← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

٣ - تخصيص السنة بالإجماع: وقد يمثل له بالإجماع الدال على أنَّ الماء إذا لاقته نجاسة، فغيرت لونه أو طعمه أو ريحه فهو نجس، وهو بذلك يخصص حديث النبى ﷺ : «الماء طهور لا ينجسه شيء» (١)، والمعنى أنَّ الماء طهور لا ينجسه شاء إلا إذا سقطت فيه نجاسة فغيرت فيه طعمه أو لونه أو ريحه، فهنا خص الحديث بالإجماع. ٤ - تخصيص السنة بالقياس: مثل قوله ﷺ : «البكر بالبكر جلد مئة ونفي عام» (٢)، فلفظ العموم (البكر)، وصيغته المعرف ب (ال) الاستغراقية، والمعنى: كل بكر حرة أو أمة، رجلًا أو امرأة عليه جلد مئة وتغريب عام، فأتى النص ليخصص الأمة بقوله: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، ثم أتى القياس ليخصص العبد قياسًا على الأمة في تنصيف العذاب لاشتراكهما في علة الرق.

стр. 1297

• ومن أنواع التخصيص المنفصل: التخصيص بالمفهوم، والتخصيص بالحس، والتخصيص بالعقل، والتخصيص بالعرف المقارن للخطاب. وقبل الكلام على هذه الأقسام هناك بعض المقدمات: ١ - الجمع بين الدليلين ولو من وجه أولى من العمل بظاهر أحدهما وإبطال الآخر. ٢ - أكثر العمومات مخصصة، وليس أكثر أخبار العدول كاذبة، فكان العمل بالخبر أولى؛ لأن العمل به لا يبطل العام، والعمل بالعام يبطله. ٣ - العمل بالعام إبطال للخاص، والعمل بالخاص بيان للعام لا إبطال له، ولا يخفى أنَّ البيان أولى من الإبطال (١). ٤ التخصيص لا يشترط فيه أن يكون المخصص مساويًا للعام في القوة؛ لأن التخصيص فيه إعمال للدليلين، وليس فيه إهمال لأحدهما (٢).

стр. 1298

التخصيص بالمفهوم (الموافقة- المخالفة): قال الآمدي: لا نعلم خلافًا بين القائلين بالعموم والمفهوم، أنه يجوز تخصيص العموم بالمفهوم، وسواء كان من قبيل مفهوم الموافقة، أو من قبيل مفهوم المخالفة، حتى إنه لو قال السيد لعبده: كل من دخل داري فأخبر به. ثم قال: إن دخل زيد داري فلا تقل له أف، فإنَّ ذلك يدل على تحريم ضرب زيد وإخراجه عن العموم، نظرًا لمفهوم الموافقة، وما يفهم من الكلام من كف الأذى عن زيد. وكذا لو ورد نص عام يدل على وجوب الزكاة في الأنعام كلها، ثم ورد قوله ﷺ : «في الغنم السائمة زكاة» (١)، فإنه يكون مخصصًا للعموم بإخراج معلوفة الغنم عن وجوب الزكاة بمفهوم المخالفة (٢). مثال: قوله ﷺ : «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته» (٣). قال ابن المبارك: يحل عرضه يغلظ له، وعقوبته يحبس له. وجه الاستدلال بهذا الحديث: أنه عام في المماطل في سداد الدين،

стр. 1299

وهو قادر على سداده، ويدخل في هذا العموم الوالد المدين لولده، لكن قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فمنطوق الآية منع التأفف، ومفهوم الموافقة الأولى فحوى الخطاب يقتضي بمنع عقوبته، أو التعرض له بأذى عليه، فإنَّ هذا المفهوم هو المخصص لعموم الحديث، فيكون معنى الحديث: لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته، إلا الوالد. مثال: قوله ﷺ «إنَّ الماء طهور لا ينجسه شيء» (١). وجاء الإجماع على استثناء ما إذا تغير لونه، أو طعمه، أو ريحه، فالماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه، أو ريحه، أو طعمه، مع قوله ﷺ : «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» (٢)، فإنَّ مفهوم المخالفة يقضي بأنَّ الماء إذا كان أقل من القلتين، فإنه يتنجس، وإن لم يتغير، فيكون هذا المفهوم مخصصًا لمنطوق الحديث الأول، وتكون هذه الصورة خارجة عن العموم، فيكون الماء القليل نجسًا، وإن لم

стр. 1300

يتغير وهو قول الشافعي (١). تنبيهات مهمة تتعلق بالتخصيص ب (الحس، والعقل، والعرف المقارن للخطاب): ١ - الحس، والعقل، والعرف ليسوا قاضيين على الشرع، فإن اقتضت هذه الأدلة شيئًا مخالفًا للشرع سقط الاستدلال بها، وصار الحكم للشرع. ٢ - إنَّ الشرع قد جعل للحس، والعقل اعتبارًا، قال ابن حزم في (إحكامه): وأما ما أُدرك بالحس قد جاء النص بقبوله، قال تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥]. ٣ - التخصيص بالحس يؤول إلى أنَّ العقل يحكم بخروج بعض الأفراد بواسطة الحس، ولم يخرج عن كونه خارجًا للعقل، فليكونا قسمًا واحدًا وإن اختلف طريق الحصول، قلت: ويؤيد هذا الذي قاله المرداوي أنَّ بعض أهل العلم استدلوا في مسألة التخصيص بالحس بأدلة استدل بها نفسها آخرون على التخصيص بالعقل.

