← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

الصلاة في مبارك الإبل، فقال: «لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين» (١). فالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم يفيد عدم وجوب الوضوء منها؛ لأن قصد السائل هو معرفة ما إذا كان لحم الغنم ناقضًا للوضوء أم لا؟ والشيء إذا كان ناقضًا للوضوء يجب الوضوء منه، وإذا لم يكن ناقضًا فلا يجب، فأجابه النبي ﷺ بأنه لا يجب الوضوء من لحم الغنم. وأما النهي عن الصلاة في مبارك الإبل، فإنه يفيد التحريم في الصلاة فيها؛ لأن قصد السائل هو معرفة حكم الصلاة في مبارك الإبل، هل يباح كبقية الأرض أم لا يباح؟ فأجابه النبي ﷺ بأنه لا يباح الصلاة فيها (٢).

стр. 1192

الفصل الثالث: العام والخاص

стр. 1193

العام والخاص قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: لم نكن نعرف الخصوص والعموم حتى ورد علينا الشافعي ﵁ (١). • أولًا: العام: تنبيه: العام يطلق على اللفظ، والعموم يطلق على المعاني. * تعريف العام: العام لغة: أصل العموم في اللغة الشمول والكثرة، يقال: عمَّ الخير البلاد أي: كثر، وعمَّ الخير إذا شملهم وأحاط بهم (٢). اصطلاحًا: فهو اللفظ المستغرق لما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة من غير حصر.

стр. 1194

* شرح التعريف: خرج بقوله: (المستغرق) ما لم يستغرق، نحو بعض الحيوان، إنسان (١). خرج بقوله: (ما يصلح له) ما لم يصلح. فمثلًا قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]، فهذا عموم لجميع الخيل، ولجميع البغال والحمير، وليس هذا خصوصًا؛ لأن معنى قولنا: (عموم) ما اقتضاه اللفظ فقط دون ما لا يقتضيه، فمن سمى هذا خصوصًا فقد شغَّب وشبَّك (٢). قلت: قد يحمل العام في طياته خصوصًا، ولو من وجه. فنقول: لفظ (الخيل) عام في كل خيل، خاص في الخيل دون غيرها من الحيوانات، والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١٠ - ١١]. فلفظ (المرسلون) عام في كل مرسل خاصٌّ فيهم دون غيرهم،

стр. 1195

وخص هذا العام بقوله: (إلا من ظلم) و (من) لفظٌ عام، وهكذا. وقيل (ما يصلح له) قيد لبيان الواقع، فإن اللفظ لا يستغرق الا ما يصلح له دون غيره (١). خرج بقوله: (بوضع واحد) المشترك؛ لأن المعاني التي يشملها ليست بوضع واحد، كلفظ (العين) فلا يسمى عامًّا بالنسبة إلى شموله الجارية والباصرة وغير ذلك؛ لأنه لم يوضع لهما وضعًا واحدًا، بل لكل منهما وضع مستقل (٢). ف (المشترك) خرج بقيدين: الأول: بوضع واحد. الثاني: المستغرق. وذلك على النحو التالى: أولًا: أن يحمل المشترك على جميع معانيه، كأن يقال في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، [المائدة: ٦] المراد: جامعتم ولمستم النساء، فيكون حينئذٍ قد شمل الجماع، واللمس باليد، فهل يكون عامًّا؟ الجواب: لا. وذلك للآتي: ١ - أنَّ اللفظ المشترك لا يستغرق جميع معانيه دائمًا، بل يستغرق

стр. 1196

أحيانًا، ولا نمنعه، فهو جائز بشرط ألا يمتنع الجمع بينهما، هذا وذهب إلى الجواز الشافعي، والقاضي أبوبكر، وجماعة من الشافعية (١)، فاستغراقه ليس مطردًا فلا يكون عامًّا. ٢ - أنه إذا جاء دليل على تحديد معناه فلا يصار إلا إليه، وحينئذٍ يكون الاستغراق بدليًّا. ثانيًا: ألا يحمل على جميع معانيه، فيكون قد خرج بقيد الاستغراق، فاللفظ المشترك له عموم على رأي الجمهور، ولكن بطريق البدلية (٢). قوله: (دفعة) خرجت النكرة في سياق الإثبات؛ لأنَّ استغراقها بدلي لا دفعة واحدة (٣)، مثل قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فالمراد رقبة واحدة على سبيل البدل. قوله: (من غير حصر) أخرج المحصور كالعدد (٤).

стр. 1197

• مسألة: الصورة النادرة وغير المقصودة هل تدخل في العموم؟ لتحرير هذه المسألة هناك بعض المقدمات: أولًا: إذا قامت قرينة على دخول أو قصد الصورة النادرة تحت العموم دخلت، وإذا قامت قرينة على عدم دخولها لم تدخل (١). ثانيًا: الكلام على الصورة النادرة التي لم تأت قرينة لخروجها أو دخولها في العموم، هل تدخل في العموم؛ لأن اللفظ يشملها، أم لا تدخل؛ لأنها نادرة لم تخطر ببال المتكلم؟ والمعنى: هل كل ما تناوله اللفظ العام شمله الحكم أم لا؟ (٢). ثالثًا: المقاصد لا انضباط لها، والرجوع إلى منضبط أولى (٣). رابعًا: ليس معنى دخول الصورة النادرة في العموم هو قصر العموم عليها، لذا فقد أنصف الزركشي ﵀ حين قال في هذه المسألة: يوجد في كلام الأصوليين اضطراب يمكن أن يؤخذ منه الخلاف (٤). وصدق، فمن الخطأ الرد على الأحناف لما حملوا قوله ﷺ : «أيما

