٢ - الباء ومعانيها (١).
الباء لها معان، منها:
١ - الإلصاق: كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
٢ - التبعيض: وهي عند البعض كالآية السابقة.
٣ - المجاوزة: يقول: مررت بالوادى. أي جاوزته.
٤ - الاستعانة.
٥ - التبرك.
٦ - المصاحبة.
مثل: بسم الله الرحمن الرحيم. فقد يراد بها الاستعانة، أو التبرك، أو المصاحبة، وغير ذلك من المعاني.
٣ - على ومعانيها (٢).
وهو حرف جر أصلي، والمعنى الأصلي له الاستعلاء قال تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢].
стр. 180
على لها معان، منها:
١ - الوجوب: كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧].
٢ - الظرفية: مثل قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، والمعنى في ملك سليمان.
٣ - التعليل: نحو قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٤ - التفويض: نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
٥ - المصاحبة: نحو قوله تعالى ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] بمعنى مع حبه.
٤ - من: ومن معانيها (١).
١ - تكون لابتداء الغاية في المكان والزمان، نحو قولك: خرجت من البيت، خرج من الصباح.
стр. 181
٢ - التبعيض: مثل: أكلت من الخبز.
٣ - البدل: نحو قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨].
٤ - التعليل: نحو قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ [البقرة: ١٩].
٥ - لبيان الجنس: نحو قولك: خاتم من فضة.
٥ - إلى: ومعانيها (١):
١ - تكون لانتهاء الغاية (٢): كقولك: سرت إلى مكة.
٢ - تأتي بمعنى مع، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢].
стр. 182
٦ - في: ومعانيها (١).
١ - تأتي للظرفية سواء للزمان أو المكان كقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠].
٢ - تأتي للاستعلاء بمعنى على، كقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١].
٣ - تأتي للمصاحبة بمعنى على كقوله تعالى ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: ٣٨].
٧ - رُبَّ، ومعانيها (٢).
تأتي للتقليل، ولا تدخل إلا على النكرة، مثل: رب رجل عالم.
٨ - حروف تفيد الشرط (٣).
وهي: إن، لو.
كأن تقول: إن جاءك محمد فأكرمه، لو جئتني لأكرمتك.
стр. 183
٩ - من معاني لو (١).
١ - حرف امتناع لامتناع، كقولك: لو جئتني لأكرمتك. فامتنع الإكرام لامتناع المجيء.
٢ - تأتي للتمني، كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة: ١٦٧].
٣ - تأتي للعرض، كقولك: لو تنزل عندنا فتصيب خيرًا.
٤ - تأتي للتقليل، نحو: «اتقوا النار ولو بشق تمرة».
١٠ - حروف تفيد الاستثناء (٢): مثل (إلا)، (حاشا- عدا- خلا) أحيانًا.
١١ - حروف تفيد النفي (٣): وهي (ما- لا- لم- لن- لما).
١٢ - قد ومعانيها:
١ - تدخل على الفعل الماضي، فيكون لها معنيان:
أ- تفيد التحقيق، مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١].
стр. 184
ب- تفيد التقريب مثل: قد قامت الصلاة. والمعنى اقتربت من القيام.
٢ - تدخل على الفعل المضارع فتفيد:
أ- التقليل، مثل: قد ينجح الكسول، قد يغلب الضعيف.
ب- التكثير، مثل: قد ينجح المجتهد، قد يغلب القوي.
ج- التحقيق، كقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨].
١٤ - حروف الاستقبال: وهي (سوف، والسين):
فالسين تكون للمستقبل القريب، كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢].
وسوف تكون للمستقبل البعيد، كقوله تعالى: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] (١).
стр. 185
• مسألة: اختلاف معاني الكلمات باختلاف حال الحرف (١):
من بديع اللغة العربية وجمالها، وحسن تناسقها، وقوة ترابطها أن قوة الحرف وضعفه في صفاته يؤثر على معناه، ويكون هناك توافق بين قوة الحروف وقوة المعنى الدال عليه اللفظ، وضعف صفات الحرف وضعف معناه، وكذلك مما يدل على قوة ذلك الارتباط اختلاف المعاني باختلاف الحركات على الحروف، بل ويختلف المعنى ويتداخل باختلاف إنابة الحروف بعضها مكان بعض، وغير ذلك مما يدل على سعة هذه اللغة وجمالها وحسن تناسقها.
