← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الله به بين هذا الشرط والجزاء في هذه الآية صحيح لا يمكن تخلفه بحال، فمن ادعى انفكاكه، وأنه يمكن النسخ بدون الإتيان بخير أو مثل، فهو مناقض للقرآن مناقضة صريحة لا خفاء بها، ومناقض القاطع كاذب يقينًا لاستحالة اجتماع النقيضين، صدق الله العظيم، وأخطأ كل من خالف شيئًا من كلامه (١). وقال الشافعي: وليس ينسخ فرض أبدًا إلا أثبت مكانه فرض، كما نسخت قبلة بيت المقدس، فأثبت مكانها الكعبة. قال: وكل منسوخ في كتاب الله سبحانه وسنة نبيه ﷺ هكذا (٢). قال الصيرفي وأبو اسحاق المروزي: وإنما أراد الشافعي بهذه العبارة كما نبه عليه الصيرفي في شرح الرسالة، وأبو إسحاق المروزي في كتاب الناسخ أنه ينقل من حظر إلى إباحة، أو إباحة إلى حظر، أو يجري على حسب أحوال المفروض، ومثله بالمناجاة، وكان يناجى النبي ﷺ بلا تقديم صدقة، ثم فرض الله تقديم الصدقة، ثم أزال ذلك، فردهم إلى ما كانوا عليه، وهذا الحمل هو الذي ينبغي تفسير كلام الشافعي به، فإنَّ مثله لا يخفى عليه وقوع النسخ في هذه الشريعة بلا بدل، ولا شك في أنه يجوز ارتفاع التكليف بالشيء، والنسخ مثله؛ لأنه

стр. 1472

رفع تكليف، ولم يمنع من ذلك شرع ولا عقل، بل دل الدليل على الوقوع (١). وقال ابن القطان: قول الشافعي أنَّ النسخ يكون بأن يبدل مكانه شيئًا، جوابه من وجهين: ١ - أنه أراد أنَّ الأكثر في الفرائض هو الذي ذكره. ٢ - أنَّ ذلك يجري مجرى أمر ثان بعبارة أخرى، والفرض الأول قد تغير؛ لأنَّ الله تعالى حين أمر به أراد في زمان يوصف، إنما خفي ذلك علينا وقدّر أنه عامٌّ في الأزمنة كلها، إلا أنه لا بد أن يعلم أنَّ الفرض الأول قد تغير، ألا ترى أنه كان خمسين صلاة، فكان علينا أن نعتقد أنَّ الكل واجب، فإذا سقط البعض تغير الاعتقاد الذي كنا قد اعتقدناه، فلا محالة يتغير شيء ما من الفرض الأول (٢). واعترض: ١ - بأنه ليس في الآية ما يدل على أنه لا بد من البدل، بل إنَّ الآية تدل على أنَّ البدل الثابت خير من المبدل إن ثبت البدل، فهو كقول السيد لعبده: لا آخذ منك ثوبًا وأعطيك بدله، إلا إذا كان البدل خيرًا من

стр. 1473

الأول. فهذا اللفظ لا يدل على وجوب البدل، ولكنه يدل على أنَّ البدل إذا وقع فلا بد أن يكون خيرًا. ٢ - أنَّ الآية وردت في التلاوة، وليس للحكم فيها ذكر. وأجيب على هذا الاعتراض: بأنَّ الآية ظاهر في اللفظ والمعنى، فحمله على اللفظ فقط تحكم، وقد صرحت الآية في أنه مهما نسخ آية أو أنساها أتى بخير منها أو مثلها (١). والراجح: - والله أعلم- أن النسخ قد يكون إلى بدل أو إلى غير بدل، وفي كل الأحوال فهو مثل المنسوخ أو خيرٌ منه بالنسبة للمكلفين. • المسألة السابعة: وجه الاتفاق بين النسخ والتخصيص. أنَّ كل واحد منهما يوجب اختصاص الحكم ببعض ما تناوله اللفظ لغة، أي أنَّ كلًّا منهما فيه قصر للحكم على بعض مشتملاته، إلا أنَّ النسخ قصر للحكم على بعض الأزمان، والتخصيص قصر للحكم على بعض أفراده.

стр. 1474

وعليه فالمخصوص من العموم غير مراد بالعموم، والمزال من النسخ غير مراد من الخطاب. • المسألة الثامنة: وجه الاختلاف بين النسخ والتخصيص: الأول: أنَّ الناسخ يشترط تراخيه، والتخصيص يجوز اقترانه؛ لأنه بيان، بل يجب اقترانه عند من لم يجوّز تأخير البيان. الثاني: أنَّ التخصيص مثل: أكرم زيدًا. لأنه لا يكون إلا من متعدد، لا يدخل فيه الأمر بمأمور واحد، والنسخ يدخل عليه كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى البيت الحرام. الثالث: أنَّ النسخ يختص بالأحكام، ولا يصح في الأخبار، والتخصيص يجوز فيهما. الرابع: أنَّ النسخ رافع لجميع الحكم، والتخصيص مثبت لبعض الحكم. الخامس: أنَّ النسخ يختص بعموم الأزمان، والتخصيص يختص بعموم الأعيان. السادس: أنَّ النسخ لا يكون إلا بقول وخطاب، والتخصيص قد يكون بأدلة العقل، والقرائن، وسائر أدلة السمع.

стр. 1475

السابع: أنَّ النسخ تبديل، والتخصيص تقليل (١). • المسألة التاسعة: هل الإجماع يكون منسوخًا؟ اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنَّ الإجماع لا يكون منسوخًا، وهو رأي الجمهور. وذلك لأنَّ النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة، والإجماع لا يكون إلا بعد عهد النبوة، ويلزم من ذلك أنَّ حكم الإجماع لا ينسخ. وبيان ذلك: أنَّ النسخ لا يكون إلا في عهد النبوة؛ لأنَّ النسخ رفع للحكم وإبطال له، وذلك إنما يكون في عهد النبوة؛ لأنه زمن الوحي الرافع للأحكام، وبعد انقراض عهد النبوة يستقر الشرع، فلا يجوز تغيير شيء منه، ولا يبقى إلا اتباع ما انقرض عليه عصر النبوة. وأما أنَّ الإجماع لا يكون إلا بعد عهد النبوة؛ فلأنَّ الاعتماد في زمن النبوة على قول النبي ﷺ لعصمته، ولا اعتبار بغيره؛ لأنه إذا حكم بحكم، فالأمة إما أن توافق فلا أثر لموافقتها؛ لأنَّ قول النبي ﷺ هو المستقل بإثبات الحكم، أو تخالف فلا اعتبار بمخالفتها؛ بل تكون عاصية بمخالفتها.

