذير من تبعاتها، فهو سني العقيدة، والمنهج، والطريقة. ٥ - توسعه وتفرده بذكر مسائل أغفلت في عامة كتب الأصول. ٦ - الصنعة الحديثية، فغالب الأحاديث التي يستدل بها صحيحة أو حسنة (١). ورغم هذه الميزات تجد تجاهل الأصوليين اللاحقين -وجلهم من المتكلمين- لكتاب القواطع ومؤلفه، فلا تجد له ذكر في كتب كالإحكام، والمحصول، وغيرها من الكتب المتأخرة. وظل الأمر على هذا الحال إلى أن جاء تاج الدين السبكي في القرن الثامن الهجري، فكان أول من اكتشف كتاب القواطع، فنفض عنه غبار الإهمال، وأكثر من النقل عنه، والثناء على أبحاثه في شرحه لمختصر ابن الحاجب.

стр. 109

وضمن كثير من اختياراته مختصره الشهير في الأصول كتاب (جمع الجوامع). فهذه المصنفات امتازت بالتزامها طريقة الشافعي في التصنيف، في إيراد مباحث الأصول المتعلقة بالفقه، وخلوها من المباحث الكلامية والمنطقية؛ وذلك لاشتغال أصحابها واهتمامهم بالفقه والحديث. • القرن السابع وما بعده: جاءت هذه المرحلة عقب المرحلة التي استقرت فيها كتب الأصول وأرسيت القواعد. وكانت الأربع: العمد، والمعتمد، والبرهان، والمستصفى عليها المعول وإليها المآل. فجاء الإمامان من المتكلمين المتأخرين فلخصا هذه الكتب الأربعة وهما: ١ - الإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة (٦٠٦ هـ) في كتابه المحصول. ٢ - الإمام سيف الدين الآمدي المتوفى سنة (٦٣١ هـ) في كتابه الإحكام في أصول الأحكام. واكتسب هذان الكتابان مكانة معتبرة عند الأصوليين، باعتبار أنَّ

стр. 110

كل ما جاء من جهد أصولي بعدهما هو دائر حولهما في الجملة، أو سالك طريق أحدهما في الجملة. فالمؤلفون في الأصول بعد القرن السابع سلكوا أحد الطريقين: ١ - طريقة الرازي في المحصول. ٢ - طريقة الآمدي في الإحكام. إما اختصارًا أو تعليقًا أو شرحًا. وهناك فرق بين طريقة الرازي في المحصول، وطريقة الآمدي في الإحكام في التحقيق والحجاج. فالرازي أميل إلى الاستكثار من الأدلة والاحتجاج، والآمدي مولع بتحقيق المذاهب وتفريع المسائل. المحصول للإمام فخر الدين الرازي: اعتنى به العلماء شرحًا واختصارًا، ومن شروحه: ١ - شرح لشهاب الدين القرافي المتوفى سنة (٦٨٤ هـ). ٢ - شرح لشهاب الدين الأصفهاني المتوفى سنة (٦٨٨ هـ). وأما من اختصره: ١ - اختصره تلميذه سراج الدين الأرموي المتوفى سنة (٦٧٢ هـ) في

стр. 111

كتاب سماه (التحصيل). ٢ - اختصره الإمام تقي الدين الأرموي المتوفى سنة (٦٥٢ هـ) في كتاب سماه (الحاصل). ٣ - مختصر تنقيح الفصول للإمام شهاب الدين القرافي المتوفى سنة (٦٨٤ هـ). ثم جاء المختصر الذي أصبح مرجعًا لطلاب العلم يحفظونه ويدرسونه في المدارس والمعاهد، وهو مختصر الإمام البيضاوي ناصر الدين أبي الخير عبد الله بن عمر الشافعي المتوفى سنة (٦٨٥ هـ)، وقد أسمى مختصره (منهاج الوصول إلى علم الأصول). فهو اختصر مختصرات المحصول (الحاصل التحصيل) فجمع منهما كتابا مختصرًا على طريقة المتون بعبارة موجزة في عرض الخلاف والأدلة. • وقد اعتنى العلماء وطلبة العلم بمنهاج البيضاوي دراسة وشرحًا، فمن شروحه: ١ - نهاية السول في شرح منهاج الأصول، للإمام جمال الدين الإسنوي المتوفى سنة (٧٧٣ هـ). ٢ - شرح للإمام تقي الدين السبكي المتوفى سنة (٧٥٦ هـ)، ولم

стр. 112

يكمله فشرحه إلى قول البيضاوي: الواجب إن تناول كل واحد فهو فرض عين. ثم أتم شرحه ابنه تاج الدين السبكي المتوفى سنة (٧٧١ هـ) في كتابه الإبهاج شرح المنهاج. ٣ - منهاج العقول في شرح منهاج الأصول، للإمام محمد بن الحسن البدخشي. ونظمه الشيخ شمس الدين عبد الرحيم بن حسين العراقي المتوفى سنة (٨٠٦ هـ) نظمًا سماه النجم الوهاج، وشرح هذا النظم ابنه أحمد المشهور بابن العراقي. • الإحكام في أصول الأحكام للآمدي. اختصره الإمام أبو عمرو عثمان بن عمرو، المعروف بابن الحاجب المتوفى سنة (٦٤٦ هـ)، وسمى مختصره منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، ثم اختصر المنتهى في كتاب سماه مختصر المنتهى. وقد أكبَّ العلماء على مختصر المنتهى شرحًا وتعليقًا ودراسة، فكثرت شروحه؛ ومن أهم شروحه: كتاب رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، للإمام تاج الدين السبكي.

