← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

اللقب (١). • مسألة: هل مفهوم اللقب حجة؟ ذهب جمهور العلماء إلى أنه ليس بحجة كالآمدي، والبيضاوي، والغزالي، والشيرازي، والطوفي، والموفق، وابن عقيل، والشوكاني. قال الغزالي: مفهوم اللقب، وهو أبعدها، وقد أقر ببطلانه كل محصّل من القائلين بالمفهوم (٢). قال الطوفي: الأشبه الذي تسكن النفس إليه أنه ليس بحجة، وأنه في المفهومات كالحديث الضعيف في المنطوقات، والقياس الشبهي في الأقيسة (٣). قال الشوكاني: والحاصل أنَّ القائل به كلًّا أو بعضًا، لم يأت بحجة لغوية، ولا شرعية، ولا عقلية، ومعلوم من لسان العرب أنَّ من قال: رأيت زيدًا. لم يقتض أنه لم ير غيره قطعًا، و أما إذا دلت القرينة على العمل به، فذلك ليس إلا للقرينة، فهو خارج عن محل النزاع (٤).

стр. 1437

دليلهم: الدليل الأول: أنه لو كان حجة؛ لبطل القياس مطلقًا، أو غالبًا، أو كثيرًا؛ لأنَّ القياس تعدية حكم المنصوص عليه إلى غيره، بالجامع المشترك، فلو صح مفهوم اللقب؛ لكان النص على الأصل مفيدًا انتفاء الحكم عن غيره، فلا يصح الإلحاق القياسي. وبيانه: أنَّ القول بمفهوم اللقب فيه سد لباب القياس؛ لأنه لو كان حجة لمنع التنصيص على تحريم الربا في الأعيان الستة من أن يجري في غيرها، لأنها قد خصت بالذكر في تحريم الربا فيها، فلزم القول بمفهوم اللقب أن لا يثبت الربا في غيرها، فيباح ربا الفضل في غيرها من الأرز و غيره، وهذا باطل، إذ قد ثبت في كل ما وجدت فيه علتها على الاختلاف فيها، وذلك يدل على أنَّ مفهوم اللقب ليس بحجة. وأجيب عنه: بأنَّ المتبع في الأحكام الأرجح فالأرجح، ولا يمنع أن يفيد القياس من الظن أرجح مما يفيده المفهوم فيقدم، كما يقدم خبر الواحد على القياس، وكما في تخصيص العموم والعلة (١). وعليه فلا يلزم من القول بمفهوم اللقب نفي القياس؛ لأنَّ اللفظ لا يدل بمنطوقه على نفي الحكم عما عدا الذات، وإنما يدل عليه

стр. 1438

بمفهومه المخالف، فإذا وجد قياس يثبت حكمًا في الفرع يخالف الحكم الذي أثبته له المفهوم يكون هذا القياس معارضًا لهذا المفهوم المخالف، ولا شك أنه إذا تعارض الدليلان فإنَّ الراجح منهما يقدم على المرجوح. وبما أنَّ القياس أقوى وأرجح من المفهوم المخالف يكون القياس مقدمًا عليه، وبذلك لا يلزم نفي القياس من القول بمفهوم اللقب، فمثلًا قول الشارع (الربا في القمح حرام) يدل على حرمة الربا في القمح بمنطوقه، ويدل بمفهومه على إباحة ما عداه، ومن جملة ذلك التفاح فيكون التفاح مباحًا بمقتضى النص. فإذا بحث المجتهد عن علة تحريم الربا في القمح، فعلم أنها الطعم، فقاس التفاح على القمح بجامع الطعم ليثبت له التحريم كما ثبت في القمح؛ يكون التفاح قد وجد فيه حكمان: أحدهما: الإباحة، وهو مستفاد من النص. وثانيهما: الحرمة، وهذا الحكم مستفاد من القياس. وبذلك يتعارض الدليلان وهما القياس ومفهوم اللقب، فيقدم القياس على مفهوم اللقب؛ لأنه أرجح منه (١).

стр. 1439

الدليل الثاني: لو كان مفهوم اللقب حجة، لكان قول القائل: زيد يأكل. نافيًا للأكل عن غير زيد. وأجيب: بالتزامه، وإنما لا يفهم ذلك منه من لا يعتقد صحة مفهوم اللقب، أو لدليل خارج (١). المذهب الثاني: أنَّ مفهوم اللقب حجة. وهو مذهب مالك، وداود، والصيرفي، والدقاق، وأبي يعلى، وابن فورك، وابن خويز منداد، وابن القصار (٢). قال أبو يعلى: والدلالة على أنه إذا كان معلقًا باسم دل على أنَّ ما عداه بخلافه أنَّ الصفة وضعت للتمييز بين الموصوف وغيره، كما أنَّ الاسم وضع لتمييز المسمى من غيره. فإذا قال: ادفع هذا إلى زيد أو إلى عمرو، و اشتر لي شاة أو جملًا. وما أشبه ذلك، لم يجز العدول عنه، وكانت التسمية للتمييز والمخالفة بينه وبين ما عداه كالصفة سواء، ثم لو علق الحكم على صفة دل أنَّ ما عداه بخلافه، كذلك إذا علقه بالاسم (٣).

