المبحث الثالث:
علم أصول الفقه في عصر التابعين
ما زال علم أصول الفقه إلى الآن قواعد على ألسنة العلماء من الصحابة وتلاميذهم من التابعين لم يُدوَّن كعلم مستقل.
وقد وَرِث التابعون هذا العلم من الصحابة بملازمتهم، والتفقه عليهم، فتشكلت حلق ومدارس للصحابة يُدَرِّسون فيها العلم للتابعين.
فكان ابن عباس في مكة، وابن عمر في المدينة، وعبد الله بن مسعود في الكوفة، وأنس بن مالك في البصرة، وأبو الدرداء في الشام، وكان من سياسة عمر ﵁ أن يرسل مع الجيوش في الفتوحات من يعلِّم أهلها.
فتأثر أهل كل بلد بفقه الصحابي الذي فيه، فورثوا علم الصحابة من خلال التأثر بطرائق الصحابة في الفهم والفتوى.
وقد يرحل التابعي إلى الصحابي، فيجمع فقهه وعلمه، ثم يرحل إلى آخر، فيجمع فقهه وعلمه.
стр. 72
وقد يلزم التابعي صحابيًّا بعينه حتى يُشتهر بالأخذ عنه.
ومن ذلك: سعيد بن المسيب اشتهر بالأخذ عن أبي هريرة.
وكذلك نافع مولى ابن عمر اشتهر بالأخذ عنه، وتشرب فقهه.
واشتهر عكرمة بالأخذ عن ابن عباس، والتفقه عليه.
فورَّث الصحابة العلم بانتشارهم في الآفاق والبلاد، وتدريسهم العلم لطلابهم، والآخذين عنهم.
فتشرب به التابعون، وورَّثوه بدورهم إلى غيرهم من أتباعهم، بل إنَّ المذاهب الفقهية الكبرى كانت متأثرة بفقه الصحابة.
ففقه أبي حنيفة ينتهي في إسناده إلى عبد الله بن مسعود.
وفقه مالك ينتهي في إسناده إلى ابن عمر (مالك عن نافع عن ابن عمر).
وفقه الشافعي ينتهي في إسناده إلى ابن عباس (الشافعي عن ابن جريج عن عكرمة عن ابن عباس)، وقد جمع ﵁ بين علم الحجاز (مالك)، وعلم العراق (أبو حنيفة).
وفقه أحمد بن حنبل متأثر بفقه الشافعي، فهو أجل من أخذ عنه.
فالصحابة ورَّثوا العلم للتابعين، ثم تلت تلك المرحلة مرحلة تابعة
стр. 73
لها، فاتسعت بلاد الإسلام والفتوحات الإسلامية، وامتد الزمان، وانقرض عهد الصحابة بموت أحدهم تلو الآخر، ولم يبق إلا جيل التابعين الذين أخذوا من الصحابة، ثم ورَّثوا أتباعهم الذين جدت في عهدهم أمور منها:
١ - كثرة الفتوحات الإسلامية واتساع رُقعة البلاد الإسلامية.
٢ - ضعف اللغة وانتشار العجمة.
٣ - قلة الصحابة ﵃.
٤ - قلة رواية الحديث كما في العراق والشام والبصرة.
٥ - نشأة الفرق أو المذاهب المخالفة (الخوارج، والشيعة، والقدرية، والجهمية، والمعتزلة)، وأصحاب هذه الفرق كانوا يستدلون لمذاهبهم بالأدلة.
فكانوا يعتمدون في فهم النصوص على قواعد عقيمة، وفهوم سقيمة تخالف ما كان عليه الصحابة الكرام والسلف الأطهار.
فهذه الأمور كانت عائقًا أمام انتقال العلم بصورته الوراثية بين الأجيال، كما كان في الصحابة مع التابعين، والتابعين مع أتباعهم.
لذلك دعت الحاجة إلى أن يدون علم أصول الفقه، حتى يحفظ من الضياع بين تلك المآخذ والمذاهب، وذلك كان في منتصف القرن الثاني
стр. 74
الهجري.
وكانت أولى المحاولات في جمع هذا العلم المبارك على يد الإمام المطلبي الشافعي محمد بن إدريس ﵀.
стр. 75
المبحث الرابع:
نبذة مختصرة عن الإمام الشافعي ﵀ -
إن من أقل الواجب علينا، والاعتراف بالفضل والجميل لمن أسس هذا العلم (علم أصول الفقه)، وأرسى قواعده وأسسه أن نذكر نبذة موجزة عن سيرته (الإمام الشافعي) وحياته، وبيان بعض مناقبه، وكلام العلماء في ذكر فضائله ومكانته.
• أولًا: اسمه ونسبه (١):
الإمام الشافعي هو: محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي، الإمام العلم أبو عبد الله المكي المطلبي الفقيه.
• ثانيًا: مولده ونشأته وطلبه للعلم (٢):
ولد سنة خمسين ومائة بغزة، وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين فنشأ
стр. 76
بها، وأقبل على الأدب والعربية والشعر، فبرع في ذلك، وحبب إليه الرمي حتى فاق الأقران.
وعن ابن عبد الحكم قال: لما حملت أم الشافعي به رأت كأن المشترى خرج من فرجها حتى انقض بمصر، ثم وقع في كل بلد منه شظية، فتأول المعبرون أنه يخرج منها عالم يخص علمه أهل مصر، ثم يتفرق في سائر البلدان.
وعن الشافعي قال: لم يكن لي مال، فكنت أطلب العلم في الحداثة أذهب إلى الديوان أستوهب الظهور أكتب فيها.
وقال الشافعي: كنت أكتب في الأكتاف والعظام.
وقال الحميدي: سمعت الشافعي يقول: كنت يتيما في حجر أمي، ولم يكن لها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أقوم على الصبيان إذا غاب، وأخفف عنه.
