← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

في القرآن، فهذا بمجرده يدل على أنَّ السنة الثابتة عنه ثبوتًا على حد ثبوت الكتاب العزيز حكمها حكم القرآن في النسخ وغيره، وليس في العقل ما يمنع من ذلك ولا في الشرع (١). واعترض: بأنه لا ننكر هذا، لكن الحكم المضاف إلى الله تعالى في حق الظاهر والإطلاق هو ما أوجبه الله في كتابه، وافترضه نصًّا فيه، وأما الذي ثبت بالسنة، فهو وإن كان صدره عمن لا ينطق عن الهوى، لكن على إطلاقه يضاف إلى الرسول وإلى سنته، وهذا كما أنَّ الوحي يختلف، فمنه ما يكون رؤيا، ومنه ما يكون إلهامًا ونفثًا في الروع، ووحي الكتاب مخالف لكل هذا؛ إذ هو الأعلى والمقدم على سائر أنواعه، كذلك ههنا يكون الحكم الثابت بالكتاب ثابتًا على وجوه ما يثبت به (٢). الدليل الثاني: أنه لو لم يجز نسخ القرآن بالسنة، لكان إما ألا يجوز في القدرة أو في الحكمة. والأول لا يجوز؛ لأنه معلوم أنَّ النبي ﷺ كان يقدر على أنواع الكلام، ولو أتى بكلام موضوع لرفع الحكم من أحكام الكتاب، صح ذلك ودل على ما هو موضوع له.

стр. 1507

والثاني لا يجوز أيضًا؛ لأنه لو امتنع في الحكمة لكان وجه امتناعه أن يكون منفرًا عن النبي، وموهمًا أنه ﵊ يأتي بالأحكام من قبل نفسه، وهذا لو نفر عنه لنفر عنه من حيث إنه أزال حكمًا شرعيًّا، وأوهم أنه أوحى إليه بإزالته، وهذا قائم في نسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السنة بالسنة. الدليل الثالث: أنَّ النسخ بيان انتهاء مدة الحكم، وكتاب الله حجة، وسنة النبي ﵊ حجة، وكما يجوز أن يبين بالكتاب مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب، فكذلك يجوز أيضًا أن يتولى النبي ﷺ بيان مدة بقاء الحكم الثابت بالكتاب. فإن قال قائل: إنَّ هذا يوهم الاختلاف، فهذا غلط؛ لأنَّه إن كان هذا يوهم الاختلاف، فنسخ القرآن بالقرآن يوهم الاختلاف، بل هذا يدل على قرب المنزلة حيث جوَّز له نسخ ما ثبت بالكتاب بلسانه من غير إضافة إلى الله ، وهذا القرب وهذه المنزلة غير مستنكر ولا مستبعد، والذي يوضح هذا: أنه جائز نسخ التلاوة دون الحكم بغير كتاب، ونسخ التلاوة بمحو الحفظ من القلوب، إما رفعًا، وإما بانقراض الذين علموه من غير خلف، وإذا جاز بهذا الطريق جاز بلسان رسول الله بوحي الله تعالى إليه، فإنهما سواء في أنَّ النسخ كان بغير كتاب.

стр. 1508

الدليل الرابع: أنَّ النسخ إسقاط الحكم في بعض الأزمان التي يتناولها على العموم فأشبه التخصيص، فإنه إسقاط الحكم في بعض الأشخاص الذين يتناولهم العموم، ثم تخصيص الكتاب يجوز بالسنة، فكذا النسخ (١). الدليل الخامس: الوقوع، فقد وقع في الشريعة نسخ القرآن بالسنة، والوقوع دليل الجواز، ومن ذلك: أنه كان الواجب على الزانية الحبس في البيوت بقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، ثم قد وقع نسخ ذلك بخبر الرجم بقوله ﷺ : «قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام … » (٢). ومنه الوصية للوالدين والأقربين الثابتة بالقرآن بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، ثم قد نسخ ذلك بالسنة بقول النبي ﵊: «لا وصية لوارث» (٣).

стр. 1509

واعترض: أولا: بأنَّ القول بالوقوع يستدعي دليلًا، والأصل عدمه، وما ذكرتموه من الصورتين المذكورتين لا حجة فيهما على الوقوع، بل النص فيهما بيان لا نسخ، فآية الوصية نسخت بآية الميراث، وبيان مهام الوالدين والأقربين، وأكد النبي ﷺ نسخها ببيانه، والإيضاح عنه ولهذا يقول النبي ﷺ : «إنَّ الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» (١)، فكان هذا بيانًا وإخبارًا عن زوال وجوب الوصية للوارث لا نسخًا (٢). ثانيًا: أنَّ الفاء في قوله ﵊: «فلا وصية لوارث» تدل على تقدم السبب كقولك: قمت إلى فلان فضربته. دل أنَّ القيام سبب لضربه، فيكون على هذا الخبر الوارد مبينًا للكتاب الذي وقع به النسخ لا نسخًا له، ونحن لا ننكر البيان بالسنة ولا نأباه (٣). وأجيب: بأنه يمكن الجمع بين هذا الحديث، وآية المواريث التي هى قوله تعالي: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾

стр. 1510

[النساء: ١١]؛ حيث إنَّ الميراث لا يمنع من الوصية للأجانب (١). أما الآية الأخرى فقد اعترض عليها أيضًا، وهى آية الإمساك فى البيوت، والقول بأنَّ النسخ وقع بخبر الرجم بقوله: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب الرجم» (٢). فالسبيل مذكور فيها، والأمر فيها مغيا إلى حين جعل السبيل، فلما جاء وقته بينه النبي ﷺ ؛ ولهذا قال: «قد جعل الله لهن سبيلًا»، فأضاف جعل السبيل إلى الله تعالى لا إلى نفسه، ولو سلمنا أنَّ إمساكهن في البيوت منسوخ؛ لكان إضافة نسخه إلى قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، ولآية الرجم التي نسخ لفظها دون حكمها أولى (٣). ثانيًا: أنَّ حكم الرجم مبني على قوله تعالي: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:

стр. 1511

١٥]؛ لأنَّ الله تعالي جعل السبيل غاية ينتهي إليها حكم الحبس، فقد تضمنت الآية أنَّ الحكم الحبس إلى أن يجعل الله لهن سبيلًا، وكان السبيل الذي وقع إليه الإشارة في الكتاب هو الرجم الثابت بالسنة، فكأنَّ الله تعالى قال: فأمسكوهن فى البيوت حتى يسن فيهن سنة. ثم قد ثبتت سنة الرجم، فانقضى زمان حكم الحبس، مثل ما ينقضي زمان الصوم بدخول الليل، وليس هذا من النسخ في شيء إنما هو حكم مؤقت ثبت بالكتاب، فحين وجد وقته ارتفع (١). ومن أدلتهم قوله تعالى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فقالوا إنَّ هذه الآية تحل غير ما ورد بها كالحمر الأهلية؛ لأن الله حصر المحرم فقال ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، فهذا حصر، فدل على أن غيرها حلال بالنص، فلما حرم الحمر الأهلية كان نسخًا للحل المتقدم. واستدلوا بأنَّ الصحابة ﵃ كانوا يقبلون خبر الآحاد ويرفعون به حكم المتواتر مثل قبولهم لرفع حكم استقبال بيت المقدس فى الصلاة

стр. 1512

وهو متواتر بخبر صحابى واحد (١). واستدلوا بنسخ المتعة فى قوله تعالى ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] بالسنة. وقال الشوكانى -رحمه الله تعالى- (واستدل القائلون بالوقوع (٢) بما ثبت من أهل قباء لمَّا سمعوا كلام النبى ﷺ .... ، ونسخ نكاح المتعة بالنهي عنها وهو آحاد (٣)، قال: ومما يرشد إلى جواز النسخ بما صح من الآحاد لما هو أقوى متنًا أو دلالة منها، أن الناسخ فى الحقيقة إنما جاء رافعًا لاستمرار حكم المنسوخ ودوامه، وذلك ظني، وإن كان دليله قطعيًّا، فالمنسوخ إنما هو الظني لا ذلك القطعي. فتأمل هذا) (٤). قال الشنقيطي -رحمه الله تعالى-: والتحقيق الذى لا شك فيه جواز

стр. 1513

وقوع نسخ المتواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها، وأما قولهم المتواتر أقوى، والأقوى لا يُرفع بما هو دونه، فإنهم غلطوا غلطًا عظيمًا مع كثرتهم … وإاضاح ذلك: لا تعارض البتة بين خبرين مختلفي التاريخ لإمكان صدق كل منهما فى وقته، وقد أجمع جميع النظار أنه لا يلزم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمنهما (١). المذهب الثاني: جواز نسخ القرآن بالسنة عقلًا لا شرعًا، وهو قول الشافعى، وهو الأصح فى مذهبه كما قال ابن سريج، وإن كان ظاهر مذهبه أنه يمنع منه العقل والشرع جميعًا، وهو قول أحمد فى رواية عنه، وأبي منصور البغدادى، واختاره أبو إسحاق الاسفراييني، والسمعاني، والغزالي. أدلتهم: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]. وجه الدلالة: ١ - أنَّ الله أخبر أنه لا ينسخ آية إلا ويأتي بخير منها أو مثلها، والسنة لا تكون مثل القرآن ولا خيرًا منه، فوجب أن لا يجوز النسخ

стр. 1514

بها. ٢ - أنَّ الله تعالى قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، فهذا يدل على أنه هو المنفرد بالإتيان بخير من الآية، وذلك لا يكون إلا والناسخ قرآن. ٣ - وأيضًا فإنه تعالى قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، وقوله: ﴿مِنْهَا﴾ يفيد أنه يأتي من جنسه، ألا ترى أنَّ الإنسان إذا قال: ما أخذت منك من ثوب آتيك بخير منه. أفاد أنه يأتيه بثوب من جنسه؟، وجنس القرآن قرآن. ٤ - أنَّ الاستدلال بالآية معتمد، يدل عليه: أنه تعالى ساق الآية إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]، وهذا يدل أنَّ غيره يعجز عنه. واعترض: بأنَّ قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] فى الحكم ومصلحته، والسنة تساوي القرآن فى ذلك وتزيد عليه، إذ المصلحة الثابتة بالسنة قد تكون أعظم من الثابتة بالقرآن، أو ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] في الثواب، وقد يكون في السنة ما هو خير من المنسوخ في الثواب. أو على التقديم والتأخير، بمعنى أنَّ فى الآية تقديمًا وتأخيرًا،

