← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الأحكام، وطوَّلوا في ذلك. وهذا كله موضوعه علم أصول الفقه، فيبحث في ذلك كله فيه. وهكذا جرت عادتنا: أن كل قاعدة في علم من العلوم يُرجَع في تقريرها إلى ذلك العلم، ونأخذها في علم التفسير مُسَلَّمة من ذلك العلم، ولا نطول بذكر ذلك في علم التفسير، فنخرج عن طريقة التفسير (١). وكذلك فى علم الحديث هناك قدر من هذه المسائل، وذلك كالكلام عن السنة باعتبارها مصدرًا ودليلًا من مصادر الأحكام، وكذلك في تقسيم الأخبار الى متواتر وآحاد، ومباحث القطعى والظنى، وأي هذه الأخبار حجة. وكذلك فى علم العقيدة نجد قدرًا من المباحث العقدية والكلامية تُبحَث في علم الأصول (٢) مع أجنبية هذه المسائل عن علم أصول الفقه، مثل مسألة التحسين والتقبيح العقلي، والحقيقة والمجاز، وهل للأمر صيغة أم لا؟

стр. 142

وهذا القدر من الاشتراك راجع إلى أن كثيرًا ممَّن كتب في الأصول قديمًا من المعتزلة والأشاعرة، فجعلوا كتب الأصول سجالًا عقديًّا فيما بينهم، و تقرير مثل هذه المعتقدات في كتب الأصول يدل على أهمية هذا العلم، فإن تقررت هذه الأصول العقدية كانت حاكمة بعد ذلك على كل الأصول والفروع؛ لذلك نجد كثيرًا من القواعد الأصولية قررت تفريعًا على هذه المباحث العقدية. • أما النمط الرابع فهو التداخل التأثيري: والمراد هنا تأثير علم أصول الفقه في غيره من العلوم: • أولًا: علم الفقه: فأظهر العلوم تأثرًا بعلم أصول الفقه علم الفقه؛ إذ هو فرع عنه، ونتيجة له، ومبناه عليه، ويظهر ذلك جليًّا في اختلاف الفقهاء، فأحد أقوي أسباب اختلاف الفقهاء الخلاف في تقرير القواعد الأصولية (١). فما من حكم فقهي إلا وهو يستند إلى قاعدة، أو مسألة في علم أصول الفقه، وهذا أمر واضح جلي لا يحتاج إلى كثير بيان، وأدل دليل على ذلك اسمه، فتسميته علم أصول الفقه لأكبر دليل على هذا،

стр. 143

وسيأتي في ثنايا الكتاب ذكر كثير من الأمثلة الدالة على ذلك. • ثانيًا: علم التفسير: فعلم أصول الفقه من العلوم التى لابد أن يعتني بها المفسر، وسبق بيان قدر من المسائل المشتركة بين علم التفسير وعلم الأصول التي تشتد حاجة المفسر لها، بل لا يكاد يتصور عالم بالتفسير دارس له، وليس له علم واسع بعلم أصول الفقه؛ إذ القرآن هو أصل القواعد وأساسها، فعليه تُبنَى القواعد، وإليه ترجع، وفيه تعمل. ومن ذلك مثلًا: فيه الأمر المقتضي للوجوب كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وفيه: الأمر المصروف للندب أو الإرشاد كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، صرف للندب أو الإرشاد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وفيه: الأمر المصروف للإباحة: كقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧].

стр. 144

وفيه: النهي الذي للتحريم كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]. وفيه: الإشارة إلى بعض شروط التكليف كالاستطاعة في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، والعلم كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦]. وفيه: العام المخصوص كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، خُصَّ بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وفيه: المطلق والمقيد كقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وجاءت الرقبة مقيدة في كفارة القتل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. وفيه الظاهر كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] أي الصيام الشرعي فهذا هو الظاهر من النص.

стр. 145

وفيه المؤول بقرينة كقوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، فالمراد الصيام اللغوي أي عن الكلام. وفيه المجمل كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وبينت السنة المراد بالاعتزال بقوله ﷺ : «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». وفيه مفهوم الموافقة الأَوْلى كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، فمن باب أولى أقل من ذلك. وفيه: مفهوم المخالفة كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وبمفهوم المخالفة إن لم يتوبوا، ولم يقيموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة فليسوا إخواننا في الدين. وفيه: الناسخ والمنسوخ كنسخ قوله تعالى في العدة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].

стр. 146

وفيه، بل هو مليء بمقاصد الشريعة ومنه: قوله تعالى عن الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] مبينًا المقصد منها وهو النهي عن الفحشاء والمنكر. وقال في الصيام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] مبينا المقصد من الصيام وهو التقوى. وقال في الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] مبينا المقصد من الزكاة وهو التطهير والتزكية. وقال في المقصد العام من خلق الجن، الإنس: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. بل قال عن بعثة النبي ﷺ كلها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وهذا هو المقصد العام من إرسال النبي ﷺ ، وهو أنه أُرسِل رحمة للعالمين جميعًا.

