• المسألة الثامنة: هل مفهوم الموافقة له عموم؟
اختلف القائلون: إنَّ دلالة مفهوم الموافقة دلالة لفظية، هل له عموم؟ على مذهبين:
المذهب الأول: أنه لا عموم لمفهوم الموافقة، وهو مذهب الغزالي، وبعض الحنابلة، وجمهور الحنفية.
قال الغزالي: مَنْ يَقُولُ بالمَفهُوم قَدْ يَظُنُّ للمَفهُوم عُمُومًا، وَيَتَمَسَّكُ به،، وَفيه نَظَرٌ، ثم استدل على ذلك فقال: لأَنَّ العُمُومَ لَفظٌ تَتَشَابَهُ دَلَالَتُهُ بالإضَافَة إلَى مُسَمَّيَاتٍ، وَالمُتَمَسّكُ بالمَفهُوم، وَالفَحوَى لَيسَ مُتَمَسّكًا بلَفظٍ بَلْ بسُكُوتٍ، فَإذَا قَالَ ﵊: «في سَائمَة الغَنَم زَكَاةٌ» (١)، فَنَفيُ الزَّكَاة في المَعلُوفَة لَيسَ بلَفظٍ حَتَّى يَعُمَّ اللَّفظُ أَوْ يَخُصُّ، وقَوله تَعَالَى ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] دَلَّ عَلَى تَحريم الضَّرب لَا بلَفظه المَنطُوق به حَتَّى يُتَمَسَّكَ بعُمُومه، وَقَدْ ذَكَرنَا أَنَّ العُمُومَ للأَلفَاظ لَا للمَعَاني، وَلَا للأَفعَال (٢).
وأجيب: بأنَّ مفهوم الموافقة هو كالملفوظ به سواء بسواء، بل قد يكون الحكم في المسكوت عنه أولى من الحكم في المنطوق به، وإذا
стр. 1402
كان الأمر كذلك، فإنه يجري عليه ما يجري على الألفاظ.
المذهب الثاني: أنَّ مفهوم الموافقة له عموم، وهو مذهب بعض الحنفية كابن الهمام، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة.
ودليلهم: أنه يُعامل معاملة الملفوظ به، والملفوظ به قد يكون عامًّا، وقد يكون خاصًّا، لذا تجد مفهوم الموافقة على ذلك ينسخ وينسخ به (١).
• مفهوم المخالفة:
أولًا: تعريفه: أن يكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفًا لمدلوله في محل النطق (٢).
مثال: نهي النبي ﷺ عن الأضحية بالعوراء (٣)، فبمفهوم المخالفة أنَّ غير العوراء جائزة.
ثانيًا: إطلاقاته:
مفهوم المخالفة يسمى بأسماء كثيرة عند الأصوليين، منها:
الاسم الأول: مفهوم المخالفة، وهو ما اصطلح عليه جمهور
стр. 1403
العلماء، وسمي به؛ لأنه مخالف للمنطوق في الحكم.
الاسم الثاني: دليل الخطاب، وهو اصطلاح ابن فورك، وسمي بذلك لأحد أمور:
١ - لأنَّ دليله من جنس الخطاب.
٢ - لمخالفته منطوق الخطاب.
٣ - لأن الخطاب دلَّ عليه.
الاسم الثالث: تخصيص الشيء بالذكر، وهو مشهور عن الحنفية، واعتبروا التمسك به من المتمسكات الفاسدة (١).
ثالثًا: حجية مفهوم المخالفة:
اختلف الأصوليون في مفهوم المخالفة على مذاهب:
المذهب الأول: أنَّ مفهوم المخالفة حجة ودليل من أدلة الشرع، وهو مذهب جمهور الأصوليين، وأهل اللغة، قال السمعاني (٢): اختلف أهل العلم فى كونه دليلًا، وصحة الاستدلال به، فقال مالك، والشافعى، وجمهور أصحابنا أنه دليل صحيح فى الأحكام، ويحتج به، وهو قول
стр. 1404
داود وأصحاب الظاهر، وقال به أيضًا طائفة من المتكلمين، وذهب طائفة من الفقهاء إلى القول بدليل الخطاب فى المقيد بالشرط، والغاية، وإن أبطلوا ذلك فى المقيد بالصفة، وبعضهم أبطل دليل الخطاب بالصفة والشرط، وأثبته في المقيد بالغاية.
• أدلة حجية مفهوم المخالفة (١):
• أولًا: السنة القولية:
قال الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، قال رسول الله ﷺ : «أخر عني يا عمر، إني خيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت» (٢).
• ثانيًا: إقرار النبي ﷺ :
وهذه الأدلة تندرج تحت إقرار النبي ﷺ ، وقد تندرج أيضًا تحت فهم الصحابة ﵃.
١ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين
стр. 1405
يديه مثل مؤخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار، والمرأة، والكلب الأسود»، قال عبد الله بن الصامت: قلت يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله ﷺ فقال: «الكلب الأسود شيطان» (١)، ففهم أبو ذر أنَّ حكم الأحمر والأصفر مخالف لحكم الأسود، وأقره النبي ﷺ .
٢ - عَنْ يعلى بن أُميَّة قَالَ: قلت لعمر بن الخطاب: إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، فَقَد أَمنَ النَّاسُ، قَالَ عُمَرُ: عَجبتُ ممَّا عَجبتَ منهُ، فَسَأَلتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بهَا عَلَيكُم فَاقبَلُوا صدقته» (٢).
وقد قال ابن القيم فى الهدي: هو ثابت عنه، ففهم يعلى من الآية: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، أنَّ القصر معلق بالخوف، وأنه لا قصر فى الأمن، وفهم ذلك عمر، وأقر عمرَ النبيُّ ﷺ على ذلك، لكن بين له النبي ﷺ أنَّ حكم القصر باق فى الخوف والأمن، لكنَّ ذلك بدليل جديد.