стр. 1301

مثال ذلك: أنَّ الغزالي ﵀ أورد في التخصيص بالعقل أدلة، منها قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، وهي نفس الأدلة التي أوردها المرداوي في التحبير في مسألة التخصيص بالحس، والخلاصة أنَّ الحس والعقل كلاهما مرتبط بالآخر، فالتفريق بينهما غير واضح. اه. لذا اقتصر بعض الأصوليين منهم ابن الحاجب على العقل فقط (١). _ التخصيص بالحس أي المشاهدة (٢): أو الدليل المأخوذ من أحد الحواس الخمس وهي الرؤية البصرية، أو السمع، أو اللمس، أو الذوق، أو الشم (٣). واستدلوا بقوله تعالى بشأن ملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]. قالوا: نحن نشاهد أشياء كثيرة لم تلقها بلقيس كملك سليمان (٤).

стр. 1302

ويجاب عن ذلك: بأنَّ ملك نبي الله سليمان ثابت بالنص؛ لذا قال تعالى في شأنه: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦]، وقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]. ومن الأدلة: قوله تعالى في شأن الريح التي أرسلها على عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. قالوا: نحن نشاهد أشياء كثيرة لم تدمرها الريح كالسماوات والجبال، وغيرها (١). وأجيب: بأنَّ لهذه الآية مخصصًا متصلًا، وهو قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، فاستثنى الله تعالى المساكن من الأشياء التي دمرت، ولا بد لها من أرض تقلها وسماء تظلها، ولها مخصص منفصل، وهو قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨]: أي أنَّ السماوات والأرض موجودتان إلى أن ينفخ في الصور (٢). ومن الأدلة: قوله تعالى في شأن الحرم: ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧].

стр. 1303

قالوا: ونحن نشاهد أشياء في أقصى المشرق والمغرب لا تجبى إليه. ويمكن أن يجاب عن هذا: بأنَّ ما في أقصى المغرب والمشرق له رزق تكفل الله به، وساقه إليه، ولم يجب إلى الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، فدل ذلك على أنَّ الحرم لم تذهب إليه جميع الأرزاق. _ التخصيص بالعقل: والمعنى أنَّ الصيغة العامة إذا وردت واقتضى العقل امتناع تعميمها، فيعلم من جهة العقل أنَّ المراد بها خصوص ما لا يسوغه العقل، والمعنى أنا نعلم بالعقل أنَّ مطلق الصيغة لم يرد تعميمها (١). وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، فإنَّ هذا الخطاب يتناول بعمومه من لا يفهم من الناس كالصبي والمجنون، لكنه خرج بدليل العقل فكان مخصصًا للعموم، ودليل العقل

стр. 1304

المخصص له شروط التكليف (١). ويمكن أن يقال: إنَّ هذا التخصيص ثابت بالنص، منه قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فالصبي ومن لا يفهم ليس بوسعهما القيام بهذه الأوامر، وكذا قوله ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» (٢). قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، والمراد ما خلا الصفات والذات؛ لأنَّ العقل قد دل على أنه لا يجوز أن يخلق صفاته، فخصصنا العموم به يعني بالعقل (٣). وأجيب: بأنَّ الآية لها مخصصات، منها قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣] (٤).

стр. 1305

هذا وقد ورد بعض الاعتراضات على التخصيص بالعقل، وهي: ١ - ما لا يصح وقوعه عقلًا لا يصح تمام اللفظ له لغة، ولا إرادة المتكلم له حينئذ، فلا عموم في اللفظ، فلا تخصيص. ومثاله: أنَّ ذات الباري وصفاته لا يصح خلقها عقلًا، فلا يكون قوله : ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] متناولًا لها لغة، فلا يكون الكلام عامًّا، فلا يكون الفعل مخصصًا له (١). ويجاب عن هذا باعتراض أنه يدفع نفسه بنفسه، بأنَّ معناه أنَّ العقل منع من دخول بعض الأفراد تحت النص، فبهذا يصبح العقل مخصصًا؛ لأنه قصر العام على بعض أفراده، وأما القول بأنَّ هذا الكلام لا يكون عامَّا، فتوجيهه أن يقصد أنه لا يكون عامًّا باقيًا على عمومه، والله أعلم. ٢ - قالوا: إنَّ المخصص لا بد أن يكون متأخرًا، والعقل سابق في الوجود على أدلة السمع. ويجاب: أنه يتقدم على أدلة السمع بوجوده لا بيانه (٢). ٣ - يمنع التخصيص بالعقل قياسًا على منع النسخ به.