стр. 147

• ثالثًا: علم الحديث: وكذلك علم الحديث تأثر بعلم أصول الفقه، ومن ذلك كما في بحث تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد، وإفادة كل واحد منهما للعلم، وهذا أجنبي عن علم مصطلح الحديث (١)، وكان هذا تأثرًا بعلم الأصول، وهذا ما بينه ابن حجر في كتابه "نزهة النظر" بعدما تكلم عن تقسيم الأخبار الى آحاد ومتواتر وذكر شروط التواتر ثم قال ﵀ " وإنما أبهمت شروط المتواتر في الأَصْلِ - يقصد نخبة الفكر - لأنَّهُ على هذهِ الكيفيَّةِ ليسَ من مباحثِ علمِ الإسناد، وإنما هو من مباحث أصول الفقه؛ إذْ علمُ الإسنادِ يُبحث فيهِ عن صِحَّةِ الحديثِ أَوْ ضعفه؛ لِيُعْمَلَ به أَوْ يُتْرَكَ مِنْ حيثُ صفاتُ الرِّجالِ وصِيَغُ الأداءِ، والمتواتر لا يُبْحَث عن رجاله بل يجِبُ العملُ بهِ مِنْ غيرِ بَحْثٍ (٢). وتجدر الإشارة هنا إلى أن أول من أدخل تقسيم الأخبار الى متواتر وآحاد الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية، وإلى هذا أشار ابن الصلاح في كتابه معرفة علوم الحديث حيث قال: ومن المشهور: المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله، وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاصِّ

стр. 148

المُشْعِر بمعناه الخاصِّ، وإن كان الحافظ الخطيب قد ذكره، ففي كلامه ما يُشْعِر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم (١). ومنها أفعال النبي ﷺ وتقسيمها بين أفعال جِبِلِّية وعادية ونحوها، وأفعال خاصة به، وأفعال عامة له وللأمة؛ لبيان ما هو مصدر التشريع منها، والمطلوب من الأمة اتباعه، وما هو غير مطلوب شرعًا، وغير ذلك من المسائل. • رابعًا: علم العقيدة: ومن العلوم التى كان لعلم الأصول تأثيرٌ واضح فيها أيضًا علم العقيدة، وهذا أمر من الأهمية بمكان؛ وذلك حيث إن علم أصول الفقه يدور موضوعه حول الأدلة بما فيها من أحكام الفقه والعقيدة وغيرها، وكذلك فإن حفظ العقيدة الإسلامية يكون بحماية أصول الاستدلال، والرد على شبه المنحرفين، ونحو ذلك، وكل ذلك محله علم أصول الفقه. ومما يبين ذلك نجد تطبيق قواعد علم أصول الفقه في كثير من الأحكام العقدية التي لا يمكن فهمها على الوجه الأكمل إلا بالرجوع

стр. 149

لمسائل أصول الفقه وقواعده، فكم من عامٍّ في العقيدة خص بالأدلة، ومطلق قُيِّد، وناسخ ومنسوخ، وغيرها. ومن ذلك: عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه. ففهم الصحابة من ذلك العموم؛ حيث إن كلمة "ظلم" نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فقالوا: أينا لم يظلم نفسه، فبين النبي ﷺ أن هذا العام أريد به الخصوص؛ حيث بين أن المراد بالظلم هنا هو الشرك قال: «ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه»: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (١). ومنه: عن عبادة بن الصامت قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس فقال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء

стр. 150

عذبه» (١). قال النووي في شرحه لهذا الحديث: واعلم أن هذا الحديث عام مخصوص، وموضع التخصيص قوله ﷺ : «ومن أصاب شيئًا من ذلك» إلى آخره، المراد به ما سوى الشرك؛ وإلا فالشرك لا يغفر له (٢). ومنه أيضًا: تحريم سجود التحية فهو يخضع لقاعدة شرع من قبلنا المنسوخ بشرعنا ليس شرعًا لنا بالإجماع؛ حيث إن سجود التحية كان جائزًا في شريعة من قبلنا، كما في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠]، لكنه نُسِخ في شريعتنا، وهذه قاعدة أصولية تخص أدلة الأحكام المختلف فيها، وضوابط الاستدلال بها، ومنها شرع من قبلنا. ومنه أيضًا: الحكم على أفعال العباد، وإثبات أنها مخلوقة، والاستدلال على ذلك بالعموم في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، فلفظ "كل" لفظ عموم يشمل جميع أفراده ما لم يخصص، ومن ذلك أفعال العباد فهي مخلوقة أيضًا لدخولها في العموم.

