بعض الوديان، والأماكن أكثر من البعض الآخر، بخلاف ألفاظ العموم، فإنَّ الحكم متساوٍ في جميع الأفراد (١).
قلت: هذا الكلام فيه نظر، فمن أين أتى وجوب التساوي؟ ففي المثال السابق يمكن أن يقال التساوي إن كان يقصد به أنهم متساوون في شمول الحكم لهم، فيجب إكرامهم جميعًا. فهو صحيح.
أما التساوي في درجة الحكم، فلا؛ لأننا لو زدنا البعض في الإكرام على بعض نكون قد قمنا بالمطلوب، فإن كان لا يجب التسوية بين مستحقي الزكاة عند توزيع الزكوات عليهم مع وجود اللفظ العام حقيقة، فكيف تجب التسوية في المجاز.
ب- القول بأنَّ استعمال العموم في المعاني استعمالًا حقيقيًّا، مع القول بأنَّ العموم من عوارض الألفاظ حقيقة؛ للزم من ذلك أن يكون العموم مشتركًا لفظيًّا بين الألفاظ والمعاني، وإن قلنا بأنه من عوارضها مجازًا نكون قد تخلصنا من الاشتراك، والاشتراك خلاف الأصل.
فإن قيل: إنَّ المجاز أيضًا خلاف الأصل.
أجيب: بأنَّ المجاز مقدم على المشترك.
قلت: والجواب على هذا الكلام من وجهين:
стр. 1227
الأول: لا يلزم من القول أنَّ المعاني لها عموم حقيقة أن يكون العموم مشتركًا بين الألفاظ والمعاني، فكثيرًا ما يكون المشترك عامًّا بعد فض اشتراكه.
فمثلًا: قولنا: ماء العين طاهر. فالعين لفظ عموم، والمعنى: ماء كل عين طاهر، وإن أخرجنا لفظ (العين) من السياق صار لفظًا مشتركًا له معانٍ عدة كالجاسوس، وحقيقة الأمر، وغير ذلك.
فما ضر اللفظ كونه مشتركًا خارج السياق ولا ضره كونه عامًّا بفعل السياق.
الثاني: إن سلمنا بكون العموم مشتركًا لفظيًّا بين الألفاظ والمعاني، وقدمنا القول بالمجاز للتخلص من الاشتراك، لم نسلم بأنَّ القول بالمجاز مقدم على القول بالاشتراك؛ لأنَّ كل مجاز يجوز نفيه، فحينما نقول أنَّ المعاني لها عموم على سبيل المجاز، يمكن القول (المعاني لا عموم لها) فنكون هدمنا ما أصَّلنا.
أما لو قلنا بالاشتراك، فبعد تحديد المعنى المراد يرفع الالتباس، فإن كان العموم في اللفظ أخذ منه العموم، ولا أحتاج إلى تقدير محذوف، وإن كان العموم في المعنى، فاللفظ ليس موجودًا حتى أقول بالاشتراك.
стр. 1228
٣ - وذهب الفريق الثالث: إلى أنَّ العموم من عوارض المعاني الحقيقية، وهو اختيار ابن الحاجب، والمجد ابن تيمية، وجمع من المحققين كالآمدي، والقرافي (١).
وهو ظاهر كلام الشافعي كما نقله عنه الزركشي في البحر المحيط حيث قال: فالشافعي أثبت للمقتضى عمومًا.
وقال الشافعي: المقتضى كالمنصوص في احتمال عمومه (٢).
واستدلوا بالقياس، فكما صح في الألفاظ العموم حقيقة، فإنه يصح في المعاني حقيقة، والأصل في الأشياء الحقيقة (٣).
- يتفرع على هذه القاعدة: (الاختلاف في عموم المفهوم) فروع، منها (٤):
١ - الاختلاف في الماء إذا لم يبلغ قلتين، ووقعت فيه نجاسة، ولم يتغير أحد أوصافه، هل ينجس أم لا؟ ينبني على عموم المفهوم.
فإن قيل: للمفهوم عموم لم يطهر، ووجهه أن قوله ﷺ : «إذا بلغ
стр. 1229
الماء القلتين لم يحمل الخبث» (١) دالٌّ بمفهومه على أنَّ ما دون القلتين ينجس بملاقاة النجاسة، سواء تغير أم لم يتغير، وإن قيل: لا عموم للمفهوم. لم يقتض الحديث النجاسة في هذه الصورة.
قلت: أما القول بعموم المفهوم هو ما رجحناه؛ لأنه مندرج تحت عموم المعاني.
وأما العمل به في هذا الحديث، والحكم بالنجاسة على الماء سواء تغير أم لم يتغير، ففيه نظر؛ ذلك أنَّ العمل بمفهوم المخالفة له شروط، منها:
أ - ألا يكون الكلام الذي ورد فيه القيد جوابًا لسؤال سائل، كما في هذا الحديث، وعليه فلا يعمل بمفهوم المخالفة في هذا الحديث، وليس معنى هذا أنَّ المفهوم لا عموم له (٢).
٢ - الاختلاف في دلالة الاقتضاء هل هي عامة أم لا؟
فالقائل بالعموم يبني قوله على عروض العموم للمعاني، والقائل بأنَّ دلالة الاقتضاء ليست عامة بنى قوله على أنَّ العموم من عوارض
стр. 1230
الألفاظ دون المعاني، ودلالة الاقتضاء من المعاني لا من الألفاظ.
فمثلًا: اختلف الفقهاء في صحة من تكلم في صلاته ناسيًا أو مخطئًا، بناءً على اختلافهم في عموم المقتضى.
فالحنفية على أنَّ صلاته تبطل بذلك، والشافعية على أنَّ صلاته صحيحة غير باطلة.