стр. 1476

فبان بهذا أنَّ الإجماع لا يكون معتبرًا مؤثرًا إلا بعد موته. ولا يجوز كذلك نسخ الإجماع بإجماع آخر؛ لأنه يستحيل انعقاده على خلاف إجماع آخر، إذ لو انعقد لكان أحد الإجماعين خطأ؛ لأنَّ الأول إن لم يكن عن دليل خطأ، وإن كان عن دليل كان الثاني خطأ لوقوعه عل خلاف الدليل. ولا يجوز نسخ الإجماع بالقياس؛ لأنَّ القياس لا يكون على خلاف الإجماع، لأنه يشترط في القياس أن لا يكون مخالفًا لنص أو إجماع، فعند مخالفة الإجماع للقياس يكون القياس باطلًا، فلا يكون حجة، وعليه فلا يكون ناسخًا للإجماع. المذهب الثاني: أنَّ الإجماع يكون منسوخًا، ذهب إلى ذلك طائفة من العلماء. ودليلهم: أنَّ العلماء إذا اختلفوا على قولين، فهو إجماع على أنَّ المسألة اجتهادية يجوز الأخذ بكليهما، ثم يجوز إجماعهم على أحد القولين، فإذا أجمعوا بطل الجواز، أي لم يجز العمل بالقول الآخر، وحينئذ يكون الإجماع الثاني ناسخًا لما دل عليه الإجماع الأول من جواز العمل بكل واحد من القولين، وبذلك يكون الإجماع الثاني ناسخًا للإجماع الأول.

стр. 1477

وأجيب: بأنا لا نسلم بذلك؛ لأنَّ العلماء إنما جوزوا للمكلف الأخذ بأي واحد من القولين بشرط ألا يحصل الإجماع على أحد القولين. فكان الإجماع الأول مشروطًا بهذا الشرط، فإذا وجد الإجماع الثاني زال شرط الإجماع الأول، فانتفى الإجماع الأول بسبب انتفاء شرطه، لا لكون الثاني قد نسخه (١). • المسألة العاشرة: هل يكون الإجماع ناسخًا؟ اختلف العلماء على ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: أنَّ الإجماع لا يكون ناسخًا بمعنى أنه لا ينسخ به، وهو مذهب الجمهور. وحجتهم: ١ - أنَّ المنسوخ بالإجماع إما أن يكون نصًّا، أو إجماعًا، أو قياسًا. فالأول: وهو كون المنسوخ بالإجماع نصًّا باطل؛ لاستحالة انعقاد الإجماع على خلاف النص، لأنَّ الإجماع لا بد له من مستند، فلا يخلو إما أن يطلع المجمعون عل هذا النص أو لا، فإن لم يطلعوا عليه كان

стр. 1478

إجماعهم باطلًا لوجود ما يخالفه، وإن اطلعوا عليه وأجمعوا على خلافه دل على أنَّ هذا النص مرجوح، وما استندوا إليه في إجماعهم راجح، فيكون بذلك الناسخ للنص هو النص الذي استندوا إليه، فثبت أنَّ ذلك من باب نسخ النص بالنص، لا من باب نسخ النص بالإجماع. وأما الثاني: وهو كون المنسوخ بالإجماع إجماعًا آخر فهو باطل؛ لأنَّ الإجماع لا ينعقد على خلاف إجماع آخر. وأما الثالث: وهو كون المنسوخ بالإجماع قياسًا فهو باطل؛ لأنَّ من شرط حجية القياس والعمل به عدم مخالفته للإجماع، فإذا انعقد الإجماع على خلاف القياس زال القياس لزوال شرطه، وزوال المشروط لزوال الشرط لا يسمى نسخًا. ٢ - أنَّ الإجماع إنما يكون حجة بعد عهد النبي ﷺ ، والنسخ إنما يكون في زمن النبي ﷺ ، فيستحيل اجتماعهما. قال الصيرفي: ليس للإجماع حظ في نسخ الشرع؛ لأنهم لا يشرّعون. المذهب الثاني: أنَّ الإجماع يكون ناسخًا، وهو قول عيسى بن أبان من الحنفية، وبعض المعتزلة والحافظ البغدادي في كتابه الفقيه والمتفقه.

стр. 1479

ودليلهم: ١ - أنَّ سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة قد سقط بإجماع الصحابة، فهذا يدل على أنَّ الإجماع يكون ناسخًا. وأجيب: بأنَّ سقوط سهم المؤلفة قلوبهم ليس من باب النسخ، بل هو من باب انتهاء الحكم لانتهاء علته المقررة، وهي تحبيب الإسلام في نفوس حديثي العهد بالإسلام لإعزاز الإسلام، فلما حصلت العزة للإسلام في عهد الصحابة سقط سهم المؤلفة قلوبهم، وليس انتهاء الحكم لانتهاء علته نسخًا. ٢ - كما أنَّ الإجماع مخصص للعام، كذلك يصح أن يكون ناسخًا ولا فرق. وأجيب: بأنه ليس كل ما يخصص به ينسخ به، فدليل العقل يجوز التخصيص به، ولا يجوز النسخ به، ثم إنَّ قياسكم النسخ على التخصيص قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، لأنَّ النسخ رفع للحكم بالكلية، بخلاف التخصيص، فإنه قصرٌ للحكم على بعض أفراده، وبذلك لا يمنع أن يكون الإجماع مخصصًا بخلاف النسخ، فقد وجد فيه ما يمنع من كون الإجماع ناسخًا.

стр. 1480

المذهب الثالث: يجوز نسخ الإجماع لكن لا بنفسه، بل بسنده، وهو قول بعض الحنابلة، وبعض الظاهرية. قالوا: إذا رأينا نصًّا صحيحًا والإجماع بخلافه استدللنا بذلك على نسخه، وأن أهل الإجماع اطلعوا على ناسخ وإلا لما خالفوه (١). • المسألة الحادية عشر: الزيادة على النص هل هي نسخ؟ الزيادة على النص نسخ عند قوم، وليست بنسخ عند قوم، لكن الراجح والمختار: أنها تنقسم باعتبار تعلقها بالمزيد عليه وعدم ذلك إلى أربعة أقسام: القسم الأول: زيادة مستقلة عن المزيد عليه، ولا تتعلق به، وليست من جنسه، كما إذا أوجب الصلاة، ثم أوجب الصوم والزكاة لم يتغير حكم المزيد عليه، وهو الصلاة، ولا تكون الزيادة نسخًا باتفاق العلماء؛ لأنَّ حقيقة النسخ لم تتحقق هنا، لأنَّ النسخ رفع الحكم، وهنا لم يرتفع الحكم ولم يتبدل، وهو وجوب الصلاة، بل بقي حكم المزيد عليه وهو الصلاة بعد الزيادة كما كان ثابتًا قبلها.