وقال عمرو بن سواد: قال لي الشافعي: كانت نهمتي في شيئين: في الرمي وطلب العلم، فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة عشرة، وسكت عن العلم، فقلت له: أنت والله في العلم أكبر منك في الرمي.
стр. 77
قال الشافعي: أتيت مالكا وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، وكان ابن عم لي والي المدينة، فكلم لي مالكا فأتيته، فقال: اطلب من يقرأ لك، فقلت: أنا أقرأ، فقرأت عليه، فكان ربما قال لي لشيء قد مر: أَعِدْه، فأعيده حفظًا، وكأنه أعجبه، ثم سألته عن مسألة فأجابني، ثم أخرى، فقال: أنت تحب أن تكون قاضيًا.
• ثالثًا: عبادته (١):
قال محمد بن إسماعيل، أظنه السلمي: حدثني حسين الكرابيسي قال: بت مع الشافعي غير ليلة، وكان يصلي نحو ثلث الليل، فما رأيته يزيد على خمسين آية فإذا أكثر فمائة، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ منها.
وقال إبراهيم بن محمد بن الحسن الأصبهاني: حدثنا الربيع قال: كان الشافعي يختم القرآن ستين مرة في رمضان.
وكان الشافعي من أحسن الناس قراءة، قال: بحر بن نصر: كنا إذا أردنا أن نبكي قال بعضنا لبعض: قوموا بنا إلى هذا الفتى المطلبي يقرأ القرآن، فإذا أتيناه استفتح القرآن حتى يتساقط الناس ويكثر عجيجهم بالبكاء من حسن صوته، فإذا رأى ذلك أمسك عن القراءة.
стр. 78
• رابعًا: أقوال بعض العلماء وثناؤهم على الشافعي (١):
كان الشافعي ﵀ عظيم الأثر في الأمة، وخاصة أنه أول من وضع قواعد علم أصول الفقه كما سبق، ونبه الناس عليه، وذلك مع وفور ذكائه، وقوة حفظه، وثاقب فهمه، وجمعه بين علوم الفقه وأصوله، والحديث وعلومه، واللغة والأشعار، والأنساب والتاريخ، وغيرها؛ لذا كان له المكانة العظيمة، والقدر الرفيع العالي عند أكابر علماء الأمة؛ لذا كثر كلامهم في بيان فضله ومكانته، ومن ذلك:
قال عبد الرحمن بن مهدي: سمعت مالكًا يقول: ما يأتيني قرشي أفهم من هذا الفتى، يعني: الشافعي.
وقال أبو ثور: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي، ﵁، وهو شاب أن يضع له كتابًا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب الرسالة.
قال عبد الرحمن: ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو الله للشافعي فيها.
وعن يحيى بن سعيد القطان، أنه قال: إني لأدعو الله للشافعي في كل صلاة، أو في كل يوم، يعني: لما فتح الله عليه من العلم، ووفقه للسداد
стр. 79
فيه.
وذكر يحيى بن سعيد القطان الشافعي، فقال: ما رأيت أعقل، أو أفقه منه.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَوْحٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: كُنَّا فِي مَجْلِسِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَالشَّافِعِيُّ حَاضِرٌ، فَحَدَّثَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، مَرَّ بِهِ رَجُلٌ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، وَهُوَ مَعَ امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ، فَقَالَ: «تَعَالَ، هَذِهِ امْرَأَتِي صَفِيَّةُ».
فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ»
فقال ابن عيينة للشافعي، ﵁: ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله؟ قال: إن كان القوم اتهموا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، كانوا بتهمتهم إياه كفارًا، لكن رسول الله، أدَّب مَنْ بعده، فقال: إذا كنتم هكذا، فافعلوا هكذا، حتى لا يُظَنَّ بكم، لا أن النبي، ﷺ يُتَّهَم، وهو أمين الله في أرضه، فقال ابن عيينة: جزاك الله خيرًا يا أبا عبد الله، ما يجيئنا منك إلا كل ما نحبه.
وقال قتيبة بن سعيد: الشافعي إمام.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت رجلًا أعقل من الشافعي،
стр. 80
وفي رواية: ما رأيت رجلًا قط أعقل ولا أورع ولا أفصح من الشافعي.
وقال يونس بن عبد الأعلى: ما رأيت أحدًا أعقل من الشافعي، لو جمعت أمة فجعلت في عقل الشافعي، لوسعهم عقله.
وعن الربيع، أنه قال: لو وزن عقل الشافعي بنصف عقل أهل الأرض لرجحهم.
وعن معمر بن شبيب قال: سمعت المأمون يقول: قد امتحنت محمد بن إدريس في كل شيء فوجدته كاملًا.
قال أحمد بن حنبل: كانت أقفيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع، حتى رأينا الشافعي.
قال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة، فقال: تعال حتى أريك رجلًا لم تر عيناك مثله، قال: فجاء فأقامني على الشافعي.
وكان أحمد بن حنبل يقول: ما أحد مس محبرة وقلمًا، إلا وللشافعي في عنقه منَّة.
وقال إبراهيم الحربي: سألت أحمد بن حنبل عن الشافعي؟ فقال: حديث صحيح، ورأي صحيح.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت دبيسًا، قال: كنت مع أحمد بن حنبل في المسجد الجامع، فمر حسين، يعني: الكربيسي، فقال: هذا، يعني:
стр. 81
الشافعي، رحمة من الله تعالى لأمة محمد ﷺ ، ثم جئت إلى حسين، فقلت: ما تقول في الشافعي؟ فقال: ما أقول في رجل ابتدأ في أفواه الكتاب، والسنة، والاتفاق؟! وما كنا ندري ما الكتاب والسنة، نحن ولا الأولون، حتى سمعنا من الشافعي، ﵁: الكتاب، والسنة، والإجماع.
