← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

* المسألة الرابعة: هل يدخل الإجمال الأفعال؟ الإجمال كما يكون في اللفظ يكون في الفعل، مثاله: أن يفعل الرسول ﷺ فعلًا يحتمل وجهين متساويين، كما روي عنه أنه جمع بين الصلاتين في السفر، فإنَّ هذا مجمل؛ لأنه يحتمل أن يكون في سفر طويل، أو سفر قصير، فلا يجوز حمله على أحدهما دون الآخر إلا بدليل. ومثله ما يروى أنَّ رجلًا أفطر فأمره النبي بالكفارة، فهو مجمل؛ لأنه يحتمل أن يكون الإفطار بالجماع، أو بتناول الطعام، فلا يحمل على أحدهما دون الآخر إلا بدليل، فهذه الوجوه تفتقر إلى دليل (١). قال الإسنوي: المجمل قد يكون فعلًا أيضًا، كما إذا قام النبي ﷺ من الركعة الثانية، فإنه يحتمل أن يكون عن تعمد، فيدل على جواز ترك التشهد الأول، ويحتمل أن يكون عن سهو فلا يدل عليه (٢).

стр. 1367

* المسألة الخامسة: أسباب الإجمال في نصوص الشريعة (١): ١ - تعدد موضع الضمير إذا تقدمه أمران يصلح لكل واحد منهما، كقول النبي ﷺ : «لا يَمنَع جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغرزَ خَشَبَهُ في جدَاره» (٢). فضمير الجدار يحتمل العود على نفسه أي في جدار نفسه، أو على جاره أي في جدار جاره. وكقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، فالهاء في (يرفعه) إما أن تعود على الله ، ويكون المعنى حينها أنَّ الله هو الذي يرفع العمل الصالح، وإما أن تعود على (الكلم الطيب)، فالعمل الصالح لا يرتفع إلا بكلمة التوحيد، وهو الكلم الطيب. ٢ - تعدد مرجع الصفة: والمعنى أن تأتي صفة في نص ويحتمل فيها الإجمال. مثال: زيد طبيب ماهر. فيحتمل أنه ماهر في الطب، أوأنه طبيب وماهر، فهذا الوصف متردد بين المهارة مطلقًا، والمهارة في الطب، كما

стр. 1368

قال ابن الحاجب، وغيره وكما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، فكلمة (حسنًا) صفة يحتمل أن تعود على المفعول المطلق (قرضًا)، فيكون الإقراض الحسن هو الخالص لوجه الله تعالى، ويحتمل أنها تعود على القطعة من المال، فيكون القرض الحسن هو المال الحسن الذي يكون حلالًا من خيار المال، فالصفة هنا مترددة بين أن تكون صفة للقرض أو صفة للمال. ٣ - تعدد مرجع الإشارة، بمعنى أن يكون عندنا اسم إشارة، ويحتمل أن يعود على أكثر من شيء فيحدث الإجمال. مثاله: قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]. فاسم الإشارة (ذلك) يحتمل أن يعود على الزنا، أو على زواج الزاني. ٤ - التردد الحاصل من إرادة فرد معين من أفراد حقيقية وُضع اللفظ لكل منها. مثاله: القرء، المتردد بين معنيين، وهما الطهر والحيض. وكقول الله : ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فالذي بيده عقدة النكاح أمر متردد بين الزوج،

стр. 1369

والولي. ٥ - قد يكون الإجمال بحسب الوقف والابتداء، فإنَّ الوقف على (السماوات) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣]، له معنى يخالف الوقف على (الأرض)، والابتداء بقوله: (يعلم سركم و جهركم). وقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، من غير وقف يخالف الوقف على قوله (إلا الله)، وذلك لتردد الواو بين العطف والابتداء. ٦ - التردد بين كون الكلمة اسمًا أو فعلًا. مثاله: قول النبي ﷺ : «إذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أَهلَكُهُم» (١)، بالضم أي أشدهم هلاكًا، وفي رواية (أهلَكَهم)، ف (أهلَكَهم) فعل بمعنى: جعلهم في هلاك، أي جعلهم يهلكون. ٧ - تعدد متعلق الظرف، والمعنى أن يكون عندنا ظرف فيتعدد متعلقه.

стр. 1370

* المسألة السادسة: هل يجوز بقاء المجمل دون بيان بعد وفاة النبي ﷺ -؟ اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: يجوز بقاء المجمل دون بيان مطلقًا، ودليلهم أنه لا يترتب على بقاء المجمل محال عقلًا فكان جائزًا. وأجيب: لا نسلم بذلك، فإنَّ بقاء المجمل بدون بيان يترتب عليه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز اتفاقًا. المذهب الثاني: لا يجوز بقاء المجمل بدون بيان مطلقًا، وهو مذهب كثير من العلماء. ودليلهم: أنَّ وظيفة النبي ﷺ بيان المجمل كما بينها الله في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فبقاء المجمل بدون بيان تقصير، وإخلال بهذه الوظيفة، وهذا غير جائز. وأجيب: بأنَّ المقصود من الآية بيان الأحكام الشرعية التكليفية، ما يتعلق بها حتى يعبد الناس ربهم على بصيرة، وهي ما تدعوا الحاجة إليها، أما ما لا تدعو الحاجة إليها، فلا يلحق الناس حرج فيما لو لم يعلموا بيانه.