стр. 1406
• ثالثًا: فهم الصحابة:
وذلك مثل فهم ابن عباس من قول النبي ﷺ : «إنما الربا فى النسيئة»، وفي رواية: «لا ربا إلا فى النسيئة» (١) نفي ربا الفضل، ومن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، أنه إن كان له أخوان فلأمه الثلث.
وذلك مثل قولهم في حديث: «إنما الماء من الماء» (٢) منسوخ بما روته عائشة ﵂، عن النبى ﷺ : «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل» (٣).
فقولهم (منسوخ) لا يعني نسخ منطوق الحديث؛ لأنَّ منطوقه ما زال معمولًا به، ولكن مقصدهم نسخ مفهوم المخالفة الذى فهم من الحصر في الحديث، فقولهم بنسخ مفهوم المخالفة دل على أنهم يقولون به، ويعملون بمقتضاه.
• رابعًا: لغة العرب:
فتخصيص الشاء بالذكر في لغة العرب لا بد أن يكون له فائدة، فإذا استوت السائمة والمعلوفة، والثيب والبكر، والعمد والخطأ، فَلم
стр. 1407
خصَّص البعض بالذكر والحكمُ شاملُه، والحاجة إلى البيان تعم القسمين، فلا داعي له إلا اختصاص الحكم، وإلا صار الكلام لغوًا.
ومن ذلك أنَّ تعليق الحكم بالصفة كالتعليق بالعلة، وذلك يوجب ثبوت الحكم بالصفة كما يوجب ثبوته بثبوت العلة، والانتفاء بنفيها.
فحينما قال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، علمنا أنَّ الحكم مختص بالأبرار، فإن وجدت هذه الصفة وجد الحكم وهو النعيم، وإن لم توجد لا يوجد الحكم.
وكذلك لو قيل: اشتر لي عبدًا أسودًا. يفهم منه نفي الأبيض، وهذا معلوم فى لغة العرب.
ومما استدلوا به أنَّ الشافعي يقول به وهو حجة فى اللغة.
وينبغي أن يعلم أنَّ الجمهور المثبتين لمفهوم المخالفة قد اختلفوا في طريق ثبوته، فمنهم من قال بأنه ثابت باللغة، ومنهم من قال هو ثابت بالشرع (١).
فالفريق الأول منهم ذهب إلى أنه حجة من حيث اللغة ولسان العرب، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وقول كثير من أئمة اللغة منهم أبو عبيد.
стр. 1408
ومن أدلتهم أيضًا: أنَّ أبا عبيد قال في قول النبي ﷺ : «ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته» (١).
دليل أنَّ لي غير الواجد لا يحل عقوبته ولا عرضه، فصرح بالقول بدليل الخطاب، وقيل له في قول النبي ﷺ : «لأن يمتلئ بطن الرجل قيحًا خير من أن يمتلئ شعرًا» (٢)، المراد بالشعر هنا الهجاء مطلقًا أو هجاء الرسول ﷺ ، فقال: لو كان كذلك لم يكن لذكر الامتلاء معنى؛ لأنَّ قليله وكثيره سواء، فجعل الامتلاء في الشعر في قوة الشعر الكثير يوجب ذلك، ففهم منه أنَّ غير الكثير ليس لذلك فاحتج به، ولا شك أنه من أهل اللغة (٣).
واعترض بأنَّ الأخفش، ومحمد بن الحسن نفوه، وهما عالمان بالعربية؛ فدل على أنه ليس من مفهوم اللغة.
وأجيب:
١ - بأنَّ ما ذكر عن الأخفش لا يعارض قول أبي عبيد؛ لأنَّ
стр. 1409
الأخفش لم يكن من أهل اللغة، وإنما كان له معرفة بالنحو، وأبو عبيد كان إمامًا في اللغة، ثم إنه قد تقدم على محمد بن الحسن الشافعيُّ، والفضل للمتقدم لعدم اختلاط لغة العرب في الزمن المتقدم (١).
٢ - أنَّ المثبت مقدم على النافي؛ لأنَّ معه زيادة علم.
الفريق الثاني: ذهب إلى أنه حجة شرعًا لمعرفته من موارد الشرع؛ فثبت ذلك من جهة الشرع بتصرف زائد منه على وضع اللغة (٢).
ودليلهم: أنَّ النبي ﷺ فهم من قول الله ﵎: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، أنَّ ما زاد على السبعين بخلاف حكمه، فقال: «خيرني الله وسأزيد على السبعين» (٣).
واعترض بأنَّ الحديث من أخبار الآحاد، ولا يستدل بمثلها على الأصول.
وأجيب: منع اشتراط التواتر، وإلا امتنع العمل بأكثر أدلة الأحكام
стр. 1410
لعدم تواترها في مفرداتها.
المذهب الثاني: عدم اعتبار مفهوم المخالفة دليلًا مطلقًا، وهو مذهب أبي حنيفة، وبعض الشافعية كأبي العباس بن سريج، والقاضي أبي حامد، وأبي بكر القفال الشاشي، وهو قول جمهور المتكلمين (١).
وأدلتهم:
الدليل الأول: أنَّ الله قد خص أشياء، فذكر بعض أوصافها، ثم علق بها أحكامًا ولم يكن بتخصيصه إياها موجبًا بالحكم بخلافها، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، فخص النهي عن قتل الأولاد حال خشية الإملاق، فالتخصيص هنا لا تأثير له في الحكم الذي هو مدلوله فلا يكون دليلًا (٢).
وأجيب: بأنَّ دليل الخطاب سقط في هذه المواضع لقيام الدلالة عليه، ثم لا يمنع ذلك لكونه موضوعًا في الأصل على ما اعتبرناه، كما أنَّ قيام الدلالة على كون العموم غير مستغرق للجنس لا يدل على أنه غير موضوع في الأصل للاستغراق، نحو قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، ومعلوم أنها لم تؤت ملك سليمان مثلًا.
стр. 1411
فلئن جاز أن يعترض بمثل هذا علينا في دليل الخطاب؛ كان لأصحاب الخصوص أن يعترضوا على الجميع في القول بالعموم بهذه المواضع (١).