стр. 1306

ويجاب: أنَّ هذا قياس مع الفارق؛ لأن النسخ رفع للحكم، ولا قوة للعقل على ذلك بخلاف التخصيص، فإنه بيان، والعقل يصح أن يكون مبينًا (١). ومع أنَّ هذه الاعتراضات مدفوعة، إلا أنه ليس هناك دليل في هذا الباب خالٍ من الاعتراض في هذه المسألة، لا سيما أنَّ معظم الأدلة التي استدلوا بها على التخصيص بالعقل، والحس لها مخصصات من الشرع. فلعله يحسن أن يقال يستأنس بالعقل، والحس، والعرف طالما لم يصطدموا بالشرع. أما أن يكونوا أدلة مستقلة في باب التخصيص، فإنه يفتح الباب لرد النصوص أو تأويلها بحجة العقل، في حين أنَّ العقل السليم لا يصادم نصًّا صريحًا؛ لذا فإنَّ القرآن الكريم قد وجه في كثير من الآيات إلى التفكر والتدبر بالعقل، والذي يوصل بإذن الله إلى المراد من قول الله تعالى، وقول رسوله ﷺ ، فليس معنى المنع أو التوقف في مسألة التخصيص بالحس، أو بالعقل، أو بالعرف كأدلة مستقلة أننا نهملها. وقد يقال: إنَّ التخصيص يحدث بالشرع أولًا، فيظهر أنَّ العموم

стр. 1307

ليس على عمومه، ثم بعد ذلك يأتي العقل، أو الحس، أو العرف مؤكدًا تابعًا للشرع في ذلك. قال الشيخ مصطفى سلامة -حفظه الله-: إنَّ إدراك العقل لشيء على وجهه الصحيح دليل على سلامة العقل وصراحته، فإنه لا منقول صحيح يخالف عقلًا صريحًا (١). • التخصيص بالعرف المقارن، أو العادة: اختلف أهل العلم في هذه المسألة: فالجمهور على أنه لا يخصص، وهو قول الحنابلة، والشافعية. وذهب الأحناف إلى جواز التخصيص به (٢)، وفرق البعض كالآمدي، وغيره بين العادة القولية، والعادة الفعلية، فالعادة القولية تخصص، ومثاله: تخصيص اسم الدابة بذوات الأربع، وإن كان لفظ الدابة عامًّا في كل ما يدب على الأرض، وإنما خصصت بذوات الأربع بالعادة أو العرف القولي؛ لكثرة استعمالها لذوات الأربع. ومثال العادة الفعلية عندهم: أن يرد خطاب بتحريم الطعام. فإذا اعتاد مخاطبون على تناول طعامٍ معينٍ فلا يخصص الطعام هنا بما

стр. 1308

اعتاد الناس عليه، بل يبقى العموم في تحريم كل طعام (١). وظاهر كلام الرازي: أنَّ التخصيص بالعادة ما إذا كانت موجودة في عهد النبي ﷺ ، وأقرهم عليها، وأجمعوا على التخصيص بها (٢). وقد استدل من قال: إنَّ العرف يخصص. بحديث معمر بن عبد الله ﵁ قال: كنت أسمع النبي ﷺ يقول: «الطعام بالطعام مثلًا بمثل»، قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير (٣). ووجه الاستدلال: أنَّ معمرًا ﵁ صرف قول النبي ﷺ الطعام وخصص بالشعير. قلت: هذا دليل فيه نظر من ثلاثة أوجه: الأول: أنَّ معمرًا نفسه لم يخصص الطعام هنا بالشعير فقط، لأنه إنما أرسل غلامه بصاع تمر، فقال: بعه ثم اشتري به شعيرًا. فذهب الغلام، فأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرًا أخبره بذلك، فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ افصله فرده ولا تأخذه إلا مثلًا بمثل (٤)، وساق الحديث.

стр. 1309

فإنه لو قصر المعنى على الشعير فقط لما رد الغلام مرة أخرى. الثاني: أنه قد دل الدليل على أنَّ الطعام ليس مقصودًا به الشعير فقط، كقوله ﷺ : «التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح مثلًا بمثل يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه» (١). ومع أنَّ هذه الأطعمة كانت هي الموجودة، إلا أنَّ أهل العلم لم يقصروا الربا على هذه الأصناف فقط، وإنما أجروها في ما تحقق فيه المعنى. الثالث: القول بالتخصيص بالعرف المقارن للخطاب قد يجعل إخراج زكاة الفطر قاصرًا على المطعومات الواردة في الحديث فقط، وهو بخلاف ما قاله العلماء، فقول ابن عمر: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين» (٢). ففرضت زكاة الفطر طعامًا، ولم تخص بالأطعمة الموجودة آنذاك. وحاصل الأمر: أنَّ العرف إذا أقره النبي ﷺ ، فهو تخصيص بالسنة،

стр. 1310

وإن أجمع الصحابة عليه فهو تخصيص بالإجماع. كذا فإنَّ جريان عمل السلف الصالح يدل على أنهم ما كانوا يخصصون الأدلة الشرعية العامة بالعرف، سواء كان العرف قوليًّا أوعمليًّا؛ لأنه مما لا شك فيه أنَّ من الأمصار من كان لها عرفٌ يخالف العموم، ومع ذلك لم يكونوا يلتفتون إلى ذلك العرف. قال السمعاني: وأما التخصيص بالعرف والعادة، فقد قال أصحابنا: لا يجوز تخصيص العموم به؛ لأن الشرع لم يوضع على العادة، وإنما وضع على ما أراد الله تعالى، ولا معنى للرجوع إلى العادة في شيء من ذلك (١). تنبيه: ما سبق من الكلام على التخصيص بالعرف إنما هو في العرف الذي كان في زمن الوحي، أما إن كان العرف حادثًا، فلا يجوز تخصيص النص به، فمثلًا قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. وقوله ﷺ : «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (٢).