стр. 1371

المذهب الثالث: التفصيل بين ما يتعلق به حكم تكليفي وغيره، والمعنى: ما يترتب عليه عمل بخلاف ما لا يترتب عليه عمل، كالوقف على الواو في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]، فما يتعلق به حكم تكليفي فلا يجوز، أما غيره فيجوز؛ لأنَّ المجمل لو تعلق به حكم تكليفي لم يجز بقاؤه مجملًا؛ لأنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، أما إذا لم يتعلق ببيانه حكم تكليفي، فيجوز بقاؤه مجملًا لعدم وجود ضرورة تدعو إلى بيانه (١).

стр. 1372

ثانيا: المبين * المسألة الأولى: المراد بالمبيَّن، والمبيِّن، والبيان. • أولًا: المبيَّن (بفتح الياء). لغة: اسم مفعول من التبيين، وهو الواضح، وهو المقابل للمجمل؛ لأنه المتضح معناه فلا يفتقر إلى بيان من الخارج. واصطلاحًا: يطلق ويراد به ما كان من الخطاب المبتدأ المستغني بنفسه عن البيان. وقد يطلق و يراد به ما كان محتاجًا إلى البيان، وهو الواضح بغيره، وذلك كاللفظ المجمل إذا بيّن المراد منه، والعام بعد التخصيص، والمطلق بعد التقييد (١). • ثانيًا: المبيِّن (بكسر الياء). لغة: اسم فاعل، وهو الموضح لإجمال المجمل.

стр. 1373

واصطلاحًا: الدليل الذي جعل به الإيضاح (١). • ثالثًا: البيان. لغة: اسم مصدر مشتق من التبيين، يقال: بَيَّن يُبَيّن تبيانًا وبيانًا، كما يقال: كلَّم يكلّم تكليمًا وكلامًا (٢). واصطلاحًا: الدليل الذي يتوصل بصحيح النظر فيه إلى ما هو دليل عليه (٣). * المسألة الثانية: هل يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؟ اتفق العلماء على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة سوى القائلين بجواز التكليف بما لا يطاق (٤). واستدل العلماء على عدم الجواز بما يلي: أولًا: أنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة يعتبر تكليفًا بما لا يطاق، وهو غير جائز، حيث لا قدرة للمكلف على الامتثال، وهو غير واقع

стр. 1374

شرعًا، كأن يقول لهم: صلوا الظهر. ثم لا يبين لهم كيف يصلون (١). ثانيًا: أنَّ من شروط التكليف العلم بالمكلف به، والتكليف بما لا يعلم تكليف بما لا يطاق، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وهذا ليس من وسعه، وقد نقل القاضي في مختصر التقريب إجماع أرباب الشرائع على ذلك (٢). ثالثًا: أنَّ وقت الحاجة وقت للأداء، فلا يمكن الامتثال من غير بيان، فإذا لم يكن مبينًا تعذر الأداء، فالبيان ضرورة من الضرورات التي لا بد منها (٣). * المسألة الثالثة: قواعد متفرعة على قاعدة عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة. خرَّج العلماء على هذه القاعدة قواعد كثيرة، من أهمها: ١ - حجية تقرير النبي ﷺ لما فُعل، أو قيل بحضرته، أو في زمنه وعلم به، وهو ما يسمى بالسنة التقريرية، وهو استدلال بالسكوت، أو ترك التفصيل والبيان؛ لأنَّ النبي ﷺ لا يجوز له شرعًا أن يسكت عن

стр. 1375

بيان الحق عند الحاجة إليه. ٢ - رتب الشافعي على ذلك قاعدة من قواعد العموم، ونصها: ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. والمعنى: أن يُسأل النبي عن مسألة تحتمل أكثر من وجه فيفتي النبي ﷺ فيها من غير استفصال من السائل، فيدل على أنَّ حكم جميع الأوجه واحد. ٣ - إجراء العام على عمومه، والمطلق على إطلاقه إذا حضر وقت العمل، ولم يُبَيّن الشارع للأمة تخصيص ذلك العام أو تقييد المطلق، وقد فرَّع الأصوليون على ذلك مسائل أصولية فرعية (١). تتمة: قد تدعو الحاجة إلى تعجيل بيان الواجبات والمحرمات من العقائد والأعمال، وقد تدعو الحاجة إلى تأخير هذا البيان. ومن أمثلة تأخير البيان لأجل الحاجة: ١ - أنَّ المُبَلِّغ لا يمكنه أن يخاطب الناس جميعًا ابتداءً، فعليه أن يبلغ من يستطيع تبليغه.

стр. 1376

٢ - أن المُبَلِّغ لا يمكنه أن يخاطب الناس جميعًا بجميع الواجبات جملةً، بل يبلغ بحسب الطاقة والإمكان على سبيل التدرج، فيبدأ بالأهم ويؤخر غيره، وهذا التأخير لا ينفي قيام الحاجة التي هي سبب وجوب البيان، بل الحاجة قائمة إلا أنَّ حصول الوجوب والعقاب على الترك ممتنع لوجود المزاحم الموجب للعجز. ٣ - أن يكون في الإمهال وتأخير البيان من المصلحة ما ليس في المبادرة؛ إذ البيان يجب على الوجه الذي يحصل به المقصود، فيكون تأخير البيان هو البيان المأمور به. مثل: تأخير البيان للأعرابي المسيء صلاته إلى المرة الثالثة (١). * المسألة الرابعة: هل يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة؟ اختلف العلماء في ذلك على مذاهب (٢): المذهب الأول: جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة مطلقًا، وهو قول الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وهو

