• أنواع التخصيص المتصل:
* أولًا: الاستثناء:
• تعريف الاستثناء:
لغة: هو الثني، وهو رد الشيء إلى بعضه، كثني الحبل.
واصطلاحًا: إخراج بعض أفراد العام بإلا أو إحدى أخواتها (١).
قوله: بإلا أو إحدى أخواتها. خرج به ما يقوم مقام الاستثناء، مثل قول القائل: رأيت أهل البلد ولم أر زيدًا، فهذا قائم مقام الاستثناء في إخراج بعض ألفاظ العام وليس استثناءً (٢).
وإلا حرف، وأخواتها: منها أربعة أسماء، وهي: غير، سوى، سوى، سواء. ومنها فعلان: ليس، لا يكون. وثلاثة تُستخدم أفعال استثناء أو حروف استثناء، وهي: حاشا، خلا، عدا.
ففى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ٢، ٣]، اللفظ العام (الإنسان)، وصيغة العموم المفرد المعرف ب (ال) الاستغراقية، واللفظ الخاص (إلا الذين آمنوا)، والباقى من العموم (إنَّ الكافر لفى خسر)،
стр. 1262
ونوع التخصيص (متصل مستثنى بإلا).
* الأحكام المتعلقة بالمستثنى:
١ - اتصاله بالمستثنى منه حقيقة أو حكمًا:
أركان الاستثناء ثلاثة، وهي: المستثنى، والمستثنى منه، وأداة الاستثناء، ولا بد أن يتصل المستثنى بالمستثنى منه حقيقة أو حكمًا.
فإن فُصل بينهما بفاصل كان الاستثناء باطلًا، فلو قلت: جاء الناس إلا محمدًا. فهذا استثناء صحيح، أما لو قلت: جاء الناس. وبعد زمن قلت: إلا محمدًا. فهذا الاستثناء انفصل فيه المستثنى عن المستثنى منه؛ فبطل الاستثناء ولم يصح، وبطلان الاستثناء يبطل المستثنى فقط (١).
• وحجة القائلين بالاتصال من ثلاثة أوجه:
أولًا: أنه لو كان الاستثناء المنفصل صحيحًا لأرشد الشرع إليه.
مثل قوله ﷺ : «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليفعل» (٢)، ولو كان الاستثناء المنفصل صحيحًا؛ لأرشد النبي ﷺ إليه، لأنه أيسر وأسهل من التكفير، والنبي ﷺ يقصد
стр. 1263
التيسير (١).
ومثل قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، ولوكان الاستثناء المنفصل جائزًا؛ لأمر الله تعالى أيوب به (٢)، ومعلوم أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا.
ثانيًا: أنَّ أهل اللغة لا يعدون ذلك كلامًا منتظمًا، ولا معدودًا من كلام العرب، ولذلك فإنه لو قال: لفلان عليَّ عشرة دراهم. ثم قال بعد شهر أو يوم: إلا درهمًا. فإنه لا يعد استثناءً، ولا كلامًا صحيحًا (٣).
ثالثًا: لو قيل بصحة الاستثناء المنفصل؛ لَمَا عُلمَ صدق صادق، ولا كذب كاذب (٤).
قال الشنقيطي: والتحقيق الذي لا شك فيه: أنَّ الاستثناء لا يصح إلا مقترنًا بالمستثنى منه، وأنَّ الاستثناء المتأخر لا أثر له، ولا تحل به اليمين، ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أنه تقرر عقد ولا يمين، ولا غير ذلك، لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك، وهذا في غاية البطلان كما ترى، ويحكى عن المنصور أنه بلغه أنَّ أبا حنيفة -
стр. 1264
﵀ يخالف مذهب ابن عباس المذكور، فاستحضره لينكر عليه ذلك، فقال الإمام أبو حنيفة للمنصور: هذا يرجع عليك، إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك؟ فاستحسن كلامه ورضي عنه (١).
واستدل القائلون بصحة الاستثناء المنفصل بأدلة منها:
١ - قوله ﷺ : «والله لأغزون قريشًا، ثم سكت، ثم قال بعده: إن شاء الله» (٢)، ولولا صحة الاستثناء بعد السكوت لَمَا فعله النبي ﷺ (٣).
والجواب: إن صح الخبر، فإنه يحمل على أنه سكوت يسير لا يخل بالاتصال الحكمي (٤).
ومعنى الاتصال الحكمى: أنَّ الاسثناء تأخر لعذر عن المستثنى منه، مثل قَول رَسُول اللَّه ﷺ يَومَ فَتح مَكَّةَ: «إنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَومَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَات وَالأَرضَ، فَهُو حَرَامٌ بحُرمَة اللَّه إلَى يَوم القيَامَة، وَإنَّهُ لَم يَحلَّ القتَالُ فيه لأَحَدٍ قَبلى، وَلَم يَحلَّ لى إلا سَاعَةً من نَهَارٍ، فَهُو حَرَامٌ
стр. 1265
بحُرمَة اللَّه إلَى يَوم القيَامَة، لا يُعضَدُ شَوكُهُ، وَلا يُنَفَّرُ صَيدُهُ، وَلا يلتَقطُ لُقطَته إلا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلا يُختَلَى خَلاهُ»، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّه، إلا الإذخرَ فَإنَّهُ لقَينهم وَبُيُوتهم، فَقَالَ: «إلَّا الإذخرَ» (١)، فالنبي هنا حرم قطع شجر الحرم ونباته، ثم تكلم العباس ﵁، ثم قال النبي: «إلَّا الإذخرَ»، فصار الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه اتصالًا حكميًّا.