الدليل الثاني: أنَّ ما يقتضيه الخطاب بصريحه أو دليله طريقه اللغة دون غيرها، وثبوته من طريق اللغة لا يخلو من أن يكون بالعقل أو النقل، ولا يجوز أن يكون بالعقل؛ لأنه لا مدخل للعقل في إثبات اللغة، ولا يجوز أن يكون بالنقل؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون متواترًا أو آحادًا، ولا يجوز أن يكون متواترًا؛ لأنه لو نقل ذلك لعلمناه، لأنه لا يجوز أن يختص المخالف بعلم النقل المتواتر، ولا يجوز أن يكون آحادًا؛ لأنَّ هذه المسألة من مسائل الأصول، وهي لا تثبت بالواحد الذي لا يوجب العلم.
وأجيب:
١ - أنه قد ثبت بالنقل الذي تقوم به الحجة من فعل النبي صلى الله عليه وأصحابه أنهم اعتبروا دلالة المفهوم، واجتمعوا بها، وهو ثابت بالعقل كما مر، وقول المخالف: إنَّ العقل لا مدخل له في إثباته ليس بصحيح؛ لأنَّ له مدخلًا في الاستدلال بمخارج كلامهم على مقاصدهم
стр. 1412
وموضوعاتهم.
٢ - أنه وإن كان من مسائل الأصول إلا أنه مما يسوغ الاجتهاد فيه، فجاز إثباته بأخبار الآحاد.
٣ - أنه إذا جاز إثبات ما يترتب على هذه الأصول من ضرب الرقاب، وإيجاب الحدود، وإباحة الأبضاع، وغيرها؛ جاز إثبات أصولها بأخبار الآحاد (١).
المذهب الثالث: مفهوم المخالفة حجة في كلام الشارع، وليس بحجة في كلام المصنفين، والواقفين، وهو ما ذهب إليه تقي الدين السبكي في فتاويه (٢).
دليله: أنَّ الذهول قد يغلب على الناس بخلافه في الشرع من كلام الله ورسوله (٣).
وأجيب:
١ - أن هذا التفصيل خلاف الإجماع؛ لأنَّ الناس إما قائل بأنَّ
стр. 1413
المفهوم من جملة دلالات الألفاظ أو ليس من جملتها، فالتفصيل إحداث قول ثالث، ثم القائل بأنه حجة: قال بأنه حجة في الكلام مطلقًا، واستدلوا على كونه حجة في كلام الناس؛ لأنه من جملة الدلالات كالعموم.
٢ - أنَّ هذا الكلام تَحَكُّمٌ؛ لأنَّ بيان الشرع جارٍ على لسان العرب وعادتها في بيانها لا بالاطلاع على البواطن (١).
• شروط مفهوم المخالفة (٢):
١ - ألَّا يوجد فى المسكوت دليل خاص يدل على نقيض الحكم المفهوم من المنطوق: فإن وجد الدليل الخاص عمل به ولا يعمل بالمفهوم.
مثال ذلك: لا يعمل بمفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، وذلك لوجود الدليل الخاص، وهو قوله ﷺ : «صدقة تصدق الله بها
стр. 1414
عليكم فاقبلوا صدقته» (١).
٢ - ألَّا يكون القيد خرج مخرج الغالب:
كقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، فالربيبة هى بنت الزوجة وهى موصوفة بوصفين الأول: (في حُجُوركُم)، والثانى ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فالقيد الأول ذكر للغالب فقط، وليس احترازيًّا، وهو أنَّ غالب الربائب تربى في حجر زوج أمها، فلا يؤخذ مفهوم مخالفة؛ لأنَّ هذا القيد غير احترازى، فلا يجوز القول بأنَّ الربيبة إن لم تكن مرباة فى الحجر يجوز الزواج بها بعد الدخول بأمها؛ هذا غير صحيح ولا يجوز.
أما الوصف الثانى هو وصف احترازي، وهو ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فإن وجد هذا القيد وجد الحكم، وإن انعدم لا يوجد الحكم، فيجوز أن نأخذ منه مفهوم المخالفة، فنقول: إن لم يدخل بأمها يجوز الزواج بها. وهذا صحيح، وذلك بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، لم يقل: ولم تربى فى حجوركم.
стр. 1415
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فالآية أفادت أنَّ الخلع إنما يكون عند خوف عدم القيام بما أمر الله، لكنه لا يفهم منه عدم جواز الخلع فى غير ذلك؛ لأنَّ الآية جاءت على الأغلب.
٣ - ألَّا يقصد بالقيد المبالغة: مثل قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، فلا يدل أنَّ الربا القليل ليس حرامًا؛ لأنَّ الآية خرجت مخرج المبالغة، وقيل: إنها خرجت لبيان الواقع.
٤ - ألَّا يكون المقصود من القيد الحث على الامتثال: عن أبى هريرة ﵁ قال: قال النبى ﷺ : «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة» (١)، فليس المقصود منه جواز ما زاد، ولا إن كانت لا تؤمن بالله واليوم الآخر يجوز لها ذلك.
٥ - ألَّا يكون المقصود من القيد إظهار الامتنان، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، فإنه سيق لإظهار المنة لطيب اللحم الطري، وليس المقصود كون اللحم
стр. 1416
غير الطري ممتنعًا أكله.
٦ - ألَّا يكون الكلام الذى ورد فيه القيد جوابًا لسؤال سائل، فلو سئل النبى عن سائمة الغنم: هل فيها زكاة؟ فأجاب: «في سائمة الغنم الزكاة» (١)، فلا يؤخذ منه مفهوم المخالفة.
٧ - أن لا يظهر من السياق قصد التعميم، فإن ظهر فلا مفهوم، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
٨ - أن يذكر القيد مستقلًا، فلو ذكر على جهة التبعية لشيء آخر فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنَّ قوله: (في المساجد) لا مفهوم له بالنسبة لمنع المباشرة، فإنَّ المعتكف يحرم عليه المباشرة إطلاقًا.