واستدل الفريقان بحديث: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١).
لكن الشافعية صرحوا بأنَّ الحكم المرفوع يشمل الدنيوي والأخروي، فلا تبطل صلاته بالكلام القليل في الدنيا، ولا يأثم في الآخرة المقتضي له العموم.
والحنفية قالوا: إنَّ الله رفع عن الأمة الإثم المقتضي للعقوبة في الآخرة، ولم يرفع البطلان المقتضي للإعادة، وهو الحكم الدنيوي، فالحديث لا عموم فيه للمقتضى.
قلت: والذي يظهر لي -والله أعلم- أنه إذا تم تقدير المحذوف تقديرًا صحيحًا، وحمل المعنى على العموم كان الكلام مستقيمًا، وإذا
стр. 1231
حدث الخطأ في تقدير المحذوف، فإنَّ دعوى العموم في المعنى لن تكون منضبطة، وليس ذلك لأنَّ المعنى لا عموم له، ولكن لأن تقدير المحذوف غير منضبط.
٣ - ومنها خلافهم في عموم الأفعال، فمثلًا: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣].
هل المراد الأكل فقط بحسب العرف، أم المراد جميع أنواع التصرفات؟
• صيغ العموم:
والمراد بالصيغة الأداة، لا مقابل المادة، كما هو معروف عند علماء اللغة العربية (١).
- الحق أنَّ العام له صيغ معينة تستعمل في العموم دون قرينة، وقد أنكر البعض أنَّ للعام صيغًا معينة، وقالوا: لابد من قرينة. وهذا فاسد، وأدلة ذلك:
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١]، فقال إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا
стр. 1232
لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، وهذا نص في محل النزاع.
إنَّ إبراهيم ﵇ فهم من قوله تعالى: ﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١]، أنَّ كل من في القرية هالك، ومنهم لوط، بل أقرت الملائكة إبراهيم ﵇ على صحة هذا الفهم، فقالت: ﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢] (١).
• صيغ العموم:
١ - المعرف ب (ال) التعريفية التى للاستغراق الجنسى:
و (ال) التعريفية تنقسم إلى أقسام، منها: (ال) الاستغراقية وهى المرادة هنا، حيث تستغرق كل أفراد الجنس، مثل: خلق الله الإنسان. فهذه لاستغراق الجنس فهذه (ال) الاستغراقية التى تفيد العموم، وتعرف بوضع كلمة (كل) مكانها، فيستقيم المعنى معها، وقد تكون (ال) التعريفية لبيان حقيقة الجنس، وهذه لا تستغرق كل أفراد الجنس، وإنما هى لفظ يبين به حقيقة الجنس، مثل: الرجال أقوى من النساء. هذه ليست استغراقية، بل هى لبيان حقيقة الجنس، والدليل على ذلك عدم جواز وضع كلمة (كل) مكانها فليس كل الرجال أقوى من كل
стр. 1233
النساء، وإنما هى تبين حقيقة الجنس فهى تبين أنَّ حقيقة جنس الرجال أقوى من حقيقة جنس النساء.
و (ال) الاستغراقية تدخل على الجمع، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ﴾ [النور: ٥٩]، فالعموم في كلمة الأطفال، وصيغته الجمع المعرف ب (ال) التعريفية الاستغراقية، فهى تشمل كل الأطفال، وما خرج من العموم يخرج بدليل.
وتدخل على اسم الجمع: وهو الجمع الذى ليس له مفرد من لفظه، مثل النساء، فيقول الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤].
وتدخل على اسم الجنس الجمعى: وهو كل جمع تحصل عليه بحذف الحرف الأخير من مفرده، مثل: شجر، بقر، ثمر، زنج. كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠].
٢ - المعرف بالإضافة: سواء كان مفردًا أو جمعًا أو اسم جمع، فالمفرد المعرف بالإضافة مثل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة: ٧]، واسم الجمع المعرف بالإضافة مثل قوله: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، والجمع المعرف بالإضافة: مثل الإجماع الذى ذكره عبد الله بن شقيق: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يعدون
стр. 1234
شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة (١).
وفهم الإجماع من صيغة الجمع المضاف في قوله: أصحاب رسول الله.
ومنه قول النبى ﷺ في التشهد: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» (٢)، فالعموم في كلمة عباد، فهي جمع معرف بالإضافة، فتشمل كل عبد صالح في السماء والأرض، كما بين النبى ﷺ .
٣ - الأسماء الموصولة: مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فكل من انطبقت عليها هذه الحالة فعدتها أربعة أشهر وعشر، ومنه قوله : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣].
٤ - أسماء الشرط: مثل قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
أدوات الشرط قسمان: أسماء الشرط، وحروف الشرط.
فأسماء الشرط هى: من، ما، مهما، متى، أيَّان، أنَّى، أين، حيثما،
стр. 1235
كيفما، أيُّ، وغيرها.
أما حروف الشرط مثل: إن، إذما.
٥ - أسماء الاستفهام: مثل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥].
وأدوات الاستفهام قسمان: أسماء الاستفهام، وحروف الاستفهام. فجميع أدوات الاستفهام أسماء ما عدا: الهمزة، وهل.
٦ - النكرات: وهى:
١ - النكرة في سياق النهى.
مثل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٤]، النكرة كلمة «أَحَدٍ» وهى في سياق النهى فتفيد العموم.
٢ - النكرة في سياق النفى.
مثل: لا إله إلا الله. النكرة كلمة "إله"، وهى في سياق النفى فتفيد العموم.
٣ - النكرة في سياق الاستفهام.
مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، النكرة كلمة (سَميًّا)، وهى في سياق الاستفهام فتفيد العموم، ومثل قوله تعالى:
стр. 1236
﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [التوبة: ١٢٧]، النكرة كلمة (أَحَدٍ) وهى في سياق الاستفهام فتفيد العموم.
٤ - النكرة في سياق الشرط.
مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، (ذَرَّةٍ) نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم.
٥ - النكرة في سياق الامتنان.
مثل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، فكلمة (مَاءً) نكرة، وهى في سياق الامتنان؛ فتفيد العموم أى كل ماء ينزل من السماء فهو ماءٌ طهورٌ.
ومثل قول الله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: ٥٧]، فالنكرة كلمة (فَاكهَةٌ) أتت في سياق الامتنان فتفيد العموم.
• مسألة: النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، ولا تفيد العموم إلا بقرينة.
فمثلًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، هذه نكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، والمعنى: اذبحوا أيَّ بقرة. ومثل قوله تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، فكلمة (رَقَبَةٍ) نكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق لا العموم، ولو كانت تفيد العموم، فسيكون
стр. 1237
اللفظ: فتحرير كل رقبة.
وفي قول الله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]، فكلمة (نَفسٌ) نكرة في سياق الإثبات، وهى تفيد العموم هنا لوجود قرينة، وإلا فالأصل في النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق لا العموم، والمعنى: علمت كل نفس ما أحضرت. والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠].
إذن النكرات التى تفيد العموم هى ما أتت في سياق: النفى، والنهى، والشرط، والاستفهام، والامتنان، والإثبات إن وجدت قرينة.
• وأيضًا من صيغ العموم:
٧ - ما دل على العموم بمادته: مثل لفظ (كل، جميع، كافة، قاطبة، عامة)، مثل قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]، فالعموم في كلمة (كُلُّهُم)، وكذلك كلمة (أَجمَعُونَ).
٨ - المعرف ب (ال) العهدية إذا كان المعهود عامًّا: مثل: جاء الرجال.
٩ - المصدر الكامن في الفعل المسبوق بنفى أو نحوه: كقول النبى
стр. 1238
ﷺ : «إنَّ الماء الطهور لا ينجسه شيء» (١).
وذلك لأن المصدر يكون نكرة، والنكرة في سياق النفى أو النهى تفيد العموم، كما سبق في الحديث: «إن الماء الطهور لا ينجسه شاء»، فالعموم هنا في الفعل المضارع الذى سبق بنفي، وذلك بتقدير المصدر الكامن به أي (لا تنجيس)، فيكون نكرة في سياق النفى فتفيد العموم.
ومنه قوله ﵊: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (٢)، فالعموم في الفعل المضارع المسبوق بنفى، وذلك بتقدير المصدر الكامن به أي (لا قبول) فيكون نكرة في سياق النفى فتفيد العموم.
• مسألة: حكاية الصحابي للحادثة بلفظ عام هل يفيد العموم؟ (٣).
مثال ذلك: قول الصحابي: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر (٤)،
стр. 1239
فهل يشمل كل غرر؟
ونهيه ﷺ عن المزابنة (١)، ونهيه عن جَلد الحدِّ في المسجد (٢)، فهل يشمل جميع الحدود في جميع المساجد؟
وقد اختلف أهل العلم في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: لا يعتبر بعموم اللفظ، وعزاه الآمدي لأكثر الأصوليين وحجتهم وجود الاحتمال: أن يكون الراوي سمع حكمًا خاصًّا فظنه عامًّا، أو سمع صيغة ظنها عامَّة وليست عامَّة.
وإذا تعارضت الاحتمالات لم يثبت العموم لا سيما ولا مرجح لأحدهما على الآخر، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
المذهب الثاني: يعتبر عموم اللفظ، فيحكم به في كل قضية مماثلة، وهو الصواب؛ وذلك للأدلة الآتية:
١ - إطباق الأمة على عدالة الصحابة وضبطهم، فهم أعدل الناس،
стр. 1240
وأضبط الناس، فلا ينقل الخاص بلفظ العام، ولا المقيد بلفظ المطلق، وبتقدير أن لا يكون قاطعًا بالعموم، فلا يكون نقله للعموم إلا وقد ظهر له العموم، والغالب إصابته فيما ظنه ظاهرًا.
٢ - قصر فعل النبي ﷺ على حالة معينة يؤدي إلى ترك كل عموم ورد في السنة بدعوى الشك في إحالة الصحابة للألفاظ.
٣ - احتجاج الصحابة بالعمومات من أفعاله ﷺ .
ومثال ذلك: رجوع ابن عمر إلى حديث رافع بن خديج في المخابرة، قال ابن عمر ﵄: كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسًا. حتى زعم رافع بن خديج أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن المخابرة (١).
وكذلك أخذوا بقول الصحابي جابر بن عبد الله: أمر رسول الله ﷺ بوضع الجوائح (٢). وغير ذلك من الأمثلة وهي كثيرة.
فكانوا يستدلون بتلك الألفاظ دون نكير من أحد، فصار هذا إجماعًا منهم على الاحتجاج بمثل ذلك في عموم الصور، وعلى العمل بها.
стр. 1241
ولا يخفى ضعف مأخذ أصحاب المذهب الأول، وذلك للآتي:
١ - أنهم استدلوا بوجود الاحتمالات التي لا مرجح لأحدها على الآخر، وهذه الاحتمالات كلها ضعيفة.
٢ - استدلالهم بقاعدة: الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال.