стр. 1377

الراجح؛ لما يلي: الدليل الأول: قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]، ووجه الاستدلال: قوله ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ معناه أنزلناه، ويدل عليه قوله ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾؛ حيث أمر الله نبيه بالاتباع بفاء التعقيب لقوله ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾، ولا يتصور ذلك قبل الإنزال لعدم معرفته به، وإنما يكون بعد الإنزال، وإذا كان المراد بقوله (قرأناه) هو الإنزال، فإنَّ قوله ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ يدل على تأخير البيان عن وقت الإنزال؛ لأنَّ (ثم) للترتيب مع التراخي. فإن قيل: إنَّ المراد بالبيان المذكور في الآية البيان التفصيلي، وتراخي البيان التفصيلي عن وقت الخطاب مسلم لا نزاع فيه، إنما النزاع في البيان الإجمالي. أجيب: بأنَّ تقييد البيان في الآية بالبيان التفصيلي تقييد بلا دليل؛ لأنَّ البيان ذكر مطلقًا، ولا يوجد ما يقتضي تقييده. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. ثم جاء بيان ذلك في السنة، فأخر بيان أفعال الصلاة وأوقاتها حتى بيَّن ذلك جبريل للنبي، وقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين. ثم بيَّن النبي لأمته، وقال: «صَلُّوا كَمَا

стр. 1378

رَأَيتُمُوني أُصَلّي» (١). وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]؛ حيث بين النبي أفعال الحج وذلك في السنة العاشرة، وقال: «لتَأخُذُوا مَنَاسكَكُم» (٢)، ولا شك أنَّ هذا البيان في الصلاة، والزكاة، والحج لم يكن مقارنًا لنزول الآيات التي فيها الأمر بها. الدليل الثالث: قوله تعالى لنوح ﵇: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠]، ففهم نوح أنَّ ابنه من أهله، وأخر الله بيان أنَّ ابن نوح ليس من أهله إلى وقت الحاجة، فلما أدرك ابن نوح الغرق خاطب نوح ربه فيه بقوله: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: ٤٥] أي وعدتني أن تنجيني وأهلي، وأنت أهلكته فأنجه، فبييَّن الله أنه عمل غير صالح، وأنه ليس من أهله، فلم يبين الشارع ذلك وقت الخطاب، بل أخره إلى وقت الحاجة. الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، ثم

стр. 1379

بيَّن النبي أنَّ ذلك التقسيم بعد سلب القاتل، وأنَّ المقصود بذي القربى هم: بنو هاشم، وبنو عبد المطلب، وأنَّ بني أمية وبني نوفل داخلين في ذوي القربى، فلما سئل عن ذلك قال: «إنَّمَا بَنُو هَاشمٍ وَبَنُو المُطَّلب شَيءٌ وَاحدٌ» (١). فثبت أنَّ قوله: (ولذي القربى) لم يبين إلا عند وقت الحاجة، فدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. المذهب الثاني: المنع من تأخير البيان مطلقًا، سواء كان المراد بيانه له ظاهر يفهم ويعمل، كالعام والمجمل، أو ليس له ظاهر كالمجمل إلا النسخ فقط، فيجوز فيه ذلك، وهو مذهب بعض الحنفية، والمعتزلة، وبعض الشافعية، ونسب إلى الصيرفي. والأدلة: الدليل الأول: أنَّ تأخير البيان عن الخطاب المحتاج إلى بيان فيه تجهيل للمكلف، وإيقاع له في اعتقاد ما لم يرده الله، وهذا قبيح، فيمتنع على العليم الحكيم. أجيب: بأنَّ ما يحتاج إلى بيان موقوف اعتقاده والعمل به على ورود البيان، والمطلوب من المكلف اعتقاد أنه حق وصدق على مراد

стр. 1380

الله من غير جزم باحتمال معين من بين الإحتمالات، ولا يلزم فيه التجهيل. الدليل الثاني: أنه يراد بالخطابات تفهيم السامع للمطلوب فيها لكي يعمل بها، وهذه هي فائدتها، والخطاب بالمجمل بدون توضيحه وبيانه خطاب بما لا يفهم، وهو لا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه يكون وجوده كعدمه، وهو عبث يتنزه الله عن الكلام به. وأجيب: لا نسلم بعدم وجود الفائدة في الخطاب بالمجمل، حيث توجد فائدة في الخطاب به، وهي معرفة أنَّ هناك أمرًا ونهيًا في الشريعة؛ ليعرف بذلك المكلف العازم على امتثال الأمر الذي ورد في هذا الخطاب المجمل، والمكلف العازم على ترك المنهي عنه الوارد في المجمل إذا بيّن له، فالمكلف العازم على الفعل في حالة الأمر، والعازم على الترك في حالة النهي -بعد البيان- يستحق الثواب، ويسقط عنه العقاب، فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] خطاب مجمل، خاطبنا به الشارع لوجود الفائدة فيه وهي: ١ - وجوب إيتاء حق الزارع. ٢ - وقت دفع زكاة الزرع. ٣ - أنه حق المال.