стр. 1311

لا يجوز حمل الفقه هنا على ما تعارف عليه الناس اليوم من أنه: معرفة الأحكام العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية. لأنه عرف حادث (١). قال الشوكاني ﵀: والعجب ممن يخصص كلام الكتاب والسنة بعادة حادثة بعد انقراض زمن النبوة تواطأ عليها قوم وتعارفوا بها، ولم تكن كذلك في العصر الذي تكلم فيه الشارع، فإنَّ هذا من الخطأ البين والغلط الفاحش (٢). • التخصيص بمذهب الصحابي (٣): اختلف أهل العلم في تخصيص العموم بمذهب الصحابي أو بقوله: فالجمهور على عدم الجواز، وهو مذهب الشافعي، وأكثر الفقهاء والأصوليين، وسواء كان هو الراوي للحديث الذي يخالفه أم لا، وحجة هؤلاء: أنَّ الحجة في العموم، ومذهب الصحابي ليس بحجة، فلا يجوز التخصيص به. وذهب آخرون إلى أنه يجوز التخصيص به، وهو قول أبي حنيفة، والحنابلة.

стр. 1312

واستدلوا: بأنَّ مخالفة الصحابي للعموم يقتضي وجود دليل عنده جعله يعدل عن العموم، فينبغي الأخذ بقوله، وتخصيص العموم به، وإلا فإنَّ عدم الأخذ بقوله يقتضي الطعن في عدالته. وأجيب: بأنه لا يلزم من مخالفة الصحابي للعموم وجود دليل في المسألة، فقد يكون ذلك بناءً على نظره واجتهاده الذي ربما كان مخطئًا، أو مصيبًا فيه، أو فهم أمر ما من العموم. كما أنَّ مخالفته وعدم الأخذ بقوله لا يطعن في عدالته، بدليل أنَّ الصحابة اختلفوا في مسائل كثيرة، ولم يفسق بعضهم بعضًا، ولم يكن ذلك مخرجًا لأحد منهم عن عدالته. وخلاصة المسألة: أنَّ قول الصحابي ليس مخصصًا للعموم، وإن كانوا جماعة ما لم يجمعوا على ذلك. تنبيه: الكلام في هذه المسألة فيما إذا لم يكن قول الصحابي له حكم الرفع، أو لم يعرف له مخالف؛ لأنه حينئذ يكون قوله حجة، ويخص به العموم. • دلالة العام: والمعنى دلالته على الأفراد الذين يشملهم هل تقبل التخصيص فتكون ظنية أم لا تقبله فتكون قطعية، والمراد بأفراد العموم من

стр. 1313

يدخلون تحت لفظ العموم ويصح أن يكونوا مرادين بالنص العام. اختلف أهل العلم في دلالة العام: هل هي قطعية أم ظنية؟ على قولين: • الأول: وهو قول الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، قالوا: إنَّ دلالة العام على جميع أفراده ظنية، يعني على استغراقه لجميع أفراده. وإذا خُصّص كان ظني الدلالة أيضًا على ما بقى من أفراده بعد التخصيص، فهو ظني الدلالة قبل التخصيص وبعده، واستدلوا بالآتي: ١ - أكثر العمومات مخصصة، فبغلبة الظن أنَّ العموم الذي سيأتي سيخصص؛ لأنه الغالب، وطالما أنَّ التخصيص للعام هو الغالب، إذن دلالته على جميع أفراده ليست قطعية. ٢ - جواز إخراج بعض أفراد العام بالاستثناء ونحوه عملًا بقاعدة: الاستثناء معيار العموم. فلو كانت دلالته قطعية لم يصح ذلك. ٣ - جواز تأكيد العام بكل وأجمعين لدفع احتمال التخصيص، مثل قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]. فكلمة أجمعون للتأكيد، والتأكيد يأتي لقطع الاحتمال، فلا يوجد احتمال أن يخرج ملك واحد عن السجود، وطالما احتاج إلى التأكيد، فإنَّ احتمال

стр. 1314

التخصيص قائم بدون التأكيد. • القول الثاني: قالوا إنَّ دلالة العام على كل أفراده قطعية، واستدلوا بالآتي: ١ - أنَّ اللفظ العام موضوع لغة للعموم، فكان العموم ملازمًا له عند إطلاقه حتى يقوم الدليل على خلافه، والاحتمال على التخصيص لا ينافي القطعية. ولذلك فهم الصحابة -رضوان الله عليهم- العموم من الألفاظ القرآنية (١). فإذا قال قائل: أكرم الطلبة. فدلالته على كل الطلبة دلالة قطعية، ولا نقول بوجود احتمال إلا أن يأتي الدليل (٢). قلت: ولا يخفى ما في قولهم من بعد. فقولهم: التخصيص لا ينافي القطعية، فلا نسلم به، ولا دليل عليه. وأما قولهم: أكرم الطلبة. دلالته قطعية على كل الطلبة، فالرد من وجهين:

стр. 1315

١ - إما أن يأتي تخصيص لبعض الطلبة، فيخرجوا من العموم، وعندئذ تكون دلالته على كل الطلبة ظنية؛ لأن الإكرام لم يشمل الجميع. ٢ - وإما ألا يأتي تخصيص فيبقى على عمومه، فعندئذ لا ننازع في أنه قطعي الدلالة، كالعام الباقي على عمومه. - ومما سبق يتضح أنَّ قول الجمهور هو الراجح، وقد يستأنس لذلك بفهم الصحابة. مثل قوله ﷺ : «لن يُدخلَ أحدًا عمله الجنة»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «لا، ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة» (١). ففهم الصحابة من النكرة التي في سياق النفي (أحدًا) العموم؛ ولأنَّ دلالة العام عندهم ظنية، فسألوا عن دخول النبي ﷺ في هذا العام أم لا، فأجاب ﷺ بأنه داخلٌ في هذا العموم، وأقرهم على فهمهم، وكذلك يستدل بهذا الحديث على دخول النبي ﷺ في خطاب أمته. ولقائل أن يقول: إنَّ نبي الله إبراهيم فهم من قول الله تعالى: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] العموم القطعي، فخاف على لوط.

стр. 1316

والجواب: أنَّ هذا الاستدلال لا يفي بالمطلوب، وذلك لأنَّ نبي الله إبراهيم ﵊ فهم أنَّ الدلالة قطعية، فبين الله تعالى له أنها ظنية، وأنَّ لوطًا مستثنى من هذا العموم، أو أخذ بظاهر النص، وظاهر النص مأخوذ به معمول بمقتصاه وإن لم يكن قطعيًّا، بل يكفي فيه الظن الظاهر من اللفظ. • أثر الاختلاف في دلالة العام: ترتب على الاختلاف السابق بين العلماء الاختلاف في مسألتين أصوليتين وهما: أولًا: التخصيص بالدليل الظني: الجمهور على أنه يجوز تخصيص العام الظني بالدليل الظني كخبر الآحاد والقياس، مثل قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فإنه مخصص بما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ : «لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها» (١). مثال: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فإنه مخصص بقول النبي ﷺ : «القاتل لا

стр. 1317

يرث» (١)، وبقوله ﷺ : «لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر» (٢). مثال قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، مخصص بقول النبي ﷺ : «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا» (٣). وأما الأحناف فقالوا: لا يجوز تخصيص العام ابتداءً بدليل ظني كخبر الآحاد والقياس. واستدلوا بقول عمر ﵁ في قصة فاطمة بنت قيس التي طلقها زوجها ثلاثاً، فرَوَت أنَّ رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فقال عمر ﵁: لا نترك كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة (٤). فلم يجعل حديثها مخصصًا لعموم قول الله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] (٥).

стр. 1318

ويجاب عنه: أنه ليس فيه أنَّ عمر رد خبرها؛ لأنه لا يرى تخصيص العموم بخبر الواحد، بل إنَّ محل النزاع والرد عند عمر ﵁ ثبوت الخبر نفسه، لذا قال: لعلها حفظت أو نسيت. كما أنَّ الصحابة -رضوان الله عليهم- أجمعوا على تخصيص العمومات بأخبار الآحاد، حيث إنهم أضافوا التخصيص إليها من غير نكير، فكان إجماعًا (١). ثانيًا: تعارض العام والخاص: عند الجمهور لا يتحقق التعارض بين العام والخاص، ويعمل بالخاص فيما دل عليه، ويعمل بالعام فيما وراء ذلك؛ لأنَّ الخاص قطعي الدلالة، والعام ظني الدلالة، ولا تعارض بينهما؛ لأنَّ شرط التعارض بين الدليلين أن يكونا في قوة واحدة. أما الأحناف: عندهم يتحقق التعارض بين العام الذي يخصص وبين الخاص؛ لأنَّ كليهما قطعي الدلالة، ويجب اللجوء إلى دفع التعارض إما بالتوقف، وإما بالتخصيص، وإما بالنسخ من المتأخر للمتقدم. مثال: الاختلاف في اشتراط النصاب في زكاة الزروع، لورود حديث عام بعدم الاشتراط، وحديث خاص باشتراطه، وخصص الجمهور

стр. 1319

العام بالخاص، واشترطوا النصاب لعدم التعارض بينهم، وقال الأحناف بالتعارض، وتقديم النص العام لرجحانه، ولم يشترطوا النصاب. مثال آخر: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فالنص عام في كل من رمى محصنة سواء كان زوجًا لها أم لا، ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]، فالنص خاص بالأزواج الذين يرمون زوجاتهم. الجمهور قالوا: لا تعارض، ويعمل بالخاص فيما دل عليه، ويعمل بالعام فيما وراء ذلك، أي يخصصون العام، ويقضون بالخاص على العام؛ لأنَّ دلالة الخاص قطعية والعام ظنية. والأحناف: قالوا بالتعارض بين الآيتين، وأنَّ الثانية متأخرة عن الأولى، فينسخ الخاص العام في قدر ما تناولاه، وهو النسخ الجزئي عندهم (١). مثال آخر: اختلافهم في من قتل رجلًا عمدًا، ثم لاذ بالفرار، ودخل الحرم، وتعلق بأستار الكعبة، فهل يقام عليه الحد أم لا؟