стр. 1440

أدلتهم: الدليل الأول: قياس تقييد الحكم بالاسم على تقييده بالصفة، فإنَّ الصفة تميز الموصوف من غيره، وكذلك الاسم وضع لتمييز المسمى من غيره، ثم إذا علق الحكم على صفة دل على أنَّ ما عداه بخلافه، فكذلك إذا علق الحكم على الاسم فإنه يدل على أنَّ ما عداه بخلافه ولا فرق. جوابه: قياس الاسم على الصفة قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، والفرق من وجهين: أولهما: أنَّ الصفة يجوز أن تكون علة يعلق الحكم عليها بخلاف الاسم، فلا يجوز أن يكون علة، فلا يعلق الحكم عليه. ثانيهما: أنَّ الصفة تذكر مع الاسم، فلا تفيد إلا تخصيصه بخلاف الاسم، فإنه يعدل عن اسم إلى اسم كل واحد منهما يقع به التعريف، فلا يوجب ذلك التخصيص (١). الدليل الثاني: أنه لو تخاصم رجلان، فقال أحدهما للآخر: إنَّ أمي ليست بزانية. فإنه يحد لكونه نفى الزنا عن أمه، وأثبته لأم ذلك الغير، وهذا قذفٌ بالزنا، وهو موجب للحد، ولا شك أنَّ ثبوت الزنا لأم ذلك

стр. 1441

الغير إنما جاء من جهة أنَّ اللفظ دل على نفي الزنا عن أم القائل، وأثبته لأم غيره، فيكون تعليق الحكم بما يدل على الذات دالًّا على نفي الحكم عما عدا تلك الذات، وهو ما ندعيه. وأجيب: بأنَّ الحد إنما ثبت بهذا القول لوجود الخصومة، فتكون الخصومة قرينة على أنَّ القائل قصد بقوله هذا التعريض بالغير وإلحاق الزنا بأمه، ولو انتفت الخصومة بين الشخصين لم يثبت الحد بهذا القول أبدًا، وبذلك ظهر أنَّ اللفظ لم يدل باعتبار ذاته على نفي الحكم عن غير الذات، وإلا لثبت الحد مطلقًا وجدت الخصومة أو لا، ولا قائل بذلك (١). الخلاصة: أنَّ مفهوم اللقب ضعيف، لكنه قد يتقوى بأمور منها: ١ - أن يكون اسم جنس لا اسم عين، قال الشوكاني: وحكى ابن برهان في الوجيز التفصيل عن بعض الشافعية، أنه يعمل به في أسماء الأنواع لا في أسماء الأشخاص (٢). مثاله: قول النبي ﷺ : «إذا استأذنكم نساؤكم إلى المسجد فأذنوا لهن» (٣).

стр. 1442

قال النووي: واستدل به على أنَّ المرأة لا تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه لتوجه الأمر إلى الأزواج بالإذن (١). قلت: وهذا أخذ بمفهوم اللقب، لكنه اسم جنس فيتقوى. ٢ - يعمل بمفهوم اللقب إن دلت عليه قرينة دون غيره، حكاه ابن حمدان، وأبو يعلى من الحنابلة (٢). مثاله: الحديث السابق في استئذان المرأة زوجها، فهو استدلال بمفهوم اللقب لكنه يتقوى بالقرينة بأن يقال: إنَّ منع الرجال نساءهم أمر متقرر، وإنما علق الحكم بالمسجد لبيان محل الجواز، فبقي ما عداه على المنع (٣). ومن أمثلته: لو قال لمن بينه وبينه خصومة: إنَّ أمي ليست بزانية. فإنه يحد ليس أخذًا بالمفهوم فقط، وإنما لوجود قرينة الخصومة التي تنبئ عن إرادة انتقاص خصمه بقذف أمه، وهذا من التعريض (٤). قلت: وبهذا الضابط وهو وجود القرينة يتبين ضعف قول القائل بمفهوم اللقب يلزم على قوله: عيسى رسول الله. نفي الرسالة عن

стр. 1443

غيره، وهذا كفر. وبيان ضعف هذا الاستدراك: هو أنَّ قول: عيسى رسول الله. لا يلزم بذاته كفر لقيام القرينة على نبوة غيره من الرسل، ولو لم يأت دليل على نبوة غير عيسى ﵇ لكان قوله قويًّا في نفي الرسالة عن غيره.

стр. 1444

الفصل الثامن النسخ

стр. 1445

النسخ * المسألة الأولى: النسخ لغة واصطلاحًا: النسخ لغة: الرفع والإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، والريح آثار القدم إذا محتها، ومنه تناسخ القرون، ويطلق ويراد به التحويل والنقل، ومنه: نسخت الكتاب. أي نقلته، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]، ومنه تناسخ المواريث (١). واصطلاحًا: خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق (٢). وقيل: الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا، مع تراخيه عنه (٣).

стр. 1446

شرح التعريف: قوله: (الخطاب) هذا أشمل من لفظ النص؛ لأنَّ لفظ الخطاب شامل للَّفظ والفحوى والمفهوم، وكل دليل، إذ يجوز النسخ بجميع ذلك. قوله: (ارتفاع الحكم) أشمل أيضًا من قوله: (رفع الأمر والنهي)، وذلك ليتناول الأمر والنهي وجميع أنواع الحكم من ندب، وكراهة، وإباحة، فجميع ذلك قد ينسخ. قوله: (بالخطاب المتقدم)؛ لبيان أنه إذا زال حكم العقل بإيجاب العبادات ابتداءً كالصلاة والزكاة والحج ونحوه، فإنَّ هذا لا يسمى نسخًا؛ لأنَّ الحكم المرفوع وهو حكم العقل أو حكم النفي الأصلي لم يكن ثابتًا بخطاب من الشارع متقدم، بل هو ثابت بالأصل؛ لأنَّ الأصل براءة الذمة. قوله: (لولاه لكان الحكم ثابتًا)؛ لأنَّ حقيقة النسخ الرفع، فلو لم يكن هذا ثابتًا لم يكن هذا رافعًا؛ لأنه إذا ورد أمر بعبادة مؤقتة، وأمر بعبادة أخرى بعد تصرم ذلك الوقت لا يكون الثاني نسخًا. قوله: (مع تراخيه عنه)؛ لأنه لو اتصل به لكان بيانًا وإتمامًا لمعنى الكلام، وتقديرًا له لمدة أو شرط، وإنما يكون رافعًا إذا ورد بعد أن ورد

стр. 1447

الحكم واستقر بحيث يدوم لولا الناسخ، فإذا قال: (أتموا الصيام إلى الليل)، فقوله: إلى الليل. لا يكون ذلك نسخًا، بل هو بيان غاية العبادة (١). * المسألة الثانية: مصطلح النسخ بين المتقدمين والمتأخرين: الذي ينظر في كلام المتقدمين يجد أنَّ النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، وبيان ذلك: أنهم قد يطلقون لفظ النسخ على أربعة معانٍ، منها ما عليه الأصوليون، فهم يطلقون النسخ على ما يلي: ١ - تقييد المطلق. ٢ - تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل. ٣ - بيان المبهم والمجمل. ٤ - رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، وهو الذي عليه الأصوليون. والسر في التوسع القديم في إطلاق النسخ: أنَّ جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أنَّ النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أنَّ الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد به: ما جيء به آخرًا، فالأول

