• مسألة: لا يشترط في الأمر إرادة الآمر. أي: لا يشترط في كون الأمر أمرًا إرادة الآمر.
وبيان ذلك: أنَّ الإرادة نوعان: إرادة شرعية دينية، وإرادة كونية قدرية، والأمر الشرعي إنما تلازمه الإرادة الشرعية الدينية، ولا تلازم بينه وبين الإرادة الكونية القدرية، فالله أمر أبا جهل مثلًا بالإيمان، وأراده منه شرعًا ودينًا، ولم يرده منه كونًا وقدرًا؛ إذ لوأراده كونًا لوقع، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥].
فإن قيل: ما الحكمة في أمره بشيء وهويعلم أنه لا يريد وقوعه كونًا وقدرًا؟.
فالجواب: أنَّ الحكمة في ذلك ابتلاء الخلق، وتمييز المطيع من غير المطيع، وقد صرح تعالى بهذه الحكمة، فإنه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده مع أنه لم يرد وقوع ذبحه بالفعل كونًا وقدرًا، وقد صرح بأنَّ الحكمة في ذلك ابتلاء إبراهيم، حيث قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦]، فظهر بطلان قول المعتزلة أن لا يكون أمرًا إلا بإرادة وقوعه، وقد جرهم ضلالهم هذا إلى قولهم: إنَّ معصية العاصي ليست بمشيئة الله؛ لأنها أمر بتركها، ولم يرد إلا التزام الذي أمر به؛ لأنَّ الأمر
стр. 1157
لا يكون أمرًا إلا بالإرادة. فنسبوا إليه تعالى العجز واستقلال الحادث بالفعل دونه عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وقد يشاهد السيد يأمر عبده اختبارًا لطاعته ونيته، أنه إن أظهر الطاعة أعفاه من فعل المأمور به، فهوأمر دون إرادة وقوع المأمور به (١).
وحل الإشكال كما تقدم بلزوم التفريق بين الأوامر الشرعية الدينية، والأوامر الكونية القدرية؛ لأن الخلط بينهما يوقع في الضلال، والعياذ بالله.
خروج الأمر عن الوجوب إلى أمور، منها:
١ - الندب: كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فالأمر بالإشهاد على التبايع للندب، بدليل أنَّ النبى ﷺ اشترى فرسًا من أعرابي ولم يُشهد (٢).
والنبى ﷺ لا يترك واجبًا، ولا يفعل محرمًا، فلما ترك النبى ﷺ الإشهاد علمنا أنَّ الإشهاد ليس واجبًا، وإنما كان مندوبًا.
стр. 1158
٢ - الإباحة: وأكثر ما يقع ذلك إذا ورد بعد الحظر، أوجوابًا لما يتوهم أنه محظور.
فغالب ذلك في صورتين:
الأولى: أنَّ الشرع يحظر شيئًا، ثم بعد ذلك يأمر به، وكان قبل الحظر مباحًا، والحظر المراد هنا هوالحظر لمدة معينة، أما لوكان المعنى أنه حظر، ثم أباح فهذا باب النسخ، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، فالله تعالى أباح الصيد، ولكن إذا كان الشخص في وقت الإحرام حظر عليه الصيد، فإذا أمر بالصيد بعد هذا الحظر عاد الأمر للإباحة مرة أخرى.
فالصحيح: أنَّ الأمر بعد الحظر يعود لما كان عليه قبل الحظر.
مثل الحيض: منع الله القرب من المرأة عند الحيض، فقال: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فهنا حظر القرب وقت الحيض، ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فأمر بالإتيان، ومعناه أن يعود لما كان عليه قبل الحظر، وحكمه قبل الحظر الإباحة.
مثال آخر: قتال المشركين كان واجبًا، ثم حظره الشرع بالأشهر الحرم، ثم قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾
стр. 1159
[التوبة: ٥]، فالأمر هنا للوجوب، فالصحيح أنَّ الأمر يعود حكمه لما كان عليه قبل الحظر.
فإن كان قبل الحظر مباحًا يعود بعد الحظر مباحًا، وإن كان قبل الحظر واجبًا يعود بعد الحظر واجبًا.
والثانية: عند توهم أنَّ هذا الشاء محظورٌ، فيأمر النبى بفعله، عن جَابر بن سَمُرَة أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّه ﷺ : أَنَتَوَضَّأُ من لُحُوم الغَنَم؟ قَالَ: «إن شئتَ فَتَوَضَّأ، وَإن شئتَ فَلَا تَتَوَضَّأ»، قَالَ: أَنَتَوَضَّأُ من لُحُوم الإبل؟ قَالَ: «نَعَم تَوَضَّأ من لُحُوم الإبل»، قَالَ: أُصَلّى في مَرَابض الغَنَم. قَالَ: «نَعَم»، قَالَ: أُصَلّى في مبارك الإبل؟ قَالَ: «لَا» (١).
مثال آخر: لما سئل النبى ﷺ ، فقال له رجل: لم أشعر فقدمت كذا على كذا. فقال النبى ﷺ : «افعل ولا حرج» (٢)، عن عبد الله بن عمروبن العاص أنَّ النبى ﷺ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل، فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. فقال: «اذبح ولا حرج»، فجاءه آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. فقال: «ارم ولا
стр. 1160
حرج»، فما سئل النبى عن شاء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولا حرج».