٩ - أن لا يكون الشارع قد ذكر القيد للقياس عليه، فإن وجد فيه شروط القياس -كاملة- فلا مفهوم له، كقوله ﷺ : «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحديا» (٢).
стр. 1417
فلا مفهوم لذلك؛ لأن الشارع ذكرهن لما فيهن من الأذى، فيجوز أن تلحق بهن كل ما فيه أذًى.
١٠ - جهل السامع للمنطوق دون المفهوم، كما إذا قلت لإنسان يعلم أن جمع الأختين بنكاح حرام، ويجهل حرمة جمعهما في الوطء بملك اليمين، نقول: جمع الأختين بملك اليمين حرام، فلا يفهم منه أنَّ جمعهما بالنكاح غير حرام؛ لأنَّ التخصيص بالذكر لجهل السامع حكم المنطوق دون المفهوم.
١١ - ألا يعارضه ما هو أرجح منه من منطوق أو مفهوم موافقة، قال شارح اللمع: دليل الخطاب إنما يكون حجة إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه كالنص، والتنبيه، فإن عارضه أحدهما سقط.
* المسألة الرابعة: أنواع مفهوم المخالفة:
• المفهوم الأول: مفهوم الصفة.
وبدأ المصنفون بمفهوم الصفة؛ لأنه رأس المفاهيم.
قال أبو المعالي: لو عبر معبر عن جميع المفاهيم بالصفة لكان ذلك متجهًا؛ لأنَّ المعدود والمحدود موصوفان بعددها، وحدها، وكذا سائر المفاهيم (١).
стр. 1418
ومفهوم الصفة: تعليق الحكم على الذات بأحد الأوصاف. وهذا يدل على نفي ذلك الحكم إذا انتفت تلك الصفة، نحو قول النبي ﷺ : «في سائمة الغنم زكاة» (١)، وهذا يدل على نفي الزكاة في الغنم غير السائمة، وهي المعلوفة.
وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فهذا يدل على أنَّ غير المؤمنة من الفتيات لا يجوز الزواج بها.
والمراد بالصفة عند الأصوليين: تقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخر يختص ببعض معانيه، ليس بشرط، ولا غاية، ولا يريدون به النعت فقط، وهكذا عند أهل البيان، فإنَّ المراد بالصفة عندهم هي المعنوية لا النعت، وإنما يخص الصفة بالنعت أهل النحو فقط.
وبمفهوم الصفة أخذ الجمهور أحمد، ومالك، والشافعي، وهو المختار للبيضاوي، وإمام الحرمين، قال الشوكاني: وهو الحق؛ لما هو معلوم من لسان العرب أنَّ الشيء إذا كان له وصفان، فوصف بأحدهما دون الآخر، كان المراد به ما فيه تلك الصفة دون الآخر (٢).
стр. 1419
فإذا قال ﵊: «في سائمة الغنم زكاة» (١)، فالغنم اسم عام يتناول السائمة والمعلوفة، فاستدرك عمومه بخصوص السائمة، وبين أنها المراد من عموم الغنم.
وهذا المفهوم حجة طلبًا لفائدة التخصيص؛ إذ لو سوَّينا بين السائمة وغيرها في وجوب الزكاة لبطلت فائدة التخصيص.
وكذا قوله ﷺ : «من باع نخلًا قد أبرت فثمرها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع» (٢)، فالنخل عام في المؤبر وغيره، فاستدرك عمومه بخصوص المؤبر، وبين أنه المراد من عموم النخل (٣).
ومما يدل على حجية مفهوم الصفة، وقد مر عند الكلام على حجية مفهوم المخالفة؛ أنه روي عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه لما سمع قول النبي ﷺ : «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته» (٤)، قال: إنَّ من ليس بواجد لا يحل عرضه وعقوبته. ولما سمع قول النبي ﷺ : «مطل الغني
стр. 1420
ظلم» (١)، قال: مطل غير الغني ليس بظلم.
فأبو عبيد من فصحاء العرب وأهل اللغة قد فهم أنَّ تعليق الحكم وتخصيصه بصفة يدل على نفي ذلك الحكم عما إذا انتفت تلك الصفة عنه (٢).
ومما يلحق بتعقيب ذكر الاسم العام بصفة خاصة وهو في معناه: تقسيم الاسم أو الصنف إلى قسمين، وتخصيص كل قسم منهما بحكم، فإنه يدل على انتفاء ذلك الحكم عن القسم الآخر، كقوله ﵊: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن» (٣)، فخص البكر بالاستئذان؛ فدل على نفيه في الأيم.
وهو أيضًا لطلب فائدة التقسيم؛ إذ لو سوينا الأيم والبكر في الاستئذان وعدمه لبطلت فائدة التقسيم.
ومما يلحق به أيضًا: تخصيص الحكم بوصف عارض لا يستقر بل يطرأ ويزول، كالثيوبة في قول النبي: «الثيب أحق بنفسها من وليها» (٤)، فهنا اقترن الحكم وهو كون المرأة أحق بنفسها من وليها بوصف وهو
стр. 1421
الثيوبة، وهذا الوصف طارئ على المرأة.
وهذا المفهوم حجة طلبًا لفائدة التخصيص كما مر (١).
ضابط الأخذ بمفهوم الصفة:
أنه يعمل به إذا لم يظهر لتخصيص الوصف بالذكر فائدة أخرى غير نفي الحكم عن الذات عند انتفاء الوصف، فإن ظهر لتخصيصه بالذكر فائدة أخرى ككونه سئل عنه بخصوصه، فوقع الجواب ليكون الجواب مطابقًا للسؤال.
أو يكون تخصيصه بالذكر؛ لأنَّ هذا الوصف هو الغالب، والكثير في ذلك الوقت، فلا خلاف في أنَّ نفي الوصف لا يدل على نفي الحكم عن الذات، بل يكون اللفظ دالًّا على ثبوت الحكم عند ثبوت الوصف فقط.
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] خصص الوصف وهو خشية الإملاق بالذكر؛ لأنَّ الغالب أنَّ العرب إنما كانوا يقتلون أولادهم لذلك، فالوصف قد ذكر لفائدة أخرى غير نفي الحكم، فلا تكون الآية من محل النزاع.