• أولًا: أثر قوة الحرف وضعفه في معنى الحرف:
مثال لذلك:
قال الله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: ٢٥].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣].
فلفظتا: "الهزُّ"، و"الأزُّ" بينهما فارق، فإحداهما تبدأ ب "الهاء"، والثانية تبدأ ب"الهمزة"، والهاء حرف رخو، والهمزة حرف شدة،
стр. 186
وعليه لابد وأن تكون معنى "أز" أقوى في المعنى من "هز".
وبرهان هذا:
أولًا: معنى "تؤزهم" أي تهيجهم على المعاصي، "أزًّا" أى تهييجًا شديدًا، وعليه فالأزُّ قول يسوق إلى فعل، وهو المعاصي.
ثانيًا: معنى "هُزِّي" أي حركى أصل النخلة تحريكًا عنيفًا إلى جهتك، وعليه "فالهز" فعل يسوق الى فعل، تساقط أى تسقط النخلة عليك رطبًا بحسب الهز.
ثالثا: وحيث إن القول أقوى من الفعل تبين أن "الأز" أقوى من "الهز".
مثال آخر:
لفظتا "السبيل"، و"الطريق":
أولًا: ينبغي أن يعرف أن تعريف إحداهما بالأخرى من باب التقريب لا التحقيق.
ثانيًا: السر فى ذلك أن حرف السين غير حرف الطاء، فحرف السين مهموس بمعنى: أن الهواء يجري به، وهو حرف رخو أي أن الصوت يمتد، وهذا يعني أن الصوت مستمر، وهذا يدل على عدم الانقطاع، إذًا فالسبيل فيه سهولة وخيرية لا تنقطع؛ لذلك يقال سبل السلام.
стр. 187
ولكن حرف الطاء حرف قوي، وعليه فالطريق فيه شدة وعسر، ولا يأتى في سياق الخير إلا بوصف أو إضافة غالبًا، ومع الخيرية لا تتخلف عنه الشدة؛ لذلك يقال الطريق المستقيم، وهذا يتناسب مع الصراط المستقيم لما في الصاد والطاء من الشدة لذلك على جانبيه أهوال تريد أن تختطف المار.
مثال آخر:
لفظتا "سكب"، و"صبَّ":
فهناك فارق في القوة بين حرف السين والصاد:
فحرف السين سبق بيانه، وحرف الصاد حرف قوي.
وعليه فالصب أقوى من السكب.
فالصب يعنى اندفاع الماء بقوة لذلك قال تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٥ - ٢٦].
ومن لوازمه أن صب الماء يكون من أعلى إلى أسفل كما في الآية السابقة.
ولكن السكب هو جريان الماء على الأرض لذلك يقول تعالى: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة: ٣١] أى جار على وجه الأرض من غير
стр. 188
حفر.
مثال آخر:
لفظتا "لا"، و "لن":
"لا" حرف نفى، و"لن" حرف نفي فما الفارق بينهما؟
"لا" ختمت بالألف وهذا يدل على طول النفي ودوامه، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، فهنا نفى فعل الإدراك ب "لا"، فإنه سبحانه لا يُدرَك أبدًا.
تنبيه: الآية هنا تنفي الإدراك وهو الإحاطة، ولا تنفي الرؤية.
أما "لن" ختمت بالنون الساكنة، وهذا لا يدل على طول النفي، ولا على دوامه، فالنفي ب"لن" يكون لما هو ممكن الحدوث عند المخاطب، ولهذا شواهد كثيرة.
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة: ٢٢].
فقولهم: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾ [المائدة: ٢٤] هنا نفى دخولهم ب" لن" إذ من الممكن أن يدخلوا والذي يدلك على ذلك أمران:
الأول: قال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ
стр. 189
عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣].
الثاني: قال تعالى بعدها: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ﴾ [المائدة: ٢٤]، وحتى مع إضافة أبدا إلى السياق، فهي لا تفيد التأبيد المطلق، بل تفيد التأبيد المؤقت.
وتأمل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٥].