стр. 151

ومن ذلك رفع التكليف عمن قال قول الكفر لتخلف شرط الاختيار في حقه، وهو من شروط التكليف فقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. ومن ذلك الاستدلال بمفهوم المخالفة: فعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار»، قال ابن مسعود: وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة (١). ومن ذلك: مسألة رؤية النبي ﷺ لربه في المعراج، فقد احتج من نفى الرؤية بقول النبي ﷺ «تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت» (٢)، فيدخل في ذلك النبي ﷺ ؛ لأن المقرر في علم الأصول أن النبي ﷺ داخل في خطابه للأمة. ومن ذلك رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، فمما استُدِل به على هذا: مفهوم المخالفة من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطفِّفين: ١٥]، فلما حُجِب الكفار عن رؤية الله تعالى عقابًا علم أن المؤمنين يرونه عطاء ورضا. واستدل أيضا بالحديث السابق: «تعلموا أن أحدًا لن يرى ربه حتى

стр. 152

يموت»، فهذا مفهوم الغاية، ومعناه: أن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، والمعنى: لما كانوا لا يرونه قبل الموت علم أنهم يرونه بعد الموت. ومن ذلك قاعدة عامة وهامة وهي: أن الأصل حمل اللفظ على ظاهره حتى يرد دليل صارف إلى المعنى المؤول. وهذه القاعدة يستخدمها علماء أهل السنة في باب الأسماء والصفات في إثباتها على ظاهرها وحقيقتها، والرد لتحريف من حرفها أو أولها لعدم وجود الدليل الصحيح الصالح. ومن ذلك أيضًا: الجمع بين النصوص التي ظاهرها التعارض، كأحاديث النهي عن الطيرة مع حديث الشؤم في ثلاث، وكذلك أحاديث نفي العدوى وأحاديث يفهم منها وجودها، وهكذا. وكذلك استخدم العلماء القواعد الأصولية في تقرير مسائل العقيدة والرد على الشبهات. ومثال ذلك: قال شيخ الإسلام وهو يعدد وجوه الرد على القائلين بالكلام النفسي: وهو أن الأمة إذا اختلفت في مسألة على قولين لم يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالث، فإذا لم يكن في صدر الأمة إلا قول السلف وقول المعتزلة تعين أن يكون الحق في أحد القولين، ومن المعلوم بالشرع والعقل أن قول المعتزلة باطل للوجوه

стр. 153

الكثيرة … تعين صحة مذهب السلف (١). فقرر ﵀ مذهب السلف، ورد شبهة الأشاعرة بقاعدة أصولية وهي عدم جواز إحداث قول ثالث؛ لأنه يكون مخالفًا للإجماع السابق أن الحق في أحد القولين، فيكون القول الثالث شاذًّا. ومن ذلك أيضًا: ما استدل به ﵀ على ضلال الرافضة القائلين بإمامة المهدي المنتظر الذي اختفى صغيرًا بقواعد أصولية تخص شروط التكليف في علم أصول الفقه؛ حيث قال: فإن هؤلاء الجهال الضلال يزعمون أن هذا المنتظر كان عمره عند موت أبيه: إما سنتين أو ثلاثًا أو خمسًا على اختلاف بينهم في ذلك، وقد علم بنص القرآن والسنة المتواترة وإجماع الأمة: أن مثل هذا يجب أن يكون تحت ولاية غيره في نفسه وماله، فيكون هو نفسه محضونًا مكفولًا لآخر يستحق كفالته في نفسه وماله تحت من يستحق النظر، والقيام عليه، وهو قبل السبع طفل لا يؤمر بالصلاة، فإذا بلغ العشر ولم يصلِّ أدب على فعلها، فكيف يكون مثل هذا إمامًا معصومًا يعلم جميع الدين، ولا يدخل الجنة إلا من آمن به، ثم بتقدير وجوده وإمامته وعصمته: إنما يجب على الخلق أن يطيعوا من يكون قائما بينهم: يأمرهم بما أمرهم الله به

стр. 154

ورسوله، وينهاهم عما نهاهم عنه الله ورسوله، فإذا لم يروه ولم يسمعوا كلامه لم يكن لهم طريق إلى العلم بما يأمر به وما ينهى عنه، فلا يجوز تكليفهم طاعته؛ إذ لم يأمرهم بشيء سمعوه وعرفوه، وطاعة من لا يأمر ممتنعة لذاتها، وإن قدر أنه يأمرهم ولكن لم يصل إليهم أمره، ولا يتمكنون من العلم بذلك: كانوا عاجزين غير مطيقين لمعرفة ما أمروا به، والتمكن من العلم شرط في طاعة الأمر (١). وغير ذلك الكثير من مسائل العقيدة بُنِيَت وأُسِّسَت على القواعد الأصولية، بل ورُدَّ كثير من شبه أهل البدع بالاستناد والرجوع إلى قواعد أصول الفقه. لذا قال الشافعي فيما رواه عنه الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه: لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، وفيما أنزل … " (٢). قال ابن تيمية: صاحب أصول الفقه ينظر في الدليل الشرعي ومرتبته فيميز ما هو دليل شرعي وما ليس بدليل شرعي، وينظر في مراتب الأدلة