стр. 1198

امرأة نكحت نفسها من غير إذن وليها فنكاحها باطل» (١) على المرأة المكاتبة -وهي التي اشترت نفسها من سيدها- بأن يقال: إنَّ المرأة المكاتبة نادرة لا تدخل في العموم، بل ينبغي القول بأنَّ العموم يشملها، وليس قاصرًا عليها، فهناك فرق كبير بين دخول النادر في العموم، وبين قصر العموم على النادر، فالخلط بينهما خطأ واضح. خامسًا: الألفاظ قوالب المعاني، وإلغاء المعنى هو إلغاء اللفظ، وإلغاء جزء من المعنى هو إلغاء جزء من اللفظ، فلا يصار إليه إلا بدليل. سادسًا: الكلام في المسألة ليس من نافلة القول؛ وذلك لأن هناك أحكامًا مترتبة عليها، منها: أ- التضحية بالخنثى من بهيمة الأنعام، هل هو جائز أم لا؟ ب- هل يجب الغسل من المني الخارج بغير لذة. ج- مس الذكر المقطوع هل ينقض الوضوء أم لا؟ على القول بأن مس الذكر ينقض الوضوء مطلقًا. د- هل يجوز السبق على الفيلة أم لا؟

стр. 1199

سابعًا: دلالة العام على الغالب أقوى من دلالته على النادر، ولا يعني ذلك إخراج النادر من العام. • تحرير المسألة: اختلف أهل العلم في دخول النادرة وغير المقصودة في العموم، فقال بعضهم: لا تدخل، وهو قول ابن العربى (١)، وقال الزركشي: ظاهر كلام الشافعي عدم دخولها، فإنه قال: الشاذ يجيء بالنص عليه (٢). وحجة هذا الفريق: أنَّ الصورة النادرة لا تخطر بالبال - يعني بال العرب-، وأنَّ إدخالها يتنافى مع الحكمة والفصاحة. وذهب آخرون إلى أنها تدخل، وهو قول السبكي، وأيده الشنقيطي، وهو الراجح؛ وذلك لما يلي: ١ - الإجماع منعقد على العمل بظواهر الألفاظ، واللفظ العام ظاهر في عمومه وشموله لجميع أفراده، فلا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل. ٢ - قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنَّ الخنثى يرث من حيث يبول،

стр. 1200

إن بال من حيث يبول الرجال ورث ميراث الرجال، وإن بال من حيث تبول المرأة ورث ميراث المرأة (١)، وهذا دليل على دخول الخنثى في عموم آيات المواريث، وهي صورة نادرة جدًّا. ٣ - قال القرطبي: لا خلاف على جواز المسابقة على الخيل، وغيرها من الدواب (٢)، فإن كان هذا إجماعًا فهو دليل على دخول الفيلة في عموم قوله ﷺ : «لا سبق إلا في خُفٍّ أو في حافر أو نصل» (٣). ٤ - إخراج النادر من العموم بدعوى أنه لا يخطر بالبال هو بناء حكم على أمر غير منضبط، والرجوع إلى منضبط أولى، والمنضبط هنا شمول العام لجميع أفراده. ٥ - إخراج النادر من العموم هو إلغاءٌ لجزءٍ من معنى اللفظ، ولا يصار إليه إلا بدليل. ٦ - القول بأنَّ إدخال الصورة النادرة في العموم أمر يتنافى مع الحكمة، والفصاحة أمر فيه نظر؛ وذلك لأنَّ إخراج النادر من العموم وإفراده بحكمٍ أمرٌ فيه مشقة على المكلفين، والمشقة تجلب التيسير،

стр. 1201

بل إنَّ إلحاق القليل النادر بالغالب الكثير هو عين الحكمة والفصاحة، وإنما الذي يتنافى مع الحكمة هو قصر اللفظ العام على صورة نادرة، وهذه مسألة أخرى كما تقدم. ومما سبق يتضح - والله أعلم - أنَّ الصورة النادرة تدخل في العموم بشرط أن يشملها اللفظ، ولا توجد قرينة لإخراجها، فإن صح دخولها، فدخول الصورة غير المقصودة من باب أولى، ويترتب على ذلك أحكام، منها: أ- الحكم بتوريث الخنثى. ب- جواز المسابقة على الفيلة. ج- جواز الخنثى من بهيمة الأنعام في الأضحية. د- الحكم بموت الخضر؛ لدخوله في عموم قوله ﷺ : «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مئة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد» (١)، ودخوله في عموم قوله ﷺ يوم بدر: «إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض بعد اليوم» (٢). هـ- وجوب الغسل من خروج المني الخارج بغير لذة؛ لدخوله في