стр. 1515

تقديره: ما ننسخ من آية نأت منها بخير، فلا يكون فيها دلالة على محل النزاع أصلًا، إذ لا دلالة فيها على إثبات الناسخ أصلًا. ٢ - وأما قولكم: إنه قال: (نأت)، فقد أضاف الإتيان بالناسخ إلى نفسه، قلنا: إذا دل الدليل على نسخ القرآن بالسنة، فالذي أتى بذلك هو الله ، ألا ترى أنَّ الله هو الناسخ على لسان نبيه ﷺ ، كما أنه هو المثبت لسائر الشرائع على لسان نبيه ﷺ ، وعلى هذا سقط تعلقكم بقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦]، هو الناسخ في الحقيقة على لسان نبيه، فالقدرة في ذلك له دون غيره. وأجيب: لا ننكر هذا، لكن الحكم المضاف إلى الله تعالى في حق الظاهر، والإطلاق هو ما أوجبه الله في كتابه، وافترضه نصًّا فيه، وأما الذي ثبت بالسنة فهو وإن كان صدره عمن لا ينطق عن الهوى، لكن على إطلاقه يضاف إلى الرسول وإلى سنته، وهذا كما أنَّ الوحي يختلف عنه، فمنه ما يكون رؤيا ومنه ما يكون إلهامًا ونفثًا في الروع، ووحي الكتاب مخالف لكل هذا، إذ هو الأعلى والمقدم على سائر أنواعه، كذلك ههنا يكون الحكم الثابت بالكتاب ثابتًا على وجوه ما يثبت به. ٣ - وأما قولكم: إنَّ قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، يقتضي أن يكون ما يأتي به من جنسه. فهذا لا يفيد ما قلتم، فإنَّ الإنسان

стр. 1516

إذا قال: ما أخذت منك من ثوب آتك بما هو خير منه. احتمل أن يأتيه بثوب، ويحتمل أن يأتيه بشيء آخر، وإذا أتاه بشيء آخر هو أنفع منه سواء كان ثوبًا أو غيره، فقد صدق في قوله ووعده. وأجيب: قلنا: لا، بل يفيد أن يكون الذي يأتي به من جنس الأول، وهذا الذي يفهم عند إطلاق ذلك اللفظ، فأما قول القائل: ما أخذت منك من ثوب آتك بما هو خير منه. إنما يفيد ما ذكرتم؛ لأنه ذكر لفظ «ما»، وهذا اللفظ يقع على الثوب وعلى غيره، وليس ذلك في الآية؛ لأنَّ الله تعالى لم يقل: (بما هو خير منها)، وإنما قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، فنظيره قول القائل: ما أخذت منك من ثوب آتك بخير منه، وهو مفيد ثوبًا خيرًا من الثوب الأول. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥]، فدل على أنه لا ينسخ القرآن بالسنة. واعترض: بأنه لا خلاف في أنه لا ينسخ من تلقاء نفسه، بل بوحي يوحى إليه، لكن لا يكون بنظم القرآن، وإن جوزنا النسخ بالاجتهاد، فالإذن في الاجتهاد يكون من الله كالإذن في النسخ. والمقصود: أنه ليس من شرطه أن ينسخ حكم القرآن بقرآن، بل على لسان رسوله بوحي ليس من القرآن على أنهم طالبوه بقرآن مثل

стр. 1517

هذا القرآن، فقال: لا أقدر عليه من تلقاء نفسي، وما طالبوه بحكم غير ذلك. فأين هذا من نسخ القرآن بالسنة وامتناعه (١). • ثالثًا: نسخ السنة بالقرآن: والصحيح أن القرآن ينسخ السنة، ومثاله نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]. ومن ذلك نسخ رد المسلمات إلى الكفار الوارد فى صلح الحديبية (٢) فنسخ القرآن ذلك الحكم بقوله تعالى ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وكذلك نسخ حكم عدم جواز مباشر المرأة فى ليل رمضان بقوله

стр. 1518

تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ومن الأدلة أيضًا على جواز نسخ القرآن للسنة نسخ تأخير الصلاة عند الخوف كما حدث فى غزوة الخندق (١)، فنسخ ذلك بصلاة الخوف (٢)، وغير ذلك من الأدلة، فالصحيح والله أعلم أن السنة تنسخ بالقرآن. • رابعًا: نسخ السنة بالسنة: وذلك مثل: قوله ﷺ «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» (٣)،

стр. 1519

ومنه «كنت نهيتكم عن النبيذ فى الأوعية فاشربوا في ما شئتم ولا تشربوا مسكرًا» (١). * المسألة الرابعة عشر: هل يقع مفهوم الموافقة ناسخًا ومنسوخًا؟ اختلف العلماء في هذه المسألة، على مذهبين: المذهب الأول: أنَّ مفهوم الموافقة يقع ناسخًا ومنسوخًا، وهو مذهب جمهور العلماء. وأدلتهم: أولًا: أنَّ مفهوم الموافقة كالنص المنطوق به، قال القَاضي في التَّقريب: لَا فَرقَ في جَوَاز النَّسخ بمَا اقتَضَاهُ نَصُّ الكتاب وظاهره، وجوازه بمَا اقتَضَاهُ فَحوَاهُ وَلَحنُهُ، وَمَفهُومُهُ، وَمَا أَوجَبَهُ العُمُومُ وَدَليلُ الخطَاب عندَ مُثبتهَا؛ لأَنَّهُ كَالنَّصِّ أَوْ أَقوَى منهُ (٢). وقال ابن السمعاني: وأما النسخ بفحوى الخطاب فهو جائز؛ لأنه مثل النطق وأقوى منه (٣). وبيان ذلك: أنَّ قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، دلَّ