стр. 155

حتى يقدم الراجح على المرجوح عند التعارض (١). قال ابن جُزَى: وإنه لنعم العون على فهم كتاب الله وسنة الرسول ﷺ (٢). ومما يعلم بالضرورة أنه ليس الفقه وحده يقوم على الأدلة، بل الدين بأسره قائم على الأدلة، سواء كان اعتقادًا بالقلب، أو نطقًا باللسان، أو عملًا بالجوارح، وسواء أكان في العقيدة، أم العبادات، أم المعاملات، أم الأخلاق. وكذلك يعلم أنه ليس الفقيه وحده هو من يستدل بالأدلة في المسائل الفقهية، بل المفسر يحتاج أيضًا إلى الأدلة والاستدلال بها، وكذلك من يبحث في المسائل العقدية، وهكذا. فلما كان كل ذلك قيامه وإثباته وصوابه راجعًا للأدلة وما فُهِم منها، علم بذلك أهمية علم أصول الفقه وشدة تأثيره وارتباطه بالعلوم الأخرى؛ حيث إنه هو العلم الذي يضبط التعامل مع الأدلة، بل إن الدليل هو موضوع أصول الفقه، فكل من يتعامل مع الأدلة لا بد إذًا من علمه بعلم أصول الفقه.

стр. 156

ومما سبق يُعلَم أن المتبادر لأذهان البعض أن أصول الفقه تقتصر فائدته على علم الفقه فقط بسبب إضافة الأصول إلى الفقه في تسمية هذا العلم فهو فهم خاطئ. نعم. الفائدة الكبرى منه تظهر في علم الفقه لسعته، وكثرة مسائلة ومستجداته، وكثرة الاجتهاد فيه، ونحو هذا، لكن هذا لا يعني أنه أصول للفقه فقط دون غيره من العلوم، بل هو كما سبق بيانه آنفًا أصلٌ للعلوم الشرعية، والمعين على فهم النصوص من الكتاب والسنة.

стр. 157

المبحث الثالث: مصطلحات مهمة الحد: هو اللفظ الجامع المانع (١). • و شروط صحة الحد: ١ - أن يكون الحد أو التعريف جامعًا لأفراد المحدود، مانعًا من دخول غيره فيه. ٢ - أن يكون الحد بلفظ أو ألفاظ لها معنى واحد راجح عند السامع، فلا يصح الحد بلفظ مشترك أو مجمل. ٣ - أن يكون الحد واضحًا جليًّا في ألفاظه، معلوم الابتداء والانتهاء، لا إبهام ولا لبس فيه. ٤ - أن يكون الحد بألفاظ قصيرة، فالأصل في التعاريف أن تصان عن الإسهاب. ٥ - أن يكون الحد خاليًا من الألفاظ الغريبة على السامع (٢).

стр. 158

والشيء يعرف لغة، واصطلاحًا، وقد يعرف بالمثال، أو الثمرة، أو الضد، فهي أقسام خمسة. الدليل لغة: هو المرشد إلى المطلوب. واصطلاحًا: ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. وهو قسمان: دليل نقلي، ودليل عقلي. العلم: لغة مأخوذ من علمتُ الشيء وعلمتُ به، والمراد به: عرفته على ما هو به، ومصدره علمته علمًا، وهو: عرفانه (١). العلم اصطلاحًا: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا (٢). وقيل: معرفة المعلوم (٣). • أقسام العلم: ١ - من حيث القطعية والظنية: علم قطعي: وهو معرفة المعلوم معرفة لا يتطرق إليها أي احتمال. علم ظني: وهو معرفة المعلوم معرفة يتطرق إليها احتمال مرجوح.

стр. 159

٢ - من حيث التصور والتصديق: علم تصور: وهو معرفة وإدراك صورة الشيء في العقل، من غير أن يحكم عليه بنفي أو إثبات. مثال: كأن يقول شخص: زيد. فأنت تصورت أنَّ زيدًا إنسان، وأنه ذكر بدون أن تحكم عليه بحكم معين. علم تصديق: معرفة وإدراك الشيء وماهيته مع الحكم عليه بالنفي أو الإثبات. مثال: كأن يقول لك شخص: زيد كاتب. فهو حكم على زيد أنه كاتب، فأنت تتأكد من صحة وصدق هذا الحكم من عدمه بالأدلة، فإن كان كاتبًا يكون الحكم مثبتًا، وإلا كان الحكم منفيًّا. ٣ - باعتبار اكتسابه وعدم ذلك: علم ضروري: وهو ما لزم نفس الإنسان لزومًا لا يمكنه الانفكاك عنه، ولا الخروج منه. وهو يقع للإنسان إما عن طريق الحواس، أو عن طريق ما علمه ابتداءًا من غير إدراك حاسة، كالعلم بحال نفسه من الصحة والمرض، أو عن طريق الأخبار المتواترة.