فهنا نفى التمني ب "لن"، وب "أبدًا"، وهذا مؤقت بحال الدنيا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].
إذًا يتبين مما سبق أن قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] لا علاقة لها بالآخرة بأي وجه من الوجوه، ولو فرض أن الآية " لن تراني أبدًا " لكان المراد حال الدنيا لا الآخرة، وبهذا يبطل كلام الزمخشري بأن "لن" تفيد التأبيد.
стр. 190
• ثانيًا: اختلاف الحركات يؤدي إلى اختلاف المعنى:
مثال: لفظتا "كُره"، و "كَره":
لفظ "كُره" بضم الكاف هو الشيء الذي في نفسه مكروه، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
أما لفظ: "كَره" بفتح الكاف هو كراهة الشيء، قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣].
فإسلام الوجه لله ليس مكروهًا في نفسه، لذلك لم يقل كُرهًا، إنما الكاره هو العبد لذلك قال "كَرهًا".
وكذلك اختلاف الحركات (الفتحة، الكسرة، الضمة) له أثر في اختلاف المعنى، فحركة الحرف متى تغيرت أحدثت تغيرًا في المعني.
مثال: الفعل عَزَّ، ومضارعه: يعَزُّ، يعِزُّ، يعُزُّ.
فالأول: بمعنى: اشتد، وقوي، وصلب.
والثاني: بمعنى امتنع، والامتناع أشد من الصلابة.
والثالث: بمعنى غلب، والغلبة أشد من الامتناع.
стр. 191
• ثالثًا: إنابة الحروف بعضها عن بعض يؤدي إلى تداخل المعاني:
كثيرًا في الآيات ما تأتي الحروف - أقصد حروف المعاني، وهي من جملة حروف الجر - مكان غيرها من الحروف في المعنى.
فمثلا قال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، فهنا جاءت "في" مكان "على " في المعنى، فبعض أهل العلم يقولون هنا أن "في" بمعنى "على"، وأن "في" جاءت بدل "على" فيأخذ البدل معنى المبدل منه.
وهذا الكلام فيه نظر، وهو غير دقيق لأمور:
أولًا: لأنهم جعلوا اختلاف المباني لا أثر له في اختلاف المعاني، وهذا قطعا لا وجود له في لغة العرب، سواء في باب الأسماء أو الأفعال أو الحروف، بل حركة الحرف متى تغيرت أحدثت تغيرا في المعنى فكيف إذا تغير الحرف كلية.
ثانيًا: أن القول أن معنى "في" بمعنى "على" نقض لإجماع الأمة بوجوب العمل بظواهر الألفاظ، ولا عدول عن ذلك إلا بمسوغ، وهو غير موجود.
ثالثًا: أن هذا يفسد المعنى حيث يتم إلغاؤه، بمعنى أن من قال "في" بمعنى "على" فقد ألغى معنى "في" وهي مرادة.
стр. 192
والصواب في ذلك: أنه ينبغي اعتبار الحرفين من جهة المعنى، فيكون المراد مجموع المعنيين بمعنى إضافة معنى لآخر.
وبهذا يتم الحفاظ على المعنى المستور للحرف المحذوف، والمعنى الملحوظ للحرف المنطوق.
وبهذا يتبين أن إطلاق لفظ البدل على الحرف المنطوق لا يصح بحال؛ لأن فيه إهمالًا لمعنى الحرف المنطوق.
مثال:
قال تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]، جاءت "من" هنا التى تفيد الابتداء مكان "الباء" التى تفيد التعليل.
فالنص هنا تضمن معنيين:
معنى "الباء" وهو أن الذنوب سبب الإغراق، ومعنى "من" وهو أنهم أخذوا بكل ذنب اقترفوه سواء كان صغيرًا أو كبيرًا لأن مبدأ الذنوب الصغائر، ثم الكبائر، ثم الكفر.
مثال آخر:
قال تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤].
стр. 193
أتى ب "من" التى تفيد ابتداء الغاية مكان "عن" التى تفيد المجاوزة.
فالنص هنا تضمن معنيين:
معنى "عن" وهو أن الإطعام كان كافيًا فجاوز الجوع، والأمن كان تامًّا فجاوز الخوف.