стр. 1481

القسم الثاني: زيادة مستقلة عن المزيد عليه ولا تتعلق به، وهي من جنس المزيد عليه. مثل: زيادة صلاة على الصلوات الخمس. وهذه الزيادة اختلف العلماء فيها، هل هي نسخ أم لا؟ على مذهبين: المذهب الأول: أنَّ تلك الزيادة ليست بنسخ، وهو مذهب جمهور العلماء؛ لأنَّ تلك الزيادة لم ترفع حكمًا شرعيًّا، فالمزيد عليه باق بعد الزيادة، كما كان ثابتًا قبل الزيادة. مثل: الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه، ولا فرق، فكما أنَّ وجوب الصلاة لم يتغيير بزيادة الصوم، فكذلك الحال بالنسبة لزيادة صلاة على صلاة أخرى، ولا فرق. المذهب الثاني: أنَّ تلك الزيادة تكون نسخًا لحكم المزيد عليه، وهو مذهب بعض الحنفية العراقيين، ودليلهم: أنَّ حقيقة النسخ (هو رفع الحكم) قد وجدت؛ فكان نسخًا، فزيادة صلاة على الصلوات الخمس يغير الصلاة الوسطى، فيرتفع وجوبها المستفاد من قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فوسطية الصلاة متوقفة على العدد المفرد (وهو الخمس

стр. 1482

هنا) لكي يكون عدد ما قبلها كعدد ما بعدها، فإذا زيدت صلاة سادسة، فإنها ترفع كون الوسطى وسطى وتغيره، فتتبدل الوسطية بالنسبة لها إلى غيرها فأزيل، وترفع الحكم، وهو وجوب المحافظة على الصلاة الوسطى، المستفاد من الأمر بها في الآية السابقة. وأجيب: ١ - أنَّ الزيادة المستقلة التي هي من جنس المزيد عليه، مثل الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه، ولا فرق، فلو كانت زيادة صلاة سادسة نسخًا؛ للزم أن تكون زيادة العبادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه نسخًا، لأنها تجعل العبادة الأخيرة غير أخيرة فتغير صفتها، وتتساوى مع السادسة في هذا التعبير، فلما لم تجعل هذه نسخًا بالإجماع يلزم أن لا تجعل الزيادة المستقلة التي من جنس المزيد عليه نسخًا. ٢ - أنَّ زيادة صلاة سادسة على الخمس لا تزيل المحافظة على الوسطى؛ لأنَّ وجوب المحافظة قد تعلق بمسمى الوسطى عند نزول الآية، وهذا المسمى لما صدق لا تؤثر عليه هذه الزيادة. القسم الثالث: الزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلق الجزء بالكل، وذلك بأن تكون الزيادة جزءًا من المزيد عليه.

стр. 1483

مثال ذلك: زيادة تغريب عام على جلد مئة في حد الزاني البكر (١)، حيث أصبح جزءًا من الحد، فأصبح حد الزاني البكر بعد الزيادة مكونًا من جزأين: أولهما: جلد مئة، وهو الوارد في نص القرآن الكريم. ثانيهما: تغريب عام، وهو الوارد في نص السنة (٢). وهذه الزيادة اختلف فيها العلماء، هل هي نسخ أم لا؟ على مذهبين: المذهب الأول: أنَّ تلك الزيادة ليست نسخًا، وهو مذهب الجمهور؛ لأنَّ حقيقة النسخ هي رفع الحكم وتبديله لم توجد عند تلك الزيادة، بل إنَّ هذه الزيادة تقرير للحكم المزيد عليه، وتثبيت له؛ لأنَّ ضم شيء إلى شيء آخر يثبت المضموم إليه ويقرره، نظرًا إلى أنَّ الانضمام صفة لا بد لها من محل تقوم به، ولهذا نرى حكم المزيد عليه ثابتًا لم يتغير، ولم يتبدل، ولم يرتفع، بعد إلحاق الزيادة به، فكان ثابتًا بعد الزيادة، كما كان ثابتًا قبل الزيادة قياسًا على الزيادة المستقلة التي ليست من جنس المزيد عليه بجامع عدم الثتغيير في كل.

стр. 1484

فمثلًا: بعد زيادة (التغريب)، وإلحاقه ب (الجلد مئة) لم تُخرج تلك الزيادة الجلد عن كونه واجبًا، بل استمر على هذا الحكم بعد إلحاق الزيادة (وهي التغريب) به كما كان واجبًا قبله، وذلك مثل إيجاب الصوم بعد إيجابه للصلاة لم يخرج الصلاة عن كونها فرضًا، بل ظلت فرضًا بعد الصيام كما كانت قبله، كل ما في الأمر أنه أضاف إليه زيادة. المذهب الثاني: أنَّ تلك الزيادة نسخ، ذهب إلى ذلك الحنفية، كما صرح بذلك أبو عبد الله الصيمري، وأبو بكر الرازي، والسرخسي، وعبد العزيز البخاري. ودليلهم: استدلوا بأنَّ جلد المائة في حد الزاني البكر كان هو الحد الكامل، و يجوز الاقتصار عليه؛ لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، فلما جاءت السنة بزيادة التغريب، وذلك بحديث عبادة بن الصامت: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» (١)، رفعت هذه الآية ذلك الحكم، وهو (صفة الكمال والاقتصار على جلد مئة)، وأصبح الحد بعد الزيادة (الجلد والتغريب)، فتكون صفة الكمال قد رفعت، والاقتصار على الجلد قد رفع، والرفع هو النسخ. وأجيب: أنَّ رفع صفة الكمال بالزيادة، ورفع الاقتصار على المائة