стр. 1381

فيمكن للمكلف هنا أن يعزم فيه على الامتثال والاستعداد لذلك فيثاب عليه، ولو عزم على ترك الامتثال لكان عاصيًا. المذهب الثالث: جواز تأخير المجمل دون غيره من العام والمطلق، وهو مذهب الحسن البصري، وأبي الحسن الكرخي، وهو منقول عن الصيرفي، وأبي حامد المروزي، واختاره الدقاق من الشافعية. دليله: أن المجمل ليس له ظاهر يمكن العمل به، فلا يلزم من تأخير بيانه إيقاع المكلف في اعتقاد الخطأ؛ لأنه لا يفهم منه معنى معين فمعانيه متساوية في الفهم، أما العام الذي أريد به الخصوص، والمطلق الذي أريد به المقيد، فلو أخر البيان لأدى ذلك إلى اعتقاد ما ليس مرادًا لله تعالى، ولذا جاز تأخير بيان المجمل دون غيره. وأجيب: ١ - بأنَّ اعتقاد العموم في العام المخصوص، أو الإطلاق في المطلق المراد به المقيد لا ينبغي أن يقع من المكلف؛ إذ الواجب أن يعتقد أنه عام محتمل للتخصيص، أو مطلق محتمل للتقييد لا أن يجزم بكونهما على العموم أو الإطلاق، وأما العمل فلو حضر وقته قبل التخصيص والتقييد علم أنَّ العموم والإطلاق مرادان. ٢ - أنَّ ذلك يبطل بالنسخ؛ لأن ما ذكرتموه موجود فيه، فالسامع

стр. 1382

يعتقد استمراره وعمومه، وهو اعتقاد جهل، كما أنَّ له أن يخبر عنه، وقد جوزنا تأخيره على أنه عندما يعتقد عموم اللفظ العام بشرط عدم وجود ما يخصه، وإذا ورد تخصيصه علمنا أنَّ المخصوص لم يدخل في العموم. * المسألة الخامسة: هل يقع البيان بالفعل؟ اختلف العلماء في ذلك على مذاهب (١): المذهب الأول: أنَّ الفعل يكون بيانًا، وهو مذهب الأكثرين، وهو الراجح؛ لما يلي: أولًا: أنَّ النقل والعقل يدلان على ذلك، أما النقل: فبيان النبي ﷺ بالفعل، حيث قام النبي ﷺ بأفعال المناسك أمام الأمة بيانًا لمجمل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ثم قال النبي ﷺ : «خذوا عني مناسككم» (٢)، وهذا بيان بالفعل، وحيث إنه عرف الصلاة بفعله حيث قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣). وأما العقل: فهو أنَّ الإجماع على كون القول بيانًا، والإتيان بأفعال

стр. 1383

الصلاة والحج بكونها مشاهدة أدلُّ على معرفة تفصيلها من الإخبار عنها بالقول، فإنه ليس الخبر كالمعاينة، ولهذا كانت مشاهدة زيد في الدار أدل على معرفة كونه فيها من الإخبار عنه بذلك، وإذا كان القول بيانًا مع قصوره في الدلالة على الفعل المشاهد فكون الفعل بيانًا أولى. المذهب الثاني: أنَّ الفعل لا يكون بيانًا لعدم وقوعه في الشريعة. الدليل الأول: ما ذُكر أنَّ النبي قد بيَّن بفعله كيفية الصلاة والحج، فليس بصحيح؛ لأن البيان فيه وقع بالقول لا بالفعل، وهو قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، «خذوا عني مناسككم»، وهما قولان وليسا بفعلين. وأجيب: بأنَّ القول بأنَّ البيان إنما جعل بالقول ليس كذلك، فإنه لم يتضمن تعريف شيء من أفعال الصلاة والحج، بل غايته تعريف أنَّ الفعل هو البيان لذلك، كأنَّ النبي ﷺ قال لهم: انظروا إلى فعلي في الصلاة والحج وافعلوا مثله. فكان فعله للصلاة من ركوع، وسجود، وقيام، وتسليم هو المبين لقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وفعله في الحج من وقوف بعرفات، وطواف، وسعي هو المبين لقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. الدليل الثاني: أنَّ الفعل وإن كان مشاهدًا غير أنَّ زمان البيان به قد

стр. 1384

يطول مما يؤدي إلى تأخير البيان عن وقت الحاجة مع إمكان تعجيله بالقول، وتأخير البيان عن وقت الحاجة مع إمكانه لا يجوز. وأجيب: ١ - أننا لا نسلم أنَّ البيان بالفعل فيه طول، بل قد يكون البيان بالقول أطول من البيان بالفعل، فذكر كل فعل بصفته وهيئته وما يتعلق به أبعد عن التشبث بالذهن من الفعل المشاهد، وربما احتيج في ذلك إلى تكرير في أزمنة تزيد على زمان وقوع الفعل بأزمنة كثيرة على ما يشهد به العرف والعادة. ٢ - أننا لو سلمنا أنَّ زمان التعريف بالفعل يكون أطول فليس ما يدل على كونه صالحًا للبيان والتعريف. المذهب الثالث: أنَّ الفعل يحصل به البيان بشرط الإشعار به من مقال، أو قرينة حالٍ، وإن لم يوجد ذلك لا يحصل للمكلف البيان، وهو مذهب المازري. ودليله: أنَّ القرينة قد ساعدت الفعل لبيان ذلك المجمل. وأجيب: أنَّ الخلاف في الفعل المجرد عن القرينة، هل يصلح أن يكون بيانًا أو لا، أما ما وجدت فيه قرينة فلا خلاف فيه.

