وأجيب: أنَّ هذا ليس نسخًا، وإنما هو تقييد، وبيان، وعملٌ بكلا النصين، لا سيما وأنَّ الأحناف يشترطون السلامة من العيوب في الرقبة، مع أنها زيادة لا ينبئ عنها النص (١).
ثانيًا: القول بتقييد الرقبة في الظهار بالإيمان يلزم منه القول بجواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وبيانه أنَّ أوس بن الصامت ظاهر من امرأته شهر رمضان فجاءت امرأته، فسأل النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى آية الظهار، فقال لها النبي ﷺ : «مريه فليعتق رقبة» (٢)، فهنا أمره الله تعالى بعتق رقبة من غير شرط الإيمان، وأمر النبي ﷺ بها كذلك، ولو كان من شرطها الإيمان لبينه النبي ﷺ ؛ لأنَّ الموضع موضع بيان كامل، ولأنَّ السائل ملزم بتنفيذ الحكم في الحال مع جهله بالحكم (٣).
قلت: ويمكن الإجابة عن هذا بالقول بأنَّ البيان قد يتأخر عن وقت الخطاب، وليس الحاجة، ولا نسلم أنَّ أوس بن الصامت قد خفي عليه أنَّ العتق للمؤمنة، بل لربما أطلق النبي ﷺ الرقبة، ولم يقيدها لدلالة غيرها عليها، ولعلمه أنَّ الصحابي لا يعتق إلا مؤمنة.
стр. 1332
وذهب آخرون أنَّ المطلق في هذه الحالة يحمل على المقيد، وهو منقول عن الشافعي، وأكثر الشافعية، وهو اختيار الشوكاني من المتأخرين (١).
وهو الراجح؛ للأدلة الآتية:
١ - أنَّ القرآن متَّحد في ذاته لا تعدد فيه، وأنه يفسر بعضه بعضًا، فيقضي بخاصه على عامه، وبمقيده على مطلقه، وهكذا، فإذا نص على اشتراط الإيمان في كفارة القتل كان ذلك بمثابة التنصيص على اشتراطها في كفارة الظهار (٢).
٢ - قوله ﷺ للجارية السوداء لما أراد صاحبها أن يعتقها: «أين الله؟» فقالت: في السماء، فقال ﷺ : «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (٣)، فتبين أنَّ الكافر لا يعتق (٤).
٣ - أنَّ حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم يدفع التعارض ويحقق الانسجام بين النصوص (٥).
стр. 1333
٤ - القياس: والمعنى أنه يشترط الإيمان في رقبة كفارة الظهار قياسًا على اشتراطها في كفارة القتل، بجامع أنَّ كليهما كفارة، وكليهما عتق رقبة (١).
واعترض الأحناف بأنَّ المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض، فرقبة الظهار مطلقة منصوص عليها، ورقبة القتل مقيدة بشرط الإيمان منصوص عليها أيضًا، فيعمل بكل نص على حدة، فوجود النص أغنى عن القياس (٢).
وأجيب عن هذا الاعتراض: بأنَّ اشتراط الإيمان في رقبة الظهار غير منصوص عليه، فقسناه على الشرط المنصوص عليه في رقبة القتل.
وعليه؛ فإنَّ القاعدة العامة في هذا المبحث أنه: إذا اتفق حكم المطلق والمقيد يحمل المطلق على المقيد (٣).
قال الشوكاني: ولا يخفاك أنَّ اتحاد الحكم بين المطلق والمقيد يقتضي حصول التناسب بينهما بجهة الحمل (٤).
стр. 1334
الثالث: أن يختلف الحكم ويتحد السبب:
نحو: اكس يتيمًا، أطعم يتيمًا عالمًا. فلا يحمل أحدهما على الآخر بوجه من الوجوه، اتحد سببهما أو اختلف، بل حكى الإجماع جماعة من المحققين آخرهم ابن الحاجب (١).
أمثلة:
١ - قوله تعالى في آية الوضوء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
وقال في التيمم: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣].
فهل يحمل المطلق على المقيد لاتحاد السبب هنا، وهو الحدث أو إرادة الصلاة، أم لا يحمل لاختلاف الحكم؟
فالحكم في الوضوء غسل الأيدي إلى المرافق، وفي التيمم ورد بلا قيد، فهل تمسح الأيدي في التيمم إلى المرافق؟
والجواب: لا؛ وذلك لاختلاف الحكم.
فالحكم في الوضوء بالنسبة لليد الغسل، بينما الحكم في التيمم
стр. 1335
المسح، فالحكم مختلف فلا يحمل أحدهما على الآخر (١).
٢ - قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، مع قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤].
ففي الحكم الأول: تحرير رقبة من قبل أن يتماسا، وفي الحكم الثاني: الإطعام لم يقيد بالتماس.
فهل يحرم عليه الوطء حتى يطعم كما حرم عليه حتى يحرر رقبة؛ لأنَّ السبب واحد وهو الظهار؟
والجواب: لا؛ لأنَّ الإطعام لم يقيد بالتماس، فالحكم مختلف، وقال البعض يحمل لاتفاق السبب.
٣ - في قوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩].
أولًا: المطلق في قوله تعالى أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾.