مثل قوله ﷺ لما جاءه رجل يسأله، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قُتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال ﷺ : «نعم، إلا الدَّين كذلك قال لي جبريل» (٢).
٢ - لما سئل ﷺ عن عدة أهل الكهف، وعن مدة لبثهم فيه فقال: «غدًا أجيبكم»، ولم يقل: إن شاء الله. فتأخر عنه الوحي مدة بضعة عشر يومًا، ثم نزل عليه: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، فقال: «إن شاء الله» بطريق الإلحاق بخبره الأول، ولو لم يكن ذلك صحيحًا لما فعله (٣).
стр. 1266
ووجه أخذ ذلك من الآية: أنَّ الله تعالى نهى نبيه أن يقول أنه سيفعل شيئًا في المستقبل إلا من استثناه ب"إن شاء الله"، ثم قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، أي إذا نسيت أن تستثني ب"إن شاء الله" فاستثن إذا تذكرت من غير تقييد باتصال ولا قرب (١).
وأجيب: بأنَّ قوله ﷺ ليس عائدًا إلى خبره الأول، بل إلى ذكر ربه إذا نسي، تقديره: أذكُرُ ربي إذا نسيتُ إن شاء الله (٢).
٣ - أنَّ ابن عباس وهو ترجمان القرآن، ومن أفصح فصحاء العرب، وقد قال بصحة الاستثناء المنفصل، وذلك يدل على صحته (٣).
والجواب عن هذا من وجوه:
الأول: أنَّ الروايات الواردة عن ابن عباس في هذا الصدد لا تخلو من مقال، ولعل الصحيح منها ما أخرجه الطحاوي (٤)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في حديث أصحاب الكهف: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا
стр. 1267
نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤].
قال ابن عباس: إذا قلت شيئًا فلم تقل: إن شاء الله. فقل إذا ذكرت: إن شاء الله.
الثاني: أنَّ الاستثناء ليس عائدًا إلى قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: ٢٣]، إنما يعود إلى قوله جل ذكره: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]: يعني إذا نسيت ذكر الله، وليس المقصود إذا نسيت الاستثناء كما تقدم قريبًا.
الثالث: قد يكون مراد ابن عباس الخروج من عهدة الإثم بتركه، لا أنه يحل اليمين؛ لأنها تداركها قد فات بالانفصال، هذا مراد ابن عباس كما جزم به الطبري وغيره، وهذا لا محذور ولا إشكال فيه (١).
الرابع: أنه نوى الاستثناء بقلبه مع اعتقاده صحة إضماره، ثم أظهر بعد ذلك الاستثناء الذي نواه وقت اليمين.
قال الغزالي ﵀: ونقل عن ابن عباس أنه جوَّز تأخير الاستثناء، ولعله لا يصح عنه النقل؛ إذ لا يليق ذلك بمنصبه، وإن صح فلعله أراد به إذا نوى الاستثناء أولًا ثم أظهر نيته بعد، فيدين بينه وبين
стр. 1268
الله فيما نواه (١).
• ثانيًا: الاستثناء من غير الجنس.
اختلف أهل اللغة والفقه في الاستثناء من غير جنس، فمنعه أحمد، و كثير من أصحاب الشافعي، وهو ظاهر كلام ابن السمعاني (٢).
قال الآمدى: اختلف العلماء فى صحة الاستثناء من غير الجنس، فجوزه أصحاب أبى حنيفة، ومالك، والقاضي أبو بكر، وجماعة من المتكلمين والنحاة، ومنع منه الأكثرون (٣).
وحجتهم:
١ - أنَّ الاستثناء استخراج بعض ما تناوله اللفظ، وذلك غير متحقق.
مثل قول القائل: رأيت الناس إلا الحمر؛ لأنَّ الحمر المستثناه غير داخلة في المستثنى منه حتى يقال بإخراجها، بل الجملة الأولى (رأيت الناس) باقية بحالها لم تتغير، ولا تعلق للثاني (الحمر) بالأول أصلًا.
стр. 1269
وأجيب: بأنه استدلال بمحل النزاع (١).
٢ - لو قيل بصحة الاستثناء من غير الجنس؛ لصح استثناء كل شيء من كل شيء، فيقال: جاء العلماء إلا الكلاب، وقدم الحجاج إلا الحمير.
وهذا مستهجن لغة وعقلًا.