стр. 160

علم مكتسب: ويسمى بالعلم النظري الذي لا يعلمه إلا بسبب النظر، والاستدلال. الجهل البسيط: هو عدم إدراك الشيء. الجهل المركب: إدراك الشيء على غير حقيقته. الظن: هو إدراك راجح مع احتمال ضد مرجوح. الوهم: هو إدراك مرجوح مع احتمال ضد راجح. الشك: تردد الإدراك بين شيئين. يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي: الناس أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري؛ فهذا عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري؛ فهذا غافل فنبهوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري؛ فهذا جاهل فعلموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري؛ فهذا مائق (مائق: أى أَبْلَه، أَحْمَق، أَخْرَق، غَبِىّ، مُغَفَّل) فاجتنبوه (١). وكان قديمًا رجلٌ يدعي الحكمة يسمى توما الحكيم، ويفتى الناس بالجهل؛ فكانوا يقولون شعرًا على لسان حماره قائلًا: قال حمارُ الحكيمِ توما … لو أنصفَ الناسُ لكنتُ أركبْ

стр. 161

لأننى جهلٌ بسيطٌ … وصاحبي جهلٌ مركبْ (١) النظر: التفكر في حال المنظور فيه، والتوصل بأدلته إلى المطلوب. المنظور فيه: هي الأدلة والأمارات الموصلة إلى المطلوب من حكم شرعي وغيره. المنظور له: هو الحكم المطلوب، الذي نُظِرَ في الدليل لاستنباطه. الناظر: هو الفاعل للنظر والفكر وهو المجتهد (٢). وينقسم إلى: النظر الصحيح: وهو ما وقف الناظر فيه على وجه دلالة الدليل، فأفاد المطلوب. النظر الفاسد: وهو مالم يقف فيه الناظر على وجه دلالة الدليل، ولم يفد المطلوب (٣). الفكر: هو في اللغة إعمال الخاطر في الشيء، ويسمى فكرة وجمعه

стр. 162

أفكار (١). واصطلاحًا: انتقال النفس من المعاني انتقالًا بالقصد، وهذا تعريف إمام الحرمين (٢). والفرق بينه وبين النظر: أنَّ الفكر أعم من النظر؛ فالفكر قد يكون بطلب علم أو ظن، وقد لا يكون، بل يكون حديثًا في النفس وخيالات. الجدل: هو في اللغة مشتق من قول القائل: جدلتُ الحبل أجدله جدلًا. إذا فتلته وأكثرت الفتل فيه فتلًا محكمًا (٣). وهذا المعنى يناسب ما يريده الأصوليون من الجدل؛ حيث إنَّ المجادل يفتل صاحبه بالحجاج عن رأيه ومذهبه إلى رأي غيره كما قال ابن السمعاني (٤). الجدل اصطلاحًا: هو تردد الكلام بين الخصمين بطلب كل واحد منها تصحيح قوله، وإبطال قول صاحبه (٥).

стр. 163

وهو قسمان: الأول: ممدوح، وهو إذا كان لإحقاق حق أو إبطال باطل، وأن يسلك فيه المسالك الشرعية. الثاني: مذموم، وهو إذا كان لصرف الحق إلى الباطل، أو سُلِك فيه مسلك أهل الباطل. الوصف الطردي: هو الوصف الذي لا يترتب عليه مصلحة غالبًا إذا عُلِّق الحكم به، كالطول والقصر، والبياض والسواد (١). الركن: هو جزء من حقيقة ماهية الشاء، ويتوقف عليه الشيء وجودًا وعدمًا، ولذا يصح إطلاقه وإرادة الكل به مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فالمراد تحرير كل الجسد لكنه أطلق الجزء وأراد الكل؛ لأنَّ الجزء ركن في الكل ومنه، قوله ﷺ : «من صلى في يوم ثنتى عشرة سجدة تطوعًا بني له بيت في الجنة» (٢). وكذلك قد يطلق الكل ويراد به الجزء إن كان هذا الجزء ركنًا، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ

стр. 164

الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِى عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ١]. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَىَّ عَبْدِي. وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]. قَالَ: مجَّدنى عَبدِي. وَقَالَ مرَّة: فوَّض إِلَىَّ عَبدِي. فَإِذا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. قَالَ: هَذَا بَيْنِى وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]. قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ (١). والصلاة هنا المراد بها الفاتحة بدليل تتمة الحديث، ومنه قوله ﷺ : «الطهور شطر الإيمان» (٢)، قال النووي: قيل: المراد بالإيمان هنا الصلاة؛ فدل ذلك على أنَّ الصلاة ركن في الإيمان (٣). الشرط: هو جزء خارج عن ماهية الشيء، وقد يتوقف عليه صحة الشيء كالوضوء للصلاة، أو قبول الشيء كالإسلام للأعمال، أو وجوب الشيء كالبلوغ لوجوب الأعمال (٤).