فهذا فعل أمر، فهل هذا يعنى أنَّ عدم الترتيب في الحج أصبح واجبًا على الناس؟ لا، ولكن الرجل ظن أنَّ ذلك محظور، فلما سأل قال النبى ﷺ : «افعل».
وقد يأتي في غير ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
وقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، فحكم الأكل والشرب الإباحة، وإن أتى بصيغة الأمر لكن علمنا بقرائن أخرى أنَّ الأكل والشرب مباح.
٣ - التهديد: كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]، فهنا الأمر للتهديد؛ لذلك قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩].
٤ - التأديب: كقوله ﷺ للغلام: «يا غلام، سم الله وكل بيمينك» (١) فكل بيمينك فعل أمر للتأديب؛ لأنَّ الصغير غير مكلف.
٥ - الإرشاد: نحوقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].
١٤ - الإذن: مثل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا﴾ [المائدة: ٨٨]، وقد يكون هذا المثال للامتنان.
١٥ - الإكرام: مثل قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦].
١٦ - التسوية: مثل قوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦]، وغير ذلك.
ما لا يتم المأمور إلا به فهومأمور:
فإذا توقف فعل المأمور به على شاء كان ذلك الشاء مأمورًا به، فإن كان المأمور به واجبًا كان ذلك الشاء واجبًا، وإن كان المأمور به مندوبًا كان ذلك الشاء مندوبًا.
مثال الواجب: ستر العورة، فإذا توقف على شراء ثوب كان ذلك الشراء واجبًا.
مثال المندوب: التطيب للجمعة، فإذا توقف على شراء طيب كان ذلك الشراء مندوبًا.
стр. 1163
الفصل الثاني:
النهي
стр. 1164
النهي
تمهيد:
قبل الشروع في مسائل النهي، ننبه على أمر:
أنَّ ما ذكر في الأوامر تتضح به أحكام النواهي، أي فكما أنَّ الأمر طلب للفعل، فالنهي طلب للترك، وصيغة الأمر افعل وصيغة النهي لا تفعل، ولا يشترط فيه إرادة الناهي، والنهي يقتضي التكرار والفور، خلافًا للأمر في الأولى على الصحيح (١).
• تعريف النهي:
النهي لغة: الكف عن معين، والمنع، ولذلك سمي العقل نهية (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤]: أى أصحاب العقول، وسمي العقل نهية؛ لأنه ينهى صاحبه عن الوقوع في المهالك.
اصطلاحًا: قول يتضمن طلب الكف على وجه الاستعلاء بالصيغة الدالة عليه، بلفظ غير لفظ كُفَّ ونحوه، كاترك، وذَر، ودَع.
стр. 1165
قوله: بلفظ غير لفظ كف ونحوه. خرج به بعض الأوامر مثل كف، واترك، ودع، فإنها وإن كانت تدل على الترك إلا أنها ليست نواهي (١)، فهي قامت مقام النهي، ولكنها ليست نهيًا.
مثال: قوله ﷺ لفاطمة بنت حبيش ﵂ في الاستحاضة: «ذلك عرق، وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» (٢).
والشاهد: أنَّ قوله ﷺ : «فدعي الصلاة» أمر بترك الصلاة في وقت الحيض، وليس نهيًا، ولكنه يستفاد منه النهي.
مثال: قوله ﷺ لابن مسعود لما قرأ عليه من سورة النساء حتى أتى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، فقال له: «حسبك الآن» (٣).
فقوله: «حسبك» هويحمل معنى النهي لكنه ليس نهيًا، وهكذا.
стр. 1166
• أقسام الترك:
ينقسم الترك إلى قسمين:
الأول: ترك عدمي، وهوالترك لما لم يوجد سببه المقتضي لوجوده كمن ترك معصية لأنها لم تعرض له، ولم توجد في زمانه.
الثاني: ترك وجودي، وهوأن يقع الشيء، ويوجد المقتضي للفعل أوالقول، فيترك المكلف الفعل والقول، ويمتنع عنهما.
وهذا الأخير هوبمعنى الكف، وهوالمراد في هذا المبحث (١).
- الكف والترك فعل، وأدلة ذلك:
١ - قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]، فترك الربانيين والأحبار نهيهم عن قول الإثم وأكل السحت سمّاه اللَّه جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة صنعًا، في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]، أي: تركهم النهي المذكور.
٢ - قوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]، فقد سمّى جلَّ وعلا في هذه الآية
стр. 1167
الكريمة تركهم التناهي عن المنكر فعلًا.
٣ - واستدل السبكي على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان: ٣٠]، لأن الأخذ التناول، والمهجور: المتروك، فصار المعنى: تناولوه متروكًا أي فعلوا تركه.
٤ - قول بعض الصحابة في وقت بنائه ﷺ لمسجده بالمدينة: لئن قعدنا والنبي يعمل؛ لذاك منا العمل المضلل. فسُمّي قعودهم عن العمل وتركهم له عملًا مضللًا (١).