стр. 1385

الفصل السابع: المنطوق والمفهوم

стр. 1386

أولًا: المنطوق: * المسألة الأولى: تعريف المنطوق. المنطوق لغة: اسم مفعول من نطق بمعنى تكلم (١). اصطلاحًا: ما دل عليه اللفظ في محل النطق به (٢). مثل وجوب الزكاة في الغنم السائمة المأخوذ من قول النبي ﷺ : «في الغنم السائمة زكاة» (٣). وكذلك حل البيع وتحريم الربا الذي دل عليه صريح منطوق قول الله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. * المسألة الثانية: الفرق بين المنطوق والمجمل. أولًا: المنطوق دل لفظه على معنى يجب العمل به، أما المجمل فإنَّ لفظه دل على معانٍ محتملة، ولا يمكن العمل بأحدها إلا بدليل.

стр. 1387

ثانيًا: يستفاد من المنطوق معان، ولكنها ليست مستفادة من نفس اللفظ، ولكن تعتمد عليه فقط، كتحريم سب وضرب الوالدين اعتمادًا على تحريم التأفف، أما المجمل فلا يعتمد لفظه على فهم معان أخرى. * المسألة الثالثة: أقسام المنطوق: ينقسم المنطوق إلى قسمين: الأول: ما لا يحتمل التأويل وهو النص. الثاني: ما يحتمله وهو الظاهر (١).

стр. 1388

ثانيًا: المفهوم * المسألة الأولى: توطئة: قال الزركشي (١): اعلم أنَّ الألفاظ ظروف حاملة للمعاني، والمعاني المستفادة منها تارة تستفاد من جملة النطق والتصريح، وتارة من جهة التعريض والتلويح. والأول ينقسم إلى: نص إن لم يحتمل، وظاهر إن احتمل. والثاني: هو المفهوم، وهو بيان حكم المسكوت بدلالة لفظ المنطوق، وسمي مفهومًا لا لأنه غيره؛ إذ المنطوق أيضًا مفهوم؛ بل لأنه مفهوم مجرد لا يستند إلى منطوق، فلما فهم من غير تصريح بالتعبير عنه سمي مفهومًا. أولًا: المفهوم لغة: اسم مفعول من الفهم، وهو ما يستفاد من اللفظ (٢).

стр. 1389

واصطلاحًا: ما دل عليه اللفظ لا في محل النطق، أي يكون حكمًا لغير مذكور، وحالًا من أحواله (١). * المسألة الثانية: تعريف مفهوم الموافقة: مفهوم الموافقة: هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه، وموافقته له نفيًا أو إثباتًا. مثاله: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فالمنطوق يدل على تحريم التأفف، والمفهوم المسكوت عنه هو الضرب والسب، وهو محرم من باب أولى. * المسألة الثالثة: أسماء مفهوم الموافقة (٢): الاسم الأول: مفهوم الموافقة، وهذا عند الشافعية، وجمهور العلماء، وسموه بهذا؛ لأنَّ مدلول اللفظ في محل السكوت موافق لمدلوله في النطق. الاسم الثاني: دلالة النص، وهذا عند الحنفية، ويقصدون بهذا ما ثبت بمعنى النص لا اجتهادًا ولا استنباطًا.

стр. 1390

الاسم الثالث: دلالة الدلالة، وهذا عند بعض العلماء، ووجه ذلك أنَّ الحكم فيها يؤخذ من معنى النص لا من لفظه. الاسم الرابع: مفهوم الخطاب، وهذا عند ابن فورك وأبي يعلى. الاسم الخامس: القياس الجلي، وهذا عند الشافعي، ووجه ذلك: أنه إلحاق المسكوت بالمنطوق لمعنى يقتضي ذلك. الاسم السادس: دلالة التنبيه الأولى. الاسم السابع: فحوى اللفظ، ويعبر عن ذلك بعضهم بفحوى الخطاب، ووجه ذلك: أنَّ الحكم الذي يثبت لمنطوقه يثبت لغير المذكور بروحه، ومعناه، ومعقوله، ويطلقه البعض على نوع معين منه وهو مفهوم الأولى. الاسم الثامن: لحن الخطاب، ويعبر بعضهم عنه بقوله: لحن القول، ويطلقه البعض على نوع معين منه وهو المفهوم المساوي. * المسألة الرابعة: شروط مفهوم الموافقة: الشرط الأول: فهم المعنى في محل النطق بأن عرف المعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه، وعرف وجوده في المسكوت عنه، كالتعظيم في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فإنا فهمنا أنَّ المعنى المقتضى لهذا النهي هو تعظيم الوالدين، فلذلك

стр. 1391

فهمنا تحريم الضرب بطريق أولى حتى لو لم نفهم من ذلك تعظيمًا لما فهمنا تحريم الضرب أصلًا، لكنه لما نفى التأفف للأعم دل على نفي الضرب للأخص بطريق أولى، فإن لم يفهم المعنى في محل النطق لم يحصل مفهوم الموافقة؛ إذ لا يجوز أن يحضر بين يدي السلطان منازع له في ملكه فيقول: اقتلوا هذا ولا تصفعوه. ولا يكون ذلك متنافيًا، ولا يفهم من نفي الصفع نفي القتل؛ لأنه يأمر بقتله ليكتفي شره، وينهى عن صفعه مراعاة للجامع الجنسي بينهما، وهو حرمة الملك، ومنصب الرياسة (١). الشرط الثاني: أن يكون المسكوت أولى بالحكم من المنطوق به أو مساويًا له. ومثال الأول: تحريم ضرب الوالدين أخذًا من النهي عن التأفيف لهما. ومثال الثاني: تحريم إحراق مال اليتيم على أكله المنهي عنه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، فإنَّ إحراقه مساوٍ لأكله ولا فرق (٢).