ومعنى "من" وهو أن الإطعام حصل بمجرد الجوع - أي في ابتدائه-، والأمن حدث في ابتداء الخوف، وفى هذا الابتداء مظهر من مظاهر الرحمة، وغير ذلك.
стр. 194
الجزء الثاني: الأحكام الشرعية
ويشتمل على أربعة فصول:
• الفصل الأول: تعريف الأحكام الشرعية.
• الفصل الثاني: الحاكم.
• الفصل الثالث: الأحكام التكليفية.
• الفصل الرابع: الأحكام الوضعية.
стр. 195
الفصل الأول
تعريف الأحكام الشرعية
تعريف الحكم:
الحكم لغة: القضاء أو المنع.
فالحكم بمعنى القضاء، مثل قول النبي ﷺ لسعد ﵁: «لقد حكمت فيهم بحكم الله» (١)، وحكمت بين الناس: أي قضيت بينهم وفصلت.
ويأتي الحكم بمعنى المنع، ومنه الحَكَمة؛ لأنها تمنع صاحبها عن أخلاق الأراذل والفساد، ومنه حكمة اللجام وسميت حكمة؛ لأنها تمنع الفرس من الجري (٢).
ومنه قول جرير لبنى حنيفة:
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم … إني أخاف عليكم أن أغضبا
стр. 196
أبني حنيفة إنني إن أهجكم … أدع اليمامة لا تواري أرنبا (١)
فأحكموا سفهاءكم: بمعنى امنعوا سفهاءكم.
أما الحكم في الاصطلاح العام: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه (٢).
وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام (٣):
الأول: حكم عقلي: وهو ما يعرف فيه العقل النسبة إيجابًا أو سلبًا، نحو: الكل أكبر من الجزء إيجابًا، والجزء ليس أكبر من الكل سلبًا.
الثاني: حكم عادي: وهو ما عرفت فيه النسبة بالعادة، مثل: كون حرارة الجسم دليلًا على المرض، وتعاطي الدواء مزيلًا لها.
الثالث: حكم شرعي، وهو المقصود هنا: وهو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا (٤).
فائدة: الألفاظ المستعملة في الحدود تعتبر فيها الحيثية، وإن لم يصرح بها (٥).
стр. 197
* شرح التعريف:
خطاب الشارع: هو خطاب الله تعالى المباشر كالوحي بالقرآن والسنة، أو المبني على خطابه المباشر كالإجماع والقياس (١).
المتعلق: أي المرتبط، والمراد به: الذي من شأنه أن يتعلق، من باب تسمية الشيء بما يؤول إليه.
والمقصود: أنه يشترط في خطاب الله تعالى أن يكون مرتبطًا بفعل من أفعال المكلف على وجه يبين صفة الفعل من كونه مطلوبًا فعله كالصلاة، والزكاة، ووجوب الغرامات على المتلف، ونحو ذلك، أو كونه مطلوبًا تركه كالزنا والسرقة ونحو ذلك، وأشير بالتعلق إلى أن حاصل الحكم مجرد التعلق من غير أن يكون له تأثيرٌ في ذات الحاكم أو المحكوم عليه أو فيه (٢).
بأفعال: الفعل لغة: ما يقابل القول والاعتقاد والنية، ولكنه في العرف يطلق على كل ما صدر عن المكلف، وتتعلق به قدرته من قول، أو فعل، أو نية، أو الفعل الذى بمعنى الترك، فالترك فعل، قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا
стр. 198
يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة: ٦٣]، وما صنعوه هو عدم النهى عن قول الإثم وأكل السحت، فترك النهي سماه الله تعالى صنعًا وعملًا فقال سبحانه: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾، وهو المراد هنا.
بأفعال المكلفين: أخرج الأحكام العقائدية؛ لأن المعرف إنما هو الحكم الشرعي العملي، وليس المعرف مطلق الحكم الشرعي، وأخرج الخطابات الواردة من الله التي لا تتعلق بفعل المكلف، وهي:
١ - الخطاب المتعلق بذاته سبحانه، كقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨].
٢ - الخطاب المتعلق بصفته سبحانه، كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
٣ - الخطاب المتعلق بفعله سبحانه، كقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦].