قلت: ولعل لهذا شاهدًا من اللغة يحمل في طياته إشارة إلى هذا المعنى -وهوأنَّ الترك فعل- وهوأنه في حالات بناء الفعل الماضي البناء على الفتح: إذا كان صحيح الآخر، ولم يتصل به شيء، وكذلك إذا اتصلت به ألف الاثنين مع أنَّ ألف الاثنين عند اتصالها بالفعل الماضي الصحيح لم تغير في إعرابه شيئًا حيث يبقى مبنيًّا على الفتح، ومع ذلك فإنَّ ألف الاثنين لما تركت الفعل على حاله سمي ذلك عملًا لها، والله أعلم.
ومن الفروع المبنية على هذه المسألة:
أولًا: من كان عنده فضل شراب، وترك إعطاءه لمضطر حتى مات
стр. 1168
عطشًا يضمن ديته -على أنَّ الترك فعل- وعلى أنه ليس بفعل، فلا ضمان عليه، وكذا فضل الطعام.
ثانيًا: من منع خيطًا عنده ممن شقّ بطنه، أوكانت به جائفة، حتى مات ضمن الدية على القول بأنَّ الترك فعل (١).
* صيغ النهى، وما في معناها:
١ - الفعل المضارع المقترن بلا الناهية: مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧]، ومثل قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢].
٢ - فعل الأمر: مثل قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].
٣ - نفي الحل، ونحوه: عَنْ المقدَام بن معدي كرب عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ أَنه قَالَ: «وَإنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ الله كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ، أَلَا لَا يَحلُّ لَكُمُ الحمَارُ الأَهلىُّ، وَلَا كُلُّ ذي نَابٍ منَ السَّبع» (٢).
стр. 1169
٤ - اسم الفعل بمعنى النهى: نحو (صه، مه).
٥ - من صيغته: كلفظ التحريم ونحوه: نحوقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وقول النبى ﷺ : «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور» (١).
٦ - ترتيب العقاب على الفعل: نحوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: ١٩]، فقد لا ينهى عنه، ولا يأمر بتركه؛ ولكنه قد يتوعده بالعقاب إن فعله، مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فهنا لم يذكر أنَّ الفعل حرام، ولم ينه عنه، ولكنه رتب عليه العقاب، فلما رتب عليه العقاب علمنا أنَّ الفعل حرام، ومنهي عنه حيث لا عقاب إلا على ترك واجب، أوفعل محرم (٢).
ما يقوم مقام النهي: كل ما طلب الشارع تركه، أوعتب على فعله، أوذمه، أوذم فاعله لأجله، أومقته، أومقت فاعله لأجله، أونفى محبته إياه أومحبة فاعله، أونفى الرضا به، أونفى الرضا عن فاعله، أوشبه فاعله بالبهائم، أوالشياطين، أونصبه مانعًا من الهدى، أومن القبول،
стр. 1170
أووصفه بسوء، أوكراهة، أواستعاذ الأنبياء منه، أوبغضوه، أونصب سببًا لنفي الفلاح، أولعذاب عاجل، أوآجل، أولذم، أولوم، أولضلالة، أومعصية، أووصف بخبث، أورجس، أونجس، أوبكونه إثمًا، أوفسقًا، أوسببًا لإثم، أوزجر، أولعن، أوغضب، أوزوال نعمة، أوحلول نقمة، أوحد من الحدود، أو لقسوة، أو خزي عاجل أو آجل، أو لتوبيخ عاجل أو آجل، أو لعداوة الله تعالى، أو محاربته، أو لاستهزائه وسخريته، أوجعله الرب سببًا لنسيانه، أووصف نفسه بالصبر عليه، أوبالحلم، أوبالصفح عنه، أوالعفوعنه، أوالمغفرة لفاعله، أوالتوبة منه في أكثر المواضع، أووصف فاعله بخبث، أواحتقار، أونسبه إلى عمل الشيطان، أوتزيينه، أوتولي الشيطان فاعله، أووصفه بصفة ذم كالظلمة، وتبرؤ الأنبياء منه، أومن فاعله، أوشكوا إلى الله من فاعله، أوجاهروا فاعله بالبراءة والعداوة، أونهى الأنبياء عن الأسى والحزن على فاعله، أونصب سببًا لخيبة عاجلة أوآجلة، أورتب عليه حرمان الجنة، وما فيها أووصف فاعله بأنه عدوالله، أوبأنَّ الله عدوه، أوحمل فاعله إثم غيره، أويلاعن فاعلوه في الآخرة، أوتبرأ بعضهم من بعض، أودعا بعضهم على بعض، أووصف فاعله بالضلالة، أورتب عليه إبعاد، أوطرد،
стр. 1171
أولفظ قتل، أووصف الرب نفسه بالغيرة منه، فكل ذلك منهي عنه (١).
• ما تقتضيه صيغة النهي:
• أولًا: التحريم:
وهوالصحيح عند العلماء من المذاهب الأربعة، وغيرهم (٢)، وهوالراجح؛ للأدلة التالية:
١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فالأمر بالانتهاء عما نهى عنه يقتضي وجوب الانتهاء، ومن لازم ذلك تحريم الفعل، وكلمة (ما) هنا صيغة عموم، أي كل نهي يجب الانتهاء عنه، وكلمة (انتهوا) فعل أمر يقتضي الوجوب، وترك الواجب محرم.
لذلك يقول ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣)(٤).