ومعلوم أنَّ الدليل لا يسقط بمجرد تطرق الاحتمال إليه، إنما المقصود بذلك الاحتمال القوي الذي احتفت به القرائن، لا بأي احتمال؛ لأنه ما من دليل إلا ويتطرق إليه الاحتمال، ولو فتح باب الاحتمال لم يبق شيء من الأدلة إلا وسقط الاستدلال به بدعوى تطرق الاحتمال إليه (١).
• تنبيهات:
١ - الاحتمال المعتبر يُسقط الاستدلال لا الدليل.
٢ - سقوط الاستدلال لا يعني قيام الاحتمال مكانه.
стр. 1242
• أقسام العام:
١ - عام باقٍ على عمومه:
وهو عام دلالته على العموم قطعية، بأن يقوم الدليل على انتفاء احتمال دخول التخصيص عليه (١)، وهو ما ليس له تخصيص، وهذا القسم يبطل لنا قاعدة عند بعض الأصوليين التي تقول: ما من عام إلا وخص. فليس كل عام يخصص؛ لأنه يوجد عام باقي على عمومه، ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فلفظ العموم: كلمة (أمهاتكم)، وصيغته: جمع معرف بالإضافة. وليس لها تخصيص، فهذا الحكم لا يخص، فكل الأمهات سواء كانت من نسب، أو رضاعة، أو أمهات المؤمنين كلها محرمة، ولا تخصيص لإحداهن.
قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، العموم هنا كلمة (دابة)، وصيغته: نكرة في سياق النفى. وكذلك كلمة (رزقها)، وصيغته: مفرد معرف بالإضافة. ولا يوجد تخصيص.
стр. 1243
٢ - العام الوارد على سبب خاص:
وهذه المسألة لها ثلاث صور:
١ - أن ينزل الحكم العام على سبب خاص، وهناك دليل على أنه يخصص: فهذا يخصص إجماعًا، نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فالآية الحكم بها عام؛ لأنَّ أى حكم للنبي ﷺ هو حكم عام لكل الأمة، لكن اقترن معه قرينة تدل على الخصوص، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
٢ - وقد يكون الحكم عامًّا، وينزل على سبب خاص، وتوجد قرينة تدل على أنه للعموم؛ فهذا يعم إجماعًا، كقول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، فلفظ العموم «وَالسَّارقُ»، صيغة العموم "ال" الموصولة، إذن فكل سارق وكل سارقة تقطع يده (١).
قيل: إنَّ سبب نزول الآية: هى المرأة المخزومية التى سرقت،
стр. 1244
والتى شفع فيها أسامة بن زيد ﵄، فعن عائشةَ ﵂: أَنَّ قُرَيشًا أَهَمَّهُم شَأنُ المَرأَة المَخزُوميَّة الَّتى سَرَقَت، فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فيهَا رَسُولَ اللَّه ﷺ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجتَرئُ عَلَيه إلَّا أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ، حبُّ رَسُول اللَّه ﷺ ، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «أَتَشفَعُ في حَدٍّ من حُدُود اللَّه؟»، ثُمَّ قَامَ فَاختَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: «إنَّمَا أَهلَكَ الَّذينَ قَبلَكُم أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فيهمُ الشَّريفُ تَرَكُوهُ، وَإذَا سَرَقَ فيهمُ الضَّعيفُ أَقَامُوا عَلَيه الحَدَّ، وَأيمُ اللَّه لَو أَنَّ فَاطمَةَ بنتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَت لَقَطَعتُ يَدَهَا» (١)، فالقرينة التي تدل على العموم هو لفظ (السارق)، لعدم تعلقه بسبب النزول.
وقيل: إنَّ سبب النزول: هو الرجل الذى سرق رداء صفوان ﵁، فعن صَفوَانَ بنَ أُمَيَّةَ أنه قَدمَ المَدينَةَ، فَنَامَ في المَسجد وَتَوَسَّدَ ردَاءَهُ، فَجَاءَ سَارقٌ وَأَخَذَ ردَاءَهُ، فَأَخَذَهُ صَفوَانُ، فَجَاءَ به إلَى رَسُول اللَّه ﷺ ، فَأَمَرَ أَنْ تُقطَعَ يَدُهُ، فَقَالَ صَفوَانُ: إنِّى لَم أُرِد هَذَا، هُو عَلَيه صَدَقَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ : «فَهَلا قبل أَنْ تَأتيني به» (٢).
والدليل عند من قال هذا القول: لفظ (السارقة).
قال الشيخ الشنقيطي: وَقَالَ القُرطُبىُّ في تَفسير هَذه الآيَة الكَريمَة:
стр. 1245
وَقَدْ قُطعَ السَّارقُ في الجَاهليَّة، وَأَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بقَطعه في الجَاهليَّة الوَليدُ بنُ المُغيرَة، فَأَمَرَ اللَّهُ بقَطعه في الإسلَام، فَكَانَ أَوَّلُ سَارقٍ قَطَعَهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ في الإسلَام منَ الرّجَال الخيَارَ بنَ عَدىّ بن نَوفَل بن عَبد مُنَافٍ، وَمنَ النّسَاء مُرَّةَ بنتَ سُفيَانَ بن عَبد الأَسَد مَنْ بَني مَخزُومٍ.