стр. 1202

عموم قوله ﷺ : «إنما الماء من الماء» (١)، وغير ذلك مما بناه بعض الفقهاء على هذه المسألة. • مسألة: هل تدخل النساء في خطاب الرجال؟ أو هل الجمع الذي فيه علامة التذكير يتناول النساء؟ ولبيان هذه المسألة لا بد من بيان أمور: أولًا: اتفق العلماء على أنَّ كل واحد من المذكر والمؤنث لا يدخل في الجمع الخاص بالآخر كالرجال والنساء، وعلى دخولهما في الجمع الذي لم تظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث كالناس (٢). ثانيًا: إذا كان لفظ الجمع قد جاء بلفظ لا يتبين فيه التذكير ولا التأنيث، مثل أدوات الشرط والاستفهام، فإنَّ الأحناف قالوا: (مَنْ) لا تدخل فيها النساء، وبنوا على ذلك أنَّ المرتدة لا تقتل؛ لعدم دخولها في قوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» (٣). قال الشوكانى: ولا يخفاك أن دعوى اختصاص "من" بالذكور لا ينبغى أن ينسب إلى من يعرف لغة العرب، بل لا ينبغى أن ينسب إلى

стр. 1203

من له أدنى فهم (١). والراجح: دخول النساء فيها، وهو قول الجمهور؛ وذلك للأدلة التالية: ١ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]، فلولا دخول النساء فيه لم يحسن التقسيم بعد ذلك (٢). ٢ - قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠]، فهو خطاب للنساء بلفظ (مَنْ). ٣ - عن ابن عمر ﵁: عن النبي ﷺ قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»، فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: «يرخين شبرًا»، فقالت: إذن تنكشف أقدامهن. قال: «فيرخينه ذراعًا، لا يزدن عليه» (٣).

стр. 1204

ووجه الدلالة: أنها فهمت أنَّ النساء داخلات في الخطاب، وأقرها النبي ﷺ على هذا الفهم. ثالثًا: إذا كان الجمع قد ورد بلفظ قد تبين فيه علامة التذكير بشكل واضح كالجمع بالواو والنون، مثل: المسلمون. أو جمع بضمير الجمع مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج: ١١]. هذه مسألة وقع فيها الخلاف، وقبل تحريرها هناك بعض المقدمات: أولًا: ليس معنى عدم تخصيص الشيء بالذكر انتفاء الحكم عنه. ثانيًا: تأسيس الحكم لا بد أن يسبق تأكيده، وإلا لما كان للتأكيد معنى، ولهذا شاهد من اللغة، فإنه في باب التوكيد لا بد من ذكر المؤكَّد أولًا قبل التوكيد. ثالثًا: كثرة الاستثناء من الأصل تضعفه، فينبغي أن يكون الأصل غالبًا. رابعًا: قاعدة التغليب معمول بها عند العرب.

стр. 1205

خامسًا: الصيغة الخاصة لا يمتنع تعديها للغير (١). سادسًا: تسمية جمع المذكر بذلك اصطلاحٌ لأهل العربية لا للعرب، فلا تقوم به حجة في هذا. سابعًا: اللغة العربية تستمد من القرآن الكريم، والسنة، وكلام العرب، وليست اللغة حاكمًا على القرآن. ثامنًا: التكرار في القرآن الكريم لا يكون إلا لفائدة، أقلها زيادة الأجر. تاسعًا: التكرار لا ينافي البلاغة، فقد كان ﷺ يكرر الحديث ثلاثًا، كما روى البخاري بسنده عن أنس ﵁، عن النبى ﷺ : أنه كان إذا سلَّم سلَّم ثلاثًا، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا (٢). عاشرًا: الأصل مورد الشرع لا مقتضى العرف (٣) واللغة. • تحرير المسألة: اختلف أهل العلم ﵏ في دخول الإناث في الخطاب الوارد بصيغة جمع المذكر، أو ضمير الجمع، فذهب الفريق الأول إلى

стр. 1206

أنَّ النساء لا يدخلن فيه، وهو قول الشافعي، وأصحابه، والجمهور (١)، ومن المتأخرين الشوكاني (٢). واستدلوا بأدلة نجملها في ما يلي: ١ - أنه لا جهاد على النساء، مع قوله تعالى: (جاهدوا)، وقوله: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، فدل ذلك على أنه أراد الذكور دون الإناث (٣). ويجاب عن ذلك: بأنَّ إرادة الذكور جاءت بقرائن أخرى، وقد ورد هذا كثيرًا في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩]، مع أنه لا جمعة على النساء. ٢ - التصريح بما يختص به النساء وما يختص به الرجال، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ

стр. 1207

وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور: ٣٠]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. ولو كن داخلات لما كان للتكرار فائدة، وكذلك سبب نزول الآية، وهو قول أم سلمة ﵂: يا رسول الله، ما نرى الله سبحانه ذكر إلا الرجال، فنزلت الآية. ووجه الدلالة: أولًا: إقرار النبي ﷺ لها على النفي -يعني نفي ذكر النساء- ولو كن داخلات في الخطاب لم يقرهن عليه. ثانيًا: نفيها لذكر النساء حجة؛ لأنها من أهل اللسان. ثالثًا: العطف يقتضي المغايرة، والشيء لا يعطف على نفسه، والتأسيس أولى من التنصيص. والجواب عن ذلك: أ- أنَّ إقرار النبي ﷺ ليس على عدم دخول النساء في خطاب