стр. 1392

* المسألة الخامسة: أقسام مفهوم الموافقة من حيث كونه أولى أو مساويًا: ينقسم مفهوم الموافقة إلى قسمين: القسم الأول: مفهوم موافقة أولى (فحوى الخطاب): وهو ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، أي أنَّ المناسبة بين المسكوت عنه، وبين الحكم أقوى وأشد منها بين المنطوق وبين هذا الحكم، فيكون المسكوت عنه أولى منه بالحكم، وهو ما يسمى بالتنبيه بالأدنى على الأعلى. مثاله: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]. فإنَّ هذا تنبيه -وهو عدم أدائه للدينار- على الأعلى -وهو عدم أدائه للأكثر من الدينار-، أي إن كان لا يؤدي الدينار مع قلته، فإنه من باب أولى لا يؤدي ما هو أكثر منه. وكقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]، فمثقال الجبال المسكوت عنه أولى بالحكم من مثقال الذرة.

стр. 1393

وكنهي النبي ﷺ عن الأضحية بالعوراء (١)، فمن باب أولى الأضحية بالعمياء. القسم الثاني: مفهوم موافقة مساوٍ (لحن الخطاب): وهو ما كان المسكوت عنه مساويًا للمنطوق في الحكم، والمعنى: أنَّ المناسبة بين المسكوت عنه وبين الحكم على قدر المناسبة الموجودة بين المنطوق وبين هذا الحكم. مثاله: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، فالمفهوم المساوي تحريم إحراق مال اليتيم أو تبذيره (٢). * المسألة السادسة: هل دلالة مفهوم الموافقة دلالة قياسية، أو دلالة ظنية؟ • اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنَّ دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية معنوية، وهو مذهب أكثر الحنفية، وأكثر المالكية كابن الحاجب والقرافي، وبعض

стр. 1394

الشافعية كالآمدي وابن السبكي، وكثير من الحنابلة كأبي يعلى. أدلتهم: الدليل الأول: أنَّ التنبيه بالأدنى على الأعلى أو بأحد المتساويين على الآخر أسلوب عربي بليغ وضعته العرب، واستعملته للمبالغة في تأكيد الحكم في محل السكوت؛ لأنه أدل من التصريح بالحكم، فإنَّ قولهم: فلان يأسف بشم رائحة مطبخه. أبلغ عندهم من قولهم: فلان لا يُقري الضيف. وقولهم: فرسك لا يلحق غبار فرسي. أبلغ من قولهم: فرسك لا يسبق أو لا يلحق فرسي. الدليل الثاني: أنَّ شرط هذا المفهوم فهم المعنى في محل النطق، وكونه أشد مناسبة للحكم في محل السكوت، ولو كان قياسًا لما اشترط هذا الشرط الأخير فيه (١). المذهب الثاني: أنَّ دلالة مفهوم الموافقة من قبيل القياس، وهو ما يسمى بالقياس الجلي. وهو مذهب الشافعي، وأكثر الشافعية كإمام الحرمين، والشيرازي، والرازي، وبعض الحنابلة كأبي الحسن الخرزي.

стр. 1395

حجتهم: قالوا: لأنه إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به في الحكم لاشتراكهما في المقتضي، وهو حقيقة القياس، كإلحاق النبيذ بالخمر في التحريم لاشتراكهما في الإسكار، وكقياس الجوع ونحوه من موانع كمال الفكر في منع الحاكم من الحكم على الغضب لمنعهما من كمال الفكر المستفاد من قوله ﵊: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (١)، فكذلك ههنا أركان القياس الأربعة موجودة فيه. الأصل: وهو تحريم التأفف. والفرع: وهو تحريم الضرب. والعلة: وهو تعظيم الوالدين. والحكم: وهو التحريم. فليكن قياسًا لاجتماع أركان القياس فيه. وأجيب: لا نسلم بأنَّ دلالة مفهوم الموافقة دلالة قياسية لوجود الفرق بينهما:

стр. 1396

أولًا: مفهوم الموافقة قاطع يسبق إلى الفهم بلا تأمل، فلا يكون قياسًا؛ إذ لا بد في القياس من التأمل والنظر في تحقيق أركانه، ولا كذلك هذا فإنَّ السامع بمجرد سماعه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ يسبق إلى ذهنه النهي عن الضرب بلا تأمل. ثانيًا: أنَّ الفرع في القياس يشترط فيه أن يكون أدنى من الأصل، أما في مفهوم الموافقة، فإنه يشترط أن يكون مساويًا للأصل أو أعلى منه. ثالثًا: أنَّ الأصل في القياس أنه لا يجوز أن يكون جزءً من الفرع، ومندرجًا تحته بالإجماع بخلاف مفهوم الموافقة، فإنه قد يقع ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، فإنَّ ذلك يدل بمفهوم الموافقة على أنَّ ما زاد على الذرة حكمه حكم الذرة، والذرة جزء من هذه الزيادة (١). • بيان نوع الخلاف: الراجح -والله أعلم-: أنَّ الخلاف معنوي لترتب بعض الخلاف بناءً على هذا الخلاف في بعض المسائل، ومنها: ١ - من يرى أن دلالة مفهوم الموافقة لفظية قد تعامل مع ذلك مثل

