وغيرها، فيكون معنى قوله ﷺ : «لَا صَلَاةَ بَعدَ العَصر حَتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ» (١)، إلا صلاة الجنازة، أو قضاء سنة الظهر، أو الفوائت، فهذا الحديث خصص أكثر من مرة.
والحديث الآخر الوارد في تحية المسجد لا نجد ما يخصصه، بل نجد ما يؤكد فعله مثل حديث سليك حينما دخل على النبي ﷺ وهو يخطب الجمعة، فجلس فأمره النبي ﷺ أن يقف ويركع ركعتين (٢)، ولم يسقطها النبي ﷺ عنه.
وكذلك نجد أن صلاة الجنازة جائزة بعد العصر وبعد الفجر، ولكنها لا تجوز عند خطبة الجمعة، أما تحية المسجد أمر بها النبي ﷺ سليكًا وقت الخطبة، فدل ذلك على أن تحية المسجد أولى من صلاة الجنازة، فإذا جازت صلاة الجنازة بعد العصر والفجر؛ فمن باب أولى جواز صلاة تحية المسجد في هذه الأوقات أيضًا.
فالعام الذي لم يُخَصَّص يُخَصِّص العام الذي خُصِّص قبل ذلك، والعام الذي لم يُخَصَّص يسمى العام المحفوظ، وهو الذي ظل على
стр. 1542
عمومه، والعام الذي خُصِّص يسمى غير المحفوظ.
قال ابن تيمية: ما نهي عنه لسد لذريعة أبيح لمصلحة راجحة (١).
والمعنى: أن النهي عن الصلاة مثلًا بعد العصر والفجر كان لسد ذريعة التشبه بالكفار حين يسجدون للشمس، فإن وجدت مصلحة راجحة أبيح العمل، ومن هذه المصالح الراجحة الصلاة ذات السبب كتحية المسجد، وسنة الوضوء، وهكذا.
مثال آخر: قول النبي ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دينَهُ فَاقتُلُوهُ» (٢)، مع ما ورد أنه نهى عن قتل النساء والصبيان (٣).
فهذا عام وهذا عام، ولا نستطيع أن نخصص أحدهما بالآخر، فهل المراد من بدل دينه فاقتلوه إلا النساء والصبيان، أم لا تقتلوا النساء والصبيان إلا من بدل دينه؟ نبحث في كل دليل على حده.
فقوله ﷺ : «لا تقتلوا النساء والصبيان» خص في غير هذا، كما إذا كانت المرأة قاتلة عمدًا عدوانًا، وكذلك إذا زنت وكانت محصنة، فلقد
стр. 1543
أمر النبي ﷺ بأن يقام الحد على الغامدية، وكذلك أيضًا سبها رسول الله ﷺ ، فعن ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ أَعمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ تَشتُمُ النَّبيَّ ﷺ ، وَتَقَعُ فيه، فَيَنهَاهَا، فَلَا تَنتَهي، وَيَزجُرُهَا فَلَا تَنزَجرُ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيلَةٍ، جَعَلَت تَقَعُ في النَّبيّ ﷺ ، وَتَشتُمُهُ، فَأَخَذَ المغوَلَ فَوَضَعَهُ في بَطنهَا، وَاتَّكَأَ عَلَيهَا فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ بَينَ رجلَيهَا طفلٌ، فَلَطَّخَت مَا هُنَاكَ بالدَّم، فَلَمَّا أَصبَحَ ذُكرَ ذَلكَ لرَسُول اللَّه ﷺ ، فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: «أَنشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لي عَلَيه حَقٌّ إلَّا قَامَ»، فَقَامَ الأَعمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وَهُوَ يَتَزَلزَلُ حَتَّى قَعَدَ بَينَ يَدَي النَّبيّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، أَنَا صَاحبُهَا، كَانَتْ تَشتُمُكَ، وَتَقَعُ فيكَ، فَأَنهَاهَا فَلَا تَنتَهي، وَأَزجُرُهَا فَلَا تَنزَجرُ، وَلي منهَا ابنَان مثلُ اللُّؤلُؤَتَين، وَكَانَت بي رَفيقَةً، فَلَمَّا كَانَ البَارحَةَ جَعَلَت تَشتُمُكَ وَتَقَعُ فيكَ، فَأَخَذتُ المغوَلَ فَوَضَعتُهُ في بَطنهَا، وَاتَّكَأتُ عَلَيهَا حَتَّى قَتَلتُهَا، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : «أَلَا اشهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ». (١)، ولم ينكر النبي ﷺ عليه، فهذا الحديث: «لا تقتلوا النساء» خصص أكثر من مرة بهذه النصوص السابقة.