وقال: مَا ذَكَرَهُ القُرطُبىُّ ﵀ من أَنَّ المَخزُوميَّةَ الَّتي سَرَقَت فَقَطَعَ النَّبىُّ ﷺ يَدَهَا أَوَّلًا هىَ مُرَّةُ بنتُ سُفيَانَ خلَافَ التَّحقيق، وَالتَّحقيقُ أَنَّهَا فَاطمَةُ بنتُ الأَسوَد بن عَبد الأَسَد بن عَبد اللَّه بن عَمرو بن مَخزُومٍ، وَهىَ بنتُ أَخى أَبى سَلَمَةَ بن عَبد الأَسَد الصَّحَابىّ الجَليل، الَّذي كَانَ زَوجَ أُمِّ سَلَمَةَ قَبلَ النَّبى ﷺ ، قُتلَ أَبُوهَا كَافرًا يَومَ بَدرٍ، قَتَلَهُ حَمزَةُ بنُ عَبد المُطَّلب ﵁، وَقَطعُ النَّبى ﷺ يَدَهَا وَقَعَ في غَزوَة الفَتح، وَأَمَّا سَرقَةُ أُمّ عَمرو بنت سُفيَانَ بن عَبد الأَسَد ابنَة عَمّ المَذكُورَة، وَقَطعُ النَّبى ﷺ يَدَهَا فى حَجَّة الوَدَاع، بَعدَ قصَّة الأُولَى بأَكثَرَ من سَنَتَين (١).
٣ - إذا جاء اللفظ عامًّا واردًا على سبب خاص، وليس هناك دليل يدل على العموم أو الخصوص، فهل العبرة بعموم اللفظ فيكون الحكم عامًّا تبعًا للفظ، أم يقصر الحكم على السبب؟.
стр. 1246
* اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
• القول الأول: أنَّ العبرة بخصوص السبب، وهو قول مالك - ونقل عنه موافقة الجمهور، والقول بعموم اللفظ -، والمزني، والقفال (١)، وأبي ثور، وأبي بكر الدقاق (٢).
واستدلوا بأدلة فيها نظر، منها:
١ - تأخير البيان إلى وقوع تلك الواقعة، أو سؤال السائل؛ دل على أنَّ المقصود إنما هو حكم السبب، فوجب الاقتصار عليه.
وأجيب: بأنَّ الله ﵎ يُنزل ما يشاء وقتما شاء كيفما شاء (٣)، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، ولعل ذلك لحكمة استأثر الله ﵎ بها.
كما أنَّ البيان إذا كان له مقتضى وسبب، فإنه يكون أكثر تأثيرًا في النفوس نظرًا لانتظارها له، ولحاجتها الماسة إليه.
٢ - القول بعموم اللفظ مع وجود السبب يُجوِّز اخراج السبب عن العموم كغيره من الصور الداخلة تحت العموم، وهو خلاف
стр. 1247
الإجماع (١).
وأجيب: بأنَّ صورة السبب قطعية الدخول في العام، ولا يجوز إخراجها منه، فهي نص في سببه، ظاهر فيما زاد عليه، وذلك لاستحالة تأخير البيان عن وقت الحاجة، كما أنَّ إخراج صورة السبب منافٍ للبلاغة والحكمة والعرف، ولم يقل به غير أبي حنيفة في بعض المسائل، كإخراجه للأمة المستفرشة عن عموم قوله ﷺ : «الولد للفراش» (٢)، ولم يلحق ولدها بمولاها، ولعله لم يطلع على سبب ورود الخبر (٣).
كذلك يمكن القول: بأنَّ إخراج صورة السبب عن العموم، بحجة أنها فرد من أفراد العموم، فتقاس على بقية أفراده، هو قياس مع الفارق؛ لأنه قياس لما هو داخل في العموم قطعًا على ما هو داخل فيه ظنًّا، فلا يستقيم القياس.
٣ - نقل الراوي للسبب يدل على أنه له تأثير في الحكم.
وأجيب: بأنَّ نقل الراوي للسبب لا يدل على اختصاص الحكم به،
стр. 1248
وإنما يدل على امتناع إخراجه عن العموم، ومعرفة أسباب التنزيل، ومعرفة سير الصحابة، وغير ذلك (١).
٤ - لو قال القائل لغيره: تغدى عندي. فقال: لا والله لا تغديت. فإنه وإن كان جوابًا عامًّا، فمقصور على سببه، حتى إنه لا يحنث بغدائه عند غيره، فدل ذلك على أنَّ السبب يقتضي التخصيص.
وأجيب: بأنَّ هناك قرينة تدل على عدم إرادة العموم، وهي النية، والعرف (٢).
٥ - الأصل مطابقة الجواب للسؤال، فلو كان الجواب عامًّا لم يكن مطابقًا للسؤال، والزيادة عديمة التأثير فيما تعلق به غرض السائل (٣).
وأجيب: أننا لا نسلم بهذا الأصل، فليس من شرط الجواب أن لا يزيد على السبب، نعم من شرطه أن لا يقصر عن السبب، أما أن يكون من شرطه ترك الزيادة على السبب، فإنه لا يلزم المجيب أن لا يجيب إلا بقدر السؤال، لا من حيث العادة، ولا من حيث الشريعة، ألا ترى أنَّ الله تعالى سأل موسى ﵇ عما في يمينه، فقال: ﴿وَمَا تِلْكَ
стр. 1249
بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾ [طه: ١٧]، فأجاب موسى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨]، فأجاب وزاد، فثبت أنَّ السؤال عن شيء خاص لا يوجب قصر اللفظ عليه (١).
وكما ثبت أنَّ النبي ﷺ كان يزيد عن الجواب أحيانًا، فلما سُئل عن التوضأ بماء البحر قال: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (٢)، فتعرض لحلِّ الميتة ولم يكن مسؤولًا عنها، وأحيانًا كان يحيد عن الجواب كما في الرجل الذي سأله: (متى الساعة؟)، فقال له: «ماذا أعددت لها؟» (٣)، ولما سئل عن الحج: (أكل عام؟) (٤) سكت ولم يجب.
فدلت هذه الأمثلة وغيرها على أنَّ القول بلزوم مطابقة الجواب للسؤال قول بعيد.