ثانيًا: المقيد في قوله تعالى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فمقيد بقوله ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ
стр. 1336
أَهْلِيكُمْ﴾.
فالسبب واحد وهو كفارة اليمين، والحكم الأول الإطعام، والحكم الثاني الكسوة.
النتيجة: أنَّ الحكمين اختلفا، فلا يحمل المطلق على المقيد (١).
ففي هذه المسألة لا يحمل المطلق على المقيد؛ لأنَّ العبرة باتحاد الحكم (٢).
الرابع: أن يختلف الحكم، ويختلف السبب:
وهنا لا يحمل المطلق على المقيد إجماعًا (٣)، وذلك لعدم الصلة بينهما، فلا يحمل أحدهما على الآخر قطعًا (٤).
مثل قول الله تعالى في آية الوضوء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
وقال تعالى في حد السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
стр. 1337
فالسبب هنا في الوضوء رفع الحدث، أو إرادة الصلاة، والسبب في قطع اليد السرقة، فالسبب مختلف.
حكم اليد في الوضوء الغسل، وفي السرقة قطع اليد، فلا يحمل المطلق على المقيد لاختلاف الحكم والسبب (١).
• مسألة تعدد المقيد: إذا تعددت الأحكام المقيدة والمقابلة لمطلق واحد لا يحمل المطلق على أحدهما، وذلك مثل الصوم في الظهار قيده بالتتابع، قال تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]، وفي التمتع قيده بالتفريق قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأطلقه في كفارة اليمين قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، فقيل: لا يحمل المطلق في اليمين على الظهار، ولا على التمتع بل يعتبر بنفسه؛ إذ ليس حمله على أحدهما بأولى من الحمل على الآخر، فلا يلزم في كفارة اليمين أن يكون الصيام متتابعًا بل يجزي فيها التفريق، وهو قول مالك، والشافعي (٢).
стр. 1338
وبعض العلماء جعل صيام الكفارة في اليمين مقيدًا بالتتابع حملًا على التتابع في صيام الظهار؛ لأنَّ كلًّا منهما كفارة بخلاف صيام التمتع، فإنه بدل للواجب وهو الذبح، وهو قول ابن عباس، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وقتادة، وطاووس، فقالوا في كفارة اليمين لا يجزي فيها التفريق (١).
والراجح: أنه يكون المرء فيه مخيرًا بين التتابع فيه والتفريق (٢).
مثال: ورد الأمر بصوم قضاء رمضان مطلقًا في قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ٨٤، ٨٥] مع قيد صوم الظهار بالتتابع، وصوم التمتع بالتفريق، وقضاء رمضان ليس بأقرب لواحد منهما، فيبقى على إطلاقه من شاء تابعه، ومن شاء فرقه (٣).
• شروط حمل المطلق على المقيد:
أولًا: أن يتقدم المطلق ويتأخر المقيد: مثل ما سبق من الأمثلة، فإن تقدم المقيد وتأخر المطلق لا يحمل المطلق على المقيد، بل يكون المطلق ناسخًا للمقيد.
стр. 1339
ومثال ذلك: لما سُئل النبي ﷺ في المدينة قبل أن يخرج إلى الحج ما يلبس المحرم؟ فقال: «لا يلبس كذا وكذا، ولا الخفين إلَّا ألَّا يجد نعلين فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين»، فأجاز لبس الخف بشرط القطع، وفي الحج قال النبي ﷺ : «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين» (١)، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله يخطب بعرفات: «من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل» (٢). ففي المدينة قال: يلبسهما لكن بقيد القطع. وفي مكة قال: فليلبسهما. فهذا مطلق، فلا يحمل المطلق على المقيد.
وذلك:
١ - لأنَّ هذا نسخ للحكم الأول؛ لأنَّ القيد جاء أولًا، ثم جاء المطلق بعد ذلك.
٢ - ولأنَّ قيد القطع قاله النبي ﷺ في المدينة، ومعه في المدينة عدد قليل لكن في الحج أتى كثير من الناس ليتعلموا مناسك الحج، ولم يقيده النبي ﷺ ، فدل على أنَّ الصواب أنه لا يقيد، وإلا كان تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة، لذلك فتأخير المطلق هنا معناه نسخ المقيد.
стр. 1340
ثانيًا: أن يأتي المقيد قبل العمل بالمطلق: لأنه إذا نزل الحكم المطلق وتُرك النبي ﷺ والصحابة يعملون به؛ علم أنَّ الله أراد الإطلاق لذلك تركهم يعملون، فإذا جاء المقيد بعد ذلك كان نسخًا (١).
ثالثًا: أن يكون القيد من باب الصفات كالإيمان في الرقبة، ولا يصح أن يكون في إثبات زيادة لم ترد في المطلق، فلا يحمل المطلق على المقيد إذا كان سيؤدي إلى إثبات حكم لم يذكر.
مثال: قال تعالى في آية الوضوء: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، وقال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فقد أوجب غسل أربعة أعضاء في الوضوء، واقتصر في التيمم على عضوين؛ لذلك لا يصح أن يقال: يجب أن ييمم الرجلين والرأس إذا أراد التيمم؛ لأنه لو لزم التيمم في الأربعة، لكان إثباتًا لحكم لم يذكر، والإجماع منعقد على أنه لا يحمل إطلاق التيمم على تقييد الوضوء (٢).