٤ - الخطاب المتعلق بالجمادات، كقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف: ٤٧].
٥ - الخطاب المتعلق بالحيوانات، كقوله: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠].
стр. 199
٦ - الخطاب المتعلق بذات المكلفين، كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١].
فهذه خطابات، ولكنها لا تتعلق بفعل المكلف (١).
٧ - الخطاب المتعلق بفعل المكلف لا من حيث إنه مكلف به، كقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار: ١٢]، فإنه خطاب من الله متعلق بفعل المكلف من حيث إن الحفظة يعلمونه لا من حيث إنه مكلف به (٢).
المكلفين: جمع مكلف، وهو الإنسان البالغ العاقل الذي بلغته الدعوة، وإن طرأ عليه عارض بنفي كالإكراه والنسيان، ولفظ المكلفين جمع، والمراد منه المفرد، وهو من إطلاق العام وإرادة الخاص أي المكلف الواحد، ويكثر استعماله في اللغة، مثل قولهم: فلان يركب الخيل، ويلبس البرود، ويخدمه العبيد، أي جنس الخيل والبرود والعبيد، مع أنه يركب فرسًا واحدًا، ويلبس بردًا واحدًا، وقد يخدمه عبد واحد، ويؤكد ذلك القاعدة الأصولية القائلة: مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادًا. مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ
стр. 200
أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
ويدخل في التعريف الأحكام الخاصة بمكلف واحد، مثل خصوصيات الرسول ﷺ ، وخصوصية أحد الصحابة كخزيمة وأبي بردة (١).
اقتضاءً: الاقتضاء هو الطلب، والطلب قسمان: طلب فعل، وطلب ترك. وكل واحد منهما ينقسم إلى قسمين: جازم، وغير جازم.
أو تخييرًا: معناه استواء الطرفين، أي: لا يوجد فيه طلب فعل، ولا طلب ترك.
وضعًا: ما جعله الشارع سببًا لشيءٍ، كدلوك الشمس لوجوب الصلاة، أو شرطًا لشيءٍ، كالوضوء لصحة الصلاة، أو مانعًا من شيءٍ، كالقتل مانعًا من الإرث، أو حكم الشارع بصحة شيءٍ أو فساده أو بطلانه.
* مسألة: الفرق بين الحكم عند الأصوليين، والحكم عند الفقهاء:
الحكم عند الأصوليين: هو الخطاب، أي خطاب الشارع. أما الحكم عند الفقهاء: فهو ما اقتضاه خطاب الشارع.
стр. 201
ففي قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، الحكم عند الفقهاء أن الصلاة واجبة، أما الحكم عند الأصوليين هو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فنفس الخطاب هو الحكم عند الأصوليين، أما المترتب على هذا الخطاب هو الحكم عند الفقهاء.
والسبب في اختلاف التعريفين: أن علماء الأصول نظروا إليه من ناحية مصدره، وهو الله تعالى، فالحكم صفة له، فقالوا: إن الحكم خطابٌ، والفقهاء نظروا إليه من ناحية متعلقه، وهو فعل المكلف، فقالوا: إن الحكم مدلول الخطاب وأثره (١).
* أنواع الحكم الشرعي:
وبناء على التعريف المتقدم؛ يتنوع الحكم الشرعي إلى نوعين: حكم تكليفي، وحكم وضعي.
• النوع الأول: الحكم التكليفي:
وهو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير.
стр. 202
فالأحكام التكليفية خمسة:
١ - الإيجاب: وهو الخطاب الدال على طلب الفعل طلبًا جازمًا، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
٢ - الندب: وهو الخطاب الدال على طلب الفعل طلبًا غير جازم، نحو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣].
فالأمر بمكاتبة العبد حتى يعتق ليست واجبة، وإنما هي مندوبة حث عليها الإسلام تحقيقًا للحرية التي أرادها الإسلام للجميع، فالمالك حر التصرف فيما يملك، فالأمر هنا على سبيل الندب.
٣ - التحريم: وهو الخطاب الدال على طلب الكف طلبًا جازمًا، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣].
٤ - الكراهة: وهي الخطاب الدال على طلب الكف عن الفعل طلبًا غير جازم، مثل قوله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين» (١). فالجلوس بدون صلاة مكروه على قول.