٢ - أنَّ الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن بعدهم من التابعين كانوا يستدلون على تحريم الشيء بصيغة النهي المجردة عن القرائن،
стр. 1172
فيقولون: الزنا محرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، والربا حرام؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آال عمران: ١٣٠]، والقتل حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وغير ذلك كثير (١).
٣ - أنَّ العقل يفهم الحتم من الصيغة المجردة عن القرينة، وذلك دليل الحقيقة (٢).
وقيل: إنَّ صيغة النهي حقيقة في الكراهة، واستدلوا على ذلك بأنَّ النهي إنما يدل على مرجوحية المنهي عنه، ولا يخفى ما فيه من بعد وغرابة، لا سيما وقد قامت الأدلة على أنَّ النهي للتحريم كما تقدم (٣).
وقيل: إنَّ النهي مشترك بين التحريم والكراهة، فلا يتعين أحدهما إلا بدليل، وإلا كان جعله لأحدهما ترجيحًا من غير مرجح (٤). وجوابه كالذي قبله.
وقول من قال: إن النهي للكراهة. بالغ الأئمة في إنكاره، فقال أحمد
стр. 1173
﵀: أخاف على قائل هذا أنه صاحب بدعة (١).
وقال الشافعي ﵀: أصل النهي من رسول الله ﷺ : أنَّ كل ما نهى عنه فهومحرم، حتى تأتي عليه دلالة تدل على أنه نهى عنه لغير معنى التحريم، إما أراد به نهيًا عن بعض الأمور دون بعض، وإما أراد به النهي للتنزيه للمنهي والأدب والاختيار، ولا نفرق بين نهي رسول الله ﷺ إلا بدلالة عن رسول الله ﷺ ، أوأمر لم يختلف فيه المسلمون، فنعلم أنَّ المسلمين كلهم لا يجهلون سنته، وقد يمكن أن يجهلها بعضهم (٢).
• ثانيًا: اقتضاء النهي للفساد:
وقبل الشروع في هذا المبحث، هناك بعض المقدمات:
١ - معنى فساد المنهي عنه: أنه لا تبرأ به الذمة، ولا يسقط به الطلب إن كان عبادة، ولا يترتب الأثر المقصود من العقد على العقد إذا كان معاملة (٣).
٢ - المفسدة الذاتية أقوى في الضرر من المفسدة العرضية، ومن ثم فإنَّ الداعي إلى إبطالها أقوى، والمفسدة هنا القول بصحة العبادة مع
стр. 1174
اتجاه النهي لذاتها. ويشهد لهذا المعنى قوله ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإنَّ جار البادية يتحول» (١).
ووجه الدلالة من الحديث أن مفسدة جار السوء المقيم أقوى من مفسدة جار السوء فى البادية؛ لذا استعاذ الحبيب ﷺ منه، فمفسدة جار البادية أشبه بالمفسدة العرضية، ومفسدة الجار المقيم أشبه بالمفسدة الذاتية وشتان بينهما.
٣ - الوصف العرضي ضعيف لا يقوى على منع الصحة، فيكون بمثابة الوصف الطردي الذي لا يؤثر من جهة الصحة، وإن كان مؤثرًا من جهة التحريم.
٤ - فرق بين الصحة العادية أواللغوية، والصحة الشرعية، فاقتضاء النهي للفساد هو في الشرع لا في اللغة (٢).
مثال: قوله ﷺ : «لا صلاة إلا بطهور» (٣).
ليس المراد به نفي نفس الصلاة؛ لأن الفعل موجود من حيث
стр. 1175
المشاهدة، وإنما يراد نفي حكمه، فإذا وجد الفعل على الصفة المنهي عنها لم يكن له حكم، فوجوده كعدمه، فهوموجود مشاهدةً، معدوم وباطل شرعًا (١).
أمثلة: «لا نكاح إلا بولي» (٢)، «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» (٣).
٥ - أهل العلم متفقون على أنَّ جهة الأمر إذا انفكت عن جهة النهي لم يقتض الفساد، وإن لم تنفك عنها اقتضاه، ولكنهم يختلفون في انفكاك الجهة، ومن ثم يقع بينهم الخلاف.
مثال: الحنبلي يقول: الصلاة بالحرير مأمور بها من جهة كونها صلاة، منهيًّا عن لبس الحرير فيها، والصلاة في الأرض المغصوبة لا تنفك فيها الجهة؛ لأن نفس شغل أرض الغير بحركات الصلاة حرام فهي باطلة.
стр. 1176
فيقول المالكي والشافعي والحنفي: لا فرق بين المسألتين، فهوأيضًا مأجور على صلاته آثم بغصبه، وهكذا (١).
تحرير المسألة: ذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّ النهي يقتضي فساد المنهي عنه.
قال المرداوي: قال أصحابنا، والأكثر مطلق النهي عن الشيء لعينه يقتضي فساده، وهذا هوالصحيح المعتمد عليه من أقوال العلماء من فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وبعض المتكلمين، وغيرهم، قال الخطابي: هذا مذهب العلماء في قديم الدهر وحديثه (٢).
• أدلة من قال: النهي يقتضي الفساد. وهم الجمهور:
١ - الإجماع: ذلك أنَّ الصحابة أجمعوا على أنَّ استفادة فساد الأحكام من النهي عن أسبابها، كاستفادتهم فساد الربا من قوله ﷺ : «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل» (٣).