стр. 113

ثم انحصر بعد ذلك جهد الأصوليين على كلا المختصرين: منهاج البيضاوي، ومختصر ابن الحاجب. وما عليهما من شروح. ثم تلت تلك المرحلة مرحلة ما بعد القرن السابع، وهي التي يؤرخ لها المؤرخون بفترة الركود والجمود في كل العلوم؛ فانتشر التقليد، وعكف العلماء على المختصرات، والحواشي، والشروح، وعدم الاجتهاد والتجديد. وظل الأمر كذلك حتى جاء تاج الدين السبكي الإمام الفحل الكبير في القرن الثامن، فشرح منهاج البيضاوي، وشرح مختصر ابن الحاجب؛ فاستوعب الكتابين فصنف استقلالًا كتابه المختصر في الأصول المسمى (جمع الجوامع)، فغطى كتاب جمع الجوامع على كلا الكتابين واشتغل العلماء وطلاب العلم به، واعتنوا به ما بين شارح له، ومحشي عليه، أو مختصر له، أو ناظم له، أو منكت عليه، حتى قاربت الكتب المصنفة عليه سبعين كتابًا.

стр. 114

المبحث السابع: المذاهب الأصولية وطرق التصنيف كما أنَّ في الفقه مذاهب: حنفي، ومالكي، وشافعي، وحنبلي. أيضًا في أصول الفقه مذاهب، فالمذاهب فيه تنقسم إلى ثلاثة مذاهب: ١ - مذهب الحنفية (الفقهاء). ٢ - مذهب الجمهور (المتكلمون). ٣ - مذاهب أخرى. وهذا التقسيم باعتبارين: الأول: بناء على طريقة التدوين في علم الأصول (منهجية التأليف). الثاني: الخلاف في مسائل تعد من أصول هذا العلم.

стр. 115

• أولًا: بناء على منهجية التأليف: ١ - طريقة الحنفية (الفقهاء): فهم اعتمدوا في تدوين مسائل علم الأصول على طريقة استنباط القاعدة من خلال فتاوى وأقوال وفقه أئمة المذهب الحنفي؛ فهو يستنبط القاعدة من خلال النظر إلى تصرفات فقهاء المذهب (كأبي حنيفة، والقاضي أبي يوسف، والإمام محمد بن الحسن الشيباني). لذلك سميت هذه الطريقة بطريقة الفقهاء؛ لأنها أمس بالفقه، وأليق بالفروع. مثال: مذهبهم عدم الاحتجاج بخبر الواحد فيما تعم به البلوى. كانت هذه القاعدة بالنظر إلى تصرف أئمتهم، وجدوا أنهم لا يحتجون ببعض الأحاديث، ولا يرونها محلًّا للاستنباط، فنظروا فإذا سبب ذلك كونها أخبار آحاد، والمسألة واقعة ضمن عموم البلوى؛ فجعلوا ذلك قاعدة، ثم اختبروها في مسألة وأخرى وأخرى حتى استقرت عندهم قاعدة. وهذه الطريقة تتميز بأمرين: الأول: أنها تقرر القواعد الأصولية على مقتضى ما نقل من الفروع عن أئمتهم. الثاني: أنها تغوص للبحث عن النكات الفقهية.

стр. 116

٢ - طريقة الجمهور (المتكلمين). والجمهور عند الأصوليين هم (الشافعية، والحنابلة، والمالكية). فهم لا يتقيدون بمذهب أئمتهم، ولا مسائلهم، ولا إلى الفقه الذي دُوِّن عنهم، بل يقررون المسائل والقواعد بالنظر إلى المسائل والقواعد من حيث هي مجردة عن الفروع الفقهية. مثال: الاحتجاج بخبر الواحد فيما تعم به البلوى. فهو يحاكم القاعدة إلى الأدلة الشرعية والعقلية، ويكثر في تقرير القواعد وتعزيزها بالاستدلال لها من النقل والعقل ما يشهد لصحتها. لذلك يرى الجمهور أنَّ طريقتهم أكثر حيادية، وإنصافًا، وموضوعية في تقرير القواعد، فهي لا تخضع إلى اجتهاد فقهي هو في الأصل ثمرة وفرع. وينتقدون الحنفية لأنهم جعلوا الفروع الفقهية أصلًا للأصول، وهذا خلاف العقل والمنطق، فالأصل يبنى عليه الفرع، وليس العكس. وسميت طريقتهم بالمتكلمين؛ نظرًا لطريقتهم في التأليف التي تعتمد على تقرير المسائل ومحاكمتها عقلًا، فهم لا يكادون يخلون مسألة من المسائل من دليل عقلي يعززها ويقويها.