стр. 203
٥ - الإباحة: وهي الخطاب الدال على تخيير المكلف بين الفعل والترك (١)، نحو قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧].
وجه هذه القسمة:
أن خطاب الشرع إما أن يراد به اقتضاء الفعل، أو الترك، أو التخيير بينهما.
فالذي يرد باقتضاء الفعل أمر، فإن اقترن به إشعار بعدم العقاب على الترك فهو ندب، وإلا فيكون إيجابًا، والذي يرد باقتضاء الترك نهي، فإن أشعر بعدم العقاب على الفعل فكراهة، وإلا فحظر وإن ورد بالتخيير فهو مباحٌ (٢).
تنبيه: أقسام الحكم التكليفي عند الحنفية سبعة: الفرض، والإيجاب، والندب، والإباحة، والحرام، والكراهة التحريمية، والكراهة التنزيهية.
وسبب تفريقهم بين الفرض والإيجاب؛ أنهم يقسمون طلب الفعل على سبيل الجزم إلى قسمين:
الأول: طلب الشارع الفعل على سبيل الجزم بدليل قطعي، وهذا
стр. 204
يسمونه فرضًا.
الثاني: طلب الشارع الفعل على سبيل الجزم بدليل ظني، وهذا يسمونه الواجب.
وسبب تفريقهم بين الحرام، والكراهة التحريمية: أنهم يقسمون طلب الترك على سبيل الجزم إلى قسمين:
الأول: طلب الشارع ترك الفعل على سبيل الجزم بدليل قطعي، وهذا يسمونه حرامًا.
الثاني: طلب الشارع ترك الفعل على سبيل الجزم بدليل ظني، وهذا يسمونه كراهة تحريم (١).
الحكمة من تنوع الأحكام التكليفية:
لقد تنوعت الأحكام التكليفية لحكم كثيرة، ومنها:
الحكمة الأولى: رفع الحرج والمشقة عن المكلفين.
وبيان ذلك: أن الأحكام التكليفية وضعت لمصلحة العباد، فلو قصرت تلك التكاليف على الوجوب والتحريم فقط؛ للزم من ذلك الحرج والتضييق عليهم، فبعض العباد قد لا يستطيع امتثال جميع
стр. 205
الأوامر والنواهي، ففتح الله باب المباحات، والمندوبات، والمكروهات، تخفيفًا عليهم، وذلك لعلمه سبحانه أن العبد فيه ضعف من فعل الواجبات، وترك المحرمات.
الحكمة الثانية: الابتلاء والامتحان من الله تعالى للمكلفين.
وبيان ذلك: أن امتثال الواجبات، واجتناب المحرمات أقرب إلى النفس الضعيفة التي تخاف العقاب، دون رغبة في زيادة الثواب؛ لكن إذا قوي إيمان العبد، وعرف أن هذه الأحكام التكليفية جميعها إنما شرعت لمصلحته، وهي السبيل لسعادته في الدنيا والآخرة؛ فإنه لا يرضى أن يقف عند حدود الواجب، بل يتعداه إلى فعل المندوبات والفضائل؛ ليتقرب إلى الله تعالى بذلك، كما ورد في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» (١)، وكذلك لا يرضى هذا العبد أن يقتصر على اجتناب المحرمات، بل يتعدى ذلك فيجتنب المكروهات (٢).
стр. 206
• النوع الثاني: الحكم الوضعي:
وهو خطاب الله تعالى الذي اقتضى جعل أمر علامة لحكم تكليفي، وجعله مرتبطًا به بكونه سببًا له، مثل قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فالدلوك سبب لإيجاب الصلاة، أو شرطًا له، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، فالوضوء شرط لصحة الصلاة، أو مانعًا له كقوله ﷺ : «ليس للقاتل ميراث» (١)، فالقتل يمنع الإرث، والأبوة تمنع القصاص من الابن، أو صحة أو فسادًا، وهذا يرجع للأسباب والشروط والموانع كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
стр. 207
الفصل الثاني
الحاكم
الحاكم هو واضع الأحكام ومثبتها ومنشئها ومصدرها.