стр. 165

• الفرق بين الركن والشرط: أنَّ الركن جزء من الشيء أما الشرط خارج عن الماهية، ولذا يقول ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (١)، فعبر عن الطهور بالمفتاح؛ لأنَّه شرط، فكما أنَّ المفتاح خارج عن الباب لكنه لازم له، فكذلك الوضوء خارج عن الصلاة لكنه لازم لها. الأصولي: هو الذى يبحث عن الأدلة الإجمالية من حيث دلالتها على الأحكام الشرعية من أدلتها الجزئية (٢). الفقيه: هو الذى يبحث في الأدلة التفصيلية ليستخرج حكمًا جزئيًّا (٣). الكلام الخبري: ما يمكن أن يوصف بالصدق والكذب لذاته كالإخبار عن الشيء (٤). الكلام الإنشائي: ما لا يمكن أن يوصف بالصدق أو الكذب، ومنه الأمر والنهي والاستفهام وغير ذلك (٥).

стр. 166

الكلام الخبري الإنشائي: هو ما يكون خبريًّا باعتبار اللفظ، إنشائيًّا باعتبار المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى» (١): أى صلوا الليل مثنى مثنى، ومنه «الصلاة جامعة» (٢)، فهو أمر بالاجتماع. الكلام الإنشائي الخبري: هو ما يكون إنشائيًّا باعتبار اللفظ، خبريًّا باعتبار المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]: أى ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، ومنه قوله ﷺ عندما سُئل أيصلى أحدنا في الثوب الواحد قال: «أولكلكم ثوبان» (٣). النقيضان: هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، مثل الموت والحياة، والوجود والعدم (٤). الضدان: هما اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان، مثل الواجب والحرام (٥).

стр. 167

المبحث الرابع: مباحث لغوية متعلقة بعلم الأصول (أحكام الحروف) • أحكام الحروف ومعانيها: تعريف الحرف: هو ما دل على معنى في غيره. وأهمية معرفة معاني الحروف، ووجه تعلق ذلك بعلم الأصول؛ أن ذلك له صلة وطيدة بفهم المراد، واستنباط الأحكام؛ لأن كثيرًا من المسائل الفقهية يتوقف فهمها على فهم الدلالة التي يؤديها الحرف في النص، فقد تؤدي دلالة الحرف في النص إلى الاختلاف في الحكم. • أولًا: حروف العطف: وهي عشرة، على ثلاثة أقسام: القسم الأول: حروف تفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم، غير أنها تختلف في أمور أخرى، وهي: الواو، الفاء، ثم، حتى. ١ - أحكام الواو: الواو لها أحكام عدة، منها (١):

стр. 168

١) تأتي عاطفة فتفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم، مثال: أتى محمدٌ وعلىٌّ، فهنا اشترك المتعاطفان في الحكم وهو الإتيان. ٢) ومن أحكامها أنها لا تقتضي الترتيب ولا تنافيه إلا بدليل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]، فالواو لا تقتضي الترتيب ولا تنافيه إلا بدليل، فاقتضاؤها الترتيب مثل قوله ﷺ : «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» (١)، ففى قوله ﵊: «والثيب بالثيب جلد مائة والرجم»، الواو تفيد الترتيب؛ لأنه لابد من الجلد قبل الرجم، وإلا فلا فائدة من الجلد بعد الموت. وقول النبي ﷺ : «بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة … الحديث» (٢)، فالواو هنا تقتضى الترتيب بدليل خارج، فلا بد من الشهادة قبل العمل. وكذلك في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

стр. 169

وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١]، فلابد من الكفر أولًا، ثم الموت عليه؛ فيترتب على ذلك الجزاء الوارد في الآية. ومنافاتها الترتيب مثل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى: ٣]، هنا تنافى الترتيب؛ لقوله: من قبلك. وفي قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]، هنا تنافي الترتيب بدليل أن الحياة قبل الموت. ولما سُئل ﷺ عن الرجل يجامع ولم ينزل، قال: «توضأ واغسل ذكرك»، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نم» (١)، فهنا الواو تنافي الترتيب، وعن علي قال: «كنت رجلًا مذاءًا، فقال لي رسول الله: إذا رأيت المذى فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، وإذا فضخت الماء فاغتسل» (٢)، وهنا تقتضي