стр. 1422
وقوله ﷺ : «في الغنم السائمة زكاة» (١)، إذا ثبت أنَّ السائل قد سأل عن وجوب الزكاة في السائمة بخصوصها يكون الرسول قد خصص الوصف بالذكر؛ لأنه المسؤول عنه -فيكون الجواب مطابقًا للسؤال- وبذلك يكون الوصف قد ظهر تخصيصه بالذكر فائدة أخرى، فلا يكون من محل النزاع (٢).
لذا قال الماوردي بالتفصيل بين أن يقع ذلك جواب سؤال فلا يعمل به، وبين أن يقع ابتداء فيعمل به؛ لأنه لا بد لتخصيصه بالذكر من موجب (٣).
الفرق بين مفهوم الصفة ومفهوم اللقب:
أن تخصيص الغنم بالسوم مثلًا لو لم يكن للفرق بين السائمة وغيرها في الحكم؛ لكان تطويلًا بلا فائدة، بخلاف: جاء زيد. فإنَّ تخصيصه بالذكر ليمكن إسناد المجيء إليه، إذ لا يصح الإسناد بدون مسند إليه.
стр. 1423
• المفهوم الثاني: مفهوم الشرط:
وهو تعليق الحكم بشرط، فإنه يدل على انتفاء الحكم عند عدم الشرط.
وهذا المفهوم حجة، وهو مذهب القائلين بمفهوم الصفة، وبعض المنكرين له كابن سريج، والرازي، وأبي الحسين الكرخي، حيث قال: إنَّ التقييد بالشرط يدل على أنَّ ما عداه بخلافه بخلاف التقييد بالصفة؛ لأنَّ التعليق بالشرط يقتضي إيقاف الحكم على وجود الشرط، وإذا أوقف انعدم بعدمه، وليس في تقييد الحكم بالصفة إيقاف الحكم عليها حتى ينعدم عند عدمها، فيبقى ما وراء المذكور موقوفًا على حسب ما يقوم عليه الدليل (١).
والمقصود بالشرط هنا: الشرط اللغوي، وهو ما دخل عليه إن، أو إذا، أو ما يقوم مقامهما، هذا هو الشرط اللغوي، وهو المراد هنا، لا الشرعي، ولا العقلي (٢).
стр. 1424
فهذا الشرط يمنع من ثبوت الحكم عند عدمه، فإذا قال القائل لعبده: ادخل الدار إن دخلها عمرو. معناه: أنَّ الشرط في دخولك دخول عمرو، وكذا إذا علق الطلاق، أو الإعتقاء بالدخول.
ولو قال لعبده: شرط دخولك الدار دخول عمرو. أو قال: شرط سفرك سفر عمرو. علمنا أنه لم يوجب عليه دخول الدار مع فقد دخول عمرو، ولا أوجب عليه السفر مع فقد سفر عمرو.
والدليل على أنَّ مفهوم الشرط حجة: حديث عمر أنَّ يعلى بن أمية سأله فقال: ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألتُ رسول الله ﷺ فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (١).
وجه الدلالة: أنه لو لم يعقل من الشرط نفي الحكم عما عداه لم يكن لتعجبهما معنى.
والمعنى: أنَّ يعلى قد فهم من تخصيص القصر بحالة الخوف عدم القصر عند عدم الخوف، ولم ينكر عليه عمر، بل قال: عجبتُ مما عجبتَ منه، بل إنَّ النبي ﷺ لم ينكر هذا الفهم بل أقره.
واعترض عليه: بأنه يجوز أنهما تعجبا؛ لأنهما علما من الآيات الواردة في الكتاب وجوب الإتمام، وأنَّ حال الخوف مستثناة من الآيات، والباقي ثابت على الأصل فى الإتمام فلهذا تعجبا.
стр. 1425
والمعنى: أنهما فهما أنَّ حالة الأمن بقيت على ما هي عليه يجب فيها الإتمام، فعجبا نظرًا لمخالفة الأصل.
وأجيب: أنَّ هذا كله زيادات، وللعلماء كلام كثير فى أنَّ الأصل في الصلاة القصر، عن عائشة ﵂ قالت: كانت صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (١).
فدل على أنهما فهما وجوب الإتمام عند الأمن بسبب مفهوم الشرط، فكان التعجب مما صرحت به الآيات، وهو شرط الخوف في القصر، ثم القصر مع الأمن، فكان الاستدلال قائمًا (٢).
ومن الأدلة على حجيته: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، فأفادت بمفهوم المخالفة حرمة أخذ شيء من المهر إن لم ترض الزوجة.
وكذا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فدل مفهوم المخالفة أنَّ المطلقة ثلاثًا غير الحامل لا تجب النفقة عليها (٣).
стр. 1426
• المفهوم الثالث: مفهوم الحصر.
وأقوى صيغ الحصر:
١ - النفي والإثبات، نحو: لا إله إلا الله. و هذا يسمى بمفهوم الاستثناء من النفي، والراجح أنَّ له مفهومًا أي أنَّ الاستثناء من النفي إثبات، فإذا قلنا: لا إله إلا الله. فإنَّ هذا يدل على نفي كل إله سوى الله ، وإثبات الألوهية له وحده ، ولو كان نافيًا للألوهية عما سوى الله غير مثبت لها بالنسبة إلى الله لما كان ذلك توحيدًا لله تعالى لعدم إشعار لفظه بإثبات الألوهية لله ، وذلك خلاف الإجماع.
ثانيًا: أنه قد ثبت عن أهل اللغة أنهم قالوا: الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، وكلامهم حجة حيث إنهم أعلم الناس بما وضعت له الألفاظ، وبذلك يكون الاستثناء دالًّا على ثبوت نقيض حكم المستثنى منه للمستثنى، فيكون الاستثناء من النفي إثباتًا، ومن الإثبات نفيًا، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه.