стр. 117

وهذه الطريقة تتميز بأمور: الأول: أنها اهتمت بتحرير المسائل، وتقرير القواعد على المبادئ المنطقية. الثاني: الميل الشديد إلى الاستدلال العقلي. الثالث: البسط في الجدل والمناظرات. الرابع: تجريد المسائل الأصولية عن الفروع الفقهية. وهناك من الجمهور من صنف على طريقة الفقهاء، وهناك بعض الحنفية صنف على طريقة الجمهور، وهناك من جمع بين الطريقتين. • ثانيًا: بناء على تقرير الحنفية في بعض المسائل التي هي أمهات مسائل علم الأصول على خلاف تقرير الجمهور: مثال: الخلاف بين الجمهور والحنفية في دلالة العام هل هي قطعية أم ظنية. فالجمهور يقررون أنَّ دلالة العام ظنية، والأحناف يقررون أنَّ دلالة العام قطعية. فأثمر هذا الخلاف في هذه المسألة خلافًا كبيرًا في مسائل جزئية كثيرة. مثال: العمل إذا تعارض دليلان ولم يثبت النسخ.

стр. 118

فالأحناف يقدمون الترجيح، والجمهور يقدمون الجمع. فالأحناف قالوا: الترجيح مقدم، وأي نص كان فيه وجه من وجوه الترجيح فالحكم له، ويعتبر الدليل الآخر مرجوح فلم يعد دليلًا. فهم ألغوا الدليل الآخر بحكم الترجيح. أما الجمهور، فالجمع عندهم مقدم، فمتى أمكن الجمع بوجه من وجوه الجمع المعتبر السائغ؛ فيجب العمل به. • مذهب الظاهرية: الظاهرية مذهب مستقل لاعتماده على أصول مستقلة عن المذاهب الأربعة، كجمودهم على ظاهر النصوص وإغفال ما عداها. والأصل الذي خالف فيه الظاهرية المذاهب الأربعة: إنكارهم القياس. وقد أغلظ ابن حزم في كتابه (الإحكام) على من اعتبر القياس. ولكنهم يلتقون مع الجمهور في كثير من المسائل، لكن لخلافهم في أصل كالقياس اعتُبِروا مذهبًا مستقلًّا. والظاهرية أيضًا لا يعتبرون مفهوم المخالفة، ويعدونه حكم بالهوى. تنبيه: خلاف الظاهرية لا يقبل جملة، ولا يهمل جملة، فهو معتبر فيما عدا خلافهم في القياس.

стр. 119

المبحث الثامن: طرق التصنيف في أصول الفقه، والكتب المصنفة فيه اختلف العلماء في الطرق التي اتبعوها في التأليف والتصنيف في أصول الفقه فنشأ عن ذلك عدة طرق: • الطريقة الأولى: طريقة الأحناف (الفقهاء): وقد أُلف على هذه الطريقة كتب كثيرة منها: ١ - مآخذ الشرائع لأبي منصور الماتريدي. ٢ - رسالة في الأصول لأبي الحسن الكرخى. ٣ - الفصول في الأصول لأبي بكر الجصاص. ٤ - تقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي. ٥ - أصول البزدوي. ٦ - أصول السرخسي.

стр. 120

٧ - المنار لأبي البركات النسفي. • الطريقة الثانية: طريقة الجمهور (المتكلمين): وهذه الطريقة سار عليها علماء الشافعية، والحنابلة، والمالكية، والظاهرية، والمعتزلة. • أولًا: بعض الكتب المصنفة على المذهب المالكي: ١ - التقريب والإرشاد للباقلاني. ٢ - إحكام الفصول في أحكام الأصول، والإشارة، والحدود كلها لأبي الوليد الباجي. ٣ - منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل لابن الحاجب، ومختصره مختصر المنتهى. ٤ - الضياء اللامع شرح جمع الجوامع لحلولو المالكي. ٥ - شرح تنقيح الفصول لشهاب الدين القرافي. ٦ - نفائس الأصول شرح المحصول للقرافي. ٧ - شرح البرهان للمازري.

стр. 121

• ثانيًا: بعض الكتب المصنفة على المذهب الشافعي: ١ - الرسالة للإمام الشافعي. ٢ - التبصرة، واللمع، وشرح اللمع لأبي إسحاق الشيرازي. ٣ - البرهان، وتلخيص التقريب، والورقات للجويني. ٤ - قواطع الأدلة للسمعاني. ٥ - المستصفى، والمنخول، وشفاء الغليل للغزالي. ٦ - الوصول إلى الأصول لابن برهان. ٧ - المحصول للرازي ومختصراته (الحاصل، والتحصيل). ٨ - الإحكام في أصول الأحكام للآمدي. ٩ - منهاج الوصول لعلم الأصول للبيضاوي، وشروحه كالإبهاج للسبكي. ١٠ - البحر المحيط للزركشي. • ثالثًا: بعض الكتب المصنفة على المذهب الحنبلي: ١ - العدة لأبي يعلى. ٢ - التمهيد لأبي الخطاب.