стр. 1320

قال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، أخرج الكافر والوثني، فبقى العموم في المسلم سواء كان سارقًا، أو قاتلًا، أو زانيًا، فكل هؤلاء داخلون في عموم قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. الأحناف قالوا: لا يقام عليه الحد. والجمهور قالوا: يقتل ويقام عليه الحد قياسًا على من استحق القتل فقتل، فقد أباح الله تعالى قتال المشركين في الحرم، بدليل قوله تعالى ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فأباح للنبي ﷺ قتلهم في الحرم. وكابن خطل الذي كان يسب النبي ﷺ فقال: «إن وجدتموه متعلقًا بأستار الكعبة فاقتلوه، فوجدوه متعلقًا بأستار الكعبة، فقالوا: يا رسول الله، وجدناه قد تعلق بأستار الكعبة، قال: فاقتلوه» (١)، فقتلوه وهو متعلق بأستار الكعبة. فالجمهور خصصوا العموم بالقياس (٢).

стр. 1321

الفصل الرابع: المطلق والمقيد

стр. 1322

المطلق والمقيد • تعريف المطلق: المطلق لغة: ضد المقيد (١). وهو اسم مفعول مأخوذ من مادة تدور على معنى الانفكاك من القيد، فيقال: أطلق الأسير إذا أخلي سبيله، وأطلق الطير إذا فتح قفصه، وأطلق القوم مواشيهم إذا سرحوها، وأرسلوها إلى المراعي، وأطلق يده بخير فتحها، وأطلق الرجل امرأته وطلقها بمعنى خلاها من قيد الزواج، فالإطلاق أن يذكر الشيء باسمه لا يقرن بوصف، ولا شرط، ولا زمان، ولا عدد، ولا شيء مما يشبه ذلك (٢). اصطلاحًا: ما دل على الحقيقة بلا قيد في جنسها غير المحصور (٣).

стр. 1323

• شرح التعريف: ما: أي لفظ. دل: احتراز عن الألفاظ المهملة. الحقيقة: خرج به العام؛ لأنه يدل على العموم لا على مطلق الحقيقة (١). بلا قيد: يعني بلا وصف زائد عليها، أي من غير اعتبار قيد، سواء وجد ولم يعتبر أم لم يوجد (٢). "في جنسها": أي من جنسها. غير المحصور: المقصود الجنس غير محصور العدد (٣). وعرفه البعض كالآمدي: بأنه النكرة في سياق الإثبات. وذلك احترازًا عن النكرة في سياق النفي (٤). والتعريف الأول أجود وأشمل؛ وذلك للآتي: ١ - أنه يدخل فيه النكرة في سياق الإثبات وغيرها؛ لأنَّ الإطلاق

стр. 1324

ليس قاصرًا على النكرة في سياق الإثبات، لأنَّ الفعل بأقسامه يفيد الإطلاق، فإذا قلت: صام زيد يوم الإثنين، فلا يدل هذا على أنه يصوم كل اثنين، فالفعل المطلق في سياق الإثبات كالنكرة في سياق الإثبات يفيد الإطلاق؛ وذلك لأنَّ الفعل متضمن للمصدر، فالمصدر الكامن في الفعل ليس بمعرفة وإنما نكرة، ومثال ذلك: ما ورد أنه ﷺ صلى داخل الكعبة (١). فإنها احتملت الفرض والنفل، بمعنى أنه لا يتصور أنها فرض ونفل معًا (٢). قلت: ومن الأدلة على أنَّ الإطلاق يؤخذ من الفعل كما يؤخذ من الاسم، ما ذكر في صلح الحديبية لما قال عمر ﵁ للنبي ﷺ : أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام»، قال: قلت: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوف به» (٣). ووجه الاستدلال: أنَّ النبي ﷺ لما عتب عليه عمر؛ لأنه وعدهم بأنهم سيأتون البيت احتج النبي ﷺ بالإطلاق، يعني أنه أطلق الفعل "نأتي"، ولم يقيده بزمن، فهو وإن كان وعد بإتيان البيت، لكنه لم يقيد

стр. 1325

هذا الإتيان بزمن، ومن ثم لا يصح قصر الإطلاق على النكرات فقط. ٢ - أنَّ النكرة في سياق الإثبات ليست دائمًا دالة على الإطلاق، وإنما قد تأتي أحيانًا للعموم، وذلك إذا كانت في سياق الامتنان؛ لأنَّ النكرة في سياق الامتنان لو جعلناها محصورة لا تدل على العموم، لم يكن الامتنان كاملًا. ولذا فإنَّ المطلق هو: ما دل على الحقيقة بلا قيد في جنسها غير المحصور. مثال: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]. الرقبة لفظ مطلق لم يقيد بشيء، يعني لم يقيد بالإيمان، أو بالسلامة من العيوب فلم يقيد بصفة معينة (١). قوله ﷺ : «لا نكاح إلا بولي» (٢)، فلفظ الولي يتناول واحدًا غير معينٍ من جنس الأولياء (٣). قولنا: فرس. يدل على ذلك الحيوان الصاهل، ولم يعتبر في هذا