стр. 1397

ما يفعل مع الألفاظ من أنَّ اللفظ ينسخ، وينسخ به، وهو أقوى من القياس. أما من يرى بأنَّ الموافقة دلالة قياسية، فقد عامل ذلك مثل ما يفعل مع القياس من أنه لا يُنسَخ ولا يُنسَخ به، وهو أضعف من دلالة الألفاظ. ٢ - عند تعارض مفهوم الموافقة مع القياس، فإنَّ مفهوم الموافقة يقدم على القياس عند من يرى أنَّ دلالته لفظية، فيكون الحكم الذي استفدناه عن طريق مفهوم الموافقة مقدمًا على الحكم الذي استفدناه عن طريق القياس. ٣ - أنَّ مفهوم الموافقة تثبت به العقوبات كالحدود والقصاص عند القائلين بأنَّ دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية؛ لأنَّ الدلالة اللفظية خلت من الشبهة في دلالتها، وهذا عند الحنفية، أما إذا كانت الدلالة دلالة قياسية، فلا يعتبر مفهوم الموافقة طريقًا لإثبات ما يندري بالشبهات والكفارات حيث إنها مقدرات، ولا مدخل للعقل أو الاجتهاد بالرأي في المقدرات، وهو عند الحنفية أيضًا، أما عند الجمهور فإنَّ العقوبات من حدود وكفارات تثبت بمفهوم الموافقة

стр. 1398

سواء كانت دلالته لفظية أو قياسية (١). * المسألة السابعة: هل يجوز التخصيص بالمفهوم: اتفق العلماء على أنَّ مفهوم الموافقة، وهو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق به للمسكوت عنه، وموافقته له يخصص العموم من الكتاب والسنة، نقل الإجماع في ذلك صفيُّ الدين الهندي. قال الشوكاني: وإنما حكى الصفي الهندي الإجماع على التخصيص بمفهوم الموافقة؛ لأنه أقوى من مفهوم المخالفة، ولهذا يسميه البعض دلالة النص، وبعضهم يسميه القياس الجلي، وبعضهم يسميه مفهوم الأولى، وبعضهم يسميه فحوى الخطاب، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، وقد اتفقوا على العمل به، وذلك يستلزم الاتفاق على التخصيص به (٢). فمفهوم الموافقة يخصص العموم من الكتاب والسنة؛ لأنه دليل خاص من أدلة الشرع، والعام دليل كذلك، فإذا تعارض الدليلان، فإنا نعمل بالخاص، وما بقي بعد التخصيص؛ جمعًا بين الدليلين، وهو أَولى من العمل بالعام، وترك الخاص؛ لأنَّ فيه إهمالًا لدليل قد ثبت.

стр. 1399

مثاله: لو قال: كل من دخل داري فاضربه. ثم قال: إن دخل زيد فلا تقل له أف. فإنَّ ذلك يدل على تحريم ضرب زيد، وإخراجه من العموم (١). قال الزركشي (٢): يجوز تخصيص العموم بالمفهوم، سواء مفهوم الموافقة والمخالفة. أما مفهوم المخالفة فاختلف العلماء فيه: هل يخصص العام من الكتاب والسنة أو لا؟ على مذهبين: المذهب الأول: أنَّ مفهوم المخالفة يخصص العام من الكتاب والسنة، وهو مذهب الجمهور. قال أَبُو الحُسَين بنُ القَطَّان في كتَابه: نَصَّ الشَّافعيُّ ﵀ تَعَالَى- عَلَى القَول بمَفهُوم الصّفَة، وَعَلَى أَنَّهُ يُخَصُّ به العُمُومُ (٣). مثاله: كما إذا ورد عام في إيجاب الزكاة في الغنم كقوله: «في أربعين شاة شاة».

стр. 1400

ثم قال: «في سائمة الغنم زكاة» (١)، فإنَّ المعلوفة خرجت بالمفهوم، فيخصص به عموم الأول. المذهب الثاني: أنَّ مفهوم المخالفة لا يخصص العام من الكتاب والسنة، وهو مذهب مالك؛ وحجته: بأنَّ العموم نطق، ودليل الخطاب مفهوم من النطق، فكان النطق أولى نظرًا لافتقار المفهوم في دلالته إلى النطق، وعدم افتقار المنطوق في دلالته إلى المفهوم فيكون المفهوم أضعف، فلو خص به العام للزم من ذلك العمل بالأضعف، وترك الأقوى، وهو خلاف المعقول. وجوابه: أنا نسلم أنَّ المفهوم أضعف من المنطوق، لكن الذي جعلنا نعمل بالمفهوم الخاص هو أنه لا يلزم منه إبطال العمل بالعام مطلقًا؛ حيث إنا نعمل به وما بقي بعد التخصيص، أما العمل بالعموم فإنه يلزم منه إبطال العمل بالمفهوم الخاص، ولا يخفى أنَّ الجمع بين الدليلين ولو من وجه أَولى من العمل بظاهر أحدهما، وإبطال الآخر (٢).