стр. 122

٣ - الواضح لابن عقيل. ٤ - روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة. ٥ - مختصر الروضة للطوفي. ٦ - شرح الكوكب المنير لابن النجار. • رابعًا: الكتب المؤلفة على المذهب الظاهري: ١ - الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم. ٢ - النبذ لابن حزم. • خامسًا: الكتب المؤلفة على مذهب المعتزلة: ١ - العمد للقاضي عبد الجبار. ٢ - شرح العمد لأبي الحسين البصري. ٣ - المعتمد لأبي الحسين البصري. • الطريقة الثالثة: الجمع بين طريقة الحنفية والجمهور: وهذه الطريقة هي إثبات للقواعد الأصولية بالأدلة النقلية والعقلية، وتطبيقها في الفروع الفقهية.

стр. 123

من أهم الكتب المؤلفة على هذه الطريقة: ١ - بديع النظام الجامع بين أصول البزدوى والأحكام للساعانى. ٢ - جمع الجوامع لتاج الدين السبكي. ٣ - التحرير لكمال الدين ابن الهمام. ٤ - مسلم الثبوت لمحب الدين بن عبد الشكور الحنفي، وقد شرحها الشيخ زكريا الأنصاري في كتابه فواتح الرحموت. • الطريقة الرابعة: وهي طريقة تخريج الفروع على الأصول: وهي تتميز بذكر خلاف الأصوليين في المسألة، مع الإشارة إلى بعض أدلة الفرق المختلفة، ثم ذكر عدد من المسائل الفقهية المتأثرة بهذا الخلاف. ولا يذكر في هذه الكتب إلا المسائل التي اختلف فيها العلماء، والخلاف فيها معنوي له ثمرة، ومنها: ١ - تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (شافعي). ٢ - التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للإسنوي (شافعي). ٣ - مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للتلمساني (مالكي).

стр. 124

٤ - القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام (حنبلي). • الطريقة الخامسة: عرض أصول الفقه من خلال المقاصد: لم تسلك هذه الطريقة مسلك المتقدمين، وهي ذكر القواعد تحت عناوين وأبواب معينة، لكن تعرض أصول الفقه من خلال مقاصد الشريعة، وقد ألف على هذه الطريقة الإمام الشاطبي كتابه (الموافقات)، وسوف يتم لها مزيد من البسط إن شاء الله تعالى في نهاية الكتاب.

стр. 125

المبحث التاسع: أثر دخول المسائل الكلامية والمباحث الاعتقادية على علم أصول الفقه انتهج الإمام الشافعي في كتابه الرسالة نهجًا معينًا، وهو أنه يلج مباشرة إلى المسائل الأصولية متعلقة بثمرتها من المسائل الفقهية كما سبق بيانه. ومَن جاء بعد الإمام الشافعي مِنْ القرن الثاني إلى القرن الرابع حافظ على هذا المنهج وهو إيراد المسائل الأصولية كقواعد تعين على الاستنباط، فلم تكن بمعزل عن الثمرة المرجوة منها وهي الفقه. ثم في القرن الخامس دخلت مسائل علم الكلام إلى صلب علم الأصول، ومباحث الاعتقاد، كصفة الكلام وما يتعلق بها، وتعريف الإيمان، وعلاقة العمل به، والتحسين والتقبيح. وكان من أبرز من أدخل تلك المباحث في علم الأصول القاضي عبد الجبار المعتزلي.

стр. 126

ثم صارت واستمرت صفة لازمة لم تنفك عنها كتب الأصول فيما بعد، خاصة مع وجود بعض التشابه في مباحث علم الأصول مع مباحث علم العقيدة في بعض النواحي، مما أغرى مَنْ كتب في العقيدة أن يكتب في الأصول وإن لم تكن له عناية بالفقه. ثم اشتد الأمر بعد إدخال الغزالي المقدمة المنطقية على علم الأصول. ولم يستطع الأصوليون أن يعودوا بكتب الأصول إلى منهج الإمام الشافعي في الرسالة، وإن كان الله قد مَنَّ على الأمة بوجود بعض الأصوليين الذين لم يغلب عليهم علم الكلام، وكانوا على طريقة السلف، فلم تمتزج تصانيفهم بعلم الكلام. بل اشتدوا وأنكروا على من انتهج هذا النهج كأبي اسحاق الشيرازي في اللمع، وأبي المظفر السمعاني في القواطع. • سمات ظهور المذاهب العقدية داخل علم الأصول: أولًا: المبالغة في التجريد العقدي للمسألة مع إهمال أثرها الفقهي، وإهمال وإغفال دلالات النصوص. مثال: مسألة دلالة الأمر، وهل يقتضي الأمر النهي عن ضده أم لا، وما دلالة الأمر بعد الحظر.