وقال إسحاق بن راهويه: الشافعي إمام.
وروى الخطيب عن أبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي، أنه كان إذا ذكر عنده الشافعي، يقول: حدثنا سيد الفقهاء الشافعي.
قال أبو الوليد بن أبي الجارود: ما رأيت أحدًا إلا وكتبه أكبر من مشاهدته، إلا الشافعي، فإن لسانه كان أكبر من كتابه.
وقال هارون بن سعيد الأيلي: لو أن الشافعي ناظر على هذا العمود الذي من حجارة أنه من خشب لغلب، لاقتداره على المناظرة.
وقال ابن أبي حاتم: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، يقول: ما أحد ممن خالفنا، يعني: خالف مالكًا، أحب إلي من الشافعي.
وقال الجاحظ: نظرت في كتب هؤلاء النبغة الذين نبغوا، فلم أر أحسن تأليفًا من المطلبي، كأن كلامه نظم درا إلى در.
стр. 82
وقال زكريا الساجي: سمعت هارون بن سعيد الأيلي، يقول: ما رأيت مثل الشافعي، قدم علينا مصر، فقالوا: قدم رجل من قريش، فجئناه وهو يصلي، فما رأيت أحسن صلاة، ولا أحسن وجهًا منه، فلما تكلم، ما رأينا أحسن كلامًا منه، فافتتنا به.
وقال الحسن بن محمد الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقودًا، حتى جاء الشافعي، فأيقظهم، فتيقظوا.
وقال الربيع: كان أصحاب الحديث لا يعرفون مذاهب الحديث وتفسيره حتى جاء الشافعي.
• خامسًا: شدة تمسكه بالدليل:
ومما كان يمتاز به الشافعي ﵀ أنه جمع بين القواعد والأصول، والأدلة والنصوص، فمع قوة ترسيخه للقواعد كان أيضًا شديد التمسك بالنصوص، ومما يدل على ذلك:
قال هارون بن سعيد الأيلي: سمعت الشافعي، يقول: لولا أن يطول على الناس لوضعت في كل مسألة جزء حجج وبيان.
وقال البويطي: سمعت الشافعي ﵁ يقول: لقد ألفت هذه الكتب، ولم آل فيها، ولا بد أن يوجد فيها الخطأ، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، فما
стр. 83
وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب والسنة، فقد رجعت عنه.
وقال البيهقي: عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن الأصم، عن الربيع، سمعت الشافعي، يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ ، فقولوا بها، ودعوا ما قلته.
وقال البيهقي: عن الحاكم، عن الأصم، عن الربيع: سمعته يقول:
وقال له رجل: يا أبا عبد الله تأخذ بهذا الحديث؟ فقال: متى رويتُ عن رسول الله، ﷺ ، حديثًا صحيحًا، ولم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي، يقول: وذكر نحوه، وقال: سمعته، يقول: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا رويتُ عن رسول الله، ﷺ ، حديثًا ولم أقل به.
وقال الحميدي: روى الشافعي يومًا حديثًا، فقلت: أتأخذ به؟ فقال: أرأيتني خرجت من كنيسة وعليَّ زنَّار؟ حتى إذا سمعت من رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ حديثًا لا أقول به!.
وقال أبو ثور: سمعت الشافعي يقول: كل حديث عن رسول الله ﷺ ، فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني.
стр. 84
وكان الشافعي يقول: كل ما قلت فكان عن النبي ﷺ ، خلاف قولي مما يصح، فحديث رسول الله، ﷺ أولى فلا تقلدوني.
• سادسًا: وفاته ﵀ -:
قال الربيع بن سليمان توفي الشافعي ليلة الجمعة، بعدما صلى المغرب، آخر يوم من رجب، ودفناه يوم الجمعة وانصرفنا، فرأينا هلال شعبان سنة أربع ومائتين (١).
قال الربيع: رأيت فى النوم أن آدم، ﵇ مات، فسألت عن ذلك، فقيل: هذا موت أعلم أهل الأرض؛ لأن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها، فما كان إلا يسير فمات الشافعى ﵀، ورأى غيره ليلة مات الشافعى قائلًا يقول: الليلة مات النبى ﷺ ، وحزن الناس لموته الحزن الذى يوازى رزيتهم به (٢).
стр. 85
المبحث الخامس:
رسالة الإمام الشافعي ﵀ المتوفى (٢٠٤ هـ)
كتاب الرسالة للإمام الشافعي أول كتاب أُلف في علم أصول الفقه، وكان ذلك سنة (١٨٠ هـ).
قال الرازي: كانوا قبل الإمام الشافعي يتكلمون في مسائل أصول الفقه، ويستدلون، ويعترضون، ولكن ما كان لهم قانون كُلي مرجوع إليه في معرفة دلائل الشريعة، وفي كيفية معارضتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي علم أصول الفقه، ووضع للخلق قانونًا كُليًّا يُرجع إليه في معرفة مراتب الشرع (١).
وقال ابن خلكان: والشافعي أول من تكلم في أصول الفقه، وهو الذي استنبطه (٢).
стр. 86
وقال الإسنوي: وكان إمامنا الشافعي هو المبتكر لهذا العلم بلا نزاع، وأول من صنف فيه بالإجماع (١).
وقال ابن خلدون: كان أول من كتب فيه الشافعي ﵀، أملى فيه رسالته المشهورة، تكلم فيها في الأوامر، والنواهي، والبيان، والخبر، والنسخ، وحكم العلة المنصوصة من القياس.
فأولية التأليف في هذا العلم ثابتة للإمام الشافعي ﵀ وخالف في ذلك جماعة.