• القول الثاني: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الراجح؛ وذلك للأدلة الآتية:
١ - لو عُرِّيَ اللفظ العام الوارد عن السبب -فتم حذف السبب-
стр. 1250
كان اللفظ عامًّا، وليس ذلك إلا لاقتضائه العموم بلفظه، لا لعدم السبب، فإنَّ عدم السبب لا مدخل له في الدلالات اللفظية، ووجود السبب لا يسلب اللفظ عن عمومه (١).
٢ - أكثر العمومات وردت على أسباب خاصة، فآية السرقة نزلت في سرقة المجن، أو رداء صفوان، أو غير ذلك، وآية الظهار نزلت في حق سلمة بن صخر، وآية اللعان نزلت في حق هلال بن أمية إلى غير ذلك.
والصحابة عمموا أحكام هذه الآيات من غير نكير، فدل على أنَّ السبب غير مسقط للعموم (٢).
٣ - لو قالت امرأة لزوجها: طلقنى. فقال: نساؤه طوالق، أو كل امرأة له طالق. فيقع الطلاق على الجميع؛ وهذا لأنَّ الطلاق يقع بلفظ الزوج لا بسؤال الزوجة، فاعتبر عموم لفظ الزوج وخصوصه، فكذا حكم الشريعة يثبت بقول الشارع لا بسؤال السائل (٣).
٤ - ما رواه الشيخان، عن ابن مسعود في سبب نزول الآية: ﴿إِنَّ
стр. 1251
الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] أنَّ رجلًا من الأنصار قبَّل امرأة، فأتى النبي ﷺ ، فأخبره، فنزلت الآية (١).
فهذا الذي أصاب القُبلة من المرأة نزلت في خصوصه آية عامة اللفظ، فقال للنبي ﷺ : «ألي هذه؟»، والمعنى: هل النص خاص بي؛ لأني سبب وروده، أو هو على عموم لفظه؟
وقول النبي ﷺ : «لجميع أمتي كلهم» معناه: أنَّ العبرة بعموم لفظ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] لا بخصوص السبب (٢).
٥ - لما طرق النبي ﷺ عليًّا وفاطمة ﵄ ليلة، فقال: «أَلَا تُصَلّيَان» فقال عليٌّ: يا رسول الله أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف النبي ﷺ وهو يضرب فخذه، ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] (٣).
ووجه الاستدلال: أنَّ النبي ﷺ جعل عليًّا داخلًا في الآية، وإن كان سبب نزول الآية الكفار، قال القرطبي: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]: أي جدالًا ومجادلة، والمراد النضر بن الحرث وجداله
стр. 1252
في القرآن، وقيل: الآية في أبي بن خلف، والدليل على أنه أراد الكافر قوله: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦] (١).
٦ - أنَّ النبي ﷺ إذا أراد أن يقصر الحكم على مُعَيَّن بيَّن ذلك، فمتى لم يبيِّن ذلك (يعني لم يقصر الحكم) دلَّ ذلك على تعميم الحكم على الجميع.
ومثال ذلك: ما رواه البخاري ومسلم، من حديث البراء، أنَّ خاله أبا بردة ضحى قبل الصلاة، فقال له رسول الله ﷺ : «شاتك شاة لحم»، فقال: يا رسول الله، إنَّ عندي داجنًا جذعة من المعز، قال: «اذبحها، ولن تصلح لغيرك» (٢).
٧ - ما رواه الشيخان، من حديث عبد الله بن مغفل، قال: جلست إلى كعب بن عجرة ﵁، فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة، حُملت إلى رسول الله ﷺ والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى -أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى- تجد شاة؟»، فقلت: لا. فقال: «فصم ثلاثة أيام، أو أطعم
стр. 1253
ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع» (١).
فالآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] نزلت في كعب بن عجرة، ومع ذلك فإنَّ حكمها عام (٢).
٨ - ما رواه البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا، من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم من أجل مسألته» (٣).
ووجه الدلالة واضح بَيِّن: وهو أنَّ التحريم إن نزل بسبب سؤال سائل إلا أنه يعم جميع المسلمين.
فالتفت إلى عموم اللفظ والحكم، ولم يلتفت إلى خصوص السبب.
стр. 1254
• ثانيًا: الخاص
وقبل الكلام في هذا البحث إليك بعض المقدمات:
١ - اتفق القائلون بالعموم على جواز تخصيصه على أي حال كان، من الأخبار والأمر وغيره، خلافًا لشذوذ لا يؤبه لهم في تخصيصه الخبر (١).
٢ - كل خطاب لا يتصور فيه معنى الشمول، كقوله ﷺ لأبي بردة: «اذبحها ولن تصلح لغيرك» (٢)، فلا يتصور تخصيصه؛ لأنَّ التخصيص على ما عرف: صرف اللفظ عن جهة العموم إلى جهة الخصوص، وما لا عموم له لا يتصور فيه هذا الصرف (٣).
• تعريف الخاص:
لغة: ضد العام.
واصطلاحًا:
١ - اللفظ الدال على محصور بشخص أو عدد، كأسماء الأعلام، والإشارة، والعدد.
стр. 1255
٢ - وقيل: قصر العام على بعض أفراده بدليل يدل على ذلك (١).
قلت: أما التعريف الأول فيحسن أن يقال: ليس هذا هو المراد في باب الخاص، وذلك لأنه يدخل العدد في قسم الخاص؛ لأنه يصح الاستثناء منه، فيقال: علي عشرة إلا ثلاثة. ومعلوم أنَّ الاستثناء معيار العموم.
والجواب: أنَّ معيار العموم صحة الاستثناء من غير عدد (٢).