стр. 1520

بمنطوقه على تحريم التأفيف، ودل بمفهومه الموافق على تحريم الضرب، والشتم، والقتل، والسب، أي: إذا حرم مجرد التأفيف فمن باب أولى أن يحرم الضرب والشتم؛ لأنه أشد في الإيذاء (١). ثانيا: نقل الآمدي والفخر الرازي الاتفاق على أنه ينسخ به ما ينسخ بمنطوقه (٢). واعترض: بأنَّ المسألة ليس فيها اتفاق، بل الخلاف فيها مشهور. قال الزركشي: وَهُوَ عَجيبٌ؛ فَإنَّ في المَسأَلَة وَجهَين لأَصحَابنَا وَغَيرهم، حَكَاهُمَا المَاوَرديُّ في الحَاوي، وَالشَّيخُ أبو إسحاق في اللُّمَع، وَسُلَيمٌ الرازي، وَصَحَّحَوا المَنعَ. والماوردي نقله عن الأكثرين (٣). المذهب الثاني: أنَّ مفهوم الموافقة لا يقع ناسخًا ولا منسوخًا، وهو مذهب بعض الشافعية. ودليلهم: ١ - أنَّ مفهوم الموافقة قياس جلي، والقياس لا يُنسَخ ولا يُنسَخ به، وبيان ذلك: أنَّ قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] دلَّ

стр. 1521

بمفهومه على تحريم الضرب والشتم، والقتل للوالدين، فلم ينطق بذلك، ولم يكن في ذلك صيغة الضرب والشتم والقتل، وإنما المنطوق به التأفيف، فألحق به الضرب والشتم بجامع الأذى في كل، وهذا هو القياس، والقياس لا يكون ناسخًا ولا منسوخًا. وأجيب: أولًا: أنَّ تحريم الضرب وغيره من أنواع الأذى ثبت نطقًا، لا قياسًا، فصح نسخه، ويدل على أنه ثبت نطقًا قولهم: هذا مفهوم الخطاب، وفحواه وتنبيهه. ثانيًا: أنَّ من سمى هذا قياسًا من الشافعية صرَّحوا بأنه قياس جلي يجري مجرى النطق في الدلالة، ونحن سميناه بمفهوم الموافقة، أو التنبيه، أو دلالة النص عند الحنفية، وهذا اختلاف في التسمية لا يضر ما دام أنَّ المعنى متفق عليه (١). * المسألة الخامسة عشر: مفهوم المخالفة هل يقع منسوخًا؟ مفهوم المخالفة يأتي منسوخًا، والمعنى أنه يجوز نسخه مع نسخ الأصل وبدونه. وأما نسخ المفهوم المخالف دون أصله، كقوله ﷺ : «إنما الماء من

стр. 1522

الماء» (١)، فإنه نسخ مفهومه بما ثبت من قوله ﷺ : «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل»، فهذا نسخ مفهوم «الماء من الماء»، وبقي منطوقه محكمًا غير منسوخ؛ لأنَّ الغسل واجب من الإنزال بلا خلاف (٢). • المسألة السادسة عشر: مفهوم المخالفة هل يقع ناسخًا؟ اختلف العلماء في هذا على مذاهب: المذهب الأول: أنَّ مفهوم المخالفة لا يكون ناسخًا. ذهب إلى ذلك كثير من العلماء، كابن السمعاني حيث قال: دليل الخطاب يجوز نسخ موجبه، ولا يجوز النسخ بموجبه؛ لأنَّ النص أقوى من دليله (٣). والمعنى: أنَّ مفهوم المخالفة يضعف عن مقاومة النص (٤). المذهب الثاني: يقع مفهوم المخالفة ناسخًا، وهو قول بعض الشافعية كالشيرازي.

стр. 1523

وحجتهم: أنَّ مفهوم المخالفة في معنى النطق، فكما أنَّ النص يأتي ناسخًا، فكذلك مفهوم المخالفة، ولا فرق، وهذا على المذهب الصحيح (١). وأجيب: بأنَّ قياس مفهوم المخالفة على النص قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، لأنَّ النص دلالته قطعية على المدلول، بخلاف دلالة مفهوم المخالفة، لذا منع الحنفية من الاحتجاج بمفهوم المخالفة على تفصيل، أما الاحتجاج بالنص فلم يمنع منه أحد (٢). المذهب الثالث: التفريق بين المفاهيم: فإن كان مفهوم المخالفة من المفاهيم القوية كمفهوم الصفة والشرط ونحوهما، فيجوز أن يكون ناسخًا؛ لأنه قريب من المنطوق، وإن كان من المفاهيم الضعيفة كمفهوم العدد واللقب ونحوهما، فلا يجوز أن يكون ناسخًا لضعفه وعجزه عن مقاومة النص. وأجيب: بأنَّ هذا التفريق بين المفاهيم لا دليل عليه، ولا يمكن أن يكون مفهوم المخالفة قريبًا من النص (٣).

стр. 1524

• المسألة السابعة عشر: هل يبطل حكم مفهوم المخالفة بنسخ أصله؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يبطل حكم مفهوم المخالفة بنسخ أصله، وهو اختيار القاضي، وجزم به الموفق في الروضة، ووافقه الطوفي، واختاره ابن فورك، ورجحه ابن النجار في الكوكب المنير. حجتهم: لأنَّ فرعه وعدمه كالخطابين. وبيان ذلك: أنَّ الدليل إنما هو تابع للفظ، فهو تابع له وفرع عنه فيستحيل أن يسقط الأصل ويكون الفرع باقيًا. القول الثاني: أنه لا يبطل بنسخ أصله. قال ابن النجار: وهو وجه لأصحابنا. قال البرماويُّ: وَأَمَّا نَسخُ الأَصل بدُون مَفهُومه الَّذي هُوَ مُخَالفٌ لَهُ حُكمًا، فَذَكَرَ الصَّفيُّ الهنديُّ فيه احتمَالَين، قَالَ: وَأَظهَرُهُمَا أَنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لأَنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ضدِّ الحُكم باعتبَار القَيد المَذكُور، فَإذَا بَطَلَ تَأثيرُ ذَلكَ القَيد بَطَلَ مَا يَنبَني. وعلى هذا فنسخ الأصل نسخ للمفهوم منه.