فالشيعة -وهم أكذب الخلق- ادَّعَوا أنَّ أئمتهم أول من ألف في علم الأصول.
فقال آية الله حسن الصدر: اعلم أنَّ أول من أسس أصول الفقه، وفتح بابه، وفتق مسائله الإمام محمد الباقر، ثم من بعد الإمام جعفر، وقد أمليا على أصحابهما قواعد، وجمعوا من ذلك مسائل رتبها المتأخرون على ترتيب المصنفين فيه (٢).
ومن كلامهم تبين كذب دعواهم، فيذكر أنهم أملوا مسائل، ولم يذكروا تأليفًا خاصًّا بهم في أصول الفقه.
стр. 87
وقالت الحنفية: إن أول من ألف فيه قاضي القضاة أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم. وذكر بعضهم أنَّ أول من صنف في علم الأصول الإمام أبو حنيفة. وقال بعضهم: إن أول من ألف في أصول الفقه محمد بن الحسن الشيباني المتوفى (١٨٩ هـ) (١). وقد ذكر ابن النديم: أنَّ له كتاب أصول الفقه، وكتاب الاستحسان، وكلاهما مفقود غير موجود (٢).
فالصحيح أنَّ الشافعي هو أول من ألف في أصول الفقه على الإطلاق.
وقد نقل الزركشي أنه لم يسبق الشافعيَّ أحدٌ في تصانيف الأصول ومعرفتها، وقد حكى عن ابن عباس تخصيص عموم، وعن بعضهم القول بالمفهوم، ومِن بعدهم لم يقل في الأصول شيء ولم يكن لهم فيه قدم، فإنا رأينا كتب السلف من التابعين وتابعي التابعين وغيرهم، فما رأيناهم صنفوا فيه (٣).
стр. 88
• سبب تأليف الرسالة:
إن الإمام عبد الرحمن بن مهدي كتب إليه وهو شاب، أن يضع له كتابًا فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجية الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع له كتاب الرسالة.
وروى ابن عبد البر أنَّ علي بن المديني قال: قلت لمحمد بن إدريس الشافعي: أجب عبد الرحمن بن مهدي عن كتابه، فقد كتب إليك يسألك وهو متشوق إلى جوابك. قال: فأجابه الشافعي، وهو كتاب الرسالة التي عنه بالعراق وإنما هي رسالته إلى عبد الرحمن بن مهدي، وأرسل الكتاب إلى ابن مهدي مع الحارث بن سريج النقال، وذلك كان في عام (١٨٠ هـ) (١).
وقد صنف الشافعي الرسالة مرتين، مرة ببغداد، وهي رسالته إلى عبد الرحمن بن مهدي، ولما رجع مصر أعاد تصنيف كتاب الرسالة.
والرسالة القديمة والتي هي المرسلة إلى ابن مهدي مفقودة، وليس بين أيدي الناس اليوم إلا الرسالة الجديدة (٢)، كما حققه الشيخ أحمد شاكر في مقدمة الرسالة.
стр. 89
ومن نافلة القول أيضًا: أنَّ الشافعي لم يُسَمِّ الرسالة بهذا الاسم، بل سمى كتابه (الكتاب) (١) كما حققه أيضًا الشيخ أحمد شاكر، ولكن غلب عليها الرسالة فاشتهرت بذلك.
• أهمية كتاب الرسالة ومميزاته:
١ - أول مُصَنَّف في أصول الفقه.
٢ - مؤلِّفه الإمام الشافعي، إمام في الفقه والحديث واللغة.
٣ - استيفاء مسائل الأصول على خلاف المعتاد في بدايات التصنيف في أي علم.
٤ - جودة الترتيب وحسن التنظيم لمسائل الكتاب.
٥ - أورد مسائل الأصول مرتبطة بالثمرة المرجوة منها، وهي الفقه، فأكثر من الأمثلة، فهو يورد القواعد وعملها في الأدلة، وكيف تُسْتَنْبَط بها الأحكام.
стр. 90
• موضوعاتها وترتيب مسائل العلم فيها:
ابتدأ الشافعي كتاب الرسالة بمقدمة وصف فيها حال الناس عند بعثة النبي ﷺ ، ثم ذكر أنَّ الله تعالى أنقذ الناس بمحمد ﷺ من هذا الضلال، وأنزل عليه الكتاب، فنقلهم من الكفر والعمى إلى الضياء والهدى.
وتكلم عن منزلة القرآن من الدين واشتماله على ما قد أحل الله وما حرم، وما تعبد الناس فيه، وما أعد لأهل طاعته من الثواب، وما أوجب لأهل معصيته من العقاب، ووعظهم بالإخبار عن من كان قبلهم.
ورتب الشافعي على ذلك ما يحق على طلبة العلم بالدين من بلوغ جهدهم في الاستكثار من علم القرآن وإخلاص النية لله، لاستدراك علمه نصًّا واستنباطًا.
ثم ختم الشافعي خطبة الرسالة بقوله: فليست بأحد من أهل دين الله نازلة إلا في كتاب الله جل ثناؤه الدليل على سبيل الهدى فيها.
ثم جعل الشافعي ما أبان الله لخلقه مما تعبدهم به وجوه خمسة، وهي مراتب البيان للأحكام.
أولها: ما أبان الله في كتابه نصًّا جليًّا لا يتطرق إليه التأويل، فلم يحتج مع التنزيل فيه إلى غيره.
стр. 91
ثانيها: ما أبانه القرآن بنص يحتمل أوجهًا، فدلت السنة على تعيين المراد به من هذه الأوجه.
ثالثها: ما أتى الكتاب على غاية البيان في فرضه، وبين رسول الله كيف فرضه، وعلى من فرضه، ومتى يزول فرضه ويثبت.
رابعها: ما بين الرسول مما ليس لله فيه نص حكم، وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله والانتهاء إلى حكمه.