стр. 1448

غير معمول به، والثاني هو المعمول به، وهذا المعنى جاء في تقييد المطلق، فإنَّ المطلق متروك الظاهر مع مقيده، فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعتمد هو المقيد، فكأنَّ المطلق لم يفد مع مقيده شيئًا؛ فصار مثل الناسخ والمنسوخ، وكذلك العام مع الخاص، إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ، فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار؛ فأشبه الناسخ والمنسوخ، إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة، وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص، وبقي السائر على الحكم الأول، والمبين مع المبهم كالمقيد مع المطلق، فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ الناسخ في جملة هذه المعاني لرجوعها إلى شيءٍ واحد. مثال ذلك: قال تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]: إنه منسوخ بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ [النور: ٢٩]، وليس من الناسخ والمنسوخ في شيء، غير أنّ قوله: (ليس عليكم جناح) يثبت أنَّ البيوت في الآية الأخرى إنما يراد بها المسكونة (١). وقيل في قوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة: ٩٧]، وقوله:

стр. 1449

﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ [التوبة: ٩٨]: إنه منسوخ بقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٩٩]، وهذا من الأخبار التي لا يصح نسخها، والمقصود: أنَّ عموم الأعراب مخصوص بمن كفر دون من آمن. وقيل في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]: منسوخ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذا من باب تخصيص العموم لا من باب النسخ. وعن عراك بن مالك، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب أنَّ قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية، منسوخ بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] (١). وإنما هو بيان لما يسمى كنزًا، وأنَّ المال إذا أديت زكاته لا يسمى كنزًا. والأمثلة كثيرة توضح لك أنَّ مقصود المتقدمين بإطلاق لفظ النسخ بيان ما في تلقي الأحكام من مجرد ما ظاهره إشكال وإيهام لمعنى غير

стр. 1450

مقصود للشارع، فهو أعم من إطلاق الأصوليين، فليفهم هذا (١). * المسألة الثالثة: هل النسخ جائز عقلًا وشرعًا؟ اختُلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنَّ النسخ جائز عقلًا وشرعًا، وهو رأي جمهور العلماء. أما الجواز العقلي فدليله: ١ - أنا نعلم بصحة تحريك الجسم بعد تسكينه، وتفريقه بعد جمعه، وإماتته بعد إحيائه، وليس في الأمر بالشيء بعد النهي عنه إلا ما في تحريك الجسم بعد تسكينه، وتبييضه بعد تسويده، وإذا كان ذلك كله من جملة الجائز؛ وجب أن يكون الأمر بالشيء بعد النهي عنه من جملة الجائز، وهذا هو النسخ. ٢ - أنه إذا جاز أن يطلق الأمر، ثم يسقطه بالعجز والمرض جاز أن يطلق الأمر، ويسقطه بخطاب آخر. ٣ - أنه لا يمتنع عقلًا أن يأمر الدين بالشيء ثم ينسخه، سواء نسخ

стр. 1451

قبل الفعل أو بعده للامتحان والابتلاء، فمن فعل الشيء قبل نسخه، أو عزم على فعله، أو استعد للامتثال، أو ظهرت عليه أي علامة تدل على استعداده لامتثاله ذلك الأمر قبل أن ينسخ، فإنه يثاب، ومن لم يمتثل، ولم تظهر عليه أي علامة للامتثال، فإنه يأثم. ٤ - جواز دوران الحكم مع المصالح وجودًا وعدمًا، فيجوز وجود الحكم لوجود المصلحة فيه، وينتفي لانتفائها كغذاء المريض، فإنه يختلف في كميته وكيفيته وزمانه لاختلاف المصالح في ذلك، حتى إنَّ الطبيب ينهاه اليوم عما يأمره به غدًا، ويأمره بتقليل الغذاء وتلطيفه اليوم، ويأمره بتكثيره وتغليظه غدًا، فكذلك الحكم الشرعي يجوز أن يكون فيه مصلحة في وقت فيؤمر به تحصيلًا لها، ويكون فيه مفسدة في وقت فينهى عنه نفيًا لها. ٥ - أنَّ الوقوع مستلزم للجواز، وإذا ثبت أنَّ الجواز لازم للوقوع، وقد وقع النسخ، فيدل على جوازه عقلًا، دلالة الملزوم على اللازم، وبيان وقوعه بصور: إحداها: أنَّ نكاح الأخوات حُرّم في شرع موسى أو قبله بعد أن كان جائزًا في شرع آدم. الثانية: أنَّ الجمع بين الأختين حُرّم بعد أن كان جائزًا.

стр. 1452

الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، وتحريم الشيء بعد تحليله هو حقيقة النسخ، وحيث وقعت هذه الصورة وغيرها من النسخ دلَّ على جوازه عقلًا بالضرورة. ٦ - أنَّ المالك للشيء له الحق في التصرف في ما يملكه كيفما شاء، ولله المثل الأعلى قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فالله هو الذي يملك الناس، وهو الذي يشرّع لهم فله أن يضع ما يشاء، ويرفع ما يشاء . ٧ - أنَّ الله تعالى من سننه أن يغير الخلق على حسب حال الناس والوقت والزمن، فالإنسان كان جنينًا، ثم جعله الله طفلًا، ثم صبيًّا، ثم شابًّا، ثم شيخًا، فالله خلقه بالأمر الكوني القدري على مراحل، وهذه المراحل على حسب حاله ومصلحته، فلم يجعل الشاب رضيعًا؛ لأنَّ هذا الحال لا يتناسب مع مرحلته، ولم يجعل الطفل مكلفًا؛ لأنَّ هذا الحال لا يتناسب مع مصلحته، فالله خلقه وغيَّر في مراحل خلقه على حسب مصلحته، فإذا كان ذلك في الأمر الكوني القدري كان كذلك في الأمر الديني الشرعي، فينزل الله الشيء، ويكون ذلك لمصلحةٍ، ثم