стр. 1525

والمعنى: أنه يرتفع الحكم الشرعي الذي حُكم به على السكوت بضد حكم المذكور (١).

стр. 1526

الفصل التاسع: ترتيب الأدلة والتعادل والتعارض والترجيح

стр. 1527

ترتيب الأدلة والتعادل والتعارض والترجيح مقدمات بين يدي البحث أولًا: هذا البحث يطلق عليه البعض ترتيب الأدلة والترجيح، وبعضهم يسميه التعارض، وبعضهم التعادل والترجيح، واخترنا هذا؛ لأنه أشمل، وخروجًا من الخلاف، فكلها ألفاظ تفيد معاني متقاربة، ويبنى بعضها على بعض، ويكمل بعضها بعضًا. ثانيًا: إن مبحث التعارض والترجيح مهم جدًا؛ لأنه يفرض نفسه عمليًّا في الحياة في مختلف شؤونها، وكذلك يفرض نفسه على العالم والفقيه والقاضي (١)، وذلك لأَنَّ الأَدلَّةَ الشَّرعيَّةَ مُتَفَاوتَةٌ في مَرَاتب القُوَّة، فَيَحتَاجُ المُجتَهدُ إلَى مَعرفَة مَا يُقَدَّمُ منهَا وَمَا يُؤَخَّرُ، لئَلَّا يَأخُذَ بالأَضعَف منهَا مَعَ وُجُود الأَقوَى، فَيَكُونَ كَالمُتَيَمِّم مَعَ وُجُود المَاء. وَقَدْ يَعرضُ للأَدلَّة التَّعَارُضُ وَالتَّكَافُؤُ، فَتَصيرُ بذَلكَ كَالمَعدُومَة، فَيَحتَاجُ إلَى إظهَار بَعضهَا بالتَّرجيح ليَعمَلَ به، وَإلَّا تَعَطَّلَت الأَدلَّةُ

стр. 1528

وَالأَحكَامُ. فَهَذَا البَابُ ممَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيه الاجتهَادُ تَوَقُّفَ الشَّيء عَلَى جُزئه، أَوْ شَرطه (١). ثالثًا: اختلف منهج علماء الأصول في مكان دراسة التعارض والترجيح، فمنهم من جعله قبل الكلام على الاجتهاد والتقليد وبعد مباحث الأدلة، ومنهم من جعله بعد الكلام على الاجتهاد والتقليد وهم الجمهور؛ لأنها من عمل المجتهد (٢). وممن جعلها بعد الاجتهاد والتقليد: الآمدي، وابن الحاجب، وابن مفلح، ومن المعاصرين الشيخ مصطفى سلامه -حفظه الله-. لكننا نميل إلى وضعها مع طرق الاستنباط؛ إذ هي من طرق ووسائل الاستنباط. رابعًا: لا يوجد تعارض حقيقي بين الأدلة، سواء كانت كلية أم جزئية؛ لأن مصدر الشريعة واحد، وهو الله ، ولأن التعارض يعني التناقض وهذا يبعد أن يصدر من إنسان عاقل مع علمه بذلك، فكيف يصدر من العليم الخبير الذي قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ

стр. 1529

وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] (١). وإنما التعارض يكون في الظاهر، وفي نظر وفهم المجتهد. خامسًا: الانفكاك بين التعارض والترجيح، وإبعاد أحد المبحثين عن الآخر تصرف أعداء الدين، فهم يأتون على الأدلة التي تتعارض في الظاهر فيفرحون بها ويبرزونها وينشرونها كأنما وجدوا صيدًا ثمينًا، فيتعمدون إظهار التعارض وإخفاء الترجيح بضوابطه؛ لتشويه صورة هذا الدين العظيم، وأسوأ من ذلك أنهم كثيرًا ما ينصبون التعارض بين الأدلة والشبهات وأقوال الفقهاء، فيظن من لا علم عنده بشروط التعارض والترجيح أن هناك التباسًا بين الأدلة، فينبغي أن ينتبه لمثل هذا. ورحم الله الزركشي حيث قال: وَالقَصدُ من هذا المبحث هو: تَصحيحُ الصَّحيح، وَإبطَالُ البَاطل (٢). قلت: وليس المقصود هو ضرب الشريعة بعضها ببعض. سادسًا: ورد في بعض الكتب اصطلاح التعارض واصطلاح التعادل، وذهب بعض العلماء إلى التفريق بينهما تبعًا للغة، فالتعادل

стр. 1530

لغة التساوي، والتعارض هو التمانع، والجمهور على استعمال التعادل في معنى التعارض؛ لأنه لا تعارض إلا بعد التعادل (١). سابعًا: التعارض إنما يكون بين دليلين، أما التعارض بين دليل وشبهة فلا يكون تعارضًا (٢). • تعريف التعارض: التعارض لغة: التقابل والتمانع والتعادل (٣). فَهُوَ تَفَاعُلٌ منَ العُرض بضَمّ العَين، وَهُوَ النَّاحيَةُ وَالجهَةُ، كَأَنَّ الكَلَامَ المُتَعَارضَ يَقفُ بَعضُهُ في عُرض بَعضٍ، أَي نَاحيَته وَجهَته، فَيَمنَعُهُ منَ النُّفُوذ إلى حيث وجه (٤). وَفي الاصطلَاح: تَقَابُلُ الدَّليلَين عَلَى سَبيل المُمَانَعَة (٥)، بحيث يخالف أحدهما الآخر (٦)، حيث إن إثبات أحدهما يقتضي نفي الآخر. وَذَلكَ إذا كَانَ أحد الدَّليلَين يدل على الجَوَاز وَالدَّليل الآخر يدل