стр. 1208

الرجال، وإنما على عدم ذكر النساء تصريحًا، وكونها من أهل اللسان يشهد لذلك، فهي تعني ما تقول، حيث قالت: «ما لنا لا نرى الله ذكر إلا الرجال»، فهي سألت عن مجرد الذكر، مع علمها أنهن داخلات في الخطاب، وليس معنى عدم الذكر انتفاء الحكم عن من لم يذكر، فلفظ الإسلام إذا أطلق يشمل الإيمان والإحسان بدون ذكرهما. ب - وكون العطف يقتضي المغايرة، فإنَّ المغايرة لا تلزم أن تكون من كل وجه، فحينما أقول: جاء محمد وفاطمة. فلا يعني ذلك أنهما مختلفان من جميع الوجوه. ج - عطف المسلمات على المسلمين لا يعني عدم دخول النساء في قوله: (المسلمين)، وإنما هو من قبيل عطف الخاص على العام، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨]. فلفظ (الملائكة) عام يدخل فيه جبريل وميكال، ومع ذلك خصهما بالذكر. وقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، فلفظ (الفاكهة) عام وشامل لجميع أنواع الفاكهة ومنها الرمان، ومع ذلك

стр. 1209

فقد خصه بالذكر. وقول النبي ﷺ في خطبة صلاة الكسوف: «هَذه الآيَاتُ الَّتي يُرسلُ اللَّهُ، لَا تَكُونُ لمَوت أَحَدٍ وَلَا لحَيَاته، وَلَكن يُخَوّفُ اللَّهُ به عبَادَهُ، فَإذَا رَأَيتُم شَيئًا من ذَلكَ، فَافزَعُوا إلَى ذكره وَدُعَائه» (١). فالذكر يشمل الدعاء والاستغفار، ومع ذلك خصهما بالذكر. وأما القول: بأنَّ التأسيس أولى من التنصيص، والمعنى أنَّ الله تعالى يؤسس أنَّ النساء لهن خطاب خاص بهن. فجوابه: كيف لا يؤسس هذا الحكم إلا في سورة الأحزاب، وهي سورة مدنية، وليست من أوائل السور التي نزلت بالمدينة، بل إنَّ منها ما نزل في السنة الثالثة الهجرية، كزواج النبي ﷺ من زينب بنت جحش ﵂، ومنها ما نزل في السنة الخامسة الهجرية، وهو ما يخص الأحزاب. فكيف يتأخر تأسيس الحكم، والمعروف أنَّ التأسيس يكون أولًا، ثم يأتي بعد ذلك التنصيص والتأكيد لما تم تأسيسه. أما القول: بأنَّ عطف المسلمات على المسلمين، وهن داخلات في لفظ «المسلمين» مناف للبلاغة والقرآن بليغ، ومن ثَمَّ فإنَّ لفظ

стр. 1210

(المسلمين) لا يشمل المسلمات، وإلا كان تكرارًا. فجوابه: أنَّ التكرار لا ينافي البلاغة؛ فقد كان النبي ﷺ يكرر الحديث ثلاثًا (١).، فالتكرار له فوائد كثيرة، لا سيما في القرآن الكريم، فأقل فوائده زيادة الأجر بزيادة الأحرف. ٣ - قياس النساء على الرجال، فكما لا يدخل الرجال في خطاب النساء، فإنه لا يدخل النساء في خطاب الرجال (٢). وقياس الجمع على المفرد، فالمؤمنون تضعيف مؤمن، وكلوا تضعيف ضمير كل، وكما أنَّ (المؤمن) و (كل) لا يتناول الأنثى، ولا يدل عليها، كذلك (مؤمنون) و (كلوا) لا يتناول الإناث، ولا يدل عليهن (٣). والجواب: أولًا: أنَّ هذا قياس مع الفارق، فكلامنا في الجمع، وليس في المفرد، ولا يمتنع أن يدخل الشيء في الشيء في حال الجمع، ولا يدخل في حال الإفراد، ويؤيد هذا أنَّ غير العاقل يدخل في جمع العاقل،

стр. 1211

ولا يدخل في حال الإفراد. وكذلك قياس المرأة على الرجل قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، وذلك لورود اللغة بدخول النساء، ولم ترد بدخول الرجال في جمع التأنيث، وذلك لتغليب العرب للفظ التذكير (١). ٤ - أنَّ الأسماء وضعت للدلالة على مسمياتها، فخص كل نوع بما يميزه، فالألف والتاء جعلت علمًا لجمع الإناث، والواو والنون لجمع الذكور. قاله القفال (٢). والجواب: أنَّ اختصاص كل نوع بما يميزه لا يمنع من دخول أحدهما تحت الآخر؛ لأنَّ الصيغة الخاصة لا يمتنع تعديها للغير. وذهب الفريق الثاني إلى أنَّ النساء يدخلن في الجمع الذي تبينت فيه علامة التذكير، ولا يخرجن إلا بدليل، وهو مذهب الإمام أحمد في رواية عنه، وأكثر الحنابلة، وكثير من الحنفية، وبعض الشافعية، وبعض المالكية، وبعض الظاهرية كمحمد بن داود (٣)، وهو الراجح، والله أعلم؛ وذلك للآتي:

стр. 1212

أولًا: قوله ﷺ : «سبق المفردون»، قالوا: وما المفردون؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات» (١). فدل ذلك على أنَّ الذاكرات داخلات في جمع المذكر السالم (المفردون)، ولولا دخولهن فيه لم يحسن التفسير بعد ذلك. ثانيًا: ورود آيات تدل على دخولهن في الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها، كقوله تعالى في مريم ﵍: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]. وقوله تعالى في امرأة العزيز: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩]. وقوله في ملكة سبأ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣] (٢). ثالثًا: إجماع أهل اللغة على أنه إذا اجتمع المذكر مع المؤنث غلب المذكر (٣)، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، والمخاطبون ثلاثة: آدم، وحواء، وإبليس. فلو كن النساء لا يدخلن

стр. 1213

لقيل لآدم وإبليس اهبطا، ولحواء اهبطي، ولكنه لم يقل ذلك، مما يدل على أنَّ النساء يدخلن (١). رابعًا: أكثر أوامر الشرع بخطاب المذكر، مع الإجماع على أنَّ النساء يشاركن الرجال في أحكام تلك الأوامر، ولو لم يدخلن في ذلك الخطاب لما كان كذلك (٢). خامسًا: لوقال السيد لمن بحضرته من عبيده: قوموا واقعدوا. تناول جميعهم، ولو قال: قوموا، وقمن، واقعدوا، واقعدن. لعد تطويلًا، وغيًّا، ولكنةً. سادسًا: القول بدخول النساء في خطاب الرجال، ثم خروجهن في بعض الأحكام بدليل، أولى من القول بعدم دخولهن، ثم دخولهن في كثير من الأحكام بدليل، وذلك من الناحية الأصولية؛ لأنَّ الأصل هو الغالب، وكثرة الاستثناءات على الأصل تضعفه. وقد نقل الشوكاني ﵀ عن الإِبيارى أنه قال: ولا خلاف بين الأصوليين والنحاة أن جمع المذكر لا يتناول المؤنث بحال (٣).

стр. 1214

قلت: وهذا فيه نظر؛ لأنَّ ظاهره أنَّ المسألة فيها إجماع، ولو كانت كذلك، لما وقع فيها الخلاف، كما أنَّ الأصل مورد الشرع، لا مقتضى العرف واللغة، وقد أغرب الشوكاني ﵀ حين قال: ولم يأت القائلون بالتناول -يعني تناول جمع مذكر للنساء- بدليل يدل على ما قالوه لا من جهة اللغة، ولا من جهة الشرع، ولا من جهة النقل (١). • مسألة: أقل الجمع: للتمهيد لهذه المسألة هناك بعض المقدمات: أولًا: ليس محل الخلاف ما هو المفهوم من لفظ الجمع لغة، وهو ضم شيء لشيء، فإنَّ ذلك في الاثنين، والثلاثة، وما زاد من غير خلاف، وإنما محل النزاع في اللفظ المسمى في اللغة مثل قولهم: رجال، ومسلمون (٢). والمعنى: هل يصح أن أطلق على رجلين لفظ رجال، أم أنَّ كلمة رجال لا تطلق على أقل من ثلاثة، وهذا هو محل الخلاف. ثانيًا: الغالب من النبي ﷺ أن يعرفنا الأحكام الشرعية، لا الأمور اللغوية لكونها معلومة للمخاطب (٣).

стр. 1215

ثالثًا: دور العرب مع اللغة دور تصنيف لا دور تأسيس (١). • تحرير المسألة: القول الأول: ذهب فريق من أهل العلم إلى أنَّ أقل الجمع اثنان، وهو قول عمر، وزيد بن ثابت ﵄، ومالك، وداود، وجماعة من أصحاب الشافعى كالغزالى (٢)، واستدلوا بأدلة منها: ١ - قوله تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥]، فعبر بلفظ الجمع (مستمعون)، وأراد به موسى وهارون. وأجيب: بأنَّ المراد موسى، وهارون، وفرعون، وقومه، وهم جمع (٣). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، فاستخدم ضمير الجمع (واو الجماعة) في (اقتتلوا) وهما طائفتان. وأجيب: بأنَّ كل طائفة جمع. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا

стр. 1216

تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾ [ص: ٢١ - ٢٢]، فعبر بضمير الجمع في (تسوروا) عن المثنى (خصمان). وأجيب: بأنَّ الخصم يطلق على الواحد وعلى الجماعة، فيقال: هذا خصمي، وهؤلاء خصمي. ٤ - قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨]. فعبر بضمير الجمع في قوله (لحكمهم) عن داود وسليمان، وهما اثنان. وأجيب: بأنَّ المراد داوود، وسليمان، والمحكوم له، وهم جماعة (١). ٥ - قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣]، فعبر بضمير الجمع في قوله (بهم) وأراد يوسف وأخاه. وأجيب: بأنَّ المراد يوسف، وأخوه، وأخوهما الثالث الذي قال: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠].