стр. 1453

يرفعه، ويُنزل غيره لمصلحةٍ أخرى (١). وأما جواز النسخ شرعًا؛ فللأدلة الآتية: الدليل الأول: الإجماع، فاتفاق الأمة قاطبة على أنَّ شريعة محمد ﷺ نسخت شريعة من قبله، إما بالكلية، وإما فيما يخالفها فيه، وهذا متفق عليه، فمنكر هذا خارقٌ للإجماع. الدليل الثاني: النص، فقد وقع في الشريعة الإسلامية نسخ بعض الأحكام بعد ثبوتها، ومنها: ١ - نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس باستقبال الكعبة، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. ٢ - نسخ وجوب ثبات الواحد للعشرة، قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] نُسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].

стр. 1454

الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٠١]. وجه الدلالة: أنَّ التبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما تلاوةً وإما حكمًا، وكيفما كان فهو رفع ونسخ. واعتُرض: بأنه ليس المعني به رفع المنزَّل، فإنَّ ما أنزل لا يمكن رفعه وتبديله، لكنَّ المعنيَّ به تبديل مكان الآية بإنزال آية بدل ما لم ينزَّل، فيكون ما لم ينزَّل كالمبدل بما أنزل. وأُجيب: بأن هذا تعسُّف، فإنَّ الذي لم ينزَّل كيف يكون مبدَّلًا، والبدل يستدعي مبدلًا، وكيف يطلق اسم التبديل على ابتداء الإنزال؟! الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. وجه الدلالة: أنَّ الله تعالى بيَّن أنه إذا نسخ آية أورد مكانها آية أخرى، وكلام الله صدق. واعترض: بأنَّ المراد من النسخ الإزالة، ونسخ الآية إزالتها عن اللوح المحفوظ.

стр. 1455

وأجيب: أولًا: لا نسلم بذلك؛ لأنه معلوم أنَّ القرآن كله خير من غير تفاوت فيه، فلو كان المراد من نسخ الآية إزالتها من اللوح المحفوظ وكتابة آية أخرى بدلها لما تحقق هذا الوصف -وهي الخيرية بالنسبة لنا-، وإنما تحقق الخيرية بالنسبة إلينا فيما يرجع إلى أحكام الآيات المرفوعة عنا والموضوعة علينا من حيث إنَّ بعض الأحكام قد يكون أخف من بعض فيما يرجع إلى محتمل المشقة، أو أنَّ ثواب البعض أجزل من ثواب البعض الآخر من الأحكام -على خلاف بين العلماء-، فوجب حمل النسخ على أحكام الآيات الموجودة في المصحف لا على ما ذكره المعترض. ثانيًا: لو سلمنا بذلك لقلنا بأنَّ شرعنا منسوخ كشرع من قبلنا، كيف وقد نقلنا من قبلة إلى قبلة، ومن عدة إلى عدة، فهو تغيير، وتبديل، ورفع قطعًا. الاعتراض الثاني: أنه ليس المراد من الآية النسخ، وإنما المراد التخصيص. وأجيب: هذا غير صحيح، وذلك لأمرين: أولهما: أنَّ لفظ الآية (ما ننسخ)، والنسخ غير التخصيص، فلا

стр. 1456

سبيل إلى تغيير اللفظ. الثاني: أنَّ التخصيص لا يستدعي بدلًا هو مثله أو خيرًا منه، وإنما هو بيان معنى الكلام. الدليل الخامس: قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، ووجه الدلالة: أنه لا معنى للنسخ إلا تحريم ما أحل (١). المذهب الثاني: أنَّ النسخ ممتنعٌ شرعًا، ونسب هذا المذهب لمحمد بن بحر أبي مسلم الأصفهاني المعتزلي، فإنه منع النسخ شرعًا. أدلته: استدل أبو مسلم على منع النسخ بدليل نقلي، وآخر عقلي. الدليل النقلي: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]. وجه الدلالة: أنَّ النسخ باطل، ووجه بطلانه أن الله تعالى بيَّن ونفى عن كتابه إتيان الباطل، فلو نسخ شيئًا لكان باطلًا، وفي ذلك تكذيب لخبر الله ، والكذب محال في خبره.

стр. 1457

وأجيب: بأنَّ الآية لا تدل على أنَّ النسخ ممتنع؛ لأمور: الأول: أنَّ الباطل المذكور في القرآن هوالكذب، وشتان بين الكذب والنسخ. الثاني: أنَّ النسخ إبطال، وليس بباطل؛ لأنَّ الباطل ضد الحق، والنسخ حق، فهو إبطال العمل بالحكم المنسوخ، ولله تعالى أن يبطل من أحكام شرعه ما شاء، ويثبت ما شاء. الثالث: أنَّ معنى الآية: أنه لم يتقدم على القرآن من كتب الله ما يبطله، ولا يأتي من بعده من كتب الله ما يبطله، وهذا ليس فيه معارضة في أنه ينسخ بعضه بعضًا، وقال قتادة: معناه أنَّ الشيطان لا يستطيع أن يبطل منه حقًّا، ولا يحق منه باطلًا. الرابع: أنَّ أبا مسلم يدعي امتناع النسخ شرعًا دعوى عامة، والآية التي احتج بها إنما تدل -لو دلَّت- على امتناع النسخ في القرآن خاصة، والدعوى العامة لا تثبت بالدليل الخاص. الخامس: أنَّ أبا مسلم محجوج بإجماع الأمة على نسخ شريعة محمد لما قبلها من الشرائع مع أنها شرائع حق صحيحة لا يأتيها الباطل، فجوابه عنها هو جوابنا عن لحوق النسخ للقرآن (١).