стр. 1531

على المَنع، فدليل الجَوَاز يمنَع التَّحريم، وَدَليل التَّحريم يمنَع الجَوَاز، فَكل منهُمَا مُقَابل الآخر ومعارض لَهُ ومانع لَه (١). • شروط التعارض: يشترط لتحقق التعارض شروط، فإن فقد شرط منها حصل الترجيح حكمًا، وهذه الشروط هي: أولًا: اتحاد القوة: يشترط في التعارض بين الدليلين أن يكونا في قوة واحدة، بأن يكونا قطعيين كآيتين أو خبرين متواترين، أو آية وخبر متواتر، أو يكونا ظنيين كخبري آحاد، أو قياس وقياس. فإن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا فلا تعارض؛ لأن القطعي يقدم على الظني، ولأن الظني ينتفي بالقطع، كآية وخبر آحاد، فلا تعارض في الثبوت، ولكن يقع التعارض من حيث الدلالة، ومثل خبر متواتر وخبر آحاد، فلا تعارض بينهما، ويقدم القطعي حتمًا وهو المتواتر باتفاق، ولا يتحقق التعارض بين نص وإجماع، فيتقدم الإجماع لتحديد الدلالة، ولا تعارض بين نص وقياس فيقدم النص، ولا تعارض بين إجماع وقياس فيقدم الإجماع، ولا تعارض بين حديث صحيح مع

стр. 1532

حديث ضعيف أو مردود؛ لأن الحديث الضعيف أو المردود ليس حجة أصلًا ولا دليلًا (١). ثانيًا: أن يكون الدليلان متضادين تمام التضاد بأن يكون أحدهما يجوز، والآخر يحرم؛ لأن الدليلين إذا اتفقا في الحكم، فلا تعارض (٢). ثالثًا: أن يكون تقابل الدليلين في وقت واحد؛ حيث إن اختلاف الزمن ينفي التعارض، ومن هنا قدم خبر: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُصبحُ جُنُبًا من غَير حُلُمٍ، ثُمَّ يَصُومُ» (٣)، وقد روته إحدى زوجاته ﷺ على الخبر الذي رواه أبو هريرة: «مَنْ أَصبَحَ جُنُبًا فَلَا صَومَ لَهُ» (٤). رابعًا: أن يكون تقابل الدليلين في محل واحد؛ لأن التضاد والتنافي لا يتحقق بين الشيئين في محلين، فالنكاح مثلًا يوجب الحل في

стр. 1533

المنكوحة، والحرمة في أمها، إذن لا تعارض بين قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وذلك لاختلاف من يقع عليها الحل ممن يقع عليها التحريم (١). • المسالك العامة عند إيهام التعارض: * المسلك الأول: الجمع: إذا وجد نصان ظاهرهما التعارض وجب الاجتهاد في صرفهما عن هذا الظاهر، والوقوف على حقيقة المراد منهما، تنزيهًا للشارع الحكيم عن التناقض في تشريعه، فإن أمكن إزالة التعارض الظاهري بين النصين بالجمع والتوفيق بينهما جمع بينهما وعمل بهما، وكان هذا بيانًا؛ لأنه لا تعارض في الحقيقة بينهما (٢). مثال: قول الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي

стр. 1534

مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، فأثبت له الهداية، ونفى عنه الهداية. والجمع بينهما: أن الآية الأولى يراد بها هداية الدلالة إلى الحق والبيان والإرشاد، وهي ثابتة للرسول ﷺ ، والآية الثانية يراد بها هداية التوفيق للعمل الصالح، وهذه بيد الله تعالى لا يملكها الرسول ﷺ . ومن ذلك حديث جابر في صفة حج النبي ﷺ ، أن النبي ﷺ صلى الظهر يوم النحر بمكة (١)، وحديث ابن عمر أن النبي ﷺ صلاها بمنى (٢). فجمع البعض بينهما: بأنه صلاها بمكة، ولما خرج إلى منى أعادها بمن فيها من أصحابه، وجمع البعض بوجوه أخرى (٣).

стр. 1535

* المسلك الثاني: فإن لم يمكن الجمع فالمتأخر ناسخ إن علم التاريخ فيعمل به دون الأول المنسوخ. مثال: قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. فكانت أول مرحلة في الصيام هي التخيير، فمن شاء صامومن شاء

стр. 1536

أفطر وأطعم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ويشهد لذلك حديث سلمه بن الأكوع ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا في رَمَضَانَ عَلَى عَهد رَسُول الله ﷺ ، مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفطَرَ فَافتَدَى بطَعَام مسكينٍ»، حَتَّى أُنزلَت هَذه الآيَةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] (١). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢] فالثانية ناسخة للأولى، وهكذا.