стр. 1217

٦ - قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وأراد عائشة، وحفصة. وأجيب: بأن هذا للتخفيف. قال الزركشي: استثنى النحويون المشترطون للثلاثة، التعبير عن عضوين من جسدين بلفظ الجمع نحو قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] لقصد التخفيف، فإنه لو قيل: قلباكما. لثقل اجتماع ما يدل على التثنية فيما هو كالكلمة الواحدة مرتين (١). ٧ - قوله ﷺ : «الاثنان فما فوقهما جماعة» (٢). وأجيب: بأنه متكلم فيه، وإن صح فإنَّ المعنى ثبوت أجر الجماعة لهما، وذلك أنَّ النبي ﷺ يبين الحقائق الشرعية لا اللغوية. وإلا فهو حجة لنا من وجه، وهوأنه لوكان ذلك جمعًا في اللغة لما احتاجوا إلى بيانه. ٨ - واستدلوا من اللغة: بأنَّ الاثنين يخبران عن أنفسهما بلفظ الجمع، فيقولان: قمنا وقعدنا. كما تقول الثلاثة.

стр. 1218

وأجيب: بأنَّ الواحد يقول: قمنا وقعدنا. مع أنه ليس بجماعة. • القول الثاني: وذهب آخرون إلى أنَّ أقل الجمع ثلاثة، وهو قول ابن عباس، ومذهب الأئمة الأربعة إلا مالكًا (١). وهو الراجح للآتي: أولًا: أجوبتهم عن أدلة الفريق الأول التي لم يسلم الاستدلال بها. ثانيًا: أدلتهم وهي: ١ - قوله ﷺ : «الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب» (٢). ووجه الاستدلال: أنه ﷺ فصل بين التثنية والجمع، وجعل للاثنين اصطلاحًا خاصًّا دون الجمع، فعلم أنَّ التثنية ليست بجمع حقيقة (٣). ٢ - إجماع أهل اللغة على الفرق بين التثنية والجمع في التكلم أو التصنيف، أما في التكلم فلأنهم يقولون: (رجلان ورجال)، والتصنيف؛

стр. 1219

لأنه ما من كتاب في اللغة إلا ويوجد فيه باب التثنية، وباب الجمع (١). والمعنى: أنَّ للجمع صيغةً وللمثنى صيغةً، فدل ذلك على أنَّ المثنى بخلاف الجمع. فإن قيل: قد قررتم قبل ذلك أنَّ الصيغة الخاصة يمكن تعديها للغير، فلا مانع أن يعبر عن المثنى بالجمع، فيكون أقل الجمع اثنان. فالجواب من وجهين: الأول: أنَّ لازم القول ليس بلازم. فليس معنى أنَّ الصيغة الخاصة قد تتعدى للغير أنها تتعدى دائمًا. الثاني: أنَّ إطلاق صيغة الجمع على الاثنين جائزة، ولكن على سبيل المجاز، وليس هذا محل النزاع. ٣ - أقل الشيء يصدق عليه اسم الشيء وحقيقته، كما أنَّ أقل الماء ماء، وأقل العدد عدد، فإنَّ جَعْلَنَا الاثنين أقل الجمع، يلزم أن يسميا جمعًا؛ لأن أقل الجمع جمع، وهما مثنى، فكأننا نقول أقل الجمع مثنى، وفيه تناقض (٢).

стр. 1220

ومما سبق يتضح: أنَّ الراجح - والله أعلم - هو أنَّ أقل الجمع ثلاثة، وعليه فإنه يترتب على ذلك بعض الفروع الفقهية، منها: ١ - لابد أن يصلي على الميت ثلاثة على الأقل. ٢ - لو قال الزوج: إن تزوجت نساءً فامرأتي طالق. لم تطلق إلا إذا تزوج ثلاث نسوة. ٣ - لو نذر أن يصوم أيامًا -ولم يبين مقصده-، فإنه يلزمه ثلاثة أيام (١). • القول الثالث: التوقف: قال القرافي في مسألة أقل الجمع: إنَّ له نحوًا من عشرين سنة يورده ولم يتحصل عنه جواب (٢). قال الآمدي: وإذا عرف ضعف الأخذ من الجانبين على الناظر بالاجتهاد في الترجيح، وإلا فالوقف لازم (٣).

стр. 1221

• مسألة: العموم من عوارض الألفاظ. قال الآمدي ﵀: اتفق العلماء على أنَّ العموم من عوارض الألفاط (١). والعوارض جمع عارض، وهو الذي يذهب ويجيء، قال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧]، فليس العموم داخلًا في حقيقة اللفظ، فمتى وجد اللفظ فهو عام (٢). فمثلًا كلمة (خير) قد يعرض لها العموم، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ﴾ [البقرة: ١١٠]، فكلمة (خير) هنا جاءت عامة؛ لأنها نكرة في سياق الشرط. أما قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فكلمة (خير) هنا ليست لفظًا عامًّا. فنفس اللفظ قد يعرض له العموم وقد لا يعرض، ولا يلزم من وجود اللفظ وجود العموم، وإنما يلزم وجود اللفظ ليستفاد منه العموم، فاللفظ للعموم شرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.