стр. 1326

اللفظ أيَّ قيدٍ من القيود التي تقلل من شيوعه وانتشاره بين أفراد جنسه، حيث لم يوصف بوصف ما، كما لم يشترط فيه أن يكون في مكان أو زمان ما (١). • أقسام اللفظ باعتبار الإطلاق والتقييد: ١ - ما جاء مطلقًا بلا قيد؛ فهذا يجب العمل به على إطلاقه، كالسفر عند البعض، لم يقيد بسفر دون سفر. قال ابن تيمية: والواجب أن يطلق ما أطلق صاحب الشرع ﷺ ، ويقيد ما قيده، فيقصر المسافر الصلاة في كل سفر، ولا يقسم إلى طويل وقصير (٢). وقال الألباني ﵀: فإنَّ السفر مطلق في الكتاب والسنة، لم يقيد بمسافة محدودة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [النساء: ١٠١]، ولذلك قال العلامة ابن القيم في (زاد المعاد): ولم يحد ﷺ لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل أطلق لهم ذلك في مطلق السفر،

стр. 1327

والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر (١). ٢ - ما جاء مقيدًا فيلزم العمل بموجب القيد الوارد فيه، ولا يصح إلغاؤه، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤]، فورد الصيام مقيدًا بالتتابع، وبكونه قبل التماس والاستمتاع، فيعمل به على تقييده بهذين القيدين (٢). ٣ - أن يرد اللفظ مطلقًا في نص، ومقيدًا في آخر، وهذا هو محل البحث، فإذا خلا المطلق والمقيد عن القرائن الموجبة للحمل أو عدمه، فلا يخلو الحال من أربعة أقسام: الأول: أن يتحد الحكم والسبب، وهنا يحمل المطلق على المقيد. قال الآمدي: فلا نعرف خلافًا في حمل المطلق على المقيد ها هنا. ومثال ذلك كما لو قال في الظهار: اعتق رقبة. ثم قال: اعتق رقبة مؤمنة. فيحمل المطلق على المقيد هنا عند الأئمة الأربعة، وغيرهم (٣). أمثلة: ١ - قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وفي

стр. 1328

قراءة ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعة)، وهذا باعتبار قراءة ابن مسعود حجة، فالحكم في الآيتين واحد، وكذلك السبب فيحمل المطلق على المقيد (١). وقراءة ابن مسعود (متتابعات) لم تثبت قرآنًا؛ لإجماع الصحابة على عدم كتابتها في المصاحف العثمانية (٢). ٢ - قوله ﷺ : «ما من ميت يصلي عليه أمة من الناس كلهم يشفع له إلا شفعوا فيه» (٣). وقوله ﷺ : «ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعوا فيه» (٤). فقوله في الحديث الأول (أمة) مطلق؛ لأنه نكرة في سياق الإثبات، وهو مطلق لم يقيد بعدد، ولا وصف، ثم جاء التقييد في الحديث الثاني بقيدين: الأول: العدد وهم (أربعون رجلًا).

стр. 1329

الثاني: الوصف وهو «لا يشركون بالله شيئًا»، سواء كان الحكم هو الصلاة والسبب الشفاعة، أو الحكم الشفاعة والسبب الصلاة، فإنَّ المطلق هنا يحمل على المقيد. ٣ - قوله ﷺ : «عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر» (١)، مع قوله ﵊: «عليكم بالإثمد عند النوم فإنه يجلو البصر وينبت الشعر» (٢). فالحديث الأول مطلق في الوقت، والثاني مقيد ب (عند النوم)، فيحمل المطلق على المقيد وجوبًا؛ لأنَّ الحكم في الحديثين واحد، وهو: عليكم بالإثمد. والسبب واحد، وهو جلاء البصر، وإنبات الشعر. وإنما يحمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم والسبب؛ لأن من عمل بالمقيد، فقد وفَّى بالعمل بدلالة المطلق، ومن عمل بالمطلق

стр. 1330

لم يف بالعمل بدلالة المقيد، فكان الجمع هو الواجب والأولى (١). الثاني: أن يتحد الحكم، ويختلف السبب: وهذا القسم وقع فيه الخلاف، فذهب بعضهم أنه لا يحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة، وهو قول الأحناف (٢). واستدلوا بالآتي: أولًا: حمل المطلق على المقيد هنا زيادة لا ينبئ عنها اللفظ، فإنَّ ذلك ليس بتخصيص، وإنما هو زيادة في النص، والزيادة في النص توجب النسخ. والدليل على أنَّ زيادة شرط الإيمان في رقبة الظهار يكون على وجه النسخ: أنَّ ظاهر الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية [المجادلة: ٣] يفيد جواز رقبة مطلقة غير مقيدة بشرط الإيمان، فمتى شرطناه فيها، فقد حظرنا ما أباحته الآية من جواز الرقبة الكافرة، وهذا هو حقيقة النسخ، وغير جائز إثبات مثله بالقياس، ولا بخبر الواحد (٣).