رابعًا: ألا يعارض القيد قيدًا آخر، فإن عارضه قيد آخر لجأ المجتهد إلى الترجيح (٣).
стр. 1341
خامسًا: ألا يقوم دليل يمنع من التقييد، فإن قام دليل يمنع منه لم يجز.
ومثاله إطلاق الرقبة في كفارة الظهار في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وتقييد الرقبة في كفارة القتل بالإيمان كما في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فقد تقرر حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة، فالواجب تحرير رقبة مؤمنة في كفارة الظهار.
ولنفترض أنه ورد نص آخر في كفارة الظهار ينص على إجزاء الرقبة الكافرة نحو: (فتحرير رقبة مؤمنة أو كافرة)؛ لكان ذلك دليلًا مانعًا من حمل المطلق على المقيد (١).
سادسًا: ألا يكون للمطلق إلا أصل واحد، كاشتراط العدالة في الشهود على الرجعة، والوصية، وإطلاق الشهادة في البيوع وغيرها، فهي شرط في الجميع، وكذا تقييد ميراث الزوجين بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، وإطلاق الميراث فيما أطلق فيه، فيكون ما أطلق من المواريث كلها بعد الوصية والدين (٢).
стр. 1342
* أوجه الشبه والاختلاف بين العام والمطلق:
• أولًا: أوجه الشبه:
١ - الإطلاق والعموم كلاهما أمر اعتباري نسبي، فكما أنَّ اللفظ يجتمع فيه الإطلاق والتقييد، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، فهنا قيدت الرقبة بالإيمان فتعينت المؤمنة للكفارة، وهي مطلقة فيما سوى الإيمان كالذكورة والأنوثة، والطول وغير ذلك (١).
وكذلك يجتمع في اللفظ العموم والخصوص، فلفظ الإنسان عام في كل إنسان خاص بالنسبة لغيره كالحيوانات أوالنبات.
٢ - قد تتعدد المقيدات لمطلق واحد، كقوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥].
فلفظ (أزواجًا) قيد هنا بأكثر من قيد، وكذلك العام قد تتعدد مخصصاته، ومرت الأمثلة في باب العام.
٣ - العام يبقى على عمومه ما لم يخصص، والمطلق يبقى على إطلاقه ما لم يقيد، فإذا خصص العام يعمل بالتخصيص من ناحية، ويعمل بالباقي تحت العموم، وكذا المطلق إذا قيد يعمل بالقيد فيما
стр. 1343
جاء به، ويبقى الإطلاق في باقي الأوجه.
٤ - التقييد والتخصيص كلاهما بيان، فالخاص بيان للمراد بالعام، والمقيد بيان للمراد بالمطلق، والبيان لا يشترط فيه أن يكون في درجة المبين، أو أقوى منه بل يكفي أن يكون البيان صحيحًا (١).
• ثانيًا: أوجه الاختلاف:
١ - العام يشمل جميع أفراده على سبيل العموم، وأما المطلق فلا يعم جميع الأفراد إلا على سبيل البدل، فالعام عمومه شمولي، والمطلق عمومه بدلي (٢).
٢ - العام يصح الاستثناء منه استثناء متصلًا، ولا يصح الاستثناء من المطلق إلا استثناء منقطعًا (٣).
٣ - الإطلاق يكون فيه زيادة مدلول اللفظ، ولم تبطل منه شيئًا، فلا يعارض التقييد اللفظ المطلق، بخلاف العموم فإنه يحصل التعارض -بل هو من شروط التخصيص- فأحد البابين بعيد من الآخر، مع أنَّ جماعة من العلماء لم يفرقوا وساقوا للجميع مساقة واحدة (٤).
стр. 1344
فالتقييد زيادة حكم، والتخصيص نقص، وليس من باب المطلق والمقيد تعارض كما بين الخاص والعام (١).
٤ - النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، وفي سياق النفي تفيد العموم إلا النكرة المثبتة في سياق الامتنان فإنها تفيد العموم.
٥ - ألفاظ العموم وصيغه أكثر من ألفاظ وصيغ الإطلاق، وباب العام والخاص أهم وأكثر فائدة، وأوسع مباحث من باب المطلق والمقيد.
٦ - التقييد تصرف فيما سكت عنه اللفظ المطلق، وأما التخصيص فهو تصرف فيما تناوله اللفظ العام ظاهرًا (٢).
• أوجه الفرق بين التقييد والنسخ:
١ - أنَّ النص المطلق لم يرتفع حكمه وإنما ضاقت دائرته بالقيد الذي ورد عليه، أما المنسوخ فقد رفع حكمه بالدليل الناسخ.
٢ - المطلق ما زال كما هو دليلًا على الحكم مع مراعاة القيد عند العمل، أما المنسوخ فلا يمكن أن يعتبر دليلًا بعد نسخه (٣).
стр. 1345
٣ - التقييد يقع عند البعض بالسابق، والمقارن، واللاحق الذي لم يتأخر عن وقت العمل، أما النسخ فلا يكون إلا باللاحق أي بالمتأخر في نزوله عن المنسوخ (١).