واستدل ابن عمر على فساد نكاح المشركات بقوله تعالى: ﴿وَلَا
стр. 1177
تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وعلى فساد نكاح المحرم بقوله ﷺ : «المحرم لا ينكح ولا ينكح» (١)، وغير هذا من القضايا المنهي عنها، وإجماعهم حجة (٢).
٢ - المنقول: وهوأنَّ النبي ﷺ قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣).، والرد إذا أضيف إلى العبادات اقتضى عدم الاعتداد، وإن أضيف إلى العقود اقتضى الفساد (٤).
٣ - المعقول: وهوأنَّ اقتضاء النهي للفساد مناسب عقلًا وشرعًا؛ عملًا بقاعدة لا ضرر ولا ضرار.
كما أنَّ النهي يقتضي اجتناب المنهي عنه، والترهيب منه، والحكم بصحته يقتضي الترغيب فيه وفعله، ولا يخفى ما فيه من التناقض، والشرع بريء من التناقض (٥).
قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ولولم يكن النهي مقتضيًا للفساد، فلا يوجد مسلك منضبط
стр. 1178
لمعرفة الفاسد من الصحيح، وهذا محال في الشريعة.
٤ - قلت: كذا يمكن الاستدلال بإبطال النبي ﷺ للشروط المخالفة لكتاب الله تعالى، مثل ما رواه البخاري من حديث عائشة ﵂ قالت: دَخَلَت بَريرَةُ وَهيَ مُكَاتَبَةٌ، فَقَالَت: اشتَريني وَأَعتقيني. قَالَتْ: نَعَم. قَالَتْ: لا يَبيعُوني حَتَّى يَشتَرطُوا وَلائي. فَقَالَت: لا حَاجَةَ لي بذَلكَ. فَسَمعَ بذَلكَ النَّبيُّ ﷺ أَوبَلَغَهُ- فَذَكَرَ لعَائشَةَ، فَذَكَرَت عَائشَةُ مَا قَالَتْ لَهَا: فَقَالَ: «اشتَريهَا، وَأَعتقيهَا، وَدَعيهم يَشتَرطُونَ مَا شَاءُوا»، فَاشتَرَتهَا عَائشَةُ، فَأَعتَقَتهَا وَاشتَرَطَ أَهلُهَا الوَلاءَ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «الوَلاءُ لمَن أَعتَقَ، وَإن اشتَرَطُوا مائَةَ شَرطٍ» (١).
وفي رواية: «مَا بَالُ رجَالٍ يَشتَرطُونَ شُرُوطًا لَيسَت في كتَاب اللَّه، مَا كَانَ من شَرطٍ لَيسَ في كتَاب اللَّه؛ فَهُوبَاطلٌ، وَإن كَانَ مئَةَ شَرطٍ، قَضَاءُ اللَّه أَحَقُّ، وَشَرطُ اللَّه أَوثَقُ» (٢).
ومعنى ليس في كتاب الله: أي ما خالف كتاب الله.
ووجه الاستدلال: قول النبي ﷺ : «إنما الولاء لمن أعتق» ينفي الولاء عن غيره، وهويدل بمفهومه على النهي عن اشتراط الولاء لغير
стр. 1179
المعتق، وجعل هذا الشرط المنهي عنه باطل، فدل ذلك على أنَّ النهي يقتضي الفساد.
قال الشوكاني: والحق أنَّ كل نهي من غير فرق بين العبادات والمعاملات يقتضي تحريم المنهي عنه، وفساده المرادف للبطلان اقتضاء شرعيًّا، ولا يخرج من ذلك إلا ما قام الدليل على عدم اقتضائه لذلك (١).
والخلاصة: ليس كل نهي يقتضي الفساد، فقد يكون الفعل محرمًا، والعمل يكون صحيحًا.
وهذه المسألة تتوقف على نوع المنهي عنه: هل هولذاته، أم لأمر خارج، وهونوعان (متحد الجهة، ومنفك الجهة):
وإليك البيان:
١ - هناك أمور يُنهى عنها في الشرع، ولها طريق واحدة، فلا يوجد لها صورة مباحة في الشرع، أوجائزة، أومأمور بها، فهي في كل صورها منهي عنها، فهذه الصورة يكون حكمها التحريم والفساد مثل نكاح الأمهات، فهوله طريق واحد في الشرع، فلا توجد صورة لإباحته، فلوأنَّ إنسانًا -عياذًا بالله- نكح أمه، سواء كانت من النسب، أم من
стр. 1180
الرضاعة، فهوعليه الإثم مع فساد هذا النكاح، وهذا يسمى منهيًّا عنه لذاته.
٢ - هناك أمور يُنهى عنها أحيانًا، ويُؤمر بها أحيانًا، أى لها طريقان: طريق مأمور به، وطريق آخر منهي عنه. فقد تجد طريق الأمر هوطريق النهي، فتكون الجهة متحدة، وقد تجد طريق النهي له جهة معينة، وطريق الأمر له جهة أخرى، فتكون الجهة منفكة، مثل الصيام في الشرع له طريقان، فليست كل صوره مأمورًا بها، وليست كل صوره منهيًّا عنها.
قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فهذا طريق الأمر، ونهى ﷺ عن صيام يوم العيدين، فعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: هَذَان يَومَان نَهَى رَسُولُ اللَّه ﷺ عَنْ صيَامهمَا: يَوم فطركُم من صيَامكُم، وَاليَومُ الآخَرُ تَأكُلُونَ فيه من نُسُككُم (١). وهذا طريق النهي، ففي الأمر قال: صوموا. وفي النهى قال: لا تصوموا. فالأمر والنهي متجه لجهة واحدة، وهي عين الصيام، فلوصام مع هذا النهي، فعليه الإثم مع بطلان الصيام وفساده.
مثال آخر: من صلى وهويستر عورته بالحرير، فيقال: إنَّ ستر
стр. 1181
العورة من شروط صحة الصلاة، فالنهي عن لبس الحرير في نفس جهة الأمر بستر العورة، فمن فعل المنهي عنه في شرط الصحة يكن حكمه الإثم مع بطلان الصلاة، فكأن من ستر عورته بالحرير لم يسترها أصلًا.
مثال آخر: من صلى وهو يلبس عمامة من الحرير فلبس العمامة ليس بركن ولا شرط، فهذا أمر خارج، فالجهة منفكة؛ فيكون عليه إثم لبس الحرير، وصلاته صحيحة.
وكذلك لوأنَّ إنسانًا يصلى ويلبس خاتمًا من الذهب، فحكم صلاته الصحة مع إثم لبس الذهب، فعن أبى موسى، أنَّ النبى ﷺ قال: «أحل الذهب والحرير للإناث من أمتى، وحرم على ذكورها» (١).
لأن لبس الخاتم ليس بركن ولا شرط بالنسبة للصلاة، فالنهي في جهة، والأمر بالصلاة في جهة أخرى.
فضابط المسألة: لوكان النهي منصبًّا على ركن الشاء أوشرطه، فهومتحد الجهة، ويكون الحكم البطلان والإثم، وإن كان متعلقًا بشيء ليس بركن ولا شرط تكون الجهة منفكة أي عليه الإثم مع صحة العمل.
стр. 1182
وقيل ضابط آخر (وهو ضابط ضعيف لأن هناك بعض النواهى مختصة بالعبادة وليست متحدة الجهة مثل النهى عن تغطية الفم فى الصلاة) وهو: أنَّ النهي إن كان مختصًّا بالعبادة ذاتها يكون متحد الجهة، فحكم مخالفته التحريم مع البطلان، أما لوكان النهي في العبادة وفي غيرها يكون منفك الجهة، فلوتم مخالفته فيكون حكمه التحريم، وعدم البطلان.
مثل قول النبى ﷺ : «من لم يدع قول الزور والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (١)، فقول الزور في الصيام منهي عنه، ولكن هل هومتحد الجهة، فيكون حكمه التحريم والبطلان أى بطلان الصيام؟ أم هومنفك الجهة، فيكون حكمه التحريم وعدم البطلان؟
الجواب: أن النهى ليس مختصًّا بالعبادة وحدها، بل هوحرام في العبادة وفى غيرها، فتكون الجهة منفكة، وعليه فلا يبطل الصيام مع إثم المخالفة.
مثال آخر: لوتكلم رجل في الصلاة، فالكلام في الصلاة محرم، وهومختص بالصلاة دون غيرها، فتكون الجهة متحدة فيكون حكمها هوالتحريم وترتيب الإثم، مع بطلان الصلاة، وذلك كالنهي عن الأكل
стр. 1183
والشرب في الصيام، فهو متحد الجهة، فحكمه التحريم والبطلان، وهكذا.
• ثالثًا: الفور والتكرار:
قال ابن مفلح: النهى يقتضى الفور والدوام عند أصحابنا، وعامة العلماء، خلافًا لابن الباقلانى، وصاحب المحصول (١).
أما دلالة النهي على الفور، فدليلها قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
ووجه الدلالة: قوله تعالى: ﴿فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فعل أمر يفيد وجوب الانتهاء على الفور.
وكذلك قوله ﷺ : «وما نهيتكم عنه فانتهوا» (٢).
والتكرار:
قال الآمدى (٣): اتفق العقلاء على أن النهى عن الفعل يقتضى الانتهاء عنه دائما. وذلك للآتي:
стр. 1184
١ - أنَّ الامتثال في باب النهي لا يتحقق إلا بالاستمرار على الامتناع عن الفعل، كما أنَّ المنهي عنه إنما نهى الشارع عنه لمفسدته، ولا يمكن درء هذه المفسدة إلا بالامتناع عنه دائمًا (١).
٢ - القول بأنَّ النهي لا يقتضي التكرار، يلزم منه ألا يوجد عاصٍ أصلًا؛ لأن المنهي عن فعل -حينئذ- يخرج عن عهدة النهي بتركة مدة في زمن ما (٢).
٣ - لأنَّ الواحد من أهل اللغة متى قال لعبده: لا تدخل هذه الدار. فترك العبد دخولها ساعة، ثم دخلها استحق الذم عند سائر العقلاء (٣).
وذهب بعض أهل العلم إلى أنَّ النهي لا يقتضي التكرار، واستدلوا بقياس النهي على الأمر، فكما أنَّ الأمر لا يقتضي التكرار، فكذلك النهي.