стр. 1537

* المسلك الثالث: فإن لم يعلم التاريخ عمل بالراجح إن كان هناك مرجح: مثال: قوله ﷺ : «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَليَتَوَضَّأ» (١)، وسئل عن الرجل يمس ذكره عليه الوضوء قال: «إنَّمَا هُوَ بَضعَةٌ منكَ» (٢). فحديث: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَليَتَوَضَّأ» هذا يأمر بالوضوء، وحديث: «إنَّمَا هُوَ بَضعَةٌ منكَ» لا يأمر بالوضوء، فأول مرحلة هي محاولة الجمع، كمن قال: معنى الحديث الأول أن من مس ذكره بشهوة عليه الوضوء، والثاني يعني أن من مسه بدون شهوة لا وضوء عليه. ونازع البعض وقالوا: لا دليل على هذا القيد. فانتقلوا إلى مرحلة الناسخ والمنسوخ، فقال بعضهم: إن حديث «من مس ذكره فليتوضأ» متأخر، فهو ناسخ. وقال بعضهم: إن التاريخ غير معلوم.

стр. 1538

فانتقلوا إلى مرحلة الترجيح، فرجحوا الحديث الأول على الثاني، فرجح بعضهم الأول؛ لأنه أحوط، ولأنه أكثر طرقًا، ومصححوه أكثر؛ ولأنه ناقل عن الأصل، وفيه زيادة علم، وغير ذلك. * المسلك الرابع: فإن لم يوجد مرجح في نظر المجتهد وجب التوقف. • مسألة: تعارض العام مع العام: الحال الأولى: أن يقوم دليل يدل على تخصيص عموم أحدهما بالآخر فيخصص به، مثال قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، مع قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. فالآية الأولى العموم في أن كل متوفى عنها زوجها تتربص بنفسها أربعة أشهر وعشرًا، سواء كانت حائضًا، أو يئست من المحيض أو حاملًا، والآية الثانية عامة في كل حامل أن تكون عدتها بوضع حملها، سواء كانت متوفى عنها زوجها، أو مطلقة، فكما يتبين أن كل نص فيه عموم من جهة، فالأولى تبين أن المتوفى عنها زوجها عدتها أربعة أشهر وعشرًا، حتى وإن كانت حاملًا، والآية الثانية تنص على أن الحامل عدتها أن تضع حملها، وإن كانت متوفى عنها زوجها. فهنا لا بد أن يأتي دليل من خارج يبين ذلك، فجاء حديث سبيعة

стр. 1539

الأسلمية أنها توفى عنها زوجها وكانت حاملًا فاجتمع الأمران في حقها، فوضعت بعد ليال فأذن لها النبي ﷺ أن تتزوج (١). فعدتها كانت بوضع الحمل. إذن نخصص المتوفى عنها زوجها بالحامل، فكل متوفى عنها زوجها عدتها أربعة أشهر وعشرًا، إلا الحامل فعدتها بوضع الحمل. الحال الثانية: إن لم يقم دليل على التخصيص -أي تخصيص عموم أحدهما بالآخر- عمل بالراجح. مثال ذلك: قوله ﷺ : «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسجدَ فَليَركَع رَكعَتَين قَبلَ أَنْ يَجلسَ» (٢)، مع نهيه ﷺ عَنْ الصَّلَاة بَعدَ الصُّبح حَتَّى تَشرُقَ

стр. 1540

الشَّمسُ، وَبَعدَ العَصر حَتَّى تَغرُبَ (١). فهنا نبحث عن مخصص لكل منهما من الخارج، أي نبحث عن دليل من الخارج. فالحديث الأول عام في كل من يدخل المسجد لا يجلس حتى يركع ركعتين، والحديث الثاني عام أيضًا في عدم جواز الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ولا بعد الفجر حتى تشرق الشمس، فإذا اجتمع الدليلان في حق شخص واحد كمن يدخل المسجد بعد العصر مثلًا فماذا يفعل؟ هل يعمل بالحديث الأول أم بالحديث الثاني؟ في هذه الحال نبحث في كل دليل على حدة، هل خصص أم لا؟ فالدليل الذي خصص مرة وأخرى يخصص بالدليل الآخر. فنجد أنَّ حديث النهي عن الصلاة بعد العصر خصص غير مرة، ومن ذلك: قضاء سنة الظهر بعد العصر، كما فعل النبي ﷺ (٢)، وكذلك جواز صلاة الجنازة بعد العصر، وقضاء الفوائت االمنسية ونحوها،

стр. 1541

وغيرها، فيكون معنى قوله ﷺ : «لَا صَلَاةَ بَعدَ العَصر حَتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ» (١)، إلا صلاة الجنازة، أو قضاء سنة الظهر، أو الفوائت، فهذا الحديث خصص أكثر من مرة. والحديث الآخر الوارد في تحية المسجد لا نجد ما يخصصه، بل نجد ما يؤكد فعله مثل حديث سليك حينما دخل على النبي ﷺ وهو يخطب الجمعة، فجلس فأمره النبي ﷺ أن يقف ويركع ركعتين (٢)، ولم يسقطها النبي ﷺ عنه. وكذلك نجد أن صلاة الجنازة جائزة بعد العصر وبعد الفجر، ولكنها لا تجوز عند خطبة الجمعة، أما تحية المسجد أمر بها النبي ﷺ سليكًا وقت الخطبة، فدل ذلك على أن تحية المسجد أولى من صلاة الجنازة، فإذا جازت صلاة الجنازة بعد العصر والفجر؛ فمن باب أولى جواز صلاة تحية المسجد في هذه الأوقات أيضًا. فالعام الذي لم يُخَصَّص يُخَصِّص العام الذي خُصِّص قبل ذلك، والعام الذي لم يُخَصَّص يسمى العام المحفوظ، وهو الذي ظل على