٢ - ومن صيغ الحصر (إنما)، كقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» (١)، وقوله: «إنما الولاء لمن
стр. 1427
أعتق» (١)، وقوله: «إنما الماء من الماء» (٢).
فلفظة (إنما) تدل على الحصر، وإثبات المذكور، ونفي ما عداه، وهو مذهب جمهور العلماء، وقد نفى الشافعي وجمهور أصحابه أنها في قوة الإثبات والنفي ب (ما)، و (إلا)؛ لأنَّ لفظة (إنما) مركبة من جزءين هما (إنَّ)، و (ما)، و (إنَّ) للإثبات مثل: إنَّ زيدًا ناجح. و (ما) للنفي مثل: ما زيد بناجح. وإذا كانت (إنَّ) للإثبات، و (ما) للنفي حال انفرادهما فيجب استصحاب ذلك، وإبقاء ما كان على ما كان في حال اجتماعهما في التركيب.
فقول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» يعني لا عمل إلا بنية.
٣ - ومن صيغ الحصر: حصر المبتدأ في الخبر، كقول النبي ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليها التسليم».
فحصر مفتاح الصلاة في الطهور، وتحريمها في التكبير، وتحليلها في التسليم، وبه احتج أصحاب الشافعي على تعيين لفظ التكبير والتسليم، ومنعه الحنفية لمنعهم المفاهيم.
وكقولك: العالم زيد. فحصر العلم في زيد.
وكقولك: صديقي عمرو. فحصر الصداقة في عمرو.
стр. 1428
وهذا مذهب الغزالي، وابن قدامة، وإلكيا الهراسي.
وحجتهم: أنَّ الاسم إذا دخلت عليه (ال)، كقول النبي ﷺ : «الشفعة فيما لم يقسم»، أو أضيف إلى معرفة، كقوله: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» فإنَّ هذا الاسم يفيد الاستغراق فيفيد الحصر، وهو ظاهر فيه، وذلك أنَّ الترتيب الطبيعي أن يقدم الموصوف على الوصف، فإذا قدم الوصف على الموصوف معرفًا باللام أو الإضافة أفاد العدول مع ذلك التعريف أنَّ نفي ذلك الوصف من غير الموصوف مقصود للمتكلم.
وبيان ذلك: أنه أفاد الحصر؛ لأنَّ المحكوم به -وهو الخبر- يجب أن يكون مساويًا للمحكوم عليه -وهو المبتدأ- أو أعم منه.
فمثال المساوي: الإنسان بشر. فالإنسان مبتدأ محكوم عليه بأنه بشر، وهو الخبر، وهو مساوٍ له.
ومثال الأعم: الإنسان حيوان. فالإنسان هنا وهو المبتدأ محكوم عليه بأنه حيوان، وهو أعم من الإنسان.
فإذا قلت: صديقي زيد. فصديقي هنا وهو المبتدأ عام، فإذا أخبر عنه بخاص وهو زيد كان حصرًا لذلك العام، وهو الأصدقاء كلهم في الخبر وهو زيد، إذ لو بقي من أفراد العموم ما لم يدخل في الخبر لزم أن
стр. 1429
يكون المبتدأ أعم من الخبر، وذلك لا يجوز.
قال الغزالي: لا لغة ولا عقلًا، فلا تقول: الحيوان إنسان، ولا الزوج عشرة. بل أن يكون المبتدأ أخص أو مساويًا.
وإذا قلت: تحريمها التكبير. فتحريمها مبتدأ، والتكبير خبر، فيكون التكبير مساويًا للتحريم، فينحصر التحريم في التكبير كما حصرنا الصداقة في زيد (١).
• المفهوم الرابع: مفهوم العدد:
وهو تعليق الحكم بعدد مخصوص، فإنه يدل على انتفاء الحكم فيما عدا ذلك العدد، زائدًا كان أو ناقصًا.
وقد ذهب إليه الشافعي، كما نقله عنه أبو حامد، وأبو الطيب الطبري، والماوردي، ونقله أبو الخطاب الحنبلي عن أحمد بن حنبل، وبه قال مالك، وداود الظاهري، وبه قال صاحب الهداية من الحنفية (٢).
стр. 1430
دليله:
١ - أنَّ قتادة قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قال النبي ﷺ : «لأزيدن على السبعين» (١)، فنزلت ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦].
وجه الدلالة: أنَّ النبي ﷺ فهم أنَّ حكم ما فوق السبعين مخالف لما قبلها.
يعني: أنَّ نفي المغفرة مقيد بالسبعين، فإذا زاد عن السبعين قد انتفى الحكم، وهو عدم المغفرة؛ لذا قال: «لأزيدن عن السبعين»، والنبي ﷺ أعلى أهل اللغة رتبة فيها، فدل على أنَّ تخصيص الحكم بعدد دال على نفي الحكم عن غير هذا العدد المعين.
٢ - ومما يدل على صحة مفهوم العدد بالخصوص وغيره من المفاهيم على العموم ما ذكره أهل العلم في كتبهم أنَّ معاوية استعمل عاملًا أحمق فذكر المجوس يومًا، فقال قائل: لعن الله المجوس ينكحون أمهاتهم، والله لو أعطيت مئة ألف درهم ما نكحت أمي، فبلغ
стр. 1431
ذلك معاوية فقال: قاتله الله أتراه لو زيد على مئة ألف كان يفعل. مع أنَّ معاوية من اللغة والفصاحة بمكان (١).
٣ - ومن الأدلة أنَّ العمل بمفهوم العدد معلوم من لغة العرب، ومن الشرع، فإنَّ من أمر بأمر، وقيده بعدد مخصوص، فزاد المأمور على ذلك العدد، أو نقص عنه، فأنكر عليه الآمر الزيادة أو النقص، كان هذا الإنكار مقبولًا عند كل من يعرف لغة العرب، فإن ادعى المأمور أنه قد فعل ما أمر به، مع كونه نقص عنه أو زاد عليه، كانت دعواه هذه مردودة عند كل من يعرف لغة العرب (٢).