٤ - التقييد قد يدخل على الأوامر، والأخبار، وغيرهما، أما النسخ فلا يدخل إلا على الأحكام الشرعية، ولا يدخل على الأخبار (٢).
جريان ما ذكر في تخصيص العام في تقييد المطلق.
ما ذكر في التخصيص للعام فهو جار في تقييد المطلق، فعلى هذا يجوز تقييد الكتاب بالكتاب، والسنة بالسنة، وتقييد السنة بالكتاب، والعكس، ويقيد المطلق بالإجماع، والقياس، والمفاهيم، ونحو ذلك (٣).
стр. 1346
الفصل الخامس:
الظاهر والمؤول
стр. 1347
أولًا الظاهر
* المسألة الأولى: تعريفه لغة واصطلاحًا.
الظاهر لغة: خلاف الباطن، وهو الواضح المنكشف، ومنه ظهر الأمر إذا وضح وانكشف، ويطلق على الشيء الشاخص المرتفع.
كما أنَّ الظاهر من الأشخاص: هو المرتفع الذي تبادر إليه الأبصار، كذلك في المعاني (١).
واصطلاحًا: كل لفظ احتمل أمرين هو في أحدهما أظهر (٢).
محترزات التعريف:
قوله: (كل لفظ احتمل أمرين) أخرج النص؛ لأنه لا يحتمل إلا معنى واحدًا.
قوله: (هو في أحدهما أظهر) أخرج المجمل؛ لأنه يحتمل معنيين لا مزية لأحدهما على الآخر.
стр. 1348
* المسألة الثانية: حكم العمل بالظاهر.
العمل بالظاهر واجب إلا بدليل يصرفه عن ظاهره.
قال السرخسي: وجوب العمل بالظاهر ثابت قطعًا (١).
وقال ابن القيم: الفائدة الخامسة والخمسون:
إذا سئل -يعني المفتي- عن تفسير آية من كتاب الله، أو سنة رسول الله ﷺ فليس له أن يخرجها عن ظاهرها بوجوه التأويلات الفاسدة لموافقة نحلته وهواه، ومن فعل ذلك استحق المنع من الإفتاء والحجر عليه، وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرح به أئمة الإسلام قديمًا وحديثًا (٢).
فالعمل بالظاهر واجب لأدلة:
١ - إجماع الصحابة على العمل بظواهر الألفاظ (٣).
٢ - أنَّ صرف اللفظ عن ظاهره بلا دليل يعتبر ترجيحًا بلا مرجح؛ وهو باطل.
٣ - أنه أحوط وأبرأ للذمة.
стр. 1349
٤ - أنه أقوى في التعبد والانقياد.
٥ - أنه أبعد عن التأويل والتحريف.
٦ - أن هذه طريقة السلف، وكفى بهم أسوة بعد النبي ﷺ .
стр. 1350
ثانيا: المؤول
* المسألة الأولى: تعريفه لغة واصطلاحًا:
المؤول لغة: مشتق من آل يؤول، إذا رجع، تقول: آل الأمر إلى كذا. أي رجع إليه، ومآل الأمر مرجعه.
قال ابن فارس: التأويل: آخر الأمر وعاقبته، يقال: مآل هذا الأمر مصيره، واشتقاق الكلمة من الأَول وهو العاقبة والمصير (١).
اصطلاحًا: حمل ظاهر على محتمل مرجوح بدليل يصيره راجحًا (٢).
وهذا هو حد التأويل الصحيح، فالحمل بلا دليل مُحقَّق يسمى تأويلًا فاسدًا؛ لذا عرَّف الغزالي والرازي التأويل بقولهم: هو عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي دلَّ عليه الظاهر (٣).
стр. 1351
* المسألة الثانية: معاني التأويل:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): لفظ التأويل صار بتعدد الاصطلاحات مستعملًا في ثلاثة معان:
أحدها: أن يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام، وإن وافق ظاهره، وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، ومنه قول عائشة: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد اللهم اغفر لي» يتأول القرآن (٢).
والثاني: أن يراد بلفظ التأويل التفسير، وهو اصطلاح كثير من المفسرين ولهذا قال مجاهد إمام أهل التفسير: إنَّ الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه. فإنه أراد بذلك تفسيره وبيان معانيه، وهذا مما يعلمه الراسخون.
والثالث: أن يراد بلفظ التأويل: صرف اللفظ عن ظاهره الذي يدل عليه إلى ما يخالف ذلك، لدليل منفصل يوجب ذلك، وهذا التأويل لا
стр. 1352
يكون إلا مخالفًا لما يدل عليه اللفظ ويبينه، وتسمية هذا تأويلًا لم يكن في عرف السلف، وإنما سمى هذا وحده تأويلًا طائفة من المتأخرين الخائضين في الفقه وأصوله، والكلام، وظن هؤلاء أنَّ قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] يراد به هذا المعنى، ثم صاروا في هذا التأويل على طريقين: قوم يقولون: إنه لا يعلمه إلا الله، وقوم يقولون: إنَّ الراسخين في العلم يعلمونه.