стр. 1542

عمومه، والعام الذي خُصِّص يسمى غير المحفوظ. قال ابن تيمية: ما نهي عنه لسد لذريعة أبيح لمصلحة راجحة (١). والمعنى: أن النهي عن الصلاة مثلًا بعد العصر والفجر كان لسد ذريعة التشبه بالكفار حين يسجدون للشمس، فإن وجدت مصلحة راجحة أبيح العمل، ومن هذه المصالح الراجحة الصلاة ذات السبب كتحية المسجد، وسنة الوضوء، وهكذا. مثال آخر: قول النبي ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دينَهُ فَاقتُلُوهُ» (٢)، مع ما ورد أنه نهى عن قتل النساء والصبيان (٣). فهذا عام وهذا عام، ولا نستطيع أن نخصص أحدهما بالآخر، فهل المراد من بدل دينه فاقتلوه إلا النساء والصبيان، أم لا تقتلوا النساء والصبيان إلا من بدل دينه؟ نبحث في كل دليل على حده. فقوله ﷺ : «لا تقتلوا النساء والصبيان» خص في غير هذا، كما إذا كانت المرأة قاتلة عمدًا عدوانًا، وكذلك إذا زنت وكانت محصنة، فلقد

стр. 1543

أمر النبي ﷺ بأن يقام الحد على الغامدية، وكذلك أيضًا سبها رسول الله ﷺ ، فعن ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ أَعمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشتُمُ النَّبيَّ ﷺ ، وَتَقَعُ فيه، فَيَنهَاهَا، فَلَا تَنتَهي، وَيَزجُرُهَا فَلَا تَنزَجرُ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيلَةٍ، جَعَلَت تَقَعُ في النَّبيّ ﷺ ، وَتَشتُمُهُ، فَأَخَذَ المغوَلَ فَوَضَعَهُ في بَطنهَا، وَاتَّكَأَ عَلَيهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَينَ رجلَيهَا طفلٌ، فَلَطَّخَت مَا هُنَاكَ بالدَّم، فَلَمَّا أَصبَحَ ذُكرَ ذَلكَ لرَسُول اللَّه ﷺ ، فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: «أَنشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لي عَلَيه حَقٌّ إلَّا قَامَ»، فَقَامَ الأَعمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَينَ يَدَي النَّبيّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَنَا صَاحبُهَا، كَانَتْ تَشتُمُكَ، وَتَقَعُ فيكَ، فَأَنهَاهَا فَلَا تَنتَهي، وَأَزجُرُهَا فَلَا تَنزَجرُ، وَلي منهَا ابنَان مثلُ اللُّؤلُؤَتَين، وَكَانَت بي رَفيقَةً، فَلَمَّا كَانَ البَارحَةَ جَعَلَت تَشتُمُكَ وَتَقَعُ فيكَ، فَأَخَذتُ المغوَلَ فَوَضَعتُهُ في بَطنهَا، وَاتَّكَأتُ عَلَيهَا حَتَّى قَتَلتُهَا، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «أَلَا اشهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ». (١)، ولم ينكر النبي ﷺ عليه، فهذا الحديث: «لا تقتلوا النساء» خصص أكثر من مرة بهذه النصوص السابقة. وقوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» لا يوجد له تخصيص، فيكون هذا عمومًا باقيًا على عمومه لم يخصص، أما العموم الأول قابل

стр. 1544

للتخصيص أكثر من مرة، ويكون المعنى: نهى عن قتل النساء إلا من زنت، ومن قتلت عمدًا، ومن سبت النبي ﷺ ، ومن بدلت دينها، وهكذا. * ثانيًا: الترجيح: • تنبيهات مهمة: أولًا: لا يكون الترجيح إلا مع وجود التعارض فإن انتفى التعارض انتفى الترجيح؛ لأنه فرعه، لذلك يقع الترجيح مرتبًا على وجود التعارض ويتأخر عنه في البحث (١). وذهب البعض إلى أنه قد يوجد الترجيح بدون التعارض، وذلك لأن من شروط التعارض استواء الدليلين، والقول بترجيح أحدهما يقتضي تقديم أحدهما على الآخر، فينتفي التساوي بينهما، وهذا تناقض. والجواب عن ذلك: أن التساوي لا يمنع من وجود جزئيات دقيقة في كل واحد من الدليلين يجعل أحدهما يرجح على الآخر، أو وجود مرجحات خارجية (٢).

стр. 1545

ثانيًا: إذا تحقق الترجيح وجبالعمل بالراجح وترك الآخر؛ لإجماع الصحابة على العمل بما ترجح عندهم من الأخبار (١). ثالثًا: وجوه الترجيح كثيرة، وحاصلها: أن ما كان أكثر إفادة للظن فهو أرجح (٢). • تعريف الترجيح: الترجيح لغة هو: التمييل والتغليب، يقال: رجح الميزان. إذا مال (٣). واصطلاحًا: اقترَانُ الأَمَارَة بمَا تَقوَى به عَلَى مُعَارضهَا (٤). وقال الزركشي: هو تَقويَةُ إحدَى الأمَارَتَين عَلَى الأُخرَى بمَا لَيسَ ظَاهرًا، مَأخُوذٌ من رُجحَان الميزَان، وَفَائدَةُ القَيد الأَخير أَنَّ القُوَّةَ لَو كَانَتْ ظَاهرَةً لَم يَحتَج إلَى التَّرجيح (٥). وقيل: هو عبارة عن تقوية أحد الطريقين على الآخر ليعلم الأقوى
следующие страницы →