стр. 1485

لم يتحقق به النسخ. وبيان ذلك: أنَّ صفة الكمال إذا ارتفعت بالزيادة لا يتحقق النسخ؛ لأنَّ صفة الكمال لا يندرج ضمن أقسام الأحكام الشرعية، فليس مقصودًا، بل المقصود هو وجوب الحد -الذي هو مئة جلدة- والوجوب لم يرتفع، بل هو باق على حاله، وهو كل الواجب، فلما زيد (التغريب) لم يتغير، بل هناك واجب قد أضيف إليه. ومما يؤيد ذلك: أنَّ الشارع لما أوجب الصلاة فقط كانت هي كل الواجب على المكلف، فلما أوجب الصوم بعد ذلك خرجت الصلاة عن كونها كل الواجب، بل صار الواجب الصلاة والصوم، وليس ذلك بنسخ باتفاق العلماء. فكذلك هنا يقال: إنَّ جلد مئة هو الواجب الكامل على الزاني البكر، فلما زيد التغريب خرج جلد مئة عن كونه هو أقل الواجب، بل صار الواجب الجلد والتغريب، فلا يسمى ذلك نسخًا. القسم الرابع: الزيادة غير المستقلة التي تتعلق بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط، أي تكون الزيادة شرطًا للمزيد عليه، فإذا فقد المزيد عليه هذه الزيادة، وهو الشرط يكون وجوده وعدمه واحدًا. ومن أمثلة ذلك: زيادة النية في الطهارة، حيث إنَّ الشارع أمر

стр. 1486

بالطهارة مطلقًا، ثم زيد شرط النية لها. وأيضًا: زيادة الطهارة في الطواف حيث إنَّ الشارع أمر بالطواف مطلقًا، ثم زيد شرط الطهارة له- عند من اشترط الطهارة-، وكذا زيادة اشتراط الطهارة على وجوب الصلاة. وهذه الزيادة اختلف العلماء فيها، هل هي نسخ أم لا؟ على مذهبين: المذهب الأول: أنَّ تلك الزيادة ليست بنسخ، وهو مذهب الجمهور وهو الصحيح؛ لأنَّ حقيقة النسخ وهي (رفع الحكم) لم توجد هنا. وبيان ذلك: أنَّ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ اقتضى أمرين: أحدهما: وجوب الصلاة. والثاني: الإجزاء. حيث يجوز على هذا اللفظ الصلاة بدون طهارة، فلما جاءت الزيادة -وهي اشتراط الطهارة للصلاة- فالوجوب لم يرتفع بها، بل هو باق على حاله بعد الزيادة وقبلها، حيث بقي الأمر به. وأما الإجزاء فهو الذي ارتفع بعد هذه الزيادة، حيث أصبحت الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة، فهنا ارتفع الإجزاء فقط، وارتفاع الإجزاء فقط جعل المرتفع بعض ما تناوله واقتضاه اللفظ الذي هو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وهذا يسمى تخصيصًا لا نسخًا.

стр. 1487

المذهب الثاني: أنَّ تلك الزيادة نسخ، وهذا مذهب الحنفية، وبعض الشافعية كالغزالي. ودليلهم: قالوا: إنه كان حكم المزيد عليه الإجزاء والصحة بدون تلك الزيادة، فلما جاءت الزيادة ارتفع ذلك الحكم، فأصبح المزيد عليه لا يجزئ، ولا يصح إلا بتلك الزيادة، والرفع نسخ. فمثلًا: كانت الصلاة تجزئ وتصح بدون طهارة، فلما زيد اشتراط الطهارة أصبحت الصلاة لا تجزئ ولا تصح لوحدها، بل لا بد من الطهارة، فرفع إجزاء الصلاة لوحدها، والرفع نسخ. وأجيب: بأنَّ ما ذكرتموه صحيح لو أنَّ الإجزاء استقر وثبت أولًا، ثم وردت الزيادة بعده؛ لأنَّ من شرط النسخ: تأخر الناسخ عن المنسوخ. وهنا لم يتحقق ذلك الشرط؛ لأنه يحتمل أن تكون الزيادة قد ثبتت، وهي مقارنة للفظ المزيد عليه. وعلى هذا يكون ادعاؤكم استقرار الإجزاء، ثم ورود الزيادة بعد ذلك هو دعوى تحتاج إلى دليل، ولا دليل عندكم، فثبت أنَّ تلك الزيادة ليست بنسخ.

стр. 1488

الخلاصة: ١ - يتلخص مما سبق من أقسام الزيادة على النص أنَّ الجمهور يقولون: إن الزيادة ليست بنسخ في جميعها. وأن الحنفية يقولون: إن الزيادة نسخ. ٢ - أنَّ الحنفية قد ردوا أخبارًا كثيرة بسبب تمسكهم بهذا الأصل، وهو أنَّ الزيادة على النص نسخ؛ لأنه اقتضى زيادة على القرآن، والزيادة نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد، لذا ردوا أحاديث تعين الفاتحة في الصلاة (١)، وما ورد في الشاهد واليمين (٢)، وما ورد في إيمان الرقبة، وما ورد في اشتراط النية في الوضوء (٣). • المسألة الثانية عشر: هل يجوز نسخ الأمر قبل التمكن من امتثاله؟ وبعضهم يعبر: بجواز نسخ الشيء قبل وقوعه، وبعضهم يعبر بجواز نسخ الأمر قبل امتثاله.

стр. 1489

فإذا ورد الناسخ بعد أن مضى من الوقت قدر ما تقع فيه العبادة، أو بعد أن مضى من الوقت قدر ما يقع فيه بعضها، فقد اتفق العلماء على جواز النسخ في هذه الحالة؛ لأنَّ شرط الأمر حاصل، وهو التمكن من الفعل. لكنهم اختلفوا فيما إذا ورد الأمر بفعل الشيء قبل وقته، ثم نسخ قبل دخول الوقت أو بعده، ولكن قبل التمكن من فعل ذلك الأمر. قال الآمدي: اتفق القائلون بالنسخ على جواز نسخ حكم الفعل بعد خروج وقته، واختلفوا في جوازه قبل دخول الوقت (١). قلت: اختلف العلماء في نسخ الأمر بفعل شيء قبل التمكن من امتثاله، على مذهبين: المذهب الأول: يجوز نسخ الأمر قبل التمكن من فعله، وهو مذهب جماهير العلماء. وصورته: أن يقول الشارع في رمضان: حجوا هذه السنة. ثم يقول قبل يوم عرفة: لا تحجوا فقد نسخت عنكم الأمر.