* المسألة الثالثة: شروط التأويل الصحيح:
١ - أن يحتمل اللفظ المعنى المؤول إليه حتى يصح صرف اللفظ إليه، وعلى ذلك يجب أن يوافق المعنى أحد الاستدلالات الآتية:
- الوضع اللغوي: كالصلاة هي الدعاء، والزكاة هي التطهير، والصوم الإمساك مطلقًا.
- الحقيقة الشرعية: وهو الاستعمال الذي وضعه الشارع لهذه الكلمة، فيجوز صرف الكلمة لهذا المعنى دون المعنى اللغوي.
- الحقيقة العرفية: وهي عامة كاستعمال الدابة لذوات الأربع، والغائط لما يخرج من الإنسان وهو مستقذر.
٢ - أهلية الناظر للتأويل، وذلك بأن يكون صاحب ملكة فقهية تؤهله للنظر، وإلا كان قائلًا على الله بلا علم.
стр. 1353
٣ - تحقيق التعارض، وذلك بأن يكون كلا الدليلين صحيحًا، فالقرآن لا يعارضه حديث ضعيف، بل الحديث الضعيف لا يعارض حديثًا صحيحًا، فإذا ما حصل هذا التعارض الموهوم سقط الضعيف، وبقي الصحيح القوي.
٤ - أن يستند التأويل إلى دليل صحيح صالح حتى يصح صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى غيره، وأن يكون هذا الدليل أقوى من الظاهر، والأدلة التي تصح أن تكون مرجحًا هي:
أ- نص من كتاب أو سنة، كقوله تعالى: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة: ١٧٣].
فهذا يقتضي تحريم كل شيء من الميتة حتى جلدها، لكن لما قال النبي ﷺ في شاة ميمونة التي ماتت: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟» فقالوا: إنها ميتة. فقال: «إنما حرم من الميتة أكلها» (١).
فهذا صرف للعموم في الآية عن ظاهره.
ب- الإجماع وشرطه أن يكون متيقنًا صحيحًا لا موهومًا، ومثاله: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى
стр. 1354
ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
فظاهر الآية أنها تعم الرجال والنساء والعبيد والأطفال، لكن الإجماع أخرج غير الرجال البالغين من عموم النص.
ج- القياس: وهو موضع خلاف بين أهل العلم، ومنهم من اشترط أن يكون جليًّا، و هذا كقياس الأمة على العبد في سراية العتق من البعض إلى الكل، فإنَّ الفارق بينهما لا تأثير له.
د- حكمة التشريع ومبادئه العامة، وهذه الحكمة حتى لا تُردَّ نصوص الشرع بالهوى (١).
والدليل الصحيح هو الثابت، والدليل الصالح هو الدليل الذي يصح به الاستدلال في المسألة بعينها.
فالمؤول هو المعنى البعيد وهو المرجوح، وهو غير المتبادر إلى الذهن، فلو أريد باللفظ المعنى البعيد غير المتبادر إلى الذهن لا بد أن يكون عليه دليل صحيح صالح.
стр. 1355
مثال: حكم الزكاة؟
نقول: واجبة. والدليل: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، فهذا دليل صحيح أي ثابت، لكن غير صالح؛ لأنه يتحدث عن الصلاة لا الزكاة.
مثال آخر: قولهم بجواز التوسل بأصحاب القبور، ويستدلون بحديث غير صحيح: «إذا ضاقت عليهم الأمور فعليكم بأصحاب القبور» (١)، وهذا دليل صالح، أي في عين المسألة، ولكنه غير صحيح، ولم يثبت عن النبي فلا يجوز الاستدلال به.
وكذلك مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فيقولون: إن استوى بمعنى استولى. فهذا التأويل غير صحيح؛ لأن لفظ استوى ليس من معانيه استولى عند البعض، ولا بد أن يتحمل اللفظ المعنى المؤول.
ثانيا: لو اعتبر أن استولى من معاني استوى، فهذا معنى بعيد مرجوح غير متبادر إلى الذهن؛ فلا بد من دليل للتأويل، قالوا: الدليل هو التنزيه. وهذا دليل صحيح أي ثابت، فنحن مأمورون بالتنزيه، ولكنه غير صالح في هذه المسألة؛ لأن التنزيه يكون عن صفات الذم، وصفة العلو ليست من صفات الذم، بل من صفات المدح.
стр. 1356
• أنواع التأويل:
١ - التأويل الصحيح: وهو صرف اللفظ إلى المعنى البعيد بدليل صحيح صالح، كقوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]، فهذا تأويل صحيح لأنَّ الصوم يراد به الصوم الشرعى، ويراد به الإمساك، فإذا أريد به المعنى البعيد وهو الإمساك عن الكلام والحركة لا بد أن يأتى بدليل، وهو قوله تعالى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦].
٢ - التأويل الفاسد: ما ليس عليه دليل صحيح، كتأويل المعطلة قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ إلى معنى استولى، والصواب أنَّ معناه العلو والارتفاع من غير تكييف، كما سبق.