стр. 1458

الدليل العقلي: ومما استدل به أبو مسلم الأصفهاني عقلًا على منع النسخ: أنَّ جواز النسخ يؤدي إلى جواز البداء على الله تعالى؛ لأنه إذا نهى عن صورة ما أمر به، أو أمر بصورة ما نهى عنه يكون قد ظهر له شيء كان خافيًا عليه، حتى نهى عن عين ما أمر به، أو أمر بعين ما نهى عنه، وهذا لا يجوز على الله تعالى؛ فيكون النسخ محض البداء، وهو من صفات البشر، ولا يجوز على الله تعالى. واعترض: ١ - هناك فرق بين النسخ والبداء، فالبداء في اللغة: أصله بدا الشيء يبدو إذا ظهر بعد الخفاء، ويقال: بدا لنا سور المدينة. إذا ظهر، أما النسخ فهو نقل وتغيير على ما سبق بيانه، فلم يتفقا في مآخذ اللغة ولسان العرب، فلم يجز أن يجعلا كشيء واحد، فالبداء من الظهور ويدل على أنَّ من بدا له شيء فقد ظهر ما كان خافيًا عليه، وهو محال على الله ﵎؛ لأنه لا تخفى عليه خافية، بل الأشياء كلها له بادية أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا.

стр. 1459

والنسخ: إزالة حكم بحكم وتبديل حال بحال، ليس في هذا قصور علم ولا لزوم جهل، بل تصريف العباد على ما يشاء ويريد، أو على ما يعلم من مصالحهم. ٢ - أنَّ البداء الذى توهموه إنما يلزم أن لو كان الله تعالى نهانا عن نفس ما أمرنا به، وذلك أن يقول: افعلوا كذا فى وقت كذا على وجه كذا. ثم يقول: لا تفعلوا. ويذكر ذلك الوقت، وذلك الوجه، أو يقول: افعلوا كذا أبدًا، ولا تنتقلوا عنه. ثم ينقلنا عنه، فأما إذا أمرنا بأمر مرسل ويريد أن ينقلنا عنه بعد زمان ونقلنا حين جاء ذلك الزمان؛ فليس بمنكر ولا مستحيل، ولا فيه معنى البداء، ألا ترى أنه لو قال: صلوا إلى بيت المقدس إلى الزمان الذى أنقلكم عنه إلى الكعبة، وجاء الشرع بصريح هذا كان جائزًا سائغًا، كذلك إذا أطلق وأراد أن يفعل كذلك (١). • بيان نوع الخلاف: ذكر بعض العلماء كالسبكي، والسمعاني، وابن دقيق العيد أنَّ الخلاف بين الجمهور، وأبي مسلم الأصفهاني لفظي؛ لأنه عند المحاققة ثبت أنه يسمي النسخ باسم آخر، فهو يعترف بحقيقة النسخ لكن يسميه تخصيصًا، ولا فرق عنده بين أن يقول: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى

стр. 1460

اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وأن يقول: صوموا مطلقًا. وعلمه محيط بأنه سينزل: لا تصوموا وقت الليل. والجماعة يجعلون الأول تخصيصًا، والثاني نسخًا (١). وقيل: إنَّ أبا مسلم ينكره فهو باطل عنده، وقيل ينكره في شريعة واحدة فقط، وقيل: ينكره في القرآن خاصة. فلو ثبت إنكار أبي موسى للنسخ فكما قال السمعاني: ومن خالف في هذا من أهل الإسلام، فالكلام معه أن نريه وجود النسخ، وذلك مثل نسخ ثبات الواحد للعشرة إلى ثباته للاثنين، ونسخ التوجه إلى بيت المقدس إلى التوجه إلى الكعبة، فإن لم يعترف بهذه الأشياء كان مكابرة واستحق أن لا يكلم، ويعرض عنه، وإن قال ذلك، ولكن لا أسميه نسخًا كان هذا تعنتًا لفظيًّا، ولزم أن يقال: إنَّ رفع شريعة من قبلنا بشرعنا لا يكون نسخًا أيضًا، وهذا لا يقوله مسلم (٢). وقال الشوكاني: روي عن أبي مسلم الأصفهاني أنه قال: إنه جائز غير واقع. وإذا صح هذا عنه فهو دليل على أنه جاهل بهذه الشريعة المحمدية جهلًا فظيعًا، وأعجب من جهله بها حكاية من حكى عنه

стр. 1461

الخلاف في كتب الشريعة، فإنه إنما يعتد بخلاف المجتهدين، لا بخلاف من بلغ في الجهل إلى هذه الغاية. وعلى كلا التقديرين فذلك جهالة منه عظيمه للكتاب والسنة، ولأحكام العقل، فإنه إن اعترف بأنَّ شريعة الإسلام ناسخة لما قبلها من الشرائع، فهذا بمجرده يوجب عليه الرجوع عن قوله، نعم إذا قال: إنَّ الشرائع المتقدمة مغياة بغاية هي البعثة المحمدية، وأنَّ ذلك ليس بنسخ، فذلك أخف من إنكار كونه نسخًا غير مقيد بهذا القيد (١). لكن الراجح -إن شاء الله-: أنَّ الخلاف لفظي، فالجمهور يسمونه نسخًا، وأبو مسلم يسميه تخصيصًا زمنيًّا، وذلك لأمور: ١ - أنه لا يتصور من مسلم إنكار النسخ؛ لأنَّ النسخ من ضروريات هذه الشريعة، إذ هو ثابت وواقع. ٢ - أنَّ أبا مسلم مؤمن بنبوة محمد ﷺ ، ومقر بأنَّ التعبد بشرع من قبلنا من الأنبياء السابقين إنما هو مغيا إلى حين ظهور نبينا محمد ﷺ ، وعند ظهوره ﷺ زال التعبد بشرع من قبله لانتهاء الغاية، ولو لم يقر بذلك لانتفت عنه صفة الإسلام. وإذا كان يسميه تخصيصًا فالخلاف لفظي؛ لأنَّ النسخ تخصيص في