وأجيب: أنَّ الاستقباح لا يمنع صحته في اللغة.
قلت: ولا في الشرع، فإنَّ النبي ﷺ قال في دعاء الاستسقاء: «اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحيي بلدك الميت» (٢).
وذهب آخرون إلى صحته، وهو قول أصحاب أبي حنيفة، ومالك، كما حكاه عنهم الآمدي، وهو الراجح، وذلك للأدلة الآتية:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١١]، وإبليس
стр. 1270
لم يكن من جنس الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، والجن ليسوا من جنس الملائكة؛ ولأنه كان مخلوقًا من نار على ما قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، والملائكة من نور؛ ولأن إبليس له ذرية، ولا ذرية للملائكة، فلا يكون من جنسهم، وهو مستثنى منهم.
وقد تكلف أقوام في القول بأنَّ إبليس كان من الملائكة من قبيلة كان يقال لها قبيلة الجن، ولا يخفى ما فيه من بعد وغرابة، وصرف للفظ عن ظاهره.
٢ - قوله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] استثنى الباري تعالى من جملة ما كانوا يعبدون من الأصنام وغيرها، والباري تعالى ليس من جنس شيء من المخلوقات.
٣ - قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦] استثنى السلام من اللغو، وليس من جنسه.
٤ - قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، والتجارة ليست من جنس
стр. 1271
الباطل، وقد استثناها منه (١).
قلت: ومثال الاستثناء المنقطع من السنة: ما ذكر في ابتلاء الله نبي الله أيوب ﵇، أنَّ أحد أصحابه قال لآخر: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين، فلما بلغ ذلك أيوب قال: لا أدري ما تقول، غير أنَّ الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنها كراهية أن يذكر الله تعالى إلا في حق (٢).
ووجه الاستدلال: أنَّ نبي الله أيوب استثنى التكفير عن يمين الغير، والذي هو من الورع، وليس من جنس الذنوب في شيء.
وأما الشعر فقول القائل:
وبلد ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس
والعيس ليست من جنس الأنيس، بل هي نوع من الإبل.
وقد تكلف المانعون من صحة الاستثناء المنقطع في الرد على هذه الأدلة بأجوبة فضلت عدم ذكرها لما فيها من التكلف وخشية
стр. 1272
الإطالة (١).
• ثالثًا: الاستثناء المستغرق.
قال الآمدي: اتفقوا على امتناع الاستثناء المستغرق، كقوله: له عليَّ عشرة إلا عشرة (٢).
قال الغزالي: فلو قال: لفلان عليَّ عشرة إلا عشرة. لزمته العشرة؛ لأنه رفع الإقرار، والإقرار لا يجوز رفعه، وكذلك كل منطوق به لا يرفع (٣).
والمعنى: أنَّ استثناء الكل من الكل هو بمثابة إلغاء المعنى، فصار أشبه باللغو، ولا فائدة فيه لذا لم يجعلوه معتبرًا.
فلا يصح الاستثناء في هذه الحالة؛ لأنه جمع بين متناقضين، فمثلًا من قال: جاءني القوم إلا القوم. كأنه قال: جاءني القوم ما جاءني القوم. وهو محال (٤).
стр. 1273
• رابعًا: الاستثناء بعد جمل متعاطفة هل يعود للجميع أم لا؟
الكلام في هذا المبحث يكون بشرط ألا تكون هناك قرائن تمنع من عوده على بعض الأفراد (١).
التوضيح:
١ - قد يأتي دليل يقضي بعودة الاستثناء إلى الجملة الأولى فقط، فيعود إليها قطعًا.
مثال: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، فالاستثناء "من اغترف" يعود إلى (منه)، لا إلى (من لم يطعمه)، والمعنى: فمن شرب منه فليس مني إلا من اغترف غرفة بيده، وليس المعنى: ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده (٢).
مثال: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، فاستثناء (ما ملكت يمينك) يعود إلى لفظ (النساء) لا إلى الأزواج؛ لأنَّ الزوجة لا
стр. 1274
تكون ملك يمينه (١).
٢ - ما دلَّ الدليل على عوده على الأخير جزمًا.
مثال: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] (٢).
فإنَّ الاستثناء يعود للدية فقط، ولا يصلح عوده على الرقبة؛ لأنَّ ولي المقتول لا ملك له في الرقبة حتى يتصدق بها (٣).
٣ - ما دلَّ الدليل على عوده إلى الجميع جزمًا.
مثال: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤].
فإنَّ قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ عائد إلى الجميع بالإجماع، كما قاله ابن السمعاني (٤).
فإذا لم يقم دليل على عود الاستثناء إلى جملة بعينها أو عدم عوده،
стр. 1275
هل يعود للجميع أم لأقرب مذكور؟ هذا هو محل النزاع.
تحرير المسألة:
قال بعض أهل العلم: الاستثناء بعد جمل متعاطفة يرجع للأخير فقط، وهو قول أبي حنيفة وأكثر أصحابه (١)، وهو قول المجد ابن تيمية (٢).