خامسها: ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه وهو القياس.
وبعد أن أجمل الشافعي مراتب البيان الخمس أخذ يفصلها، ويبين لها الأمثلة، والشواهد في أبواب خمسة، ثم أخذ يبين وجوه البيان العربي، ووجودها في القرآن في أبواب مرتبة:
١ - باب ما نزل من القرآن عام الظاهر، وهو يجمع العموم والخصوص.
٢ - باب ما نزل من الكتاب عام الظاهر يراد به كله الخاص.
٣ - باب الصنف الذي يبين معناه وسياقه.
٤ - باب الصنف الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره.
٥ - باب ما نزل عامًّا فدلت السنة على أنه يراد به الخاص.
ثم تطرق إلى السنة وحجيتها ومنزلتها من الدين، فوضع لذلك
стр. 92
أبوابًا:
١ - باب بيان ما فرض الله في كتابه اتباع سنة نبيه ﷺ .
٢ - باب فرض الله طاعة رسوله مقرونة بطاعة الله جل ذكره، ومذكورة وحدها.
٣ - باب ما أمر الله به من طاعة رسوله.
٤ - باب ما أبان الله لخلقه من فرضه على رسوله اتباع ما أوحى إليه.
ثم وضع فصلًا عنوانه: الناسخ والمنسوخ. وذكر فيه حكمة النسخ، وذكر أنَّ الكتاب يُنسخ بالكتاب، والسنة تُنسخ بالسنة، وغيرها من المباحث المتعلقة بالنسخ.
ثم عقد باب: العلل في الأحاديث، وذكر فيه ما يكون من اختلاف الأحاديث بسبب النسخ، وما يكون من الاختلاف بسبب الغلط في الأحاديث، وذكر بعض مناشئ الغلط، ثم تكلم عن النهي وأقسامه، ثم وضع بابًا للعلم وأنه قسمان: فرض عين، وفرض كفاية.
ثم عقد بابين في خبر الواحد، وحجية خبر الواحد.
ثم باب في الإجماع، وباب في إثبات القياس والاجتهاد، ثم باب في الاستحسان.
ثم ختم الشافعي الرسالة بالكلام عن الاختلاف.
стр. 93
المبحث السادس:
ما بعد رسالة الشافعي
فبعد أن كان علم أصول الفقه علمًا متوارثًا مأخوذًا بالتلقي والمشافهة أصبح الآن مسطورًا مصنفًا، فبعد الرسالة اتجه أهل العلم إلى جمع مسائل وقواعد هذا العلم، والكتابة والتصنيف فيه، واتجهوا اتجاهات شتى:
أ- منهم من اتجه شارحًا لرسالة الشافعي مُفَصِّلًا لما أجمل مُخَرِّجًا عليه:
فظهر شروح كثيرة للرسالة، أبرز هذه الشروح خمسة:
١ - شرح الإمام أبي بكر محمد بن عبد الله الصيرفي المتوفى سنة (٣٣٠ هـ).
٢ - الإمام حسان بن محمد القرشي الأموي أبو الوليد النيسابوري المتوفى سنة (٣٤٩ هـ).
٣ - الإمام أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي
стр. 94
الكبير المتوفى سنة (٣٦٥ هـ).
٤ - الإمام أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد الشيباني الجوزقي المتوفى سنة (٣٨٨ هـ).
٥ - الإمام أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين المتوفى سنة (٤٣٨ هـ).
وكل هذه الشروح مفقودة، ولا يوجد منها شيء كما ذكره كثير من المحققين.
ب- ومنهم من أخذ بكثير مما قرر الشافعي، ولكنهم ناقشوه في بعض ما ذكر، وزادوا عليه:
فالحنفية زادوا الاستحسان والعرف، والمالكية زادوا إجماع أهل المدينة الذي أنكره الشافعي على مالك، والاستحسان، والمصالح المرسلة وهما الأمران الذي حاول الشافعي إبطالهما، وكما زادوا عليه في باب سد الذرائع.
فهم وافقوا الشافعي في كثير مما قرر، وخالفوه في جملة من التفصيلات.
• القرن الثالث الهجري:
المتأمل في المصنفات الأصولية في هذا القرن يجدها لا تعدوا على
стр. 95
أن تكون رسائل مختصرة عادة ما تحمل عنوانًا واحدًا، أو بابًا واحدًا، أو مسألة من مسائل الأصول.
فرسالة الشافعي حملت أهل العلم على التتابع في التدوين والكتابة في قضايا الأصول، لكنها لم تكن على هيئة كتاب تجمع فيه مسائل الأصول بقدر ما كانت تأليف في المسائل الجزئية، فتجد رسالة في حجية الخبر الواحد، وأخرى في الإجماع، وأخرى في القياس.
فلم تكن المؤلفات تتميز بالشمول الأصولي في التأليف، ولكن ارتبط التصنيف في مسائل جزئية من علم الأصول يستفرغ المصنف وسعه في بيانها، وجمع أقوال العلماء فيها وبحثها.
وتميزت هذه التصانيف بتبني منهج معين، أو الرد على المخالف.
• القرن الرابع الهجري:
بدأ التدوين يتكامل ويشمل جميع أبواب العلم، فظهر علم الأصول على شكل كتاب متكامل يشمل جميع الأبواب في الأصول.
فظهر كتاب الفصول للإمام أبي بكر الجصاص الرازي الحنفي المتوفى سنة (٣٧٠ هـ).
وكانت قبله وبعده محاولات متعددة في هذا الاتجاه.
حتى جاء القاضيان أبو بكر الباقلاني، والقاضي عبد الجبار
стр. 96
المعتزلي فصنفا في علم الأصول.