فالحاكم هو الله ﵎، الخالق البارئ المصور، المشرع للأحكام، المنشئ لها، وهو المصدر الوحيد للأحكام الشرعية لجميع المكلفين، فلا شرع في الإسلام إلا من الله تعالى، سواء أكانت الأحكام تكليفية أم وضعية، ولا حكم إلا ما حكم به، هذا باتفاق المسلمين قاطبة، لم يخالف في ذلك أحد منهم يؤمن بالله ربًّا، وبمحمد نبيًّا، وبالقرآن دستورًا، وبالإسلام دينًا.
فمصدر الأحكام كلها حقيقة هو الله ، سواء أظهر هذا الحكم بالنص الذي أوحى به إلى محمد ﷺ ، أم فيما يتوصل إليه المجتهد بالقياس والدلائل والأمارات التي شرعها الله لاستنباط أحكامه، وليست السنة والإجماع والقياس وبقية المصادر إلا مبينة وكاشفة عن حكم الله تعالى، ولا تعتبر حجة ولا دليلًا إلا لثبوت حجيتها من قبل الله تعالى، فهي سبل ومناهج لمعرفة حكم الله الواحد
стр. 208
الأحد (١).
فالله هو المشرع للأحكام، وهو الموجب لها باتفاق، ولذا وضع علماء الأصول القاعدة المشهورة "لا حكم إلا لله" (٢)، واتفقوا على تعريف الحكم -كما سبق- بأنه خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، فالحاكم هو الله تعالى الذي يصدر عنه الخطاب، وترجع إليه الأحكام.
* واستدل العلماء على ذلك بأدلة كثيرة أهمها:
قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فالآية الكريمة حصرت الحاكمية لله تعالى، واستعمل القرآن الكريم أداة الحصر لتأكيد هذا المعنى.
قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، فالآية الكريمة بينت أن الحكم الواجب على المؤمنين هو ما أنزله الله تعالى، وليس ما تميل إليه الأهواء والنفوس والعقول البشرية.
стр. 209
٣ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧]، فالآيات الثلاث نددت بالحكم بغير ما أنزل الله تعالى، واعتبرت ذلك كفرًا أو ظلمًا أو فسوقًا.
٤ - بين القرآن وجوب الرجوع إلى أحكام الله تعالى في القرآن والسنة عند التنازع وعلق الإيمان عليه، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].
٥ - نفى القرآن الكريم الإيمان عن الناس حتى يحتكموا إلى أحكام الله تعالى، ويرضوا بذلك، وتستسلم نفوسهم لها، فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
ومما سبق يتبين أن الحاكم هو الله في قرآنه، أو ما أمر به كالذي يأتي عن النبي ﷺ في سنته، أو ما يشهد له القرآن والسنة كالإجماع والقياس، وغيرها مما يطلق عليه في الأصول أدلة الأحكام، وهو ما يأتي تفصيله إن شاء الله تعالى في بابه.
стр. 210
* مسألة التحسين والتقبيح العقليين:
والنظر في مسألة التحسين والتقبيح العقليين لبيان هل يصلح التحسين والتقبيح العقلي أن يكون حاكمًا يُحلَّل ويُحرَّم به كما يقول البعض أم لا؟.
والكلام في هذه المسألة يمكن ضبطه في النقاط التالية:
* أولًا: المراد بالحسن والقبح:
يطلق الحسن والقبح بثلاثة اعتبارات (١):
الاعتبار الأول: بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته، فما لاءم الطبع فهو حسن؛ كإنقاذ الغريق، وما نافر الطبع فهو قبيح؛ كاتهام البريء.
الاعتبار الثاني: بمعنى الكمال والنقص، فالحسن: ما أشعر بالكمال كصفة العلم، والقبيح: ما أشعر بالنقص؛ كصفة الجهل.
والحسن والقبح بهذين الاعتبارين: لا خلاف أنهما عقليان، بمعنى أن العقل يستقل بإدراكهما من غير توقف على الشرع.
والاعتبار الثالث: بمعنى المدح والثواب، والذم والعقاب.
стр. 211
والحسن والقبح بهذا الاعتبار: محل نزاع بين الطوائف، وذلك على النحو الآتي:
* ثانيًا: الأقوال في المسألة:
القول الأول: إثبات الحسن والقبح العقليين، بمعنى أن العقل يدرك الحسن والقبح، فهو يحسن ويقبح، وهذا مذهب المعتزلة (١).