فائدة: تحقيق الكلام في مفهوم العدد: أنَّ الحكم إذا قيد بعدد مخصوص، فمنه ما يدل على ثبوت الحكم فيما زاد على ذلك العدد بطريق الأولى، ولا يدل على ثبوته فيما نقص عنه، ومنه ما هو بضد ذلك.
فالأول: كقوله ﵊: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» (٣)، دل بطريق الأولى على أنَّ ما زاد على القلتين لا يحمل
стр. 1432
الخبث، ولم يدل على ذلك فيما دون القلتين.
والمثال الثاني: إذا قيل: اجلدوا الزاني مئة جلدة، دل بطريق الأولى على وجوب جلده تسعين وما قبلها من مقادير العدد لدخوله في المئة بالتضمن، ولم يدل على الزيادة على المئة، فما لم يدل عليه التقييد بطريق الأولى، كالناقص عن القلتين، والزائد عن مئة سوط -هو محل النزاع في مفهوم العدد؛ لأنَّ ما يفهم بطريق الأولى يكون من باب مفهوم الموافقة، فلا يتجه فيه الخلاف (١).
• المفهوم الخامس: مفهوم الغاية:
وهو مد الحكم إلى غاية بحرف من حروف الغاية مثل (حتى) أو (إلى)، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله : ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فيفيد أنَّ حكم ما بعد الغاية يخالف ما قبلها أي يدل على انتفاء الحكم عما وراء الغاية كالحل بعد نكاح زوج غيره، وجواز القربان بعد التطهر، وأن لا صيام بعد دخول الليل، ولا غسل واجب بعد المرافق والكعبين.
وهذا المفهوم حجة عند الجمهور، وبه قال بعض من لم يعمل
стр. 1433
بمفهوم الشرط كالقاضي أبي بكر الباقلاني، والغزالي، وأبي الحسين، حيث إنه أقوى من مفهوم الشرط من صحة الدلالة؛ لأنهم أجمعوا على تسميتها حروف الغاية، وغاية الشيء نهايته، فلو ثبت الحكم بعدها لم يفد تسميتها غاية.
ولم يخالف في ذلك إلا طائفة من الحنفية، والآمدي.
قال الشوكاني: ولم يتمسكوا بشيء يصلح للتمسك به قط، بل صمموا على منعه طردًا لباب المنع من العمل بالمفاهيم، وليس ذلك بشيء.
ودليل حجيته: أنَّ ما بعد الغاية يقبح الاستفهام عنه، مثل أن يقال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فلا يحسن الاستفهام بأن يقال: فإن نكحت زوجًا غيره، فما الحكم؟ لأنَّ الحكم قد فهم، والسؤال عما فهم تحصيل الحاصل، والدليل على أنَّ الحكم مفهوم هو أنَّ ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ليس مستقلًّا بنفسه؛ فهو إذن متعلق بما قبله، وهو قوله : ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وهو يدل على إضمار ثبوت الحل بعدها، وأنَّ التقدير: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، فتحل له.
وكذلك إذا قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، لم يحسن
стр. 1434
أن يقال: فإذا جاء الليل، فما الحكم؟ فدل على أنَّ الحكم بعد مجيء الليل معلوم، وهو عدم وجوب الصوم، ولأنَّ "حتى، وإلى" موضوعتان للغاية في اللغة، وغاية الشيء منتهاه ومُنقَطَعه، فإذا انتهى وانقطع لم يكن بعده إلا ضده، وإلا لم يكن منقطعًا، وضد التحريم الحل، ووجوب الصوم عدم وجوبه.
وقول القائل: اضربه حتى يتوب. يقتضي ترك الضرب بعد التوبة، وقولهم: لألزمنك حتى أو إلى أن تقضيني حقي ونحوه يفيد ذلك في اللسان، وهو المطلوب (١).
• المفهوم السادس: مفهوم العلة.
وهو تعليق الحكم بالعلة، نحو: حرمت الخمر لإسكارها، فإنَّ هذا يدل بمفهومه على أنَّ ما لا إسكار فيه لا يحرم.
وكثير من الأصوليين جعل مفهوم العلة من صور مفهوم الصفة كابن النجار، حيث قال: ومنها -أي من الصفة- علة.
قال الشوكاني: والفرق بين مفهوم العلة ومفهوم الصفة: أنَّ الصفة قد تكون علة كالإسكار، وقد لا تكون علة، بل متممة كالسوم، فإن
стр. 1435
الغنم هي العلة، والسوم متمم لها.
قال القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، وابن النجار: والخلاف فيه وفي مفهوم الصفة واحد (١).
• المفهوم السابع: مفهوم اللقب:
وهو تعليق الحكم بالاسم العلم، نحو: قام زيد. أو اسم النوع، نحو: في الغنم زكاة (٢).
وقيل: هو كل اسم جامد سواء كان اسم جنس، أو اسم عين لقبًا كان، أو كنية، أو اسمًا، أو اسم جمع (٣).
وعليه: فالمراد باللقب عند الأصوليين كل ما يدل على الذات سواءً كان علمًا، أو كنية، أو لقبًا، مثل: زيد، وأبي علي، وأنف الناقة. وليس ما اصطلح عليه النحويون وهو ما أشعر بمدح أو ذم ولم يصدر بأب أو أم (٤).
مثاله: تحريم الربويات الستة بتحريم التفاضل، فلا يثبت الربا في غيرها؛ لأنها قد خصصت بالذكر في تحريم الربا فيها، وهذا بمفهوم
стр. 1436
اللقب (١).
• مسألة: هل مفهوم اللقب حجة؟
ذهب جمهور العلماء إلى أنه ليس بحجة كالآمدي، والبيضاوي، والغزالي، والشيرازي، والطوفي، والموفق، وابن عقيل، والشوكاني.
قال الغزالي: مفهوم اللقب، وهو أبعدها، وقد أقر ببطلانه كل محصّل من القائلين بالمفهوم (٢).
قال الطوفي: الأشبه الذي تسكن النفس إليه أنه ليس بحجة، وأنه في المفهومات كالحديث الضعيف في المنطوقات، والقياس الشبهي في الأقيسة (٣).