стр. 1490

الأدلة على ذلك: الدليل الأول: أنَّ مجرد الأمر مفيد فائدة تكليفية، وإن لم ينضم إليه الامتثال، ومع حصول الفائدة التكليفية لا يمتنع النسخ. وبيان ذلك: أنَّ مجرد الأمر مفيد، فلأن المأمور إذا علم توجه الأمر إليه، إما أن يعزم على الامتثال فيكون مطيعًا مثابًا، أو على المخالفة فيكون عاصيًا معاقبًا بالنية والعزم، ومع حصول الفائدة لا يمتنع النسخ، وبالقياس على سائر صور النسخ؛ ولأنَّ الخصم إنما منع النسخ قبل الامتثال لكونه عبثًا عنده، ومع حصول الفائدة ينتفي كونه عبثًا فيجب ألا يمتنع. الدليل الثاني: أنَّ النسخ قبل الامتثال قد وقع، والوقوع دليل الجواز. وبيان ذلك: أن الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، كما دلت عليه الآيات ثم نُسخ عنه ذبح ولده قبل فعله. واعترض على هذا: ١ - بأنَّ قصة إبراهيم ﵇ في ذبح ولده كانت منامًا، والمنام خيال لا أصل له حتى يبنى عليه أصول الدين وفروعه. ٢ - ولو سلمنا بأنَّ المنام له حقيقة يُعتمد عليها في إثبات أحكام الشرع، لكن لا نسلم أنَّ إبراهيم أمر بذبح ولده، بل بالعزم عليه، أو

стр. 1491

بفعل مقدمات الذبح من إضجاع ولده، وأخذ السكين ونحوه، وذلك لوجهين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤، ١٠٥]: أي فعلت ما أمرت به، ولو كان مأمورًا بالذبح لم يصح ذلك؛ لأنه ما فعله به. الثاني: قوله حكاية عن الذبيح: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات: ١٠٢]، ولفظه لفظ المستقبل؛ فدل على أنه ما أمر بالذبح، وإنما أخبر أنه سيؤمر به في المستقبل، إذ لو كان قد أمر به لقال: افعل ما أُمرت. ٣ - سلمنا أنه أمر بالذبح، لكنه لم ينسخ عنه قبل امتثاله، بل قلب الله عنق ولده نحاسًا، فلم تؤثر فيه الشفرة فسقط لتعذره. ٤ - سلمنا أنه لم يتعذر، لكنه امتثل فذبحه، لكن كلما قطع جزءًا من عنقه التأم: أي التحم فاندمل الجرح بمجرد التحامه أي برأ، وذلك بدليل الآية: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥]، على تقدير أنه مأمور بالذبح فيلزم أنه ذبحه، وإلا لم يكن قد صدق الرؤيا. وأجاب الجمهور على هذه الاعتراضات بما يلي: الجواب الأول: قولكم: قصة إبراهيم ﵇ كانت منامًا والمنام خيال لا أصل له. هذا باطل؛ لأنَّ منام الأنبياء وحي، وذلك لوجوه:

стр. 1492

أحدهما: أنَّ رؤيا آحاد الأمم جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة (١)، فرؤيا الأنبياء أولى أن تكون نبوة. الثاني: ما ثبت في البخاري وغيره من حديث عائشة قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله من النبوة الرؤيا الصادقة، كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (٢). وإذا ثبت أنَّ رؤيا الأنبياء نبوة ووحي كان قولكم: إنَّ رؤيا إبراهيم منام لا أصل له تهجمًا عظيمًا، ومن طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن كريب، عن ابن عباس أنه قال: بت عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النبي ﷺ … وفيه: قال عمرو: سمعت عبيد بن عمير: إنَّ رؤيا الأنبياء وحي. ثم قرأ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] (٣). وعبيد بن عمرو من كبار التابعين، ولأبيه عمير بن قتادة صحبة، فلو كان منامًا وخيالًا لا وحيًا؛ لما جاز لإبراهيم ﵇ قصد الذبح المحرم، والتل للجبين، ولما سماه الله بلاءً مبينًا، ولما احتاج إلى الفداء.

стр. 1493

الجواب الثاني: قولهم: إنما أمر بالعزم على الذبح أو مقدماته. يجاب عنه: ١ - بأنَّ إبراهيم ﵇ لو كان مأمورًا بالعزم على الذبح فقط دون فعل الذبح؛ لما سماه الله بلاءً مبينًا، بحيث يُمتحن به الأنبياء؛ لأنَّ عامة الناس وسوقتهم لو قيل لأحدهم: أنت مأمور بالعزم على ذبح ولدك لا بنفس ذبحه؛ لسهل ذلك عليه، ولم يجد له كلفة، ولما احتاج إلى نداء، ولما قال الذبيح: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. ٢ - أنَّ الأمر بمقدمات الذبح فقط من إخراجه إلى الصحراء، وأخذ المدية، والتل للجبين لا بلاء فيه؛ إذ لا مشقة عليه في إضجاع ولده، وأخذ السكين مع علمه بسلامة العاقبة، كما لو مازح الإنسان ولده أو من يعز عليه بذلك، وإن لم يعلم أنه مأمور بالاقتصار على المقدمات فقط كان ذلك تلبيسًا عليه، وإيهامًا في الخطاب، وإبهامًا له أنه مأمور بذبح ولده مع أنه في نفس الأمر ليس كذلك، وهو قبيح أعني الإبهام والتلبيس؛ لأنه يشترط لصحة التكليف أن يعرف المكلف ما كلف به، وحينئذ يكون أمره بالاقتصار على مقدمات الذبح من حيث لا يعلم تكليفًا غير صحيح.

стр. 1494

٣ - أنَّ حمل الأمر على العزم على خلاف قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، فصرح هنا بالذبح، ومعروف أنَّ العزم لا يسمى ذبحًا، فهذا فيه حمل شيء على غير محمله. الجواب الثالث: قولهم: قوله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥]، معناه: قد فعلت ما أمرت به. يجاب عنه: أولًا: لا نسلم أنَّ هذا معناه، بل معناه: قد عزمت على فعل ما أمرت به صادقًا. فكان جزاؤك أن خففنا عنك كلفته بنسخه، هذا هو كلام المفسرين، وهو المفهوم المتبادر من سياق الآية. ثانيًا: هذا الاستدلال بالآية على ما زعم المعترض غير صحيح؛ وذلك لأنَّ المراد بالتصديق هنا هو التصديق بالقلب، لأنَّ حقيقة التصديق يكون في القلب دون تحقيق الفعل، فكأنَّ الله تعالى قال: إنك يا إبراهيم لما صدقت، وآمنت واعتقدت وجوبه، وعزمت على فعله، وعملت مقدماته عمل مصدق؛ جزيناك كما نجزي المحسنين، فنسخنا عنك فعل الذبح وتحقيقه بذبح كبش، فالتصديق يختلف عن التحقيق والامتثال والعمل وإيقاع ما أمر به. الجواب الرابع: قولهم: قول الذبيح: افعل ما تؤمر. لفظ مستقبل