ولهذا قال أبوحنيفة: إن شهادة القاذف مردودة ولو تاب، وحمل الاستثناء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٤، ٥] على قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فقط.
والمعنى: وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا، ولا يقال: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا إلا الذين تابوا.
لذا عند أبي حنيفة يزول عنه اسم الفسق، ولكن لا تقبل شهادته (٣).
واستدل الأحناف على رجوعه للأخير فقط: بأنَّ الاستثناء خلاف
стр. 1276
الأصل؛ لأنه إنكار بعد إقرار، فكان الأولى عدم اعتباره لمخالفته للأصل، فاعتبر تصحيحًا للكلام بقدر الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، وتزول برجوعه إلى الجملة الأخيرة فقط.
وأما القول برجوعه للجميع فهو قول لا تدعو إليه الضرورة، وهي تصحيح الكلام.
ويجاب عن ذلك: بأنَّ الأحناف قالوا في الشرط أنه يرجع للجمل كلها مع أنه خلاف الأصل (١).
وقال الجمهور: بأنَّ الاستثناء يرجع إلى الجميع، وهو مذهب الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم (٢).
واستدلوا: بأنَّ العطف يقتضي المشاركة، والأصل فيها أن تتحقق بين المعطوف والمعطوف عليه في كل المتعلقات كالحال، والصفة، والشرط، والظرف، والاستثناء، وقد اتفق على مشاركة المعطوف، والمعطوف عليه في هذه المتعلقات ما عدا الاستثناء، فإخراجه -يعني الاستثناء- عن بقية المتعلقات، والقول بأنه يرجع للأخير فقط ترجيح بلا مرجح؛ فيكون باطلًا (٣).
стр. 1277
ففي المثال السابق في سورة النور جاء الاستثناء بعد جمل ثلاثة هي: فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الفاسقون.
فقال الشافعي، ومالك، وأحمد: إنَّ الاستثناء راجع إلى الجملة الثانية، والثالثة، ولا يرجع إلى الأولى لقيام الدليل لعدم رجوعه إليها، وهو أنَّ الجلد في الزنا حق للآدمي، وهو المقذوف، وحق الآدمي لا يسقط بالتوبة، ورجوع الاستثناء إلى الثانية والثالثة يقتضي أنَّ الفسق يزول بالتوبة، وأنَّ الشهادة تقبل كذلك بعد توبة القاذف (١)؛ لذا قال أحمد ﵀ في حديث: «لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه»، أرجو أن يكون الاستثناء على كله (٢).
• خامسًا: لا يلزم أن يكون المستثنى أقل من نصف المستثنى منه، أي يجوز استثناء النصف أو أكثر.
قال بعض أهل العلم: لا يجوز استثناء النصف والأكثر، وحجتهم:
١ - اللغة: يستقبح أن يقول الرجل: لفلان علي ألف إلا تسعمائة وتسعة وتسعين. والمستقبح في لغة العرب لا يكون من لغتهم (٣).
стр. 1278
والجواب: أنَّ الاستقباح في اللغة -إن صح عنهم-لا يمنع من الصحة، لا سيما وقد ورد في القرآن العظيم كما سيأتي قريبًا (بل وروده في القرآن يدل على صحته وعدم قبحه).
قال الغزالي ﵀: إذا قال: عليَّ عشرة إلا تسعة. فلا يلزمه باتفاق الفقهاء إلا درهم، ولا سبب له إلا أنه استثناء صحيح (١).
٢ - القياس: لأنه لو جاز استثناء الأكثر لجاز استثناء الكل (٢).
والجواب: أنَّ الاستثناء تخصيص، والتخصيص يجري في البعض لا في الكل، وإن كان هذا البعض هو الأكثر.
وهو الراجح؛ وذلك للأدلة الآتية:
١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ١ - ٤].
وفي الزيادة على النصف استثناء الأكثر وبقاء الأقل (٣).
٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، فالمستثنى (الغاوون)، والمستثنى منه (عبادي)
стр. 1279
والمستثنى أكثر من نصف المستثنى منه؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] (١).
٣ - ما ورد في الصحيح من حديث أبي بكر ﵁، عن رسول الله ﷺ ، عن رب العزة : «يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم»، وقد أطعم وكسا الأكثر من عباده بلا شك (٢).
قال الشوكاني: والحق أنه لا وجه للمنع -يعني منع استثناء الأكثر- لا من جهة اللغة، ولا من جهة الشرع، ولا من جهة العقل (٣).
ملحوظة: يصح أن يكون المستثنى الكل إلا واحدًا، ولكن لا يصح أن يكون المستثنى الكل إلا إذا كان وصفًا، فلو قلت: أعط من في البيت إلا الأغنياء. فتبين أنَّ جميع من في البيت أغنياء صح الاستثناء، ولم يعطوا شيئًا، ولو قلت: أعط عشرة إلا عشرة. لم يصح الاستثناء؛ لأنه
стр. 1280
عدد وليس وصفًا (١).