стр. 1462

أزمان الحكم، ومعروف أنَّ تخصيص الأزمان كتخصيص الأشخاص، فمعنى النسخ وحقيقته قد اتفق عليه بين الجمهور وبين أبي مسلم، لكن الجمهور يسمونه نسخًا، وأبا مسلم يسميه تخصيصًا، فكل منسوخ عنده فيها مغيا عنده في علم الله إلى ورودنا نسخه كالمغيا في اللفظ، فنشأ من هذا تسمية النسخ تخصيصًا، والغاية من المخصصات المعروفة، فالخلاف في العبادة والاصطلاح فيكون الخلاف لفظيًّا. ٣ - أنَّ كثيرًا من العلماء المعتبرين في الأصول كابن الحاجب، والسمعاني، والسبكي، وابن دقيق العيد قد ذكروا ذلك عنه، وبينوا أنَّ الخلاف لفظي (١). وعلى كل سواء كان الخلاف لفظيًّا كما رجح البعض، أو كان حقيقيًّا فالصحيح قطعًا جواز النسخ عقلًا، وثبوته شرعًا. • المسألة الثالثة: حكمة النسخ: للنسخ حكم متعددة منها: ١ - بيان شرف نبينا ﷺ ، فإنه نسخ بشريعته شرائعهم، وشريعته لا ناسخ لها. ٢ - حفظ مصالح العباد، فإذا كانت المصلحة لهم في تبديل حكم

стр. 1463

بحكم، وشريعة بشريعة كان التبديل لمراعاة هذه المصلحة. ٣ - رحمة الله بعبادة والتخفيف عنهم. فإن قيل: بأنَّ النسخ قد يكون بأثقل. أجيب: بأنَّ الرحمة قد تكون بالأثقل أكثر من الأخف لما يستلزمه من تكثير الثواب، والله لا يضيع عمل عامل، فتكثير الثواب في الأثقل يصيره خفيفًا على العامل يسيرًا عليه لما يتصوره من جزالة الجزاء (١). ٤ - تهيئة النفوس إلى تقبل الحكم الأخير، وبيان ذلك أنَّ الناس قبل مجيء الإسلام كانوا في جاهلية تعمها الفوضى، وعدم الانضباط بأنظمة وأحكام وقيود، فاقتضت حكمة الشارع ألا ينقلهم دفعة واحدة إلى ما يستقر إليه التشريع آخر الأمر، فسلك بهم طريق التدريج في التشريع من الأخف إلى الأشد من أجل أن تتهيأ نفوسهم إلى تقبل حكمه النهائي؛ إذ لو ألزمهم بالأحكام النهائية من أول وهلة؛ لأدى ذلك إلى تنفيرهم عن الإسلام، ومثال ذلك: تشريع الصلاة، فقد شرعت الصلاة أولًا ركعتين في الغداة، وركعتين في العشي، ثم شرعت خمسًا ركعتين ركعتين عدا المغرب، فقد كانت ثلاثًا ثم أقرت تلك الصلاة في السفر وزيد في الحضر، فجعلت أربعًا في الظهر، والعصر،

стр. 1464

والعشاء. وكعقوبة الزنا جعل الشارع أولًا الإيذاء بالقول للرجال، والحبس في البيوت للنساء، ثم نسخ ذلك إلى الجلد لغير المحصن، والتغريب، والرجم للمحصن، وغير ذلك. ٦ - استمالة القلوب للإسلام كما في مسألة القبلة، فالشارع لم يشأ أن يفاجئ أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا في المدينة بخلاف ما عهدوه من أنبيائهم من الصلاة إلى بيت المقدس، فجاء الأمر بالصلاة نحو بيت المقدس لبيان أنَّ وجهة الرسل واحدة، وأنه لا يخالف الأنبياء السابقين، وما ذلك إلا لاستمالة قلوبهم إلى هذا الدين، فلما نسخ ذلك، وأمر بالتوجه إلى الكعبة لم يستغرب ذلك أكثرهم (١). ٧ - مراعاة مصالح العباد بتشريع ما هو أنفع لهم فى دينهم ودنياهم. ٨ - التطور فى التشريع حتى يبلغ الكمال. ٩ - اختبار المكلفين باستعدادهم لقبول التحول من حكم إلى حكم آخر، ورضاهم بذلك حيث إنَّ الابتلاء حكمة لكثير من الأحكام ليعلم الله من يتبع أمره، ومن ينقلب على عقبيه. ومن ذلك: أمرُ الله تعالى لإبراهيم بأن يذبح ابنه إسماعيل، فهو لم

стр. 1465

يذبحه، ولكن كان الأمر الحكمة منه ابتلاء إبراهيم وطاعته فى أمره، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦]، فحينما تمت الحكمة من الحُكم، وهو ابتلاء الله لإبراهيم نسخ الله الحكم بالذبح، فكان النسخ هنا له حكمة من الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]. وكذلك أمر القبلة: جعلها الله تعالى أولًا نحو بيت المقدس ابتلاءً لعباده، كى يعلم المتبع من الضال؛ لذلك قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. ١٠ - اختبار المكلفين بقيامهم بوظيفة الشكر إذا كان النسخ إلى أخف، ووظيفة الصبر إذا كان النسخ إلى أثقل. • المسألة الرابعة: شروط النسخ: الشرط الأول: أن يكون المنسوخ حكمًا شرعيًّا لا عقليًّا، كالبراءة الأصلية التي ارتفعت بإيجاب العبادات، فلو كان للعقل طريق إلى معرفة النسخ بدون النقل؛ لكان له طريق إلى معرفة ثبوت الأحكام بدون النقل، وليس كذلك. الشرط الثاني: أن يكون النسخ بشرع، فلا يكون ارتفاع الحكم

стр. 1466

بالموت نسخًا، بل هو سقوط التكليف بسبب هذا العارض، وهو الموت أو الجنون. الشرط الثالث: أن يكون مما يجوز نسخه، فلا يدخل النسخ أصل التوحيد؛ لأنَّ الله سبحانه بأسمائه و صفاته لم يزل ولا يزال، ومثل هذا ما علم بالنص أنه يتأبد ولا يتأقت. الشرط الرابع: أن يكون الخطاب الناسخ متراخيًا، فلو اقترن النص بعضه ببعض كالشرط، والغاية، والاستثناء؛ فليس بنسخ، بل يكون تخصيصًا. الشرط الخامس: أن يكون الحكم المنسوخ مطلقًا لم يحدد بمدة معلومة، ولا مقيدًا بوقت، إذ لو كان كذلك فلا يكون انقضاء وقته الذي قيد به نسخًا له (١). • المسألة الخامسة: الأحكام التي لا يتناولها النسخ: أولًا: الأحكام الأصلية المتعلقة بأصول الدين والعقائد، كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، فهذه لا تقبل التغيير والتبديل بأي حال.