стр. 1331

وأجيب: أنَّ هذا ليس نسخًا، وإنما هو تقييد، وبيان، وعملٌ بكلا النصين، لا سيما وأنَّ الأحناف يشترطون السلامة من العيوب في الرقبة، مع أنها زيادة لا ينبئ عنها النص (١). ثانيًا: القول بتقييد الرقبة في الظهار بالإيمان يلزم منه القول بجواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وبيانه أنَّ أوس بن الصامت ظاهر من امرأته شهر رمضان فجاءت امرأته، فسأل النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى آية الظهار، فقال لها النبي ﷺ : «مريه فليعتق رقبة» (٢)، فهنا أمره الله تعالى بعتق رقبة من غير شرط الإيمان، وأمر النبي ﷺ بها كذلك، ولو كان من شرطها الإيمان لبينه النبي ﷺ ؛ لأنَّ الموضع موضع بيان كامل، ولأنَّ السائل ملزم بتنفيذ الحكم في الحال مع جهله بالحكم (٣). قلت: ويمكن الإجابة عن هذا بالقول بأنَّ البيان قد يتأخر عن وقت الخطاب، وليس الحاجة، ولا نسلم أنَّ أوس بن الصامت قد خفي عليه أنَّ العتق للمؤمنة، بل لربما أطلق النبي ﷺ الرقبة، ولم يقيدها لدلالة غيرها عليها، ولعلمه أنَّ الصحابي لا يعتق إلا مؤمنة.

стр. 1332

وذهب آخرون أنَّ المطلق في هذه الحالة يحمل على المقيد، وهو منقول عن الشافعي، وأكثر الشافعية، وهو اختيار الشوكاني من المتأخرين (١). وهو الراجح؛ للأدلة الآتية: ١ - أنَّ القرآن متَّحد في ذاته لا تعدد فيه، وأنه يفسر بعضه بعضًا، فيقضي بخاصه على عامه، وبمقيده على مطلقه، وهكذا، فإذا نص على اشتراط الإيمان في كفارة القتل كان ذلك بمثابة التنصيص على اشتراطها في كفارة الظهار (٢). ٢ - قوله ﷺ للجارية السوداء لما أراد صاحبها أن يعتقها: «أين الله؟» فقالت: في السماء، فقال ﷺ : «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (٣)، فتبين أنَّ الكافر لا يعتق (٤). ٣ - أنَّ حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم يدفع التعارض ويحقق الانسجام بين النصوص (٥).

стр. 1333

٤ - القياس: والمعنى أنه يشترط الإيمان في رقبة كفارة الظهار قياسًا على اشتراطها في كفارة القتل، بجامع أنَّ كليهما كفارة، وكليهما عتق رقبة (١). واعترض الأحناف بأنَّ المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض، فرقبة الظهار مطلقة منصوص عليها، ورقبة القتل مقيدة بشرط الإيمان منصوص عليها أيضًا، فيعمل بكل نص على حدة، فوجود النص أغنى عن القياس (٢). وأجيب عن هذا الاعتراض: بأنَّ اشتراط الإيمان في رقبة الظهار غير منصوص عليه، فقسناه على الشرط المنصوص عليه في رقبة القتل. وعليه؛ فإنَّ القاعدة العامة في هذا المبحث أنه: إذا اتفق حكم المطلق والمقيد يحمل المطلق على المقيد (٣). قال الشوكاني: ولا يخفاك أنَّ اتحاد الحكم بين المطلق والمقيد يقتضي حصول التناسب بينهما بجهة الحمل (٤).

стр. 1334

الثالث: أن يختلف الحكم ويتحد السبب: نحو: اكس يتيمًا، أطعم يتيمًا عالمًا. فلا يحمل أحدهما على الآخر بوجه من الوجوه، اتحد سببهما أو اختلف، بل حكى الإجماع جماعة من المحققين آخرهم ابن الحاجب (١). أمثلة: ١ - قوله تعالى في آية الوضوء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. وقال في التيمم: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]. فهل يحمل المطلق على المقيد لاتحاد السبب هنا، وهو الحدث أو إرادة الصلاة، أم لا يحمل لاختلاف الحكم؟ فالحكم في الوضوء غسل الأيدي إلى المرافق، وفي التيمم ورد بلا قيد، فهل تمسح الأيدي في التيمم إلى المرافق؟ والجواب: لا؛ وذلك لاختلاف الحكم. فالحكم في الوضوء بالنسبة لليد الغسل، بينما الحكم في التيمم

стр. 1335

المسح، فالحكم مختلف فلا يحمل أحدهما على الآخر (١). ٢ - قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، مع قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]. ففي الحكم الأول: تحرير رقبة من قبل أن يتماسا، وفي الحكم الثاني: الإطعام لم يقيد بالتماس. فهل يحرم عليه الوطء حتى يطعم كما حرم عليه حتى يحرر رقبة؛ لأنَّ السبب واحد وهو الظهار؟ والجواب: لا؛ لأنَّ الإطعام لم يقيد بالتماس، فالحكم مختلف، وقال البعض يحمل لاتفاق السبب. ٣ - في قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. أولًا: المطلق في قوله تعالى أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. ثانيًا: المقيد في قوله تعالى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فمقيد بقوله ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ
следующие страницы →