تنبيه: قال البعض: يصح استثناء الأكثر إن كان وصفًا، ولا يصح إن كان عددًا.
والجواب عليهم: أنه ليس على هذا التفريق دليل.
* ثانيًا: الشرط.
تعريفه لغة: العلامة.
قال أبو عبيد: ومنه أشراط الساعة أي علاماتها (٢).
والمراد به هنا: تعليق شيء بشيء وجودًا أو عدمًا بإن الشرطية أو بإحدى أخواتها مثل: (إذما، ما، من، مهما، متى، أينما، أيان، أي، كيفما، إذا، لو)، وغير ذلك (٣).
• أقسام الشرط:
١ - شرعي، كالطهارة للصلاة، والإحصان بالنسبة للرجم.
٢ - عقلي، كالحياة بالنسبة للعلم، فإنَّ العقل يحكم بانتفاء العلم عند انتفاء الحياة، ولا يحكم بوجود العلم عند وجود الحياة.
стр. 1281
٣ - عادي، كنصب السلم بالنسبة لصعود السطح.
٤ - لغوي، مثل: إن دخل محمد الدار فأكرمه (١).
والمقصود به هنا الشرط اللغوي، كقول القائل: إن دخلت الدار فأنت طالق. فإنَّ دخول الدار ليس شرطًا للطلاق شرعًا، ولا عقلًا، ولكن من الشروط التي وضعها أهل اللغة (٢).
• أحكام الشرط:
١ - الشرط والمشروط قد يتحدان.
نحو: إن دخلت الدار فأنت طالق. ففي هذه الصورة يتوقف المشروط (الطلاق) على هذا الشرط وحده (دخول الدار).
مثال: قوله ﷺ : «من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يأتين المساجد» (٣).
وقد يتحد الشرط، ويتعدد المشروط بالواو، كقوله: إن شُفيتُ من مرضي تصدقت بدرهم، وصمت يومًا. وفي هذه الصورة يكون حصول
стр. 1282
الشرط مقتضيًا للجمع بين الأمرين.
وقد يتحد الشرط ويتعدد المشروط بأو، مثل: إن شُفيت من مرضي تصدقت بدرهم، أو صمت يومًا، وهنا يكون حصول الشرط مقتضيًا لحصول أحد الأمرين على التخيير.
٢ - وقد يتعدد الشرط بأو، مع اتحاد المشروط كقوله: إن دخلت الدار أو كلمت زيدًا فأنت طالق. وهنا يتوقف حصول المشروط (الطلاق) بحصول أحد الشرطين، فإن كَلَّمت زيدًا أو لم تدخل الدار تُطَلَّق.
ومثاله: قوله ﷺ : «من أكل ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا … » (١).
وقوله ﷺ : «من أنظر معسرًا أو وضع عنه؛ أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» (٢).
وقد يتعدد الشرط بالواو مع اتحاد المشروط، كقوله: إن دخلت الدار، وكلمت زيدًا فأنت طالق.
وهنا يتوقف حصول المشروط بحصول الشرطين معًا، فلا تُطَلَّق إلا إذا دخلت الدار، وكلمت زيدًا.
стр. 1283
ومثاله قوله ﷺ : «من غسل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، فاستمع ولم يلغ؛ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها» (١).
فحصول المشروط وهو (الأجر من الله تعالى) يتوقف على حصول الشروط جميعها.
٣ - وقد يتعدد الشرط، ويتعدد المشروط بالواو.
مثل: إن جاءك محمد، وكان مؤدبًا؛ فأعطه مصحفًا ودرهمًا. وهنا حصول الشرط المتعدد.
ومنه قول ابن عمر: «من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد» (٢).
وقد يتعدد الشرط بأو، ويتعدد المشروط بالواو.
مثل: إن ذهب محمد إلى المدرسة، أو ذاكر درسه فأعطه مصحفًا ودرهمًا. وهنا حصول أحد الشرطين يقتضي حصول الشرطين معًا.
стр. 1284
ومثل قوله ﷺ : «من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (١).
والأمثلة على ذلك كثيرة، ولعل في ما ذكر كفاية ولله الحمد والمنة (٢).
٢ - الشرط مخصص سواء تقدم أو تأخر (٣).
قال في (المحصول): ولا نزاع في جواز تقديم الشرط وتأخيره، وإنما النزاع في الأولى (٤).
قال الشيرازي: يجوز أن يتقدم الشرط في اللفظ، ويجوز أن يتأخر، كما يجوز في الاستثناء، ولهذا لم يفرق بين قوله: أنت طالق إن دخلت الدار. وبين قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق (٥).
مثال الشرط المتقدم: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، أى خلوا سبيلهم بشرط إن تابوا،
стр. 1285
وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة.
فهنا الشرط متقدم، وهو: (تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ) العموم قوله: (فَخَلُّوا سَبيلَهُم)، وصيغته مفرد مضاف (١).