стр. 1495

يدل على أنه ما أمر بذبحه، بل سيؤمر به في المستقبل. جوابه من وجهين: أولًا: لا نسلم أنَّ المراد به في المستقبل، بل معنى قوله: ما تؤمر. افعل ما أمرت به وضعًا للمضارع موضع الماضي، وهو كثير في اللغة. فإن قيل: هذا خلاف الظاهر من اللفظ. قلنا: يلزمكم مثله في قوله: إني أرى في المنام أني أذبحك. فإنَّ ظاهره أنه رأى أنه أمر بذبحه وعلى قولكم، يكون تقديره: إني أرى في المنام أني سأؤمر بذبحك. وهو خلاف الظاهر، ويحتاج إلى إضمار، وما ذكرناه نحن من وضع المضارع موضع الماضي سهل. ثانيًا: أنَّ معنى قوله: افعل ما تؤمر. أي: ما تؤمر به في الحال، استصحابًا لحال الأمر الماضي. وبيان ذلك: أنَّ كل مأمور بفعل، فالأمر به متوجه إليه ما لم يفعله استصحابًا لحال الأمر في آخر الوقت، فإبراهيم ﵇ لما أمر في الليل بذبح ولده، ثم أصبح فأخبر ولده بذلك، فهو في حال إخبار ولده مأمور بما أمر به في الليل بذبح ولده؛ لأنَّ الأمر لم يسقط عنه بعد، فأمره بالذبح في الماضي مستصحب إلى حال إخبار ولده. وقوله: افعل ما تؤمر. أي: ما أنت مأمور به في الحال، بناء على

стр. 1496

استصحاب الأمر الماضي، والفعل المضارع يصلح للحال والاستقبال، وهو في الحال أظهر. وإذا حملنا قوله: افعل ما تؤمر. على الحال عملًا بظاهر لفظه، وبما ذكرناه من دليلنا فلا استقبال فيه، وحينئذ يبطل قولكم: إنه أخبر أنه سيؤمر بذبحه في المستقبل. ثم إنه لو كان مراد الشارع أنه سيأمر إبراهيم ﵇ في المستقبل؛ لوجد ذلك الأمر قطعًا، لئلا يكون خلفًا وكذبًا في الكلام، والله منزه عن ذلك، فلما لم يوجد الأمر في المستقبل عرفنا أنَّ المراد بقوله: ما تؤمر. ما أمر به في الماضي، ودل على بطلان ما تأولوه. الجواب الخامس: قولهم: لم ينسخ عنه الذبح بل قلب عنقه نحاسًا. يجاب عنه: أولًا: أنَّ ذلك لو حصل ووقع لنقل إلينا نقلًا متواترًا ولاشتهر، والتواتر باطل؛ لأنه لو تواتر لما اختصصتم بعلمه دوننا مع أنَّ الشرع واحد، والأسباب مشتركة بيننا وبينكم، ولو صح دعوى ذلك لكان كل من مُنع شيئًا أو نوزع فيه قال لخصمه: هذا تواتر عندي دونك. ويلزم من ذلك خبط عظيم.

стр. 1497

ثانيًا: سلمنا أنَّ عنقه قلب نحاسًا لكنه نسخ أيضًا؛ وذلك لأنَّ النسخ إما رفع الحكم، أو بيان انتهاء مدة الحكم، وكلاهما موجود في سقوط الذبح لتعذره بقلب العنق نحاسًا، أما الأول فلأنه كان مأمورًا بالذبح قبل قلب العنق نحاسًا، وبعده لم يكن مأمورًا به، وهذا حقيقة رفع الحكم الثابت. فإن قيل: النسخ هو رفع الحكم بخطاب، وارتفاع وجوب الذبح هنا إنما هو بالتعذر لا بالخطاب. قلنا: لكن هو مستند إلى الخطاب، وهو أدلة الشرع العامة على عدم وقوع التكليف بالمحال، والذبح بعد قلب العنق نحاسًا صار من المحال. وأما الثاني: فلأنَّ بانقلاب العنق نحاسًا انتهت مدة الأمر بالذبح لتعذره، فقد بان أنَّ قلب العنق نحاسًا نسخ، لوجوب الذبح على كلا التعريفين للنسخ. وأما قولهم: سلمنا أنَّ إبراهيم كان قد أمر بذبح ابنه حقيقة، ونسلم أنه وقع منه الذبح، وحصل، ولكن كلما قطع جزءً من رقبة ابنه عاد ملتحمًا حتى التأم الجرح كأن لم يكن، ويدل على ذلك قوله: قد صدقت الرؤيا. يعني صدقت الرؤيا، فامتثلت ما أمرت به، ولو لم يذبح لما كان مصدقًا للرؤيا، فلا نسخ قبل التمكن من الفعل.

стр. 1498

يجاب عنه: أولًا: أنه لو صح لاستغنى عن الفداء؛ لأنه قد أتى بالمأمور، فالفداء بعده جمع بين البدل والمبدل. ثانيًا: أنه لو كان إبراهيم ﵇ كلما قطع جزءًا التحم -كما زعمتم- لنقل إلينا نقلًا متواترًا؛ لأنه لا يمكن ترك نقله لكونه من المعجزات والآيات الباهرة التي لا يمكن تركها، لكن ذلك لم ينقل متواترًا ولا آحادًا. والاستدلال بقوله: قد صدقت الرؤيا. على ما زعم غير صحيح؛ لأنَّ المراد بالتصديق هنا التصديق بالقلب، لأنَّ حقيقة التصديق يكون في القلب دون تحقيق الفعل، فالتصديق يختلف عن التحقيق، والامتثال، والعمل، وإيقاع ما أمر به، وقد مر الكلام على هذا. ثالثًا: أنَّ قول المعترض هذا يخالف قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٥]، فهنا نودي إبراهيم، فلو كان قد ذبح والتحم محل الذبح كما زعم المعترض لقال: فلما أنفذ الأمر. أو قال: فلما ذبح. ونحو ذلك من العبارات التي تدل على أنه امتثل الأمر، ولكن الله لم يأت بشيء من ذلك، بل أتى بتلك الآية مما يدل على أنه نسخ قبل الفعل.