• القرن الخامس والسادس الهجري:
قال الزركشي: وجاء مَنْ بَعده -يقصد الشافعي- فبينوا وأوضحوا وبسطوا وشرحوا، حتى جاء القاضيان قاضي السنة أبو بكر بن الطيب، وقاضي المعتزلة عبد الجبار، فوسعا العبارات، وفكا الإشارات، وبينا الإجمال، ورفعا الإشكال، واقتفى الناس بآثارهم وساروا على لاحب نارهم، فحرروا، وصوروا (١).
الإمام الكبير القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفى سنة (٤٠٣ هـ).
صنف ثلاث كتب في الأصول:
١ - التقريب والإرشاد الصغير.
وهو موجود منه جزء مطبوع في ثلاثة أجزاء بتحقيق د. عبد الحميد بن علي أبو زيد، مؤسسة الرسالة.
٢ - التقريب والإرشاد الأوسط.
٣ - التقريب والإرشاد الكبير.
стр. 97
وهو الحاوي للخلاف، والأدلة، والترجيحات أبان فيه عن سعة علم واطلاع، فكتاب التقريب للباقلاني يعتبر أول كتاب مستوعب لجميع مباحث أصول الفقه.
ويمتاز عن غيره بخلوه من قواعد المعتزلة الأصولية، كما هو موجود في كتاب (العمد) لمعاصره القاضي عبد الجبار المعتزلي.
بل وجَّه الباقلاني همه فيه إلى إبطال قواعد المعتزلة التي لها علاقة بأصول الفقه، كالقول بالتحسين والتقبيح العقليين، ووجوب الأصلح على الله، وخلق العباد أفعالهم، وغيرها.
• طريقة الباقلاني في التقريب والإرشاد وترتيبه لمباحث علم الأصول:
بدأ الباقلاني كتابه التقريب بمقدمات، هي بمثابة حدود لاصطلاحات هذا الفن، فعرف علم الأصول وحقيقته.
ثم ذكر بعض الحدود: حد العلم وحقيقته، وحد العقل، وأقسام العلوم، وغير ذلك.
ثم حصر أصول الفقه ورتبها فقال: اعلموا أنَّ أصول الفقه محصورة:
فأولها: الخطاب الوارد في الكتاب والسنة.
стр. 98
ثانيها: الكلام في حكم أفعال الرسول ﷺ .
ثالثها: القول في الأخبار وطرقها وأقسامها.
رابعها: بعض الأخبار المروية عن رسول الله ﷺ ، وهي أخبار الآحاد الواردة بشروط قبولها في الأحكام.
خامسها: الإجماع.
سادسها: القياس.
سابعها: صفة المفتي والمستفتي والقول في التقليد.
ثامنها: الحظر والإباحة.
ثم قال: ولهذه الأصول لواحق تتصل بها، وليست منها.
قال: وقد دخل في الخطاب الأمر والنهي، والخصوص والعموم، ودخل فيه الناسخ والمنسوخ، والمجمل والمفسر، والمطلق والمقيد، ولحن الخطاب، ومفهومه وفحواه.
ودخل فيه دليل الخطاب، ومراتب البيان.
والواجب عندنا في الترتيب تقديم الخطاب الوارد في الكتاب والسنة (١) اه.
стр. 99
وقد لخص إمام الحرمين الجويني كتاب التقريب والإرشاد في كتاب سماه التلخيص، وعمد فيه إلى اختيار أصول المسائل، وشيء من الأدلة والترجيح، وهو مطبوع في مجلدين، وكان شديد التأثر به.
ويعد القرن الخامس والسادس المرحلة الذهبية للتدوين في علم الأصول، فصنفت فيه أمهات كتب الأصول، ومراجعه الكبار، وأصوله المعتمدة في الفقه.
فشهدت هذه المرحلة نضوج علم الأصول، والتدوين المتكامل فيه الذي يشمل أبواب الأصول مرتبة ترتيبًا منطقيًّا منهجيًّا، وإخراج كتب تتناول علم الأصول من أوله إلى آخره.
ودونت فيها الكتب الأربعة التي تعد أركان علم أصول الفقه عند المتخصصين، فهذه الكتب كانت نتاج هذه المرحلة.
١ - العمد للقاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي المتوفى سنة (٤١٥ هـ).
٢ - المعتمد لأبي الحسين القاضي البصري المعتزلي المتوفى سنة (٤٣٦ هـ).
٣ - البرهان لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني المتوفى سنة (٤٧٨ هـ).
стр. 100
٤ - المستصفى لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي المتوفى سنة (٥٠٥ هـ).
فألفوا هذه الكتب على وجه الشمول في أبواب الأصول، فيجمع الأقوال، ويورد الأدلة، ويجمع الخلاف، ويناقش، ويرجح، ويخرج برأي.
فهذه كتب موسوعية في علم الأصول.
وامتازت هذه الكتب بميزات:
١ - تناول المسائل الأصولية بشمول.
٢ - تناول المذاهب المختلفة حول المسألة الواحدة.
٣ - إيراد الأدلة لكل مذهب مع مناقشتها.
٤ - ترجيح مذهبه فيما يراه راجحًا، ولو خرج عن حدود مذهبه الفقهي.
ومن نافلة القول أنَّ الأربعة كانوا شافعية.
وهذه الكتب الأربعة لا تشبه بعضها، فلكل واحدة طريقة وترتيب يختلف عن الآخر.
стр. 101
١ - العمد للقاضي عبد الجبار الهمداني المعتزلي.
المتواجد منه بين أيدينا جزء يسير والباقي مفقود، وقد شرح تلميذه أبو الحسن جزءًا منه سماه (شرح العمد) مطبوع.
٢ - المعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي.