والمعنى: أنه ليس كل مستثنى منه عام، ولكن كل عام يقبل الاستثناء (٣).
وكذلك: فإنَّ العام أحيانًا يكون بعد قصره وتخصيصه عامًّا أيضًا من وجه آخر، فلا يدل على محصور، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] يشمل كل إنسان كافر أو مسلم، ثم جاء التخصيص: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]، فالذين آمنوا عامٌّ من ناحية أفراده المؤمنين، فلا يدل على محصور ابتداءً إلا من جهة العام الأول (الإنسان).
стр. 1256
ولتحرير التعريف يمكن وضع بعض الضوابط:
١ - لابد من التفريق بين ما كان خاصًّا ابتداءً، وما كان عامًّا ثم صار خاصًّا بدليل (١).
فما كان خاصًّا ابتداءً يحمل عليه التعريف الأول.
وما كان عامًّا ثم صار خاصًّا يحمل عليه التعريف الثاني.
٢ - أنَّ العام والخاص نسبي، فقد يكون اللفظ خاصًّا بالنسبة إلى غيره ممن هو من غير جنسه، عامًّا في جنسه بالنسبة لما تحته من أفراد، كالإنسان بالنسبة للحيوان خاص، وبالنسبة لما تحته من أفراد عام (٢).
стр. 1257
• شرح التعريف:
قوله: قصر. أبلغ من قوله: إخراج. فكل إخراج قصر، وليس العكس، فبهذا يدخل العام الذي أريد به الخصوص؛ لأنَّ أفراد العام غير مرادة ابتداءً.
مثال: قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]، والمقصود جبريل، فهنا لم يتم إخراج جميع الملائكة، وإبقاء جبريل؛ لأنَّ أفراد الملائكة لم تدخل في اللفظ ابتداءً (١).
قوله: العام. أبلغ من قوله: اللفظ العام. ليشمل ما عمومه معنوي كالمفهوم، والمقتضي، وغير ذلك، فإنه يدخله التخصيص وليس بلفظ (٢).
مثل قوله ﷺ : «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها»، فخص بعض أهل العلم النهي بالفضاء دون البنيان، مع أنَّ الحديث ليس فيه لفظ البنيان أو الصحراء، ولكنه عموم مفهوم وليس منطوقًا.
ومثل قوله ﷺ : «من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يأتين
стр. 1258
المساجد» (١).
وبمفهوم المخالفة من لم يأكل فليأت، وهذا المفهوم مخصوص بأصحاب الأعذار، والصبيان، والنساء، وغير ذلك.
* شروط التخصيص:
١ - لابد أن يخالف الخاص العام: مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ٢، ٣].
فالحكم عامٌّ يشمل كل إنسان ألا وهو الخسران، ثم خرج من هذا العموم الذين آمنوا بدليل آخر، فلا بد في التخصيص أن يخالف حكم الخاص حكم العام.
مثال آخر: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فالعموم: (أولادكم) أى: جميع أولادكم كفارًا كانوا أو مسلمين، والدليل الخاص في قوله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم» (٢)، فالابن الكافر في العموم يرث، وفى
стр. 1259
الخصوص لا يرث، إذن التخصيص صحيح، فالمعنى: يوصيكم الله في أولادكم المسلمين، وخرج الابن الكافر.
مثال آخر: قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، مع قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، في الآية الأولى الحكم العام أنَّ كل مطلقة تتربص بنفسها ثلاثة قروء، والحكم في الآية الثانية أنَّ المطلقة قبل الدخول ليس لها عدة، فهنا الحكم الخاص الخارج خالف الحكم العام فصح التخصيص.
مثال لعدم تحقق الشرط: أدلة اجتماع الصلاة والطعام: عن عائشة، أنَّ النبى ﷺ قال: «إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء» (١)، وعن أنس بن مالك قال: قال النبى ﷺ : «إذا قدم العشاء، وحضرت الصلاة، فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم» (٢).
فإذا نظرت إلى الأدلة تجد دليلًا يذكر الصلاة، ودليل يذكر لفظ المغرب، فهل يصح التخصيص بدليل المغرب، وتكون المسألة خاصة بالمغرب فقط؟
стр. 1260
ننظر إلى الأدلة، فقوله ﷺ : «وأقيمت الصلاة» يشمل المغرب والعشاء، فحكم صلاة المغرب في الدليل العام إذا اجتمع مع الطعام يقدم الطعام، وصلاة المغرب في الدليل الخاص إذا اجتمعت مع الطعام يقدم الطعام، فالحكم في الدليل العام يوافق الحكم في الدليل الخاص، إذن التخصيص لا يصح.
٢ - أن يأتى الخاص قبل العمل بالعام:
لأنَّ التخصيص بيان، فلا يتأخر عن وقت العمل والحاجة، أما إذا تأخر التخصيص حتى عمل بالعام صار من باب النسخ لا من باب التخصيص؛ لأنَّ التخصيص بيان، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
* أنواع المخصص:
١ - المتصل: ما لا يستقل بنفسه، أي يكون ملازمًا للفظ العام.
مثل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣].
٢ - المنفصل: ما يستقل بنفسه، أي لا يكون ملازمًا للفظ العام.
مثل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، مع قول النبى ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم».
стр. 1261
• أنواع التخصيص المتصل:
* أولًا: الاستثناء:
• تعريف الاستثناء:
لغة: هو الثني، وهو رد الشيء إلى بعضه، كثني الحبل.
واصطلاحًا: إخراج بعض أفراد العام بإلا أو إحدى أخواتها (١).
قوله: بإلا أو إحدى أخواتها. خرج به ما يقوم مقام الاستثناء، مثل قول القائل: رأيت أهل البلد ولم أر زيدًا، فهذا قائم مقام الاستثناء في إخراج بعض ألفاظ العام وليس استثناءً (٢).