مثال آخر: قول النبى ﷺ لغيلان الثقفى حينما قال له: أسلمت وتحتى عشر من النسوة. قال له ﵊: «أمسك منهن أربعًا وفارق سائرهن» (١)، قال البعض: إنَّ المراد يطلق الجميع ثم يمسك أى يتزوج أربعة منهن، رغم أنَّ المعنى القريب هو أمسك أربعًا منهن أى من العشرة، وفارق أى طلق الباقى، فالمعنى الذى ذهبوا إليه معنى بعيد
стр. 1357
غير متبادر إلى الذهن، ولكنه قد يكون صحيحًا إن وجد دليل عليه، وهم قالوا إنَّ الدليل هو أننا مأمورون بالعدل، فإمساك أربع وتطليق ست ظلم للست، والدليل (العدل)، وهو دليل صحيح، ولكنه غير صالح، فلو طلق الجميع ثم أراد أن يتزوج منهن فعلى أى أساس يختار منهن؟ قالوا: على أساس الأفضلية، إذن يوجد بينهن من هى أفضل، فلو طلقهن جميعًا لساوى بين الفاضل والمفضول وهذا ليس عدلًا، فالعدل يقتضى أن يمسك الفضلى، والأمر الثانى أنَّ قول النبى يدل على الظاهر «أمسك منهن أربعًا، وفارق سائرهن»، أى باقيهن، فوجود الباقى يدل على أنَّ الإمساك قبل الطلاق.
ومثل قوله تعالى فى كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، أو فى الظهار ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤].
قال بعض الفقهاء: يجزئ أن يطعم مسكينًا واحدًا ستين مرة. فالمراد بستين مسكينًا ستين مدًّا، فيقال: إنَّ كلمة المسكين لا تطلق على المد فى اللغة، فاللفظ لايحتمل المعنى المصروف إليه، فلا يصح التأويل.
стр. 1358
الفصل السادس:
المجمل والمبين
стр. 1359
أولًا: المجمل
* المسألة الأولى: تعريفه لغة واصطلاحًا:
المجمل لغة: المبهم، من أُجمل الأمر أي أُبهم. وقيل: المجموع من أُجمل الحساب إذا جُمع وجعل جملة واحدة. وقيل: هو المحصَّل من أجمل الشيء إذا حصَّله (١).
واصطلاحًا: هو ما لا يعقل معناه من لفظه، ويفتقر في معرفة المراد منه إلى غيره (٢).
وقيل: هو الكلام المبهم الذي لا يطاوع التنفيذ إلا ببيان، ولا يفهم منه المراد بنفسه حتى يضامَّه تفسير يكشف عنه (٣).
وقيل: هو اللفظ المتردد بين مُحتَملَين فصاعدًا (٤).
قوله: (المتردد) احترازًا من النص، فإنه لا تردد فيه؛ لأنه لا يحتمل
стр. 1360
إلا معنى واحدًا.
قوله: (على السواء) احترازًا من الظاهر، فإنه متردد بين محتملين، لكن لا على السواء، بل هو في أحدهما ظاهر.
وقيل: هو ما يتوقف فهم معناه على غيره، إما في تعيينه، أو بيان صفته، أو مقداره (١).
مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فالقرء في اللغة يأتي بمعنى الطهر، ويأتي بمعنى الحيض، وكلا المعنيين متساويان، فهذا يسمى الإجمال، فلا بد من دليل ليبين المراد بلفظ القرء، وقد يكون الإجمال لعدم العلم بالمعنى، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩]، فمعنى "هلوعًا" بين في قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠، ٢١]، إذن فالمجمل قد يكون لفظًا له أكثر من معنى، وكل المعاني متساوية، وقد يكون له معنى، ولكنه غير معلوم.
* المسألة الثانية: فائدة الإجمال قبل البيان:
١ - اختبار العبد ليعرف قدر نفسه، حيث إنه إذا لم يتبين له الإجمال يعلم أنه بحاجة إلى فضل الله، وأنه لا يستقل بالفهم.
стр. 1361
٢ - تشريف العبد بكثرة الخطاب؛ حيث يرد الإجمال، ثم يأتي البيان.
٣ - إعمال الذهن، وذلك لأنَّ الأفهام تتفاوت، فبيان المجمل من الشرع، لكن الاهتداء لهذا البيان يحتاج لنظر واجتهاد (١).
٤ - تفاضل العلماء بالاجتهاد و استنباط المعاني.
قال السمعاني: فإن قيل: هلا اكتفى الشرع بالبيان عن الإجمال؟!
قلنا: أجمل لتتفاضل درجة العلماء بالاجتهاد فيه، واستنباط معانيه (٢).
قال الزركشي: فالله جعل من الأحكام جليًّا، وجعل منها خفيًّا ليتفاضل الناس في العلم بها، ويثابوا على الاستنباط لها، فلذلك جعل منها مفسرًا جليًّا، وجعل منها مجملًا خفيًّا (٣).
٥ - تهيئة النفوس لقبول الأحكام.
٦ - تشويق النفوس لأحكام الدين.
стр. 1362
* المسألة الثالثة: حكم العمل بالمجمل قبل ورود البيان.