اختط فيه أبو الحسين ترتيبًا جديدًا لمادة أصول الفقه، وتجنب فيه التكرار الذي وقع في العمد، فحذف بعض المسائل التي ليست من صميم علم الأصول، وأضاف بعض المسائل التي لم يشتمل عليها العمد، وقد طبع الكتاب في مجلدين.
فهو كتاب مستقل، وليس شرحًا للعمد، كما وهم ابن خلدون في مقدمته.
وقد وهم أيضًا من ظن أن المعتمد مختصر للعمد، والناظر في الكتابين يجد فرقًا واضحًا جليَّا، كما أنَّ القاضي أبا الحسين صرح في مقدمة المعتمد أنَّ المعتمد يغاير العمد في ترتيب أبوابه ومسائله، وفيه زيادة ونقص (١).
стр. 102
٣ - البرهان لإمام الحرمين الجويني:
صنف إمام الحرمين كتابه بطريقة مختلفة، وعرف المسائل الأصولية بشمول واستيعاب.
فقال السبكي: إن هذا الكتاب وضعه إمام الحرمين في أصول الفقه على أسلوب غريب لم يقتد فيه بأحد.
وإمام الحرمين كان صاحب لغة وفصاحة، وبلغ من الفصاحة أنَّ ألفاظه تستعصي على طالب العلم إلا بالرجوع إلى المعاجم.
وهذه اللغة كانت أحد الأسباب التي صرفت عن الاشتغال بالبرهان لصعوبة ألفاظه.
وسبب آخر أدى إلى عدم انتشار البرهان؛ هو مخالفة الجويني لكثير من أصول الشافعية في ترجيحاته، فلذلك لم يشتغل به الشافعية.
لذلك نجد أنَّ كل من شرح البرهان مالكية، رغم أنَّ الجويني شافعي المذهب، فالله أعلم.
• طريقة الجويني في البرهان وترتيبه مسائل العلم:
يمتاز كتاب البرهان بتلك المقدمات، فقدم بتعريف أصول الفقه، وبيان مصادره، والمقصود منه.
ثم يتبع ذلك بمقدمات أخرى، فيعرف الأحكام الشرعية، ويناقش
стр. 103
المعتزلة في بعض شبههم التي تتصل بأصول الفقه كالتحسين والتقبيح.
ثم يعرض لشكر المنعم ووجوبه مناقشًا المعتزلة، مبينًا فساد مذهبهم حيث صاروا إلى وجوبه بالعقل.
ثم يعرض للنظر وحقيقته، والتكليف ومعناه، والقول في العلوم ومداركها، والقول في مدارك العقول.
ثم ينتقل إلى تعريف العلم وما يتعلق به.
وبعد هذه المقدمات ينتقل إلى أصول الفقه وأدلته.
فيبدأ بالبيان، ويعني بالبيان الكتاب والسنة، وفي هذا القسم يعرض تفصيلًا لمسائل الأوامر والنواهي، والمطلق والمقيد، والعام والخاص.
ثم يتحدث عن أفعال الرسول وحجيتها، وطرق التأويل، ثم يتكلم عن الأخبار، وشروط الخبر المتواتر، وما يفيده خبر الواحد من وجوب العمل، والرواية والرواة وصفاتهم، والجرح والتعديل، والتحمل والأداء.
ثانيًا: الإجماع وما يتعلق به من مسائل.
ثالثًا: القياس وما يتعلق به من مسائل.
رابعًا: القول في الاستدلال، وفيه يعرض للآراء في الأخذ
стр. 104
بالاستحسان والمصالح المرسلة.
خامسًا: القول في النسخ (١) اه.
٤ - المستصفى للغزالي:
كان الغزالي وكتابه المستصفى أيضًا معلمًا مستقلًّا في التأليف الأصولي، خالف شيخه الجويني في الترتيب والتبويب، وخالفه في الترجيح في المسائل.
فقال: اعلم أنَّ هذا الملقب بأصول الفقه قد رتبناه وجمعناه في هذا الكتاب، وبنيناه على مقدمة، وأربعة أقطاب، المقدمة لها كالتوطئة والتمهيد، والأقطاب هي المشتملة على الباب المقصود (٢).
ثم ذكر في صدر الكتاب: التعريف بعلم أصول الفقه وما يتعلق به.
وهو أول من أدخل المقدمة المنطقية على علم أصول الفقه، وهذه الأقطاب الأربعة التي تدور عليها جملة الأصول كما قال:
القطب الأول: في الأحكام والبداءة بها أولى؛ لأنها الثمرة المطلوبة.
القطب الثاني: في الأدلة، وهي الكتاب والسنة والإجماع، وبها
стр. 105
التثنية؛ إذ بعد الفراغ من معرفة الثمرة لا أهم من معرفة المثمر.
القطب الثالث: في طريق الاستثمار، وهي وجه دلالة الأدلة، وهي أربعة:
دلالة بالمنطوق، دلالة بالمفهوم، دلالة بالضرورة والاقتضاء، دلالة بالمعنى المعقول.
القطب الرابع: في المستثمر، وهو المجتهد الذي يحكم بظنه، ويقابله المقلد الذي يلزمه اتباعه، فيجب ذكر شروط المقلد والمجتهد وصفاتهما (١).
وقد اعتبر المتخصصون في هذا الفن هذه الكتب الأربعة عمدًا وأركانًا وأمهات لهذا العلم.
فالتأليف الأصولي فيما بعد هذه المرحلة كان متأثرًا لحد كبير بهذه الكتب، فإما أن يحذوا حذوها، أو يشرحها، أو يجعلها أصلًا يعتمد عليه، وإما أن يتبع طريقتها في الترتيب.
ومن الجدير بالذكر أنَّ هذه التصانيف خالفت في طريقتها ومنهجها طريقة ومنهج الشافعي في كتابه الرسالة رغم انتمائهم للمذهب الشافعي.