стр. 127

ففي هذه المسائل تجد نقاشًا يتسم ب: ١ - البعد عن النصوص الشرعية، والتطبيقات الفقهية. ٢ - إيغال في إلزام لوازم عقلية، وترتيب قضايا منطقية كلامية بعيدة تمام البعد عن التطبيق الشرعي. ثانيًا: نزعة المذهب العقدي للمصنف في تقرير مسائل الأصول: فإن كان المصنف معتزليًّا قرر مذهب المعتزلة، وإن كان المصنف أشعريًّا قرر مذهب الأشاعرة، مع أنَّ علم أصول الفقه ليس له علاقة بالمذهب العقدي، فهو قائم على الأدلة الشرعية وطرق الاستنباط، فهذه المسائل ليست من مباحثه. • مثال: صفة الكلام. فإذا جاء الكلام عن الأدلة، فمن الأدلة القرآن، والكل يقر بأن القرآن دليل شرعي حجة ينبغي المصير إليه. هذا القدر هو القدر الكافي في علم أصول الفقه، لكنهم أدخلوا هنا المذهب العقدي، فتكلموا عن صفة الكلام، وهل يوصف الله بذلك أم لا؟ وهل الكلام حقيقة أم كلام نفسي؟ إلى غير ذلك. وهذا من مباحث علم الاعتقاد، وليس من أصول الفقه.

стр. 128

• مثال آخر: صيغ العموم، والأمر، والنهي. وهذه متعلقة باللسان العربي، فكل عاقل يثبت ذلك، وإنكار ذلك مصادمة للعقول، لكن للتأثر بالمذهب العقدي، جاء من يقول بأنه لا توجد صيغ للألفاظ، ولا علاقة للألفاظ بالمعاني، فكان قولًا محدثًا في العربية، مخالفًا لما علم من العقول بداهة. • مثال آخر: القياس والعلة، وهل أحكام الشريعة معللة أم لا: وكانت هذه المسائل أيضًا متأثرة بالمذاهب العقدية في القضاء والقدر. فالمعتزلة نفوا القدر، فنفوا تعليل الأحكام، وقالوا بالتحسين والتقبيح العقلي، وارتباط الأحكام بذلك. والأشاعرة قالوا بالجبر، ونازعوا المعتزلة في مسألة التحسين والتقبيح، وشحنت كتب الأصول بالأخذ والرد. وهذا قدر زائد عن علم أصول الفقه. ثالثًا: انقلاب بعض أبواب الأصول إلى معترك عقدي. فإيراد هذه المباحث في علم الأصول أدى إلى وجود أبواب كاملة ما هي إلا إيراد للأقوال ومناقشات لها، وأخذ ورد؛ فشحنت كتب الأصول بمباحث ليست من صلب علم الأصول.

стр. 129

• آثار دخول المسائل الكلامية والمنطقية في علم الأصول: ١ - الانتصار للمذهب العقدي داخل كتب الأصول. ٢ - ضعف الأثر الفقهي، فلا توجد الأمثلة الفقهية بكثرة، وهذا غياب للثمرة المرجوة أصلًا من الأصول. ٣ - تعقيد كتب الأصول بالمباحث الكلامية والمنطقية؛ مما أدى إلى زهد طلاب العلم في علم الأصول، مع عظم فائدته وأهميته، وأغرى البعض أن يقول: علم الأصول ما هو إلا تعلم لعلم الكلام والمنطق. • أقسام مسائل الأصول التي تأثرت بمسائل الاعتقاد: ١ - مسائل لا أثر للخلاف فيها (الخلاف لفظي): مثال: مسألة انقسام الواجب إلى واجب معين ومخير، كالتخيير في الكفارات. فقد خالف المعتزلة، وقالوا: لا يصح التقسيم، وأن هذا تناقض أن يكون واجب ومخير؛ لأن مقتضى التخيير الإباحة، ووصف الإباحة مناقض للوجوب. لكنهم مع ذلك لا ينكرون أنَّ المكلف مخير في كفارة اليمين بين الإطعام والكسوة والعتق.

стр. 130

٢ - مسائل الخلاف فيها متكلف: كأن يأتي للمسألة الأصولية فيلتزم فيها قولًا ضعيفًا جدًّا؛ لأنه يوافق أصله، ومذهبه العقدي. كإنكار أنَّ للعموم والأمر والنهي صيغًا، فهذه مكابرة وتجاوز لمقتضى اللغة ومصادمة للعقول، لذلك تجد المحققين منهم يتوقفون في هذه المسائل. ٣ - مسائل ذات الأثر العلمي (الخلاف فيها معنوي): مثال: الاحتجاج بخبر الواحد في العقائد، والاحتجاج بخبر الواحد فيما تعم به البلوى، والاحتجاج بالمصلحة، وتقديمها على النص. فهذه المسائل وغيرها ظهر فيها الخلل في التقرير الأصولي بناءًا على المذهب العقدي الذي استصحبه المصنف.