القول الثاني: نفي الحسن والقبح العقليين، بمعنى أن العقل لا يدرك الحسن والقبح، فالعقل لا يحسن ولا يقبح، وهذا مذهب الأشاعرة (٢).
القول الثالث: مذهب أهل السنة، وهم وسط بين الطرفين، وقبل تفصيل مذهبهم في هذه المسألة لا بد من ذكر أصولٍ لهم يحتاج إلى بيانها في هذا المقام، وهذا ما سنبينه إن شاء الله تعالى في النقطة الثالثة:
* ثالثًا: أصول مهمة عند أهل السنة:
الأصل الأول: أنهم يثبتون الحكمة والتعليل في أفعال الله وأحكامه، فجميع الأوامر والنواهي مشتملة على مصالح
стр. 212
العباد (١).
قال ابن القيم: كيف والقرآن وسنة رسول الله ﷺ مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجود الحِكَم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضعٍ أو مائتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة.
فتارة يذكر لام التعليل الصريحة، وتارة يذكر المفعول لأجله، الذي هو المقصود بالفعل، وتارة يذكر "من أجل" الصريحة في التعليل، وتارة يذكر أداة "كي"، وتارة يذكر "الفاء" و"إن"، وتارة يذكر أداة "لعل" المتضمنة للتعليل المجردة عن معنى الرجاء المضاف إلى المخلوق، وتارة ينبه على السبب بذكره صريحًا، وتارة يخبر بكمال حكمته وعلمه المقتضي أنه لا يفرق بين متماثلين ولا يسوي بين مختلفين، وأنه ينزل الأشياء منازلها ويرتبها مراتبها (٢).
الأصل الثاني: أن أفعال الله سبحانه كلها حسنةٌ جميلة، لا يقبح منها
стр. 213
شيء، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧].
وقال ﷺ : «إن الله جميل يحب الجمال» (١)، فأفعال الله إذن مباينة لأفعال المخلوقين تمامًا (٢).
الأصل الثالث: أنهم يصفون الله سبحانه بما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فلا يجوز نفي ما أثبته الله لنفسه من الصفات، ولا أن تمثل صفاته بصفات المخلوقين، ولا أفعاله سبحانه بأفعال المخلوقين (٣).
الأصل الرابع: أنهم لا يوجبون على الله شيئًا إلا ما أوجبه سبحانه على نفسه تفضلا منه وتكرمًا، كما قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].
قال ابن تيمية: وأما الإيجاب عليه والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية، وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم
стр. 214
يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا (١).
الأصل الخامس: أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه برسله وكتبه (٢)، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
وقال ﷺ : «ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين» (٣).
الأصل السادس: أن الشرع جاء بتقرير ما هو مستقر في الفطر والعقول -ومن ذلك تحسين الحسن والأمر به، وتقبيح القبيح والنهي عنه- فلا تعارض بين الشرع والعقل، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤].
قال ابن القيم: وأنه [أي الشرع] لم يجئ بما يخالف العقل والفطرة، وإن جاء بما يعجز العقول عن أحواله والاستقلال به،
стр. 215
فالشرائع جاءت بمحارات (١) العقول لا محالاتها، وفرق بين ما لا تدرك العقول حسنه، وبين ما تشهد بقبحه، فالأول مما يأتي به الرسل دون الثاني (٢).
الأصل السابع: أن العقل لا مدخل له في إثبات الأحكام الشرعية، ولا في تعلق المدح والذم بالأفعال عاجلًا أو تعلق الثواب والعقاب بها آجلًا، وإنما طريق ذلك السمع المجرد (٣).
* رابعًا: تفصيل مذهب أهل السنة:
يمكن إيضاح مذهب أهل السنة في هذه المسألة وأدلتهم عليه في ثلاث نقاط (٤):
١ - أن الحسن والقبح صفات ثابتة للأفعال، وهذا الثبوت قد يكون بطريق العقل، وقد يكون بطريق الفطرة، وقد يكون بطريق الشرع، فالعقل والفطرة يحسنان ويقبحان، ولا يمكن أن يأتي الشرع على