стр. 1499

الدليل الثالث: من الأدلة على جواز نسخ الشيء قبل التمكن من الامتثال. قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. وجه الدلالة: أنَّ الله تعالى أخبر أنه إذا شاء نسخ من كتابه ما أحب، وظاهر هذا: جواز النسخ في عموم الأحوال سواء بعد التمكن من الفعل أو قبل التمكن. الدليل الرابع: ومما استشهد به البعض على جواز النسخ قبل التمكن من الفعل نسخ ما فرض الله على نبيه ﷺ في ليلة المعراج خمسين صلاة، ثم نسخها إلى خمس، ولم يفعل النبي ﷺ ولا أمته شيئًا منها. المذهب الثاني: لا يجوز نسخ الشيء قبل التمكن من فعله، وامتثاله، وهو مذهب المعتزلة، واختاره أبو بكر الصيرفي، وهو مذهب بعض الحنفية كالكرخي، والجصاص واختيار أبي الحسن التميمي من الحنابلة. أدلتهم: الدليل الأول: إنَّ الأمر بالشيء يدل على حسنه، وكونه مصلحة، والنهي عنه يدل على قبحه وكونه مفسدة، فإذا أمر بالحج في رمضان

стр. 1500

مثلًا دل ذلك على حسن الحج، وكونه مصلحة للعباد، فإذا نهي عن إيقاع الحج، وقال في أول شهر ذي الحجة: لا تحجوا. دل ذلك على قبح الحج وكونه مفسدة، والفعل الواحد في حالة واحدة لا يكون مصلحة مفسدة بالإضافة إلى شخص واحد، فنتج أنَّ نسخ الشيء قبل التمكن من فعله يفضي إلى أن يكون الشيء الواحد على وجه واحد مأمورًا به، ومنهيًّا عنه، حسنًا وقبحًا، مصلحة ومفسدة، وهذا هو التناقض. ويجاب عنه: ١ - بأنه لا يمتنع أن يكون الأمر بالفعل يدل على حسنه بشرط ألا ينهى عنه، والنهي عنه يدل على قبحه بشرط ألا يؤمر به، فيجوز أن يجعل بقاء حكمه واستمراره شرطًا في الأمر، فيقول الشارع: افعل ما أمرناك به إن لم يأت نهي يزيل أمرنا عنك. ٢ - أنا لا نسلم أنه منهي عنه على الوجه الذي هو مأمور به بل على وجهين، كما ينهى عن الصلاة مع الحدث، ويؤمر بها مع الطهارة، وينهى عن السجود للصنم، ويؤمر بالسجود لله لاختلاف الوجهين. الدليل الثاني: لو جاز أن يرد الأمر بشيء في وقت، ثم يرد النهي عن فعله في ذلك الوقت للزم من ذلك أن يكون الشخص الواحد بالفعل الواحد في الوقت الواحد مأمورا منهيًّا؛ وذلك محال على الله تعالى،

стр. 1501

لأنه أمر بالشيء ونهى عنه في وقت واحد. ويجاب عنه: ١ - بأنَّ ذلك يكون محالًا إذا كان الغرض من الأمر هو حصول الفعل، أما إذا كان الغرض والمقصود هو ابتلاء المأمور وامتحانه فيجوز، ولا مانع من ذلك، فإنَّ السيد قد يقول لعبده: اذهب غدًا إلى موضع كذا راجلًا حافيًا. وهو لا يريد الفعل، بل يريد امتحانه ورياضته مع علمه بأنه سيرفع عنه ذلك غدًا قبل فعله. ٢ - قد لا يصح ذلك إن كانت عاقبة أمره معلومة للمأمور، أما إذا كان مجهولًا عند المأمور معلومًا عند الآمر لامتحانه بالعزم، والاشتغال بالاستعداد المانع له من أنواع اللهو والفساد حتى يتعرض بالعزم للثواب، وبالترك للعقاب، وربما يكون فيه لطف واستصلاح (١).

стр. 1502

* المسألة الثالثة عشر: أقسام النسخ: • أولًا: باعتبار النص المنسوخ: ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: ما نسخ حكمه، وبقي لفظه: وهذا هو الكثير فى القرآن، مثاله آيتا المصابرة، وهما قوله تعالى ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، ثم نسخ حكمها بقوله تعالى ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] نسخ الحكم وبقى اللفظ. فإن قيل: الأصل هو الحكم فلو نسخ الحكم فما فائدة بقاء اللفظ؟ بقاء اللفظ له حكَم كثيرة منها: التلاوة، والتعبد بها بغية الثواب، وتذكير الأمة بحكمة النسخ، وغير ذلك. الثانى: ما نسخ لفظه، وبقي حكمه: وذلك كآية الرجم، فقد ثبت فى الصحيحين من حديث ابن عباس أنَّ عمر بن الخطاب قال " كان فى ما أنزل الله آية الرجم فقرأناها، وعقلناها، ورجم رسول الله، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم فى كتاب الله، فيضل بترك فريضة أنزلها الله، وأنَّ الرجم فى كتاب الله حق على من زنا إذا أحصن من

стр. 1503

الرجال والنساء، وقامت البينة، وكان الحبل أو الاعتراف" (١). وحكمة نسخ اللفظ دون الحكم اختبار الأمة فى العمل بما لا يجدون لفظه فى القرآن، وتحقيق إيمانهم بما أنزل الله، على عكس حال اليهود الذان حاولوا كتم نص الرجم فى التوراة، عن عبد الله بن عمر ﵄، أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم». فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، قال عبد الله: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة " (٢). الثالث: ما نسخ حكمه ولفظه: وذلك كنسخ العشر رضعات الوارد فى حديث عائشة «كان في ما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس

стр. 1504

معلومات» (١). أقسام النسخ باعتبار الناسخ: (ينقسم إلى أربعة أقسام): ١ - نسخ القرآن بالقرآن. ٢ - نسخ القرآن بالسنة. ٣ - نسخ السنة بالسنة. ٤ - نسخ السنة بالقرآن. • أولًا: نسخ القرآن بالقرآن: مثاله آيتا المصابرة وهى ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ نسخت بقوله ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. • ثانيًا: نسخ القرآن بالسنة: اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: جواز نسخ القرآن بالسنة عقلًا وشرعًا. وهو مذهب الحنفية، والمالكية، وعامة المتكلمين، ورواية عن أحمد، واختيار بعض الشافعية كالغزالي، وهو اختيار شيخ الإسلام