стр. 131

الفصل الرابع المقدمات والمصطلحات المهمة لدارس علم أصول الفقه وفيه مباحث: • المبحث الأول: مقدمات مهمة في دراسة علم الأصول. • المبحث الثاني: علاقة علم الأصول بغيره من العلوم وتأثيره فيها. • المبحث الثالث: مصطلحات مهمة. • المبحث الرابع: مباحث لغوية متعلقة بعلم الأصول (أحكام الحروف).

стр. 132

المبحث الأول: مقدمات مهمة في دراسة علم الأصول • ذكر الشاطبي ﵀ بعض المقدمات المهمة المرتبطة بعلم أصول الفقه ومنها: ١ - الأدلة العقلية إذا استعملت في هذا العلم؛ فإنما تستعمل مركبة على الأدلة السمعية، أو معينة في طريقها، أو محققة لمناطها، أو ما أشبه ذلك، لا مستقلة بالدلالة؛ لأن النظر فيها نظر في أمر شرعي، والعقل ليس بشارع. ٢ - كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية، أو آداب شرعية، أو لا تكون عونًا في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية. ٣ - كل مسألة لا ينبنى عليها عمل، فالخوض فيها خوض في ما لم يدل على استحسانه دليل شرعي. ٤ - كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يكون حيث هو وسيلة إلى التعبد إلى الله تعالى، لا من جهة أخرى، فإن ظهر فيه اعتبار جهة

стр. 133

أخرى فبالتبع والقصد الثانى. ٥ - العلم الذى هو العلم المعتبر شرعًا هو العلم الباعث على العمل. ٦ - إذا تعاضد النقل والعقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا، ويتأخر العقل فيكون تابعًا. ٧ - لما ثبت أنَّ العلم المعتبر شرعًا هو ما ينبنى عليه عمل صار ذلك منحصرًا فيما دلت عليه الأدلة الشرعية. ٨ - من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به، أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام. ٩ - من العلم ما هو من صلب العلم، ومنه ما هو ملح العلم لا من صلبه، ومنه ما ليس من صلبه ولا ملحه؛ فهذه ثلاثة أقسام. - القسم الأول: هو الأصل والمعتمد، والذي عليه مدار الطلب، وإليه تنتهي مقاصد الراسخين، وذلك ما كان قطعيًّا، أو راجعا إلى أصل قطعي، والشريعة المباركة المحمدية منزلة على هذا الوجه، ولذلك كانت محفوظة في أصولها وفروعها؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]؛ لأنها ترجع إلى حفظ المقاصد التي بها يكون صلاح الدارين، وهي: الضروريات، والحاجيات،

стр. 134

والتحسينات، وما هو مكمل لها ومتمم لأطرافها، وهي أصول الشريعة. والقسم الثاني: وهو المعدود في ملح العلم لا في صلبه: وهوما لم يكن قطعيًّا ولا راجعًا إلى أصل قطعي، كالعلوم المأخوذة من الرؤيا، وكحمل بعض العلوم على بعض في بعض قواعده؛ حتى تحصل الفتيا في أحدها بقاعدة الآخر. القسم الثالث: وهو ما ليس من الصلب، ولا من الملح: وهوما لم يرجع إلى أصل قطعي ولا ظني، وإنما شأنه أن يكر على أصله أو على غيره بالإبطال، ومثال هذا القسم ما انتحله الباطنية في كتاب الله من إخراجه عن ظاهره، وأن المقصود وراء هذا الظاهر، ولا سبيل إلى نيله بعقل ولا نظر، وإنما ينال من الإمام المعصوم، تقليدًا لذلك الإمام (١). • مسألة: هل يمكن حصول العلم دون معلم؟ قال الشاطبى: الإمكان مسلَّم، ولكن الواقع في مجارى العادات أنه لا بد من المعلم، وهو متفق عليه في الجملة وإن اختلفوا في التفاصيل … وقد قالوا: إنَّ العلم كان في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب وصارت مفاتحه بأيدى الرجال. وهذا الكلام يقضى بأنه لا بد

стр. 135

في تحصيله من الرجال، إذ ليس وراء هاتين المرتبتين مرمى عندهم (١). وأصل هذا في الصحيح: (إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء) (٢)، فإذا كان كذلك فالرجال هم مفاتحه بلا شك (٣). • مسألة: أمارات العالم المتحقق: ١ - العمل بما علم حتى يكون قوله مطابقًا لفعله، فإن كان مخالفًا فليس أهلًا لأن يؤخذ عنه. ٢ - أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم؛ لأخذه عنهم وملازمته لهم. ٣ - الاقتداء بمن أخذ عنه والتأدب بأدبه، كما علمت من اقتداء الصحابة بالنبى ﷺ ، واقتداء التابعين بالصحابة (٤).

стр. 136

المبحث الثاني: علاقة علم الأصول بغيره من العلوم وتأثيره فيها العلوم الشرعية بينها وبين بعضها قدر كبير من الترابط والتداخل، وإن كان الأصل فيها التمايز والاختلاف في موضوعاتها وغاياتها؛ وهذا القدر العالي من التداخل راجع إلى أن العلوم الشرعية كلها متمحورة حول النص الشرعي. • ويمكن أن يُقسَّم هذا التداخل والترابط إلى أربعة أنماط (١): • الأول: التداخل الاستمدادي: ومعناه: أن العلوم الشرعية يحتاج بعضها إلى بعض في تكميل متطلباتها البحثية، فلا يوجد علم يستقل بكل البحوث التى تندرج فيه من غير أن يحتاج إلى علم آخر يعينه ويساعده فى تكميل النظر والتدقيق في بعض مكوناتها.