الرأي الأول: وهو قول الماوردي والروياني:
أنَّ التزام المجمل قبل بيانه واجب، والدليل عليه: أنَّ النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «ادعُهُم الَى شَهَادَة أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَأَنّي رَسُولُ الله، فَإن هُمْ أَطَاعُوكَ لذَلكَ، فَأَعلمهُم أَنَّ اللهَ افتَرَضَ عَلَيهم خَمسَ صَلَوَاتٍ في كُلّ يَومٍ وَلَيلَةٍ، فَإن أَطَاعُوا لذَلكَ، فَأَعلمهُم أَنَّ اللهَ افتَرَضَ عَلَيهم صَدَقَةً في أَموَالهم تُؤخَذُ من أَغنيَائهم وَتُرَدُّ في فُقَرَائهم» (١).
ووجه الدلالة: أنه أوجب عليهم التزامها قبل بيانها (٢).
قال السمعاني: واختلف أصحابنا في كيفية التزامها قبل البيان.
فقال بعضهم: إنهم يتعبدون قبل البيان بالتزامه مجملًا، وبعد البيان بالتزامه مفسرًا (٣).
الرأي الثاني: وهو قول السرخسي، والشيرازي، والزركشي، وغيرهم:
стр. 1363
وهو أنه لا يجوز العمل بالمجمل إلا بعد البيان، ولكن يجب على المكلف عقد العزم على العمل بالمجمل متى حصل بيانه، لذا «لما خَلَقَ اللَّهُ القَلَمَ قَالَ لَهُ: اكتُب. قَالَ: رَبّ وَمَاذَا أَكتُبُ؟» فطلب القلم البيان؛ لأن اللفظ (اكتب) مجمل، فدل على أنَّ العمل بالمجمل قبل البيان لا يجوز إلا بعد البيان، فقال له: «اكتُب مَقَاديرَ كُلّ شَيءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (١).
والعلة في ذلك: أنَّ الله تعالى لم يكلفنا العمل بما لا دليل عليه، والمجمل لا دليل على المراد به، فلا يكلف بالعمل به، وهذا دليل على أنه لا يلزمنا العمل بالمجمل.
ثم إنَّ اللفظ المتردد بين معنيين لا يخلو: إما أن يراد كل واحد منهما حقًّا، وهذا باطل؛ لأنه يستحيل أن نعمل بمعنيين كل واحد منهما ضد الآخر.
وإما أن لا يراد كل واحد منهما، وهذا باطل؛ لأنه يؤدي إلى خلو اللفظ عن المعنى.
وإما أن يراد أحد المعنيين دون الآخر، وهو الصحيح، لكننا لا
стр. 1364
نعرف المراد من هذين المعنيين إلا بدليل خارجي، وهو المبين.
ولتوضيح ذلك نقول:
معنى العمل بالمجمل قبل البيان تعرض بالخطأ في حكم الشرع، وهو لا يجوز، وذلك لأنَّ اللفظ إذا تردد بين معنيين: فإما أن يرادا جميعًا، أو لا يراد واحد منهما، أو يراد أحدهما دون الآخر، فهذه أربعة أقسام (أليس المفترض ثلاثة)، يسقط الثاني منها وهو أن لا يراد واحد منهما؛ لأنَّ ذلك ليس من شأن الحكماء أن يتكلموا كلامًا لا يقصدون به المعنى، فيبقى ثلاثة أقسام، فإذا أقدمنا على العمل قبل البيان احتمل أن نوافق مراد الشرع فنصيب حكمه، واحتمل أن نخالفه فنخطيء حكمه، فاتقق بذلك أنَّ العمل بالمجمل قبل البيان تعرض بالخطأ في حكم الشرع.
وأما أنَّ ذلك لا يجوز، فلأنَّ حكم الشرع يجب تعظيمه، والتعرض بالخطأ فيه ينافي تعظيمه، فيكون ذلك ضربًا من الإهمال له، وقلة المبالاة، وذلك لا يجوز.
مثال ذلك: لو قال: إذا غاب الشفق فصلوا العشاء الآخرة. احتمل أن يريد بالشفق الحمرة والبياض جميعًا، وأن يريد الحمرة فقط، وأن يريد البياض فقط، فبتقدير أن يريدهما جميعًا، فلو صلينا قبل مغيب البياض أخطأنا، فلما جاء البيان بقوله: (الشفق الحمرة، فإذا غاب
стр. 1365
الشفق فقد وجب عشاء الآخرة) (١) علمنا المراد.
وكذلك قوله : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، احتمل أنَّ المراد الحُيَّض والأطهار، وأنَّ العدة تنقض بأيهما كان، واحتمل أنَّ المراد الحيَّض فقط، أو الأطهار فقط، فلو أمرناها قبل البيان ببعض هذه الاحتمالات، ولم يوافق مراد الشرع فيه كنا مخطئين، فلما جاء البيان بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤].
دل على أنَّ المراد بالقرء الحيض؛ لأنه في هذه الآية جعل الشهور في الآية بدلًا من الحيض بقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤]، ولم يقل: (يئسن من الأطهار)، وأكد ذلك قوله ﷺ للحائض: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي وصلي» (٢)(٣).