والجواب: أنَّ هذا قياس مع الفارق؛ لأنَّ النهي لا يتحقق إلا بالاستمرار على الترك بخلاف الأمر، فإنه يتحقق بإتيان المأمور به، ولومرة واحدة (٤).
стр. 1185
ومما سبق يتضح أنَّ النهي يقتضي الفور والتكرار، وهوالراجح.
• خروج النهى عن التحريم:
١ - الكراهة: لقوله ﷺ : «لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه، وهويبول» (١)، فقال الجمهور: النهي هنا للكراهة؛ لأنَّ الذكر بضعة من الإنسان، والحكمة من النهي تنزيه اليمين.
ومثل نهي النبي ﷺ عن استقبال القبلة في البول والغائط عند فريق من العلماء، قيل: إنه صرف بفعله ﷺ ، ومثل الشرب قائمًا عند فريق من العلماء، وغير ذلك.
٢ - الإرشاد: عن معاذ بن جبل: أنَّ رسول الله أخذ بيده، وقال: «يا معاذ، والله إنى لأحبك، أوصيك يا معاذ: لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (٢)، وهذا النهي للإرشاد، وغير ذلك.
стр. 1186
• مسألة: من يدخل في الخطاب بالأمر والنهى:
يدخل المكلف، والتكليف بالأمر والنهى شامل للمسلمين والكفار على الصحيح، حيث اختلف العلماء في تكليف الكافر: فكلهم مجمعون على أنَّ الكفار مخاطبون بالأصول وهى العقائد، والاختلاف في الفروع على ثلاثة مذاهب:
الأول: قال بعضهم هم مخاطبون أيضًا بالفروع، أي الأوامر والنواهي.
الثاني: وهو المشهور عن الأحناف، أنهم غير مكلفين بالفروع من الأوامر والنواهى.
الثالث: أنهم مخاطبون بالنواهى دون الأوامر.
والراجح هو القول الأول أنَّ الكفار مخاطبون بالأصول، والفروع، وكل الأوامر، والنواهي، وهو مروي عن الإمام أحمد، والشافعي، وهو غالب مذهب مالك.
قال الإمام النووي: اتفق أصحابنا على أنَّ الكافر غير مكلف بالصلاة، وفي كتب الأصول هو مكلف، ثم قال: ولا تعارض؛ لأنَّ كلًّا منهم نظر إلى جهة، فالفقهاء نظروا إلى أحكام الدنيا، والأصوليون نظروا إلى أحكام الآخرة.
стр. 1187
فقال الفقهاء: لا يصلي حال كفره، وإن صلى لا تقبل منه، وإن أسلم لا يقضي. وقال الأصوليون: يحاسب عليها في الآخرة.
واستدل القائلون بالتكليف بما يلي:
١ - الأدلة العامة: كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ف (النَّاس) تشمل المسلم والكافر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، والعبادة أصول وفروع، و (النَّاس) الألف واللام فيها للاستغراق، أي كل الناس.
٢ - أنه يحاسب عليها في الآخرة: وما يحاسب عليه في الآخرة لا بد أن يكلف به في الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧].
﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾، والصلاة أمر واجب، وقوله ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾، وإطعام المسكين أمر مندوب في الأصل، وقوله ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾، وهذا نهي، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، وهذه عقيدة، وهذا يدل أنهم حوسبوا على كل شيء، ولوكانوا قد حوسبوا على الكفر فقط لكان يكفى أن يقولوا ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾.
стр. 1188
ومنها أيضًا: قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١)﴾ [الحاقة: ٣٠، ٣١]، والسبب في ذلك: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣]، وهذه عقيدة، ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤]، وهذا فرع من الفروع.
وقال تعالى أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩]، ومضاعفة العذاب بسبب أنه كان كافرًا، وفعل المنهيات من الزنا وغيره.
وقال تعالى أيضًا: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]، فلهم عذاب على كفرهم، وعذاب على صدهم عن سبيل الله.
٣ - قال ابن عبد البر وغيره: من كلف بالشرط كلف بالمشروط من باب أولى، كالصلاة مشروطة بالوضوء، والوضوء شرط، فمن كلف بالشرط وهو الوضوء كلف بالمشروط وهو الصلاة، وكذلك الأعمال مشروطة بالإسلام وهو شرط قبول، فمن كلف بالشرط، وهو الإسلام كلف بالمشروط، وهو باقى الأعمال.
٤ - الكفر مانع من القبول، فوجب عليه العمل، ووجب عليه إزالة
стр. 1189
المانع، وإلا حوسب عليهما كمن وجبت عليه الصلاة، ثم أحدث، فالحدث يمنع الصحة والقبول، ولا يرفع التكليف، فوجبت عليه الصلاة، ووجب عليه إزالة المانع وهو الحدث، وإلا حوسب عليهما.
ومن قال: غير مخاطب. استدل بما يلي:
١ - أنَّ الفروع لا تطلب من الكافر حال كفره، وإن فعلها لا تقبل منه، وإن أسلم لا يقضي.
والجواب على ذلك:
أ - أنه لا يطالب بها ابتداء؛ لأنه يلزمه أن يأتي بالإسلام أولًا.
ب- ولو قام بها لا تقبل منه؛ لأنه فاقد لشرط القبول لا شرط الوجوب.