стр. 137

ومن أظهر الصور التى يظهر فيها هذا النمط من التداخل قضية الاستمداد المذكورة فى المبادئ العشرة. • الثانى: التداخل التحصيلي: ومعناه: أن المرء لا يستطيع أن يفهم علمًا تمام الفهم دون أن يكون له إدراك لأصول العلوم الأخرى؛ فلا يوجد علم شرعى مستقل بذاته بحيث لا يكون له ارتباط بالعلوم الأخرى، أو يمكن للمرء أن يحصله من غير أن يدرك شيئًا من غيره، بل كل علم شرعى محتاج الى آخر فى الفهم والتحصيل. ومن أظهر صور هذا النمط تقسيم العلماء العلوم إلى علوم أدوات وعلوم غايات، وكذلك كلام العلماء عن الشروط التى ينبغى توفرها في الفقيه والمفسر من تحصيل معارف من علوم متعددة. • الثالث: التداخل الموضوعي: ومعناه: أن ثمة موضوعات تُبحَث فى عدد من العلوم الشرعية لكونها متعلقة بها جميعًا، ومن أظهر صورها هنا المسائل المشتركة بين علم أصول الفقه وعلوم العربية كدلالات الألفاظ وغيرها. • الرابع: التداخل التأثيري: ومعناه: أن العلوم الشرعية يؤثر بعضها فى بعض من جهة تقرير المسائل والدلائل، وينبغى التنبيه هنا إلى أن التأثر الواقع بين العلوم

стр. 138

مختلف، فبعضه محمود وبعضه مذموم، وبعضه كثير وبعضه قليل. • فعلاقة علم أصول الفقه بغيره من العلوم نستطيع أن نحددها من خلال هذه الأنماط: • الأول: التداخل الاستمدادي: وقد سبق بيانه في مبدأ الاستمداد في المبادئ العشرة. • الثانى: التداخل التحصيلي: فعلم أصول الفقه من علوم الآلات التى يُحتاج إليها في سائر العلوم لأنه علم يضبط لك أصول الفهم والاستنباط والاستدلال، وسيأتى بيان ذلك إن شاء الله تعالى. • الثالث: التداخل الموضوعى: وذلك: مثل كثير من المسائل المشتركة بين علوم اللغة، وعلم أصول الفقه، كمبحث دلالات الألفاظ، كالأمر والنهى، والعام والخاص والاستثناء، وغيره، وإن كان لعلم أصول الفقه اختصاص زائد في هذه المباحث من جهة دلالاتها على الأحكام ليس لأهل اللغة، وقد وضح ذلك الإمامان الطوفى وتقى الدين السبكى وقد سبق بيان ذلك (١)، ولا مانع من إعادة ذكر بعضه هنا.

стр. 139

ومن ذلك قول الطوفي: الكلام يشتمل على لفظ ومعنى، فحظ اللغوي النظر في ألفاظه ببيان ما وضعت له كقوله: العموم: الشمول، والعام: الشامل، والتخصيص: تمييز شيء عما شاركه بحكم، وحظ النحوي بيان ما يستحقه من الحركات اللاحقة لآخره إعرابًا أو بناءًا، وحظ التصريفي بيان وزنه، وصحيحه من معتله، وأصله من زائده أو بدله، وغير ذلك من أحكامه. أما كون العام بعد تخصيصه حجة أو ليس بحجة، أو حقيقة أو مجازًا، فهذا ليس حظ واحد من هؤلاء، بل حظ الأصولي، والأصولي موضوع علمه المعنى، وإنما ينظر في الألفاظ بطريق العرض في مبادئ الأصول (١). ويقول تقي الدين السبكي: إن الأصوليين دققوا في فهم أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون، فإن كلام العرب متسع جدًّا، والنظر فيه متشعب، فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصولي، واستقراء زائد على استقراء اللغوي، مثاله دلالة صيغة (افعل) على الوجوب، و (لا تفعل) على التحريم، وكون (كل وأخواتها) للعموم، وما أشبه ذلك مما ذُكِر