стр. 1366
* المسألة الرابعة: هل يدخل الإجمال الأفعال؟
الإجمال كما يكون في اللفظ يكون في الفعل، مثاله: أن يفعل الرسول ﷺ فعلًا يحتمل وجهين متساويين، كما روي عنه أنه جمع بين الصلاتين في السفر، فإنَّ هذا مجمل؛ لأنه يحتمل أن يكون في سفر طويل، أو سفر قصير، فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل.
ومثله ما يروى أنَّ رجلًا أفطر فأمره النبي بالكفارة، فهو مجمل؛ لأنه يحتمل أن يكون الإفطار بالجماع، أو بتناول الطعام، فلا يحمل على أحدهما دون الآخر إلا بدليل، فهذه الوجوه تفتقر إلى دليل (١).
قال الإسنوي: المجمل قد يكون فعلًا أيضًا، كما إذا قام النبي ﷺ من الركعة الثانية، فإنه يحتمل أن يكون عن تعمد، فيدل على جواز ترك التشهد الأول، ويحتمل أن يكون عن سهو فلا يدل عليه (٢).
стр. 1367
* المسألة الخامسة: أسباب الإجمال في نصوص الشريعة (١):
١ - تعدد موضع الضمير إذا تقدمه أمران يصلح لكل واحد منهما، كقول النبي ﷺ : «لا يَمنَع جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغرزَ خَشَبَهُ في جدَاره» (٢).
فضمير الجدار يحتمل العود على نفسه أي في جدار نفسه، أو على جاره أي في جدار جاره.
وكقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، فالهاء في (يرفعه) إما أن تعود على الله ، ويكون المعنى حينها أنَّ الله هو الذي يرفع العمل الصالح، وإما أن تعود على (الكلم الطيب)، فالعمل الصالح لا يرتفع إلا بكلمة التوحيد، وهو الكلم الطيب.
٢ - تعدد مرجع الصفة: والمعنى أن تأتي صفة في نص ويحتمل فيها الإجمال.
مثال: زيد طبيب ماهر. فيحتمل أنه ماهر في الطب، أوأنه طبيب وماهر، فهذا الوصف متردد بين المهارة مطلقًا، والمهارة في الطب، كما
стр. 1368
قال ابن الحاجب، وغيره
وكما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، فكلمة (حسنًا) صفة يحتمل أن تعود على المفعول المطلق (قرضًا)، فيكون الإقراض الحسن هو الخالص لوجه الله تعالى، ويحتمل أنها تعود على القطعة من المال، فيكون القرض الحسن هو المال الحسن الذي يكون حلالًا من خيار المال، فالصفة هنا مترددة بين أن تكون صفة للقرض أو صفة للمال.
٣ - تعدد مرجع الإشارة، بمعنى أن يكون عندنا اسم إشارة، ويحتمل أن يعود على أكثر من شيء فيحدث الإجمال.
مثاله: قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]. فاسم الإشارة (ذلك) يحتمل أن يعود على الزنا، أو على زواج الزاني.
٤ - التردد الحاصل من إرادة فرد معين من أفراد حقيقية وُضع اللفظ لكل منها.
مثاله: القرء، المتردد بين معنيين، وهما الطهر والحيض.
وكقول الله : ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فالذي بيده عقدة النكاح أمر متردد بين الزوج،
стр. 1369
والولي.
٥ - قد يكون الإجمال بحسب الوقف والابتداء، فإنَّ الوقف على (السماوات) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣]، له معنى يخالف الوقف على (الأرض)، والابتداء بقوله: (يعلم سركم و جهركم).
وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، من غير وقف يخالف الوقف على قوله (إلا الله)، وذلك لتردد الواو بين العطف والابتداء.
٦ - التردد بين كون الكلمة اسمًا أو فعلًا.
مثاله: قول النبي ﷺ : «إذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهلَكُهُم» (١)، بالضم أي أشدهم هلاكًا، وفي رواية (أهلَكَهم)، ف (أهلَكَهم) فعل بمعنى: جعلهم في هلاك، أي جعلهم يهلكون.
٧ - تعدد متعلق الظرف، والمعنى أن يكون عندنا ظرف فيتعدد متعلقه.
стр. 1370
* المسألة السادسة: هل يجوز بقاء المجمل دون بيان بعد وفاة النبي ﷺ -؟
اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:
المذهب الأول: يجوز بقاء المجمل دون بيان مطلقًا، ودليلهم أنه لا يترتب على بقاء المجمل محال عقلًا فكان جائزًا.
وأجيب: لا نسلم بذلك، فإنَّ بقاء المجمل بدون بيان يترتب عليه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز اتفاقًا.
المذهب الثاني: لا يجوز بقاء المجمل بدون بيان مطلقًا، وهو مذهب كثير من العلماء.
ودليلهم: أنَّ وظيفة النبي ﷺ بيان المجمل كما بينها الله في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فبقاء المجمل بدون بيان تقصير، وإخلال بهذه الوظيفة، وهذا غير جائز.
وأجيب: بأنَّ المقصود من الآية بيان الأحكام الشرعية التكليفية، ما يتعلق بها حتى يعبد الناس ربهم على بصيرة، وهي ما تدعوا الحاجة إليها، أما ما لا تدعو الحاجة إليها، فلا يلحق الناس حرج فيما لو لم يعلموا بيانه.