مثال الشرط المتأخر: قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، فقوله: (فَكَاتبُوهُم) يفهم منه أنَّ المكاتبة عامة، ثم خصصها بقوله: (إن عَلمتُم فيهم خَيرًا)، فهنا الشرط متأخرٌ (٢).
٣ - جواب الشرط بعد جمل متعاطفة يرجع إلى الجميع، وهو قول الأئمة الأربعة وغيرهم (٣).
مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، فالأخوة مشترطة بجميع ما سبق (٤).
ومنه قوله ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، فتحت له ثمانية أبواب الجنة
стр. 1286
يدخل من أيها شاء» (١).
ففتح أبواب الجنة في الحديث مشروط بجميع ما سبق.
٤ - جواب الشرط قبل جمل متعاطفة يكون للجميع، نحو: أَكرم زيدًا إن أسلم، وأقام الصلاة. فلا يتحقق الإكرام إلا بوجود الأمرين (٢).
* ثالثًا: الصفة.
تعريفها: لغة: النعت.
اصطلاحًا: هى الوصف الذى يقصر العام على بعض أفراده، سواء كان نعتًا، أو بدلًا، أو حالًا.
مثال النعت: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، صيغة العموم (فتياتكم)، وخص بالصفة (المؤمنات).
مثال البدل: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، اللفظ العام (الناس)، ثم قال (مَنْ استَطَاعَ)
стр. 1287
جاء بوصف يخص فئة معينة، وهى الفئة المستطيعة، فهنا التخصيص بالوصف أيضًا، ولكن صورته البدل.
مثال الحال: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، اللفظ العام (من)، صيغة العموم اسم شرط، و (متعمدًا) الحال، فهنا التخصيص بوصف وصورته الحال.
فهذا بالنسبة للمخصص المتصل، فمنه الاستثناء، ومنه الشرط، ومنه الصفة.
* رابعًا: الغاية.
الغاية في اللغة هي: طرف الشيء، ومنتهاه، وأقصاه (١).
اصطلاحًا: هي أن يؤتى بعد اللفظ العام بحرف من أحرف الغاية مثل: اللام، حتى، إلى (٢).
الغاية تخصص العموم كما يخصص بالشرط.
مثل قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
стр. 1288
الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
فجعل إعطاء الجزية غاية في قتالهم قبلها، والكف عنهم بعدها، فصارت الغاية شرطًا مخصِّصًا (١).
مثل قوله ﷺ : «من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يأتين المساجد» (٢)، زاد في رواية: «حتى يذهب ريحها» (٣).
فجعل المنع من إتيان المسجد عند أكل الثوم مخصوص بغاية، وهي ذهاب رائحته.
• شروط التخصيص بالغاية:
١ - أن يكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها؛ لأنَّ ما بعدها لو لم يكن مخالفًا لما قبلها لم تكن غاية، قال الله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة ١٨٧]، فليس شاء من الليل داخلًا قطعًا (٤).
٢ - أن يتقدمها عموم يشملها لو لم يؤت بها، فلولا الغاية لقاتلنا
стр. 1289
الكفار أعطوا أم لم يعطوا، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
ولولا الغاية -في الحديث السابق- لمُنعَ مَنْ أَكَلَ الثوم من المساجد سواء ذهب ريحه أم لا، أو نحو حديث: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المصاب حتى يكشف عنه» (١)، فلو سكت عن الغاية لم يكن الصبي شاملًا للبالغ، ولا النائم للمستيقظ، ولا المجنون للمفيق (٢).
• بعض أحكام الغاية:
١ - قد تجتمع الغاية مع الشرط، فقد يتعلق الحكم بهما معًا، فلا يثبت إلا بعد وجود الغاية والشرط، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فجعل انقطاع الدم غاية، والغسل شرطًا فصارا معتبرين في إباحة الإصابة (٣).
стр. 1290
٢ - الغاية إن كانت من جنس المحدود دخلت فيه، مثل قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، فإنَّ الغسل يشمل المرافق.
وإن كانت من غير جنس المحدود، فلا تدخل فيه مثل: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنَّ الليل ليس من جنس النهار، فلا يدخل في الصيام (١).
* أنواع التخصيص المنفصل:
• أولًا تخصيص الكتاب:
١ - تخصيص الكتاب بالكتاب: مثل قول الله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، العام (المطلقات) صيغة العموم (ال) الموصولة.
خص بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
ويكون الباقى من العموم كل مطلقة دخل بها عدتها ثلاثة قروء.
وقد خُص أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، ويخرج به أولات الأحمال، فالباقى من العموم أنَّ كل مطلقة دخل بها، ولم تكن حاملًا فعدتها ثلاثة قروء.
стр. 1291
وخُص أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، أى كل امرأة كبرت في السن، ويئست من المحيض، وكل امرأة لم تحض أصلًا لعلة عندها عدتها ثلاثة أشهر، فصار الباقى من العموم في الآية الأولى كل مطلقة حائضة دخل بها عدتها ثلاثة قروء.