стр. 140

أنه من اللغة، ولو فتشت كتب اللغة لم تجد فيها شفاءًا في ذلك، ولا تعرضًا لما ذكره الأصوليون، وكذلك كتب النحو لو طلبت معنى الاستثناء، وأن الإخراج هل هو قبل الحكم أو بعد الحكم، ونحو ذلك من الدقائق التى تعرض لها الأصوليون، وأخذوها باستقراء خاص من كلام العرب، وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو، فهذا ونحوه مما تكفل به أصول الفقه (١). وكذلك في علم التفسير نجد مسائل يتناولها المفسرون بالبيان لأهميتها فى التفسير، مثل مباحث النسخ، والمحكم والمتشابه، والحقيقة والمجاز، والعام والخاص، والظاهر والمؤول، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، وإن كانت هذه المباحث تناولها الأصوليون بزيادة تأصيل وضبط ليس عند المفسرين (٢). يقول أبو حيان: وقد تكلم المفسرون هنا في حقيقة النسخ الشرعي وأقسامه، وما اتفق عليه منه، وما اختلف فيه، وفي جوازه عقلًا، ووقوعه شرعاً، وبماذا ينسخ، وغير ذلك من أحكام النسخ ودلائل تلك

стр. 141

الأحكام، وطوَّلوا في ذلك. وهذا كله موضوعه علم أصول الفقه، فيبحث في ذلك كله فيه. وهكذا جرت عادتنا: أن كل قاعدة في علم من العلوم يُرجَع في تقريرها إلى ذلك العلم، ونأخذها في علم التفسير مُسَلَّمة من ذلك العلم، ولا نطول بذكر ذلك في علم التفسير، فنخرج عن طريقة التفسير (١). وكذلك فى علم الحديث هناك قدر من هذه المسائل، وذلك كالكلام عن السنة باعتبارها مصدرًا ودليلًا من مصادر الأحكام، وكذلك في تقسيم الأخبار الى متواتر وآحاد، ومباحث القطعى والظنى، وأي هذه الأخبار حجة. وكذلك فى علم العقيدة نجد قدرًا من المباحث العقدية والكلامية تُبحَث في علم الأصول (٢) مع أجنبية هذه المسائل عن علم أصول الفقه، مثل مسألة التحسين والتقبيح العقلي، والحقيقة والمجاز، وهل للأمر صيغة أم لا؟

стр. 142

وهذا القدر من الاشتراك راجع إلى أن كثيرًا ممَّن كتب في الأصول قديمًا من المعتزلة والأشاعرة، فجعلوا كتب الأصول سجالًا عقديًّا فيما بينهم، و تقرير مثل هذه المعتقدات في كتب الأصول يدل على أهمية هذا العلم، فإن تقررت هذه الأصول العقدية كانت حاكمة بعد ذلك على كل الأصول والفروع؛ لذلك نجد كثيرًا من القواعد الأصولية قررت تفريعًا على هذه المباحث العقدية. • أما النمط الرابع فهو التداخل التأثيري: والمراد هنا تأثير علم أصول الفقه في غيره من العلوم: • أولًا: علم الفقه: فأظهر العلوم تأثرًا بعلم أصول الفقه علم الفقه؛ إذ هو فرع عنه، ونتيجة له، ومبناه عليه، ويظهر ذلك جليًّا في اختلاف الفقهاء، فأحد أقوي أسباب اختلاف الفقهاء الخلاف في تقرير القواعد الأصولية (١). فما من حكم فقهي إلا وهو يستند إلى قاعدة، أو مسألة في علم أصول الفقه، وهذا أمر واضح جلي لا يحتاج إلى كثير بيان، وأدل دليل على ذلك اسمه، فتسميته علم أصول الفقه لأكبر دليل على هذا،

стр. 143

وسيأتي في ثنايا الكتاب ذكر كثير من الأمثلة الدالة على ذلك. • ثانيًا: علم التفسير: فعلم أصول الفقه من العلوم التى لابد أن يعتني بها المفسر، وسبق بيان قدر من المسائل المشتركة بين علم التفسير وعلم الأصول التي تشتد حاجة المفسر لها، بل لا يكاد يتصور عالم بالتفسير دارس له، وليس له علم واسع بعلم أصول الفقه؛ إذ القرآن هو أصل القواعد وأساسها، فعليه تُبنَى القواعد، وإليه ترجع، وفيه تعمل. ومن ذلك مثلًا: فيه الأمر المقتضي للوجوب كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وفيه: الأمر المصروف للندب أو الإرشاد كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، صرف للندب أو الإرشاد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وفيه: الأمر المصروف للإباحة: كقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧].

стр. 144

وفيه: النهي الذي للتحريم كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]. وفيه: الإشارة إلى بعض شروط التكليف كالاستطاعة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، والعلم كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦]. وفيه: العام المخصوص كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، خُصَّ بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وفيه: المطلق والمقيد كقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وجاءت الرقبة مقيدة في كفارة القتل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. وفيه الظاهر كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي الصيام الشرعي فهذا هو الظاهر من النص.

стр. 145

وفيه المؤول بقرينة كقوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، فالمراد الصيام اللغوي أي عن الكلام. وفيه المجمل كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وبينت السنة المراد بالاعتزال بقوله ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». وفيه مفهوم الموافقة الأَوْلى كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، فمن باب أولى أقل من ذلك. وفيه: مفهوم المخالفة كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وبمفهوم المخالفة إن لم يتوبوا، ولم يقيموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة فليسوا إخواننا في الدين. وفيه: الناسخ والمنسوخ كنسخ قوله تعالى في العدة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
следующие страницы →