стр. 1505

ابن تيمية. أدلتهم: الدليل الأول (١): أنَّ نسخ القرآن بالسنة لا يستحيل عقلًا؛ لأنَّ الناسخ في الحقيقة هو الله على لسان رسوله ﷺ بوحي غير نظم القرآن، فكلام الله واحد هو الناسخ باعتبار، والمنسوخ باعتبار، وليس له كلامان: أحدهما قرآن، والآخر ليس بقرآن، وإنما الاختلاف في العبارات، فربما دل كلامه بلفظ منظوم يأمرنا بتلاوته فيسمى قرآناً، وربما دل بغير لفظ متلو فيسمى سنة، والكل مسموع من الرسول ﷺ ، والناسخ هو الله تعالى في كل حال، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، وقال النبي ﷺ : «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» (٢). قال الشوكاني: ولا يخفاك أنَّ السنة شرع من الله ، كما أنَّ الكتاب شرع منه سبحانه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وأمر سبحانه باتباع رسوله ﷺ في غير موضع

стр. 1506

في القرآن، فهذا بمجرده يدل على أنَّ السنة الثابتة عنه ثبوتًا على حد ثبوت الكتاب العزيز حكمها حكم القرآن في النسخ وغيره، وليس في العقل ما يمنع من ذلك ولا في الشرع (١). واعترض: بأنه لا ننكر هذا، لكن الحكم المضاف إلى الله تعالى في حق الظاهر والإطلاق هو ما أوجبه الله في كتابه، وافترضه نصًّا فيه، وأما الذي ثبت بالسنة، فهو وإن كان صدره عمن لا ينطق عن الهوى، لكن على إطلاقه يضاف إلى الرسول وإلى سنته، وهذا كما أنَّ الوحي يختلف، فمنه ما يكون رؤيا، ومنه ما يكون إلهامًا ونفثًا في الروع، ووحي الكتاب مخالف لكل هذا؛ إذ هو الأعلى والمقدم على سائر أنواعه، كذلك ههنا يكون الحكم الثابت بالكتاب ثابتًا على وجوه ما يثبت به (٢). الدليل الثاني: أنه لو لم يجز نسخ القرآن بالسنة، لكان إما ألا يجوز في القدرة أو في الحكمة. والأول لا يجوز؛ لأنه معلوم أنَّ النبي ﷺ كان يقدر على أنواع الكلام، ولو أتى بكلام موضوع لرفع الحكم من أحكام الكتاب، صح ذلك ودل على ما هو موضوع له.

стр. 1507

والثاني لا يجوز أيضًا؛ لأنه لو امتنع في الحكمة لكان وجه امتناعه أن يكون منفرًا عن النبي، وموهمًا أنه ﵊ يأتي بالأحكام من قبل نفسه، وهذا لو نفر عنه لنفر عنه من حيث إنه أزال حكمًا شرعيًّا، وأوهم أنه أوحى إليه بإزالته، وهذا قائم في نسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السنة بالسنة. الدليل الثالث: أنَّ النسخ بيان انتهاء مدة الحكم، وكتاب الله حجة، وسنة النبي ﵊ حجة، وكما يجوز أن يبين بالكتاب مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب، فكذلك يجوز أيضًا أن يتولى النبي ﷺ بيان مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب. فإن قال قائل: إنَّ هذا يوهم الاختلاف، فهذا غلط؛ لأنَّه إن كان هذا يوهم الاختلاف، فنسخ القرآن بالقرآن يوهم الاختلاف، بل هذا يدل على قرب المنزلة حيث جوَّز له نسخ ما ثبت بالكتاب بلسانه من غير إضافة إلى الله ، وهذا القرب وهذه المنزلة غير مستنكر ولا مستبعد، والذي يوضح هذا: أنه جائز نسخ التلاوة دون الحكم بغير كتاب، ونسخ التلاوة بمحو الحفظ من القلوب، إما رفعًا، وإما بانقراض الذين علموه من غير خلف، وإذا جاز بهذا الطريق جاز بلسان رسول الله بوحي الله تعالى إليه، فإنهما سواء في أنَّ النسخ كان بغير كتاب.

стр. 1508

الدليل الرابع: أنَّ النسخ إسقاط الحكم في بعض الأزمان التي يتناولها على العموم فأشبه التخصيص، فإنه إسقاط الحكم في بعض الأشخاص الذين يتناولهم العموم، ثم تخصيص الكتاب يجوز بالسنة، فكذا النسخ (١). الدليل الخامس: الوقوع، فقد وقع في الشريعة نسخ القرآن بالسنة، والوقوع دليل الجواز، ومن ذلك: أنه كان الواجب على الزانية الحبس في البيوت بقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، ثم قد وقع نسخ ذلك بخبر الرجم بقوله ﷺ : «قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام … » (٢). ومنه الوصية للوالدين والأقربين الثابتة بالقرآن بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، ثم قد نسخ ذلك بالسنة بقول النبي ﵊: «لا وصية لوارث» (٣).

стр. 1509

واعترض: أولا: بأنَّ القول بالوقوع يستدعي دليلًا، والأصل عدمه، وما ذكرتموه من الصورتين المذكورتين لا حجة فيهما على الوقوع، بل النص فيهما بيان لا نسخ، فآية الوصية نسخت بآية الميراث، وبيان مهام الوالدين والأقربين، وأكد النبي ﷺ نسخها ببيانه، والإيضاح عنه ولهذا يقول النبي ﷺ : «إنَّ الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» (١)، فكان هذا بيانًا وإخبارًا عن زوال وجوب الوصية للوارث لا نسخًا (٢). ثانيًا: أنَّ الفاء في قوله ﵊: «فلا وصية لوارث» تدل على تقدم السبب كقولك: قمت إلى فلان فضربته. دل أنَّ القيام سبب لضربه، فيكون على هذا الخبر الوارد مبينًا للكتاب الذي وقع به النسخ لا نسخًا له، ونحن لا ننكر البيان بالسنة ولا نأباه (٣). وأجيب: بأنه يمكن الجمع بين هذا الحديث، وآية المواريث التي هى قوله تعالي: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾

стр. 1510

[النساء: ١١]؛ حيث إنَّ الميراث لا يمنع من الوصية للأجانب (١). أما الآية الأخرى فقد اعترض عليها أيضًا، وهى آية الإمساك فى البيوت، والقول بأنَّ النسخ وقع بخبر الرجم بقوله: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب الرجم» (٢). فالسبيل مذكور فيها، والأمر فيها مغيا إلى حين جعل السبيل، فلما جاء وقته بينه النبي ﷺ ؛ ولهذا قال: «قد جعل الله لهن سبيلًا»، فأضاف جعل السبيل إلى الله تعالى لا إلى نفسه، ولو سلمنا أنَّ إمساكهن في البيوت منسوخ؛ لكان إضافة نسخه إلى قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، ولآية الرجم التي نسخ لفظها دون حكمها أولى (٣). ثانيًا: أنَّ حكم الرجم مبني على قوله تعالي: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:
следующие страницы →