ج- ولو أسلم لا يقضي؛ لأنَّ الإسلام يجب ما قبله، كما قال النبى ﷺ ، فعن عمرو بن العاص قال: أتيت النبى ﷺ ليبايعنى، فبسط يده إلىَّ، فقلت: لا أبايعك يا رسول الله حتى تغفر لي ما تقدم من ذنبي، فقال لي رسول الله ﷺ : «يا عمرو، أما علمت أنَّ الهجرة تجب ما قبلها من الذنوب، يا عمرو أما علمت أنَّ الإسلام يجب ما كان قبله من الذنوب» (١).
стр. 1190
فالصحيح: أنَّ الكافر مكلف، وهو رأى الجمهور.
• مسألة: الفرق بين الأمر والنهى:
١ - الأمر بالشيء أمر بجميعه كالأمر بالصلاة، والنهي عن الشيء نهي عن بعضه كتحريم الميتة والخنزير.
٢ - الأمر يقتضى الوجوب والفورية، والنهى يقتضى التحريم والفورية.
٣ - الأمر لا يقتضى التكرار، والنهى يقتضى التكرار، وغير ذلك (١).
• مسألة: النهي الوارد عقب سؤال؛ إفادته على حسب ما يقصده السائل.
النهي الوارد عقب سؤال إنما تفيد دلالته على حسب مقصود السائل، فإن كان مقصود السائل بسؤاله هو الإباحة وعدمها؛ فيفيد النهي التحريم، وإن كان مقصود السائل هو الوجوب وعدمه؛ فيفيد النهي عدم الوجوب، ولا يفيد التحريم، مثاله حديث البراء بن عازب قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الإبل، فقال: «توضؤوا منها»، وسئل عن لحوم الغنم، فقال: «لا توضؤوا منها»، وسئل عن
стр. 1191
الصلاة في مبارك الإبل، فقال: «لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين» (١).
فالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم يفيد عدم وجوب الوضوء منها؛ لأن قصد السائل هو معرفة ما إذا كان لحم الغنم ناقضًا للوضوء أم لا؟ والشيء إذا كان ناقضًا للوضوء يجب الوضوء منه، وإذا لم يكن ناقضًا فلا يجب، فأجابه النبي ﷺ بأنه لا يجب الوضوء من لحم الغنم.
وأما النهي عن الصلاة في مبارك الإبل، فإنه يفيد التحريم في الصلاة فيها؛ لأن قصد السائل هو معرفة حكم الصلاة في مبارك الإبل، هل يباح كبقية الأرض أم لا يباح؟ فأجابه النبي ﷺ بأنه لا يباح الصلاة فيها (٢).
стр. 1192
الفصل الثالث:
العام والخاص
стр. 1193
العام والخاص
قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: لم نكن نعرف الخصوص والعموم حتى ورد علينا الشافعي ﵁ (١).
• أولًا: العام:
تنبيه: العام يطلق على اللفظ، والعموم يطلق على المعاني.
* تعريف العام:
العام لغة: أصل العموم في اللغة الشمول والكثرة، يقال: عمَّ الخير البلاد أي: كثر، وعمَّ الخير إذا شملهم وأحاط بهم (٢).
اصطلاحًا: فهو اللفظ المستغرق لما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة من غير حصر.
стр. 1194
* شرح التعريف:
خرج بقوله: (المستغرق) ما لم يستغرق، نحو بعض الحيوان، إنسان (١).
خرج بقوله: (ما يصلح له) ما لم يصلح.
فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]، فهذا عموم لجميع الخيل، ولجميع البغال والحمير، وليس هذا خصوصًا؛ لأن معنى قولنا: (عموم) ما اقتضاه اللفظ فقط دون ما لا يقتضيه، فمن سمى هذا خصوصًا فقد شغَّب وشبَّك (٢).
قلت: قد يحمل العام في طياته خصوصًا، ولو من وجه. فنقول: لفظ (الخيل) عام في كل خيل، خاص في الخيل دون غيرها من الحيوانات، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١٠ - ١١].
فلفظ (المرسلون) عام في كل مرسل خاصٌّ فيهم دون غيرهم،
стр. 1195
وخص هذا العام بقوله: (إلا من ظلم) و (من) لفظٌ عام، وهكذا.
وقيل (ما يصلح له) قيد لبيان الواقع، فإن اللفظ لا يستغرق الا ما يصلح له دون غيره (١).
خرج بقوله: (بوضع واحد) المشترك؛ لأن المعاني التي يشملها ليست بوضع واحد، كلفظ (العين) فلا يسمى عامًّا بالنسبة إلى شموله الجارية والباصرة وغير ذلك؛ لأنه لم يوضع لهما وضعًا واحدًا، بل لكل منهما وضع مستقل (٢).
ف (المشترك) خرج بقيدين:
الأول: بوضع واحد.
الثاني: المستغرق. وذلك على النحو التالى:
أولًا: أن يحمل المشترك على جميع معانيه، كأن يقال في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، [المائدة: ٦] المراد: جامعتم ولمستم النساء، فيكون حينئذٍ قد شمل الجماع، واللمس باليد، فهل يكون عامًّا؟ الجواب: لا. وذلك للآتي:
١ - أنَّ اللفظ المشترك لا يستغرق جميع معانيه دائمًا، بل يستغرق