مثال آخر: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فالعام لفظ (المشركات)، وصيغته (ال) الموصولة، وكذلك لفظ (تنكحوا) عام، وصيغتها المصدر الكامن أى: لا نكاح لأي مشركة. فهذه الآية عامة تم تخصيصها بتخصيص متصل ب (حتى)، فكل مشركة لا يحل نكاحها حتى تؤمن، ولكن يوجد تخصيص منفصل خص بعض المشركات بجواز النكاح منهن، وإن لم تؤمن، قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]، فأحل الله هنا نكاح الكتابيات، فتخرج من العموم الأول، فحرم الله نكاح كل مشركة حتى تؤمن إلا
стр. 1292
الكتابيات، فيجوز نكاحها، وإن لمن تؤمن.
٢ - تخصيص الكتاب بالسنة: مثل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، العموم (أولادكم)، صيغة العموم (المعرف بالإضافة)، وخص بقوله ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» (١)، فمعنى الآية يوصيكم الله في أولادكم المؤمنين.
وكذلك من المخصصات لهذه الآية قوله ﷺ : «إنَّا معشَرَ الأَنبياء لا نُورثُ ما تركنا صدقةٌ» (٢)، فخرج من عموم الآية أبناء الأنبياء، فالباقى من العموم أنَّ لكل ذكر مسلم مثل حظ الأنثيين إلا أبناء الأنبياء.
ومن ذلك أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فصيغة العموم المصدر الكامن في قوله (تقربوهن)، والمعنى: لا قرب حتى تطهر بأي نوع من أنواع القرب. فقال النبي ﷺ : «اصنعوا كل شاء غير النكاح» (٣).
стр. 1293
فخصصت السنة الكتاب، فصار معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]: أى لا تجامعوهن حتى يطهرن فقط، أما ما وراء ذلك فلا حرج فيه، فالنبي ﷺ كان يأمر نساءه بأن تتزر ويباشرها.
٣ - تخصيص الكتاب بالإجماع: مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، خص بالإجماع على أنَّ الرقيق القاذف يجلد أربعين، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، قيل: خص بالإجماع أنَّ العبد يجلد خمسين جلدة.
وكذلك من أمثلة هذا قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، قيل: خص بالإجماع أنَّ الابن الرقيق لا يرث.
وقيل اللام في قوله: (للذَّكَر) لام الملك، والذى يملك الحر لا الرقيق، فالرقيق لا يدخل أصلًا.
٤ - تخصيص الكتاب بالقياس: مثل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، خص بقياس العبد الزانى على الأمة في تنصيف العذاب، والاقتصار على خمسين جلدة على المشهور.
والمعنى: أنَّ كل زان وكل زانية حران يجلدان مائة جلدة، أما العبد
стр. 1294
والأمة يجلدان خمسين، وذلك لأنَّ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، يخصص عموم قوله تعالى: (الزَّانيَةُ)، فيراد به الحرة أما الأمة فعليها النصف، أي خمسين جلدة فقط، أما عن قوله تعالى: (وَالزَّاني) قد خص بالقياس حيث إنَّ العبد الزاني قد اشترك في علة الرق مع الأمة الزانية، فيقاس عقابه على عقابها، فعليه نصف ما على الحر من العقاب.
• ثانيًا تخصيص السنة:
١ - تخصيص السنة بالكتاب: مثل قوله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله … » (١)، فلفظ العموم (الناس)، وصيغته معرف ب (ال) الاستغراقية، وفيه تخصيص متصل وهو (حتى يشهدو … ).
وخص تخصيصًا منفصلًا بقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
والمعنى: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، أو
стр. 1295
يعطوا الجزية.
وكذلك منه قوله ﷺ : «ما قُطعَ من البهيمة وهي حَيةٌ فهو ميتةٌ» (١)، فالعموم لفظ (ما)، وصيغته اسم موصول، وكذلك لفظ البهيمة، وصيغته المعرف ب (ال) الاستغراقية أي من كل البهيمة، والمعنى: أنَّ كل ما قطع من أي جزء من البهيمة، وهي حية من يد، أو قدم، أو عين، أو صوف، أو وبر فهو ميتة، إلا أنَّ الكتاب قد خص هذا الحديث بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠].
٢ - تخصيص السنة بالسنة: مثل قوله ﷺ : «فيما سقت السماء والعيون أَوْ كان عثريًّا العشر» (٢)، العموم (ما) الموصولة، خص بقوله ﷺ : «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (٣)، فجعل حدًّا للزكاة خمسة أوسق فالمعنى: في ما سقت السماء وكان خمسة أوسق ففيه العشر.
стр. 1296
٣ - تخصيص السنة بالإجماع: وقد يمثل له بالإجماع الدال على أنَّ الماء إذا لاقته نجاسة، فغيرت لونه أو طعمه أو ريحه فهو نجس، وهو بذلك يخصص حديث النبى ﷺ : «الماء طهور لا ينجسه شيء» (١)، والمعنى أنَّ الماء طهور لا ينجسه شاء إلا إذا سقطت فيه نجاسة فغيرت فيه طعمه أو لونه أو ريحه، فهنا خص الحديث بالإجماع.