стр. 106
فأدخلوا على علم الأصول مسائل ليست من صلب علم الأصول، فأدخلوا علم الكلام، ومسائل الاعتقاد، والمقدمات المنطقية على علم الأصول.
ولكن كان هناك من العلماء الذين لم يتأثروا بعلم الكلام، وانحرافات العقيدة، فكانوا على هدي السلف الصالح وطريقتهم؛ فنقوا علم الأصول مما شابهُ من المباحث الكلامية والمنطقية، وعادوا به مرة أخرى غضًّا طريًّا كما صنف فيه الإمام الشافعي ﵀.
ومن هؤلاء:
١ - القاضي أبو الوليد الباجي المتوفى سنة (٤٧٤ هـ)، صنف كتاب الإشارة في معرفة الأصول.
٢ - أبو اسحاق الشيرازي المتوفى سنة (٤٧٦ هـ) في كتابه اللمع.
٣ - أبو المظفر السمعاني المتوفى سنة (٤٨٩ هـ) في كتابه القواطع.
وقد أثنى على كتاب القواطع أهل العلم.
وقال تاج الدين السبكي: ولا أعرف في أصول الفقه أحسن من كتاب القواطع ولا أجمع (١).
стр. 107
وقال الزركشي: والقواطع لأبي المظفر السمعاني، وهو أجل كتاب للشافعية في أصول الفقه نقلًا وحجاجًا (١). وكان أبو المظفر السمعاني أحد أئمة أهل السنة من أصحاب الشافعي (٢).
وقال الذهبي: تعصب لأهل الحديث والسنة والجماعة، وكان شوكًا في أعين المخالفين وحجة لأهل السنة (٣).
• وقد أفصح أبو المظفر عن دافعه في تصنيف القواطع، فذكر سببين:
الأول: طلب جماعة من أصحابه منه أن يؤلف مجموعًا في أصول الفقه.
الثاني: قصور كتب الأصحاب عن معاني الفقه، وانتهاجها في الأصول سبيل المتكلمين.
• مميزات كتاب القواطع:
١ - توسعه في ذكر المسائل والدلائل، وإيضاحه للحق بأقوى البراهين وتفنيد شبهات المخالفين.
٢ - سهولة عبارته، وعذوبة ألفاظه، وبُعده عن التقعر والتشدق في
стр. 108
الكلام.
٣ - خلو كتابه من المباحث الكلامية التي امتلأت بها كتب أصول المعتزلة والأشاعرة التي لا شأن لها بالأصول أو الفقه.
٤ - انتقاده الشديد لطريقة المتكلمين، ونقد مسالكهم، والتحذير من تبعاتها، فهو سني العقيدة، والمنهج، والطريقة.
٥ - توسعه وتفرده بذكر مسائل أغفلت في عامة كتب الأصول.
٦ - الصنعة الحديثية، فغالب الأحاديث التي يستدل بها صحيحة أو حسنة (١).
ورغم هذه الميزات تجد تجاهل الأصوليين اللاحقين -وجلهم من المتكلمين- لكتاب القواطع ومؤلفه، فلا تجد له ذكر في كتب كالإحكام، والمحصول، وغيرها من الكتب المتأخرة.
وظل الأمر على هذا الحال إلى أن جاء تاج الدين السبكي في القرن الثامن الهجري، فكان أول من اكتشف كتاب القواطع، فنفض عنه غبار الإهمال، وأكثر من النقل عنه، والثناء على أبحاثه في شرحه لمختصر ابن الحاجب.
стр. 109
وضمن كثير من اختياراته مختصره الشهير في الأصول كتاب (جمع الجوامع).
فهذه المصنفات امتازت بالتزامها طريقة الشافعي في التصنيف، في إيراد مباحث الأصول المتعلقة بالفقه، وخلوها من المباحث الكلامية والمنطقية؛ وذلك لاشتغال أصحابها واهتمامهم بالفقه والحديث.
• القرن السابع وما بعده:
جاءت هذه المرحلة عقب المرحلة التي استقرت فيها كتب الأصول وأرسيت القواعد.
وكانت الأربع: العمد، والمعتمد، والبرهان، والمستصفى عليها المعول وإليها المآل.
فجاء الإمامان من المتكلمين المتأخرين فلخصا هذه الكتب الأربعة وهما:
١ - الإمام فخر الدين الرازي المتوفى سنة (٦٠٦ هـ) في كتابه المحصول.
٢ - الإمام سيف الدين الآمدي المتوفى سنة (٦٣١ هـ) في كتابه الإحكام في أصول الأحكام.
واكتسب هذان الكتابان مكانة معتبرة عند الأصوليين، باعتبار أنَّ
стр. 110
كل ما جاء من جهد أصولي بعدهما هو دائر حولهما في الجملة، أو سالك طريق أحدهما في الجملة.
فالمؤلفون في الأصول بعد القرن السابع سلكوا أحد الطريقين:
١ - طريقة الرازي في المحصول.
٢ - طريقة الآمدي في الإحكام.
إما اختصارًا أو تعليقًا أو شرحًا.
وهناك فرق بين طريقة الرازي في المحصول، وطريقة الآمدي في الإحكام في التحقيق والحجاج.
فالرازي أميل إلى الاستكثار من الأدلة والاحتجاج، والآمدي مولع بتحقيق المذاهب وتفريع المسائل.
المحصول للإمام فخر الدين الرازي:
اعتنى به العلماء شرحًا واختصارًا، ومن شروحه:
١ - شرح لشهاب الدين القرافي المتوفى سنة (٦٨٤ هـ).
٢ - شرح لشهاب الدين الأصفهاني المتوفى سنة (٦٨٨ هـ).
وأما من اختصره:
١ - اختصره تلميذه سراج الدين الأرموي المتوفى سنة (٦٧٢ هـ) في