وإلا حرف، وأخواتها: منها أربعة أسماء، وهي: غير، سوى، سوى، سواء. ومنها فعلان: ليس، لا يكون. وثلاثة تُستخدم أفعال استثناء أو حروف استثناء، وهي: حاشا، خلا، عدا.
ففى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ٢، ٣]، اللفظ العام (الإنسان)، وصيغة العموم المفرد المعرف ب (ال) الاستغراقية، واللفظ الخاص (إلا الذين آمنوا)، والباقى من العموم (إنَّ الكافر لفى خسر)،
стр. 1262
ونوع التخصيص (متصل مستثنى بإلا).
* الأحكام المتعلقة بالمستثنى:
١ - اتصاله بالمستثنى منه حقيقة أو حكمًا:
أركان الاستثناء ثلاثة، وهي: المستثنى، والمستثنى منه، وأداة الاستثناء، ولا بد أن يتصل المستثنى بالمستثنى منه حقيقة أو حكمًا.
فإن فُصل بينهما بفاصل كان الاستثناء باطلًا، فلو قلت: جاء الناس إلا محمدًا. فهذا استثناء صحيح، أما لو قلت: جاء الناس. وبعد زمن قلت: إلا محمدًا. فهذا الاستثناء انفصل فيه المستثنى عن المستثنى منه؛ فبطل الاستثناء ولم يصح، وبطلان الاستثناء يبطل المستثنى فقط (١).
• وحجة القائلين بالاتصال من ثلاثة أوجه:
أولًا: أنه لو كان الاستثناء المنفصل صحيحًا لأرشد الشرع إليه.
مثل قوله ﷺ : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليفعل» (٢)، ولو كان الاستثناء المنفصل صحيحًا؛ لأرشد النبي ﷺ إليه، لأنه أيسر وأسهل من التكفير، والنبي ﷺ يقصد
стр. 1263
التيسير (١).
ومثل قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، ولوكان الاستثناء المنفصل جائزًا؛ لأمر الله تعالى أيوب به (٢)، ومعلوم أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا.
ثانيًا: أنَّ أهل اللغة لا يعدون ذلك كلامًا منتظمًا، ولا معدودًا من كلام العرب، ولذلك فإنه لو قال: لفلان عليَّ عشرة دراهم. ثم قال بعد شهر أو يوم: إلا درهمًا. فإنه لا يعد استثناءً، ولا كلامًا صحيحًا (٣).
ثالثًا: لو قيل بصحة الاستثناء المنفصل؛ لَمَا عُلمَ صدق صادق، ولا كذب كاذب (٤).
قال الشنقيطي: والتحقيق الذي لا شك فيه: أنَّ الاستثناء لا يصح إلا مقترنًا بالمستثنى منه، وأنَّ الاستثناء المتأخر لا أثر له، ولا تحل به اليمين، ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أنه تقرر عقد ولا يمين، ولا غير ذلك، لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك، وهذا في غاية البطلان كما ترى، ويحكى عن المنصور أنه بلغه أنَّ أبا حنيفة -
стр. 1264
﵀ يخالف مذهب ابن عباس المذكور، فاستحضره لينكر عليه ذلك، فقال الإمام أبو حنيفة للمنصور: هذا يرجع عليك، إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟ فاستحسن كلامه ورضي عنه (١).
واستدل القائلون بصحة الاستثناء المنفصل بأدلة منها:
١ - قوله ﷺ : «والله لأغزون قريشًا، ثم سكت، ثم قال بعده: إن شاء الله» (٢)، ولولا صحة الاستثناء بعد السكوت لَمَا فعله النبي ﷺ (٣).
والجواب: إن صح الخبر، فإنه يحمل على أنه سكوت يسير لا يخل بالاتصال الحكمي (٤).
ومعنى الاتصال الحكمى: أنَّ الاسثناء تأخر لعذر عن المستثنى منه، مثل قَول رَسُول اللَّه ﷺ يَومَ فَتح مَكَّةَ: «إنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَومَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَات وَالأَرضَ، فَهُو حَرَامٌ بحُرمَة اللَّه إلَى يَوم القيَامَة، وَإنَّهُ لَم يَحلَّ القتَالُ فيه لأَحَدٍ قَبلى، وَلَم يَحلَّ لى إلا سَاعَةً من نَهَارٍ، فَهُو حَرَامٌ
стр. 1265
بحُرمَة اللَّه إلَى يَوم القيَامَة، لا يُعضَدُ شَوكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيدُهُ، وَلا يلتَقطُ لُقطَته إلا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُختَلَى خَلاهُ»، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّه، إلا الإذخرَ فَإنَّهُ لقَينهم وَبُيُوتهم، فَقَالَ: «إلَّا الإذخرَ» (١)، فالنبي هنا حرم قطع شجر الحرم ونباته، ثم تكلم العباس ﵁، ثم قال النبي: «إلَّا الإذخرَ»، فصار الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه اتصالًا حكميًّا.
مثل قوله ﷺ لما جاءه رجل يسأله، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال ﷺ : «نعم، إلا الدَّين كذلك قال لي جبريل» (٢).
٢ - لما سئل ﷺ عن عدة أهل الكهف، وعن مدة لبثهم فيه فقال: «غدًا أجيبكم»، ولم يقل: إن شاء الله. فتأخر عنه الوحي مدة بضعة عشر يومًا، ثم نزل عليه: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، فقال: «إن شاء الله» بطريق الإلحاق بخبره الأول، ولو لم يكن ذلك صحيحًا لما فعله (٣).