стр. 170

الترتيب. تنبيه: مع أنَّ الواو لا تقتضى الترتيب ولا تنافيه، ولكن لابد للتقديم والتأخير من سبب ومن ذلك: ١ - التقديم قد يكون للأفضلية، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]. ٢ - التقديم للأهمية، مثل قوله ﵊: «إياكُم والجلوسَ في الطُّرُقات»، فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بُدّ نتحدَّث فيها. فقال رسولُ الله ﷺ : «فإِذا أَبيتُم إِلا المجلسَ فَأعْطُوا الطريقَ حقَّهُ»، قالوا: وَمَا حَقُّ الطريق يا رسولَ الله؟ قال: «غَضُّ البصرِ، وكَفُّ الأَذَى، وردُّ السلامِ، والأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ» (١). ٣ - التقديم للخطورة، مثل قوله ﵊: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ» (٢). ٤ - التقديم للسهولة، مثل قوله ﵊: «ليدخلنَّ الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيين، أو مثل أحد الحيين ربيعة

стр. 171

ومضر» (١). ٣) ومن أحكامها: أنها لا تقتضى التسوية إلا بدليل، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، فلا يلزم أن تقسم بالتساوي، ولكن تفيد الاشتراك في الحكم فله أن يأكل منها، ويهدي، ويتصدق، ولكن لا تفيد التسوية في المقدار إلا إذا دل الدليل على التسوية، ولا دليل هنا. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ … ﴾ [التوبة: ٦٠] فإنها لا تقتضي التسوية بين مصارف الزكاة. ٤) ومن أحكامها: أنها لا تنقل الحكم، كقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فهذا لا يعنى أنَّ العمرة حكمها حكم الحج، فهذا واجب وهذه مستحبة عند من قال بالاستحباب. ومن الاستدلال بذلك: استدلال بعض الأحناف على حرمة أكل الخيل بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، لأنَّ الخيل عطف على البغال والحمير، وحكم أكل البغال

стр. 172

والحمير حرام؛ إذن فحكم أكل الخيل حرام. والصحيح: أنَّ الواو لا تنقل الحكم؛ لأن النبي ﷺ أحل أكل لحوم الخيل فمن حكم بحرمة أكل لحوم الخيل لعطفها على ما حرم أكله بدلالة الاقتران، فقوله غير صحيح؛ لأنَّ الواو لا تنقل الحكم، ولكنها تفيد التشريك في الحكم وهو الركوب والزينة، وكذلك دلالة الاقتران ضعيفة كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، والدليل على إباحة أكل لحوم الخيل، عن جابر قال: نهى النبي يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في الخيل (١). قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، فالواو هنا تفيد التشريك في أنَّ الجميع رجس، لكن حكم الخمر ليس كحكم الميسر، وليس كحكم الأزلام، فالأزلام كفر، والخمر والميسر من الكبائر. ملحوظة: الواو قد تأتي بمعاني أخر غير العطف والتشريك في الحكم. فقد تأتي بمعنى (مع)، فتفيد المعية مثل: سرت والنهر.

стр. 173

وتأتي بمعنى (أو)، مثل قوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]. وقد تفيد القسم، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢]. وتأتي تفيد الاستئناف، مثل قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٥، ٦٦]، وعير ذلك. ٢ - أحكام الفاء (١). الفاء لها أحكام عدة، منها: ١ - تأتي عاطفة فتفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم، وتقتضى الترتيب والتعقيب، كقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]. ٢ - تنقل الحكم: كقوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، فالقيام حكمه الوجوب للأمر، والإنذار حكمه الوجوب للأمر والعطف بالفاء. ٣ - تأتي سببية تفيد التعليل، مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا

стр. 174

آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء: ٢٢]. ٤ - تأتي رابطة للجواب بالشرط، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠]. ٣ - أحكام ثم (١). تأتي عاطفة تفيد اشتراك المتعاطفين في الحكم، وتفيد الترتيب مع التراخي، مثاله: عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني» قال: «ويسمي حاجته» (٢).

стр. 175

٤ - أحكام حتى: "حتى العاطفة للغاية" نحو قوله تعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]، فلا يكون المعطوف بها إلا غايةً لما قبلها - من زيادة أو نقص نحو: "مات الناس حتى الأنبِيَاءُ"، و "قدم الحُجَّاج حتى المُشَاةُ". "ولا ترتيب فيها" فهي كالواو، فَإِنَّك تقول: "حفظت القرآن حتى سورة البقرة"، وإن كانت أَوَّل ما حفظْت أو متوسِّطًا " (١). القسم الثاني: عاطفة لكنها تفيد تعليق الحكم بأحد المعطوفين وهى: (أو- إما- أم) (٢). (أو) و (إما) يقعان في الخبر والأمر والاستفهام، بخلاف (أم) فلا تقع إلا في الاستفهام، فإذا وقعت (أو- إما) في الخبر أفادتا الشك، تقول: جاء زيد أو عمرو، جاء إما زيد وإما عمرو. وإذا وقعتا في الأمر أفادتا التخيير والإباحة، كأن تقول: خذ درهمًا أو دينارًا، جالس فلانًا أو فلانًا.