٤ - تخصيص السنة بالقياس: مثل قوله ﷺ : «البكر بالبكر جلد مئة ونفي عام» (٢)، فلفظ العموم (البكر)، وصيغته المعرف ب (ال) الاستغراقية، والمعنى: كل بكر حرة أو أمة، رجلًا أو امرأة عليه جلد مئة وتغريب عام، فأتى النص ليخصص الأمة بقوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، ثم أتى القياس ليخصص العبد قياسًا على الأمة في تنصيف العذاب لاشتراكهما في علة الرق.
стр. 1297
• ومن أنواع التخصيص المنفصل:
التخصيص بالمفهوم، والتخصيص بالحس، والتخصيص بالعقل، والتخصيص بالعرف المقارن للخطاب.
وقبل الكلام على هذه الأقسام هناك بعض المقدمات:
١ - الجمع بين الدليلين ولو من وجه أولى من العمل بظاهر أحدهما وإبطال الآخر.
٢ - أكثر العمومات مخصصة، وليس أكثر أخبار العدول كاذبة، فكان العمل بالخبر أولى؛ لأن العمل به لا يبطل العام، والعمل بالعام يبطله.
٣ - العمل بالعام إبطال للخاص، والعمل بالخاص بيان للعام لا إبطال له، ولا يخفى أنَّ البيان أولى من الإبطال (١).
٤ التخصيص لا يشترط فيه أن يكون المخصص مساويًا للعام في القوة؛ لأن التخصيص فيه إعمال للدليلين، وليس فيه إهمال لأحدهما (٢).
стр. 1298
التخصيص بالمفهوم (الموافقة- المخالفة):
قال الآمدي: لا نعلم خلافًا بين القائلين بالعموم والمفهوم، أنه يجوز تخصيص العموم بالمفهوم، وسواء كان من قبيل مفهوم الموافقة، أو من قبيل مفهوم المخالفة، حتى إنه لو قال السيد لعبده: كل من دخل داري فأخبر به. ثم قال: إن دخل زيد داري فلا تقل له أف، فإنَّ ذلك يدل على تحريم ضرب زيد وإخراجه عن العموم، نظرًا لمفهوم الموافقة، وما يفهم من الكلام من كف الأذى عن زيد.
وكذا لو ورد نص عام يدل على وجوب الزكاة في الأنعام كلها، ثم ورد قوله ﷺ : «في الغنم السائمة زكاة» (١)، فإنه يكون مخصصًا للعموم بإخراج معلوفة الغنم عن وجوب الزكاة بمفهوم المخالفة (٢).
مثال: قوله ﷺ : «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» (٣).
قال ابن المبارك: يحل عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس له.
وجه الاستدلال بهذا الحديث: أنه عام في المماطل في سداد الدين،
стр. 1299
وهو قادر على سداده، ويدخل في هذا العموم الوالد المدين لولده، لكن قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فمنطوق الآية منع التأفف، ومفهوم الموافقة الأولى فحوى الخطاب يقتضي بمنع عقوبته، أو التعرض له بأذى عليه، فإنَّ هذا المفهوم هو المخصص لعموم الحديث، فيكون معنى الحديث: لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته، إلا الوالد.
مثال: قوله ﷺ «إنَّ الماء طهور لا ينجسه شيء» (١).
وجاء الإجماع على استثناء ما إذا تغير لونه، أو طعمه، أو ريحه، فالماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه، أو ريحه، أو طعمه، مع قوله ﷺ : «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» (٢)، فإنَّ مفهوم المخالفة يقضي بأنَّ الماء إذا كان أقل من القلتين، فإنه يتنجس، وإن لم يتغير، فيكون هذا المفهوم مخصصًا لمنطوق الحديث الأول، وتكون هذه الصورة خارجة عن العموم، فيكون الماء القليل نجسًا، وإن لم
стр. 1300
يتغير وهو قول الشافعي (١).
تنبيهات مهمة تتعلق بالتخصيص ب (الحس، والعقل، والعرف المقارن للخطاب):
١ - الحس، والعقل، والعرف ليسوا قاضيين على الشرع، فإن اقتضت هذه الأدلة شيئًا مخالفًا للشرع سقط الاستدلال بها، وصار الحكم للشرع.
٢ - إنَّ الشرع قد جعل للحس، والعقل اعتبارًا، قال ابن حزم في (إحكامه): وأما ما أُدرك بالحس قد جاء النص بقبوله، قال تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥].
٣ - التخصيص بالحس يؤول إلى أنَّ العقل يحكم بخروج بعض الأفراد بواسطة الحس، ولم يخرج عن كونه خارجًا للعقل، فليكونا قسمًا واحدًا وإن اختلف طريق الحصول، قلت: ويؤيد هذا الذي قاله المرداوي أنَّ بعض أهل العلم استدلوا في مسألة التخصيص بالحس بأدلة استدل بها نفسها آخرون على التخصيص بالعقل.