стр. 1222

ويعكر على هذا التطبيق: أنَّ العموم يستفاد من المعاني كالمفهوم، والاقتضاء، وغيرها من الدلالات. ويجاب على ذلك من وجهين: الأول: يمكن القول بأننا حتى في أخذنا للعموم من المعاني؛ فإننا نقدِّر ألفاظًا عامة، ثم نخرج منها معاني عامة. ولعل في هذا وجه شبه بتقدير الحركات الإعرابية على أواخر الكلمات، فتكون الحركة موجودة، ولكنها غير ظاهرة. وكذلك قد يكون العموم موجودًا، ولكنه غير ظاهر. الثاني: أنَّ الأصل الغالب الذي عليه مدار العمل هو وجود الصيغ والألفاظ العامة ليؤخذ منها العموم، وما عدا ذلك فهو تابع، والتابع لا يستقل بالحكم، والفرع لا يقدم على الأصل فضلًا على أن يلغيه. • مسألة: هل العموم من عوارض المعاني؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال، وقبل عرض أقوالهم هناك بعض المقدمات: أولًا: ليس المراد من كون العموم من عوارض المعاني أي المعاني التابعة للألفاظ، بل المعاني المستقلة كالمقتضي، والمفهوم، فإنَّ

стр. 1223

المعاني التابعة للألفاظ لا خلاف في عمومها؛ لأن لفظها عام (١). ثانيًا: معنى القول أنَّ العموم من عوارض المعاني أنه قد يحمل الكلام على العموم، وإن لم يكن هناك صيغة من صيغ العموم (٢). مثال: قوله ﷺ : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٣). فلا بد من تقدير محذوف حتى يستقيم المعنى، فنقول: الذي وضعه الله هو إثم الخطأ. فالذي يقول: إنَّ للمعاني عمومًا، يقول: رفع كل إثم الخطأ، فهنا لفظ العموم غير موجود، لكنه مستفاد من المعنى. ثالثًا: الكلام في هذه المسألة مشروط بأمرين: الأول: أنَّ ما سبق إذا لم يقم على تعيين المحذوف دليل، أما إذا اقترن باللفظ قرينة تعينه، فإنه يكون كالملفوظ به، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ

стр. 1224

عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]؛ لأنَّ المراد من تحريم الأمهات تحريم وطئهن، والمراد من تحريم الميتة تحريم أكلها (١). بدليل القاعدة: إذا علق الحكم بعين رجع شرعًا ولغة لما أعدت له هذه العين. لأن الحلال والحرام لا يتعلقان بذوات، إنما يتعلقان بأفعال مرتبطة بتلك الذوات، فالأم ذات، وليس المراد تحريم ذات الأم، وإنما حرم الفعل المرتبط بها، وهو الفعل الذي أعدت له المرأة وهو النكاح، وكذلك الميتة، فإنَّ المُحرَّم منها الفعل الذي أعدت له الأنعام، وهو الأكل (٢). فلا يستقيم الاستدلال بمثل هذه النصوص على عموم المعاني، فلا يقال تحريم الميتة عام، ولا يقال تحريم الأمهات عام؛ لأنه قد قام دليل يعين المقصود بالتحريم، وأنه ليس على عمومه. وهذا بخلاف نحو: «وضع عن أمتي الخطأ والنسيان … » فإنه لم يقم دليل يعين المحذوف (٣).

стр. 1225

الثاني: تقدير المحذوف يجب ألا ينافي بعضه بعضًا (١). • مذاهب العلماء في المسألة: ١ - ذهب فريق من أهل العلم إلى أنَّ المعاني لا عموم لها، وذلك لعدم العلاقة بين اللفظ والمعنى (٢). فالعموم ليس من عوارض المعاني لا حقيقة، ولا مجازًا (٣). قال الزركشي: وهو أبعد الأقوال بل في ثبوته نظر (٤). ٢ - وذهب الفريق الثاني أنَّ العموم ليس من عوارض المعاني حقيقة، بل هومن عوارضها مجازًا، وهذا مذهب جمهور العلماء (٥). واستدلوا بالآتي: أ- بوجوب أن يكون الأفراد الذين تناولهم اللفظ متساوين في الحكم، مثل: أكرم الطلاب. فيجب أن يتساوى جميع الطلاب بالإكرام، أما لو قلنا: عمَّ المدينة المطر. فهذا عموم مجازي؛ لأنَّ (عمَّ) ليست من صيغ العموم، فلا يلزم التساوي؛ لأنَّ المطر قد يكون في

стр. 1226

بعض الوديان، والأماكن أكثر من البعض الآخر، بخلاف ألفاظ العموم، فإنَّ الحكم متساوٍ في جميع الأفراد (١). قلت: هذا الكلام فيه نظر، فمن أين أتى وجوب التساوي؟ ففي المثال السابق يمكن أن يقال التساوي إن كان يقصد به أنهم متساوون في شمول الحكم لهم، فيجب إكرامهم جميعًا. فهو صحيح. أما التساوي في درجة الحكم، فلا؛ لأننا لو زدنا البعض في الإكرام على بعض نكون قد قمنا بالمطلوب، فإن كان لا يجب التسوية بين مستحقي الزكاة عند توزيع الزكوات عليهم مع وجود اللفظ العام حقيقة، فكيف تجب التسوية في المجاز. ب- القول بأنَّ استعمال العموم في المعاني استعمالًا حقيقيًّا، مع القول بأنَّ العموم من عوارض الألفاظ حقيقة؛ للزم من ذلك أن يكون العموم مشتركًا لفظيًّا بين الألفاظ والمعاني، وإن قلنا بأنه من عوارضها مجازًا نكون قد تخلصنا من الاشتراك، والاشتراك خلاف الأصل. فإن قيل: إنَّ المجاز أيضًا خلاف الأصل. أجيب: بأنَّ المجاز مقدم على المشترك. قلت: والجواب على هذا الكلام من وجهين:

стр. 1227

الأول: لا يلزم من القول أنَّ المعاني لها عموم حقيقة أن يكون العموم مشتركًا بين الألفاظ والمعاني، فكثيرًا ما يكون المشترك عامًّا بعد فض اشتراكه. فمثلًا: قولنا: ماء العين طاهر. فالعين لفظ عموم، والمعنى: ماء كل عين طاهر، وإن أخرجنا لفظ (العين) من السياق صار لفظًا مشتركًا له معانٍ عدة كالجاسوس، وحقيقة الأمر، وغير ذلك. فما ضر اللفظ كونه مشتركًا خارج السياق ولا ضره كونه عامًّا بفعل السياق. الثاني: إن سلمنا بكون العموم مشتركًا لفظيًّا بين الألفاظ والمعاني، وقدمنا القول بالمجاز للتخلص من الاشتراك، لم نسلم بأنَّ القول بالمجاز مقدم على القول بالاشتراك؛ لأنَّ كل مجاز يجوز نفيه، فحينما نقول أنَّ المعاني لها عموم على سبيل المجاز، يمكن القول (المعاني لا عموم لها) فنكون هدمنا ما أصَّلنا. أما لو قلنا بالاشتراك، فبعد تحديد المعنى المراد يرفع الالتباس، فإن كان العموم في اللفظ أخذ منه العموم، ولا أحتاج إلى تقدير محذوف، وإن كان العموم في المعنى، فاللفظ ليس موجودًا حتى أقول بالاشتراك.

стр. 1228

٣ - وذهب الفريق الثالث: إلى أنَّ العموم من عوارض المعاني الحقيقية، وهو اختيار ابن الحاجب، والمجد ابن تيمية، وجمع من المحققين كالآمدي، والقرافي (١). وهو ظاهر كلام الشافعي كما نقله عنه الزركشي في البحر المحيط حيث قال: فالشافعي أثبت للمقتضى عمومًا. وقال الشافعي: المقتضى كالمنصوص في احتمال عمومه (٢). واستدلوا بالقياس، فكما صح في الألفاظ العموم حقيقة، فإنه يصح في المعاني حقيقة، والأصل في الأشياء الحقيقة (٣). - يتفرع على هذه القاعدة: (الاختلاف في عموم المفهوم) فروع، منها (٤): ١ - الاختلاف في الماء إذا لم يبلغ قلتين، ووقعت فيه نجاسة، ولم يتغير أحد أوصافه، هل ينجس أم لا؟ ينبني على عموم المفهوم. فإن قيل: للمفهوم عموم لم يطهر، ووجهه أن قوله ﷺ : «إذا بلغ

стр. 1229

الماء القلتين لم يحمل الخبث» (١) دالٌّ بمفهومه على أنَّ ما دون القلتين ينجس بملاقاة النجاسة، سواء تغير أم لم يتغير، وإن قيل: لا عموم للمفهوم. لم يقتض الحديث النجاسة في هذه الصورة. قلت: أما القول بعموم المفهوم هو ما رجحناه؛ لأنه مندرج تحت عموم المعاني. وأما العمل به في هذا الحديث، والحكم بالنجاسة على الماء سواء تغير أم لم يتغير، ففيه نظر؛ ذلك أنَّ العمل بمفهوم المخالفة له شروط، منها: أ - ألا يكون الكلام الذي ورد فيه القيد جوابًا لسؤال سائل، كما في هذا الحديث، وعليه فلا يعمل بمفهوم المخالفة في هذا الحديث، وليس معنى هذا أنَّ المفهوم لا عموم له (٢). ٢ - الاختلاف في دلالة الاقتضاء هل هي عامة أم لا؟ فالقائل بالعموم يبني قوله على عروض العموم للمعاني، والقائل بأنَّ دلالة الاقتضاء ليست عامة بنى قوله على أنَّ العموم من عوارض

стр. 1230

الألفاظ دون المعاني، ودلالة الاقتضاء من المعاني لا من الألفاظ. فمثلًا: اختلف الفقهاء في صحة من تكلم في صلاته ناسيًا أو مخطئًا، بناءً على اختلافهم في عموم المقتضى. فالحنفية على أنَّ صلاته تبطل بذلك، والشافعية على أنَّ صلاته صحيحة غير باطلة. واستدل الفريقان بحديث: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١). لكن الشافعية صرحوا بأنَّ الحكم المرفوع يشمل الدنيوي والأخروي، فلا تبطل صلاته بالكلام القليل في الدنيا، ولا يأثم في الآخرة المقتضي له العموم. والحنفية قالوا: إنَّ الله رفع عن الأمة الإثم المقتضي للعقوبة في الآخرة، ولم يرفع البطلان المقتضي للإعادة، وهو الحكم الدنيوي، فالحديث لا عموم فيه للمقتضى. قلت: والذي يظهر لي -والله أعلم- أنه إذا تم تقدير المحذوف تقديرًا صحيحًا، وحمل المعنى على العموم كان الكلام مستقيمًا، وإذا
следующие страницы →