стр. 176

القسم الثالث: عاطفة تفيد مخالفة المعطوف للمعطوف عليه في حكمه (١)، وهي (لا- بل- لكن). مثل: جاءني زيد لا عمرو، جاءني زيد بل عمرو، ما جاءني زيد لكن عمرو. ١ - أحكام اللام ومعانيها (٢). اللام الجارة لها معان، منها: وَ" تَأْتِي "اللامُ" الْجَارَّةُ "لِلْمِلْكِ حَقِيقَةً، لا يُعْدَلُ عَنْهُ" أَيْ عَنِ الْمِلْكِ إلا بِدَلِيلٍ. "وَلَهَا مَعَانٍ كَثِيرَةٌ": أَحَدُهَا: التَّعْلِيلُ، نَحْوُ "زُرْتُك لِشَرَفِكَ"، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١٠٥]. الثَّانِي: الاسْتِحْقَاقُ، نَحْوُ: "النَّارُ لِلْكَافِرِينَ". الثَّالِثُ: الاخْتِصَاصُ، نَحْوُ "الْجَنَّةُ لِلْمُؤْمِنِينَ".

стр. 177

وَفَرَّقَ الْقَرَافِيُّ بَيْنَ الاسْتِحْقَاقِ وَالاخْتِصَاصِ، بِأَنَّ الاسْتِحْقَاقَ أَخَصُّ، فَإِنَّ ضَابِطَهُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْعَادَةُ، كَمَا شَهِدَتْ لِلْفَرَسِ بِالسَّرْجِ، وَبِالْبَابِ لِلدَّارِ. وَقَدْ يَخْتَصُّ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةٍ عَادَةً، نَحْوُ: "هَذَا ابْنٌ لِزَيْدٍ". فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ الإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ. الرَّابِعُ: لامُ الْعَاقِبَةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بلامِ الصَّيْرُورَةِ، وَبِلامِ الْمَآلِ نَحْوُ: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. الْخَامِسُ: التَّمْلِيكُ، نَحْوُ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]. السَّادِسُ: شِبْهُ الْمِلْكِ، نَحْوُ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢]. السَّابِعُ: تَوْكِيدُ النَّفْيِ، أَيُّ نَفْيٍ كَانَ، نَحْوُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بلام الْجُحُودِ، لِمَجِيئِهَا بَعْدَ نَفْيٍ. الثَّامِنُ: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى "إلَى"، نَحْوُ: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧].

стр. 178

الْعَاشِرُ: التَّعْدِيَةُ: وَجَعَلَ مِنْهُ ابْنُ مَالِكٍ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]. الْحَادِيَ عَشَرَ: بِمَعْنَى "عَلَى"، نَحْوُ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ حَرْمَلَةَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلاءَ» أَنَّ الْمُرَادَ: عَلَيْهِمْ. الثَّانِي عَشَرَ: بِمَعْنَى "فِي"، نَحْوُ قَوْلِهِ : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. الثَّالِثَ عَشَرَ: بِمَعْنَى "عِنْدَ"، كَقَوْلِهِ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. الرَّابِعَ عَشَرَ: بِمَعْنَى "مِنْ" نَحْوُ، "سَمِعْت لَهُ صُرَاخًا" أَيْ مِنْهُ. الْخَامِسَ عَشَرَ: بِمَعْنَى "عَنْ" كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] أَيْ قَالُوا عَنْهُمْ ذَلِكَ.

стр. 179

٢ - الباء ومعانيها (١). الباء لها معان، منها: ١ - الإلصاق: كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. ٢ - التبعيض: وهي عند البعض كالآية السابقة. ٣ - المجاوزة: يقول: مررت بالوادى. أي جاوزته. ٤ - الاستعانة. ٥ - التبرك. ٦ - المصاحبة. مثل: بسم الله الرحمن الرحيم. فقد يراد بها الاستعانة، أو التبرك، أو المصاحبة، وغير ذلك من المعاني. ٣ - على ومعانيها (٢). وهو حرف جر أصلي، والمعنى الأصلي له الاستعلاء قال تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢].

стр. 180

على لها معان، منها: ١ - الوجوب: كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. ٢ - الظرفية: مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، والمعنى في ملك سليمان. ٣ - التعليل: نحو قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ٤ - التفويض: نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ٥ - المصاحبة: نحو قوله تعالى ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] بمعنى مع حبه. ٤ - من: ومن معانيها (١). ١ - تكون لابتداء الغاية في المكان والزمان، نحو قولك: خرجت من البيت، خرج من الصباح.
следующие страницы →