стр. 1401

• المسألة الثامنة: هل مفهوم الموافقة له عموم؟ اختلف القائلون: إنَّ دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية، هل له عموم؟ على مذهبين: المذهب الأول: أنه لا عموم لمفهوم الموافقة، وهو مذهب الغزالي، وبعض الحنابلة، وجمهور الحنفية. قال الغزالي: مَنْ يَقُولُ بالمَفهُوم قَدْ يَظُنُّ للمَفهُوم عُمُومًا، وَيَتَمَسَّكُ به،، وَفيه نَظَرٌ، ثم استدل على ذلك فقال: لأَنَّ العُمُومَ لَفظٌ تَتَشَابَهُ دَلَالَتُهُ بالإضَافَة إلَى مُسَمَّيَاتٍ، وَالمُتَمَسّكُ بالمَفهُوم، وَالفَحوَى لَيسَ مُتَمَسّكًا بلَفظٍ بَلْ بسُكُوتٍ، فَإذَا قَالَ ﵊: «في سَائمَة الغَنَم زَكَاةٌ» (١)، فَنَفيُ الزَّكَاة في المَعلُوفَة لَيسَ بلَفظٍ حَتَّى يَعُمَّ اللَّفظُ أَوْ يَخُصُّ، وقَوله تَعَالَى ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] دَلَّ عَلَى تَحريم الضَّرب لَا بلَفظه المَنطُوق به حَتَّى يُتَمَسَّكَ بعُمُومه، وَقَدْ ذَكَرنَا أَنَّ العُمُومَ للأَلفَاظ لَا للمَعَاني، وَلَا للأَفعَال (٢). وأجيب: بأنَّ مفهوم الموافقة هو كالملفوظ به سواء بسواء، بل قد يكون الحكم في المسكوت عنه أولى من الحكم في المنطوق به، وإذا

стр. 1402

كان الأمر كذلك، فإنه يجري عليه ما يجري على الألفاظ. المذهب الثاني: أنَّ مفهوم الموافقة له عموم، وهو مذهب بعض الحنفية كابن الهمام، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة. ودليلهم: أنه يُعامل معاملة الملفوظ به، والملفوظ به قد يكون عامًّا، وقد يكون خاصًّا، لذا تجد مفهوم الموافقة على ذلك ينسخ وينسخ به (١). • مفهوم المخالفة: أولًا: تعريفه: أن يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفًا لمدلوله في محل النطق (٢). مثال: نهي النبي ﷺ عن الأضحية بالعوراء (٣)، فبمفهوم المخالفة أنَّ غير العوراء جائزة. ثانيًا: إطلاقاته: مفهوم المخالفة يسمى بأسماء كثيرة عند الأصوليين، منها: الاسم الأول: مفهوم المخالفة، وهو ما اصطلح عليه جمهور

стр. 1403

العلماء، وسمي به؛ لأنه مخالف للمنطوق في الحكم. الاسم الثاني: دليل الخطاب، وهو اصطلاح ابن فورك، وسمي بذلك لأحد أمور: ١ - لأنَّ دليله من جنس الخطاب. ٢ - لمخالفته منطوق الخطاب. ٣ - لأن الخطاب دلَّ عليه. الاسم الثالث: تخصيص الشيء بالذكر، وهو مشهور عن الحنفية، واعتبروا التمسك به من المتمسكات الفاسدة (١). ثالثًا: حجية مفهوم المخالفة: اختلف الأصوليون في مفهوم المخالفة على مذاهب: المذهب الأول: أنَّ مفهوم المخالفة حجة ودليل من أدلة الشرع، وهو مذهب جمهور الأصوليين، وأهل اللغة، قال السمعاني (٢): اختلف أهل العلم فى كونه دليلًا، وصحة الاستدلال به، فقال مالك، والشافعى، وجمهور أصحابنا أنه دليل صحيح فى الأحكام، ويحتج به، وهو قول

стр. 1404

داود وأصحاب الظاهر، وقال به أيضًا طائفة من المتكلمين، وذهب طائفة من الفقهاء إلى القول بدليل الخطاب فى المقيد بالشرط، والغاية، وإن أبطلوا ذلك فى المقيد بالصفة، وبعضهم أبطل دليل الخطاب بالصفة والشرط، وأثبته في المقيد بالغاية. • أدلة حجية مفهوم المخالفة (١): • أولًا: السنة القولية: قال الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، قال رسول الله ﷺ : «أخر عني يا عمر، إني خيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت» (٢). • ثانيًا: إقرار النبي ﷺ : وهذه الأدلة تندرج تحت إقرار النبي ﷺ ، وقد تندرج أيضًا تحت فهم الصحابة ﵃. ١ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين

стр. 1405

يديه مثل مؤخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود»، قال عبد الله بن الصامت: قلت يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله ﷺ فقال: «الكلب الأسود شيطان» (١)، ففهم أبو ذر أنَّ حكم الأحمر والأصفر مخالف لحكم الأسود، وأقره النبي ﷺ . ٢ - عَنْ يعلى بن أُميَّة قَالَ: قلت لعمر بن الخطاب: إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فَقَد أَمنَ النَّاسُ، قَالَ عُمَرُ: عَجبتُ ممَّا عَجبتَ منهُ، فَسَأَلتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بهَا عَلَيكُم فَاقبَلُوا صدقته» (٢). وقد قال ابن القيم فى الهدي: هو ثابت عنه، ففهم يعلى من الآية: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، أنَّ القصر معلق بالخوف، وأنه لا قصر فى الأمن، وفهم ذلك عمر، وأقر عمرَ النبيُّ ﷺ على ذلك، لكن بين له النبي ﷺ أنَّ حكم القصر باق فى الخوف والأمن، لكنَّ ذلك بدليل جديد.
следующие страницы →