стр. 1467

ثانيًا: الأحكام العامة والقواعد الكلية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا ضرر ولا ضرار، وكل عمل ليس عليه أمرنا فهو باطل، فهذه لا يمكن رفعها؛ لأنَّ مصالحها ظاهرة. ثالثّا: الأحكام التي لا تتحمل عدم المشروعية كأمهات الأخلاق والفضائل، كالعدل، والصدق، والأمانة، فإنَّ هذه لا تنسخ؛ لأنَّ مصلحة التخلق بها أمر ظاهر، وحسنها لا يتغير بتغيير الأزمان. رابعًا: الأحكام التي لا تتحمل المشروعية كأمهات الرذائل كالكفر، والظلم، والخيانة، وعقوق الوالدين، فهذه لا تنسخ؛ لأنَّ قبحها لا يتغير بتغير الزمن. خامسًا: الأحكام التي لم يثبت نسخها في عصر الرسالة صراحة أو ضمنًا، فإنَّ تلك الأحكام مؤبدة لا تحتمل النسخ؛ لأنه لا نسخ إلا بوحي، ولا وحي إلا بنبي، ولا نبي بعده ﷺ . سادسًا: الأحكام التي ارتبط بها ما ينافي النسخ، كالتأبيد، مثل: الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، وتحريم زوجاته ﷺ ورضي عنهن؛ وذلك لأنَّ تأبيد الحكم يقتضي حسنه على الدوام، و النسخ ينافي ذلك، هذا على حسب الواقع. سابعًا: الإجماع؛ لأنَّ الإجماع لا يكون إلا بعد موت الرسول ﷺ ،

стр. 1468

والنسخ لا يجوز بعد موته ﷺ (١). • المسألة السادسة: هل يشترط في النسخ أن يخلفه بدل؟ اختلف في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أنه لا يشترط في النسخ أن يخلفه بدل، وهو قول الجمهور. واستدلوا بأدلة: الدليل الأول: أنَّ نسخ الحكم بلا بدل قد وقع في الشريعة، والوقوع دليل الجواز. ومن ذلك: نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ﷺ ، ونسخ ادخار لحوم الأضاحي، ونسخ تحريم المباشرة بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ونسخ وجوب قيام الليل. الدليل الثاني: أنَّ حقيقة النسخ الرفع والإزالة، ورفع الشيء يتحقق في نفسه، وإن لم يثبت له خلف وبدل، فليس في حقيقة النسخ تعرض للخلف والبدل، واعتبروا ذلك في المحسوسات، فليس من الضرورة رفع الحجر من مكانه أنه يضع مكانه غيره، بل ذلك إلى الجواز.

стр. 1469

الدليل الثالث: أنه لا يمتنع عقلًا أن تكون المصلحة في نسخ الحكم دون وضع بدل عنه، أي أنَّ الله تعالى علم أنَّ نسخ هذا الحكم مصلحة، ولا مصلحة في إثبات بدل له. وقد اعترض على الدليل الأول من وجهين: ١ - قالوا: لا نسلم أنَّ الصدقة بين يدي النجوى قد نسخت لا إلى بدل؛ لأنه سبحانه يقول في الآية الناسخة: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ١٣]، فكانت هذه الأشياء بدل الصدقة. ٢ - أنَّ الادخار من لحوم الأضاحي، وتقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ﷺ نسخ ببدل خير منه، وهو التخيير بين الصدقة تطوعًا ابتغاءً لما عند الله وبين الإمساك عن ذلك، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣]. وأجيب: ١ - أنه ليست هذه أبدالًا؛ لأنها كانت واجبة قبل ذلك بموجب أصل التكليف، وإنما معنى الآية: إذ لم تفعلوا فارجعوا إلى ما كنتم عليه أولًا من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول ﷺ . ٢ - أنَّ الاستحباب أتى من أصل التشريع لا بنص جديد.

стр. 1470

القول الثاني: لا يجوز نسخ الحكم إلى غير بدل. و ذهب إلى ذلك أكثر المعتزلة، وبعض أهل الظاهر، وذكر الإسنوي أنه مذهب الشافعي، ورجحه ابن تيمية، والشنقيطي. وأدلتهم: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. ووجه الدلالة: أنَّ الله تعالى أخبر أنه لا ينسخ شيئًا من الأحكام إلا إذا وضع مكانه بدلًا خيرًا منه أو مثله، وخبر الله صدق، فالخلف في خبره محال. قال الشنقيطي: فالعجب كل العجب من كثرة هؤلاء العلماء وجلالتهم من مالكية، وشافعية، وحنابلة، وغيرهم القائلين بجواز النسخ لا إلى بدل، ووقوعه مع أنَّ الله يصرح بخلاف ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. فقد ربط بين نسخها وبين الإتيان بخير منها أو مثلها بأداة الشرط ربط الجزاء بشرطه، ومعلوم عند المحققين أنَّ الشرطية إنما يتوارد فيها الصدق والكذب على نفس الربط، ولا شك أنَّ هذا الربط الذي صرح