قال الشوكاني: والحاصل أنَّ القائل به كلًّا أو بعضًا، لم يأت بحجة لغوية، ولا شرعية، ولا عقلية، ومعلوم من لسان العرب أنَّ من قال: رأيت زيدًا. لم يقتض أنه لم ير غيره قطعًا، و أما إذا دلت القرينة على العمل به، فذلك ليس إلا للقرينة، فهو خارج عن محل النزاع (٤).
стр. 1437
دليلهم:
الدليل الأول: أنه لو كان حجة؛ لبطل القياس مطلقًا، أو غالبًا، أو كثيرًا؛ لأنَّ القياس تعدية حكم المنصوص عليه إلى غيره، بالجامع المشترك، فلو صح مفهوم اللقب؛ لكان النص على الأصل مفيدًا انتفاء الحكم عن غيره، فلا يصح الإلحاق القياسي.
وبيانه: أنَّ القول بمفهوم اللقب فيه سد لباب القياس؛ لأنه لو كان حجة لمنع التنصيص على تحريم الربا في الأعيان الستة من أن يجري في غيرها، لأنها قد خصت بالذكر في تحريم الربا فيها، فلزم القول بمفهوم اللقب أن لا يثبت الربا في غيرها، فيباح ربا الفضل في غيرها من الأرز و غيره، وهذا باطل، إذ قد ثبت في كل ما وجدت فيه علتها على الاختلاف فيها، وذلك يدل على أنَّ مفهوم اللقب ليس بحجة.
وأجيب عنه: بأنَّ المتبع في الأحكام الأرجح فالأرجح، ولا يمنع أن يفيد القياس من الظن أرجح مما يفيده المفهوم فيقدم، كما يقدم خبر الواحد على القياس، وكما في تخصيص العموم والعلة (١).
وعليه فلا يلزم من القول بمفهوم اللقب نفي القياس؛ لأنَّ اللفظ لا يدل بمنطوقه على نفي الحكم عما عدا الذات، وإنما يدل عليه
стр. 1438
بمفهومه المخالف، فإذا وجد قياس يثبت حكمًا في الفرع يخالف الحكم الذي أثبته له المفهوم يكون هذا القياس معارضًا لهذا المفهوم المخالف، ولا شك أنه إذا تعارض الدليلان فإنَّ الراجح منهما يقدم على المرجوح.
وبما أنَّ القياس أقوى وأرجح من المفهوم المخالف يكون القياس مقدمًا عليه، وبذلك لا يلزم نفي القياس من القول بمفهوم اللقب، فمثلًا قول الشارع (الربا في القمح حرام) يدل على حرمة الربا في القمح بمنطوقه، ويدل بمفهومه على إباحة ما عداه، ومن جملة ذلك التفاح فيكون التفاح مباحًا بمقتضى النص.
فإذا بحث المجتهد عن علة تحريم الربا في القمح، فعلم أنها الطعم، فقاس التفاح على القمح بجامع الطعم ليثبت له التحريم كما ثبت في القمح؛ يكون التفاح قد وجد فيه حكمان:
أحدهما: الإباحة، وهو مستفاد من النص.
وثانيهما: الحرمة، وهذا الحكم مستفاد من القياس.
وبذلك يتعارض الدليلان وهما القياس ومفهوم اللقب، فيقدم القياس على مفهوم اللقب؛ لأنه أرجح منه (١).
стр. 1439
الدليل الثاني: لو كان مفهوم اللقب حجة، لكان قول القائل: زيد يأكل. نافيًا للأكل عن غير زيد.
وأجيب: بالتزامه، وإنما لا يفهم ذلك منه من لا يعتقد صحة مفهوم اللقب، أو لدليل خارج (١).
المذهب الثاني: أنَّ مفهوم اللقب حجة.
وهو مذهب مالك، وداود، والصيرفي، والدقاق، وأبي يعلى، وابن فورك، وابن خويز منداد، وابن القصار (٢).
قال أبو يعلى: والدلالة على أنه إذا كان معلقًا باسم دل على أنَّ ما عداه بخلافه أنَّ الصفة وضعت للتمييز بين الموصوف وغيره، كما أنَّ الاسم وضع لتمييز المسمى من غيره.
فإذا قال: ادفع هذا إلى زيد أو إلى عمرو، و اشتر لي شاة أو جملًا. وما أشبه ذلك، لم يجز العدول عنه، وكانت التسمية للتمييز والمخالفة بينه وبين ما عداه كالصفة سواء، ثم لو علق الحكم على صفة دل أنَّ ما عداه بخلافه، كذلك إذا علقه بالاسم (٣).
стр. 1440
أدلتهم:
الدليل الأول: قياس تقييد الحكم بالاسم على تقييده بالصفة، فإنَّ الصفة تميز الموصوف من غيره، وكذلك الاسم وضع لتمييز المسمى من غيره، ثم إذا علق الحكم على صفة دل على أنَّ ما عداه بخلافه، فكذلك إذا علق الحكم على الاسم فإنه يدل على أنَّ ما عداه بخلافه ولا فرق.
جوابه: قياس الاسم على الصفة قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، والفرق من وجهين:
أولهما: أنَّ الصفة يجوز أن تكون علة يعلق الحكم عليها بخلاف الاسم، فلا يجوز أن يكون علة، فلا يعلق الحكم عليه.
ثانيهما: أنَّ الصفة تذكر مع الاسم، فلا تفيد إلا تخصيصه بخلاف الاسم، فإنه يعدل عن اسم إلى اسم كل واحد منهما يقع به التعريف، فلا يوجب ذلك التخصيص (١).
الدليل الثاني: أنه لو تخاصم رجلان، فقال أحدهما للآخر: إنَّ أمي ليست بزانية. فإنه يحد لكونه نفى الزنا عن أمه، وأثبته لأم ذلك الغير، وهذا قذفٌ بالزنا، وهو موجب للحد، ولا شك أنَّ ثبوت الزنا لأم ذلك