стр. 1471

الله به بين هذا الشرط والجزاء في هذه الآية صحيح لا يمكن تخلفه بحال، فمن ادعى انفكاكه، وأنه يمكن النسخ بدون الإتيان بخير أو مثل، فهو مناقض للقرآن مناقضة صريحة لا خفاء بها، ومناقض القاطع كاذب يقينًا لاستحالة اجتماع النقيضين، صدق الله العظيم، وأخطأ كل من خالف شيئًا من كلامه (١). وقال الشافعي: وليس ينسخ فرض أبدًا إلا أثبت مكانه فرض، كما نسخت قبلة بيت المقدس، فأثبت مكانها الكعبة. قال: وكل منسوخ في كتاب الله سبحانه وسنة نبيه ﷺ هكذا (٢). قال الصيرفي وأبو اسحاق المروزي: وإنما أراد الشافعي بهذه العبارة كما نبه عليه الصيرفي في شرح الرسالة، وأبو إسحاق المروزي في كتاب الناسخ أنه ينقل من حظر إلى إباحة، أو إباحة إلى حظر، أو يجري على حسب أحوال المفروض، ومثله بالمناجاة، وكان يناجى النبي ﷺ بلا تقديم صدقة، ثم فرض الله تقديم الصدقة، ثم أزال ذلك، فردهم إلى ما كانوا عليه، وهذا الحمل هو الذي ينبغي تفسير كلام الشافعي به، فإنَّ مثله لا يخفى عليه وقوع النسخ في هذه الشريعة بلا بدل، ولا شك في أنه يجوز ارتفاع التكليف بالشيء، والنسخ مثله؛ لأنه

стр. 1472

رفع تكليف، ولم يمنع من ذلك شرع ولا عقل، بل دل الدليل على الوقوع (١). وقال ابن القطان: قول الشافعي أنَّ النسخ يكون بأن يبدل مكانه شيئًا، جوابه من وجهين: ١ - أنه أراد أنَّ الأكثر في الفرائض هو الذي ذكره. ٢ - أنَّ ذلك يجري مجرى أمر ثان بعبارة أخرى، والفرض الأول قد تغير؛ لأنَّ الله تعالى حين أمر به أراد في زمان يوصف، إنما خفي ذلك علينا وقدّر أنه عامٌّ في الأزمنة كلها، إلا أنه لا بد أن يعلم أنَّ الفرض الأول قد تغير، ألا ترى أنه كان خمسين صلاة، فكان علينا أن نعتقد أنَّ الكل واجب، فإذا سقط البعض تغير الاعتقاد الذي كنا قد اعتقدناه، فلا محالة يتغير شيء ما من الفرض الأول (٢). واعترض: ١ - بأنه ليس في الآية ما يدل على أنه لا بد من البدل، بل إنَّ الآية تدل على أنَّ البدل الثابت خير من المبدل إن ثبت البدل، فهو كقول السيد لعبده: لا آخذ منك ثوبًا وأعطيك بدله، إلا إذا كان البدل خيرًا من

стр. 1473

الأول. فهذا اللفظ لا يدل على وجوب البدل، ولكنه يدل على أنَّ البدل إذا وقع فلا بد أن يكون خيرًا. ٢ - أنَّ الآية وردت في التلاوة، وليس للحكم فيها ذكر. وأجيب على هذا الاعتراض: بأنَّ الآية ظاهر في اللفظ والمعنى، فحمله على اللفظ فقط تحكم، وقد صرحت الآية في أنه مهما نسخ آية أو أنساها أتى بخير منها أو مثلها (١). والراجح: - والله أعلم- أن النسخ قد يكون إلى بدل أو إلى غير بدل، وفي كل الأحوال فهو مثل المنسوخ أو خيرٌ منه بالنسبة للمكلفين. • المسألة السابعة: وجه الاتفاق بين النسخ والتخصيص. أنَّ كل واحد منهما يوجب اختصاص الحكم ببعض ما تناوله اللفظ لغة، أي أنَّ كلًّا منهما فيه قصر للحكم على بعض مشتملاته، إلا أنَّ النسخ قصر للحكم على بعض الأزمان، والتخصيص قصر للحكم على بعض أفراده.

стр. 1474

وعليه فالمخصوص من العموم غير مراد بالعموم، والمزال من النسخ غير مراد من الخطاب. • المسألة الثامنة: وجه الاختلاف بين النسخ والتخصيص: الأول: أنَّ الناسخ يشترط تراخيه، والتخصيص يجوز اقترانه؛ لأنه بيان، بل يجب اقترانه عند من لم يجوّز تأخير البيان. الثاني: أنَّ التخصيص مثل: أكرم زيدًا. لأنه لا يكون إلا من متعدد، لا يدخل فيه الأمر بمأمور واحد، والنسخ يدخل عليه كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى البيت الحرام. الثالث: أنَّ النسخ يختص بالأحكام، ولا يصح في الأخبار، والتخصيص يجوز فيهما. الرابع: أنَّ النسخ رافع لجميع الحكم، والتخصيص مثبت لبعض الحكم. الخامس: أنَّ النسخ يختص بعموم الأزمان، والتخصيص يختص بعموم الأعيان. السادس: أنَّ النسخ لا يكون إلا بقول وخطاب، والتخصيص قد يكون بأدلة العقل، والقرائن، وسائر أدلة السمع.

стр. 1475

السابع: أنَّ النسخ تبديل، والتخصيص تقليل (١). • المسألة التاسعة: هل الإجماع يكون منسوخًا؟ اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنَّ الإجماع لا يكون منسوخًا، وهو رأي الجمهور. وذلك لأنَّ النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة، والإجماع لا يكون إلا بعد عهد النبوة، ويلزم من ذلك أنَّ حكم الإجماع لا ينسخ. وبيان ذلك: أنَّ النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة؛ لأنَّ النسخ رفع للحكم وإبطال له، وذلك إنما يكون في عهد النبوة؛ لأنه زمن الوحي الرافع للأحكام، وبعد انقراض عهد النبوة يستقر الشرع، فلا يجوز تغيير شيء منه، ولا يبقى إلا اتباع ما انقرض عليه عصر النبوة. وأما أنَّ الإجماع لا يكون إلا بعد عهد النبوة؛ فلأنَّ الاعتماد في زمن النبوة على قول النبي ﷺ لعصمته، ولا اعتبار بغيره؛ لأنه إذا حكم بحكم، فالأمة إما أن توافق فلا أثر لموافقتها؛ لأنَّ قول النبي ﷺ هو المستقل بإثبات الحكم، أو تخالف فلا اعتبار بمخالفتها؛ بل تكون عاصية بمخالفتها.
следующие страницы →