وقوله ﷺ : «من بدل دينه فاقتلوه» لا يوجد له تخصيص، فيكون هذا عمومًا باقيًا على عمومه لم يخصص، أما العموم الأول قابل
стр. 1544
للتخصيص أكثر من مرة، ويكون المعنى: نهى عن قتل النساء إلا من زنت، ومن قتلت عمدًا، ومن سبت النبي ﷺ ، ومن بدلت دينها، وهكذا.
* ثانيًا: الترجيح:
• تنبيهات مهمة:
أولًا: لا يكون الترجيح إلا مع وجود التعارض فإن انتفى التعارض انتفى الترجيح؛ لأنه فرعه، لذلك يقع الترجيح مرتبًا على وجود التعارض ويتأخر عنه في البحث (١).
وذهب البعض إلى أنه قد يوجد الترجيح بدون التعارض، وذلك لأن من شروط التعارض استواء الدليلين، والقول بترجيح أحدهما يقتضي تقديم أحدهما على الآخر، فينتفي التساوي بينهما، وهذا تناقض.
والجواب عن ذلك: أن التساوي لا يمنع من وجود جزئيات دقيقة في كل واحد من الدليلين يجعل أحدهما يرجح على الآخر، أو وجود مرجحات خارجية (٢).
стр. 1545
ثانيًا: إذا تحقق الترجيح وجبالعمل بالراجح وترك الآخر؛ لإجماع الصحابة على العمل بما ترجح عندهم من الأخبار (١).
ثالثًا: وجوه الترجيح كثيرة، وحاصلها: أن ما كان أكثر إفادة للظن فهو أرجح (٢).
• تعريف الترجيح:
الترجيح لغة هو: التمييل والتغليب، يقال: رجح الميزان. إذا مال (٣).
واصطلاحًا: اقترَانُ الأَمَارَة بمَا تَقوَى به عَلَى مُعَارضهَا (٤).
وقال الزركشي: هو تَقويَةُ إحدَى الأمَارَتَين عَلَى الأُخرَى بمَا لَيسَ ظَاهرًا، مَأخُوذٌ من رُجحَان الميزَان، وَفَائدَةُ القَيد الأَخير أَنَّ القُوَّةَ لَو كَانَتْ ظَاهرَةً لَم يَحتَج إلَى التَّرجيح (٥).
وقيل: هو عبارة عن تقوية أحد الطريقين على الآخر ليعلم الأقوى
стр. 1546
فيعمل به ويطرح الآخر (١).
• شروط الترجيح:
الشرط الأول: أن يتعذر الجمع بين الدليلين المتعارضين، فإن أمكن الجمع فلا يصح ترجيح أحدهما على الآخر.
الشرط الثاني: أن يكون الدليلان ظنيين، حيث إنه لا تعارض أصلًا بين دليلين قطعيين، وبين دليل قطعي ودليل ظني، وبالتالي لا ترجيح هنا، بل لا بد أن يكون بين ظنيين؛ لأنهما قابلان للتفاوت.
الشرط الثالث: أن يكون الدليلان متساويين في الحجية؛ فلا يصح ترجيح ما كان حُجَّة على ما ليس بحُجَّة، بل لا يسمى ذلك بترجيح أصلًا.
الشرط الرابع: أن يعلم المجتهد تحقق شروط المعارضة بين الدليلين.
الشرط الخامس: أن يكون المرجح قويًّا، بحيث يجعل المجتهد يغلب على ظنه أن أحد الدليلين أقوى من الآخر (٢).
стр. 1547
الوصف الشرعي للترجيح:
إن الترجيح واجب على المجتهد؛ لأنه مطلوب منه بيان الأحكام من أدلتها (١).
* المرجحات (بعض صور الترجيح) (٢):
• النوع الأول: الترجيح باعتبار الإسناد، وله صور منها:
الأول: الترجيح بكثرة الرواة، فيرجح ما رواته أكثر على ما رُوَاته أَقَلّ، لقُوَّة الظَّنّ به، وَإلَيه ذَهَبَ الجُمهُورُ.
الثَّاني: أَنَّهُ يُرَجَّحُ مَا كَانَتْ الوَسَائطُ فيه قَليلَةً، وَذَلكَ بأَن يَكُونَ إسنَادُهُ عَاليًا؛ لأَنَّ الخَطَأَ وَالغَلَطَ فيمَا كَانَتْ وَسَائطُهُ أَقَلَّ، دُونَ مَا كَانَتْ وَسَائطُهُ أَكثَرَ.
الثَّالثُ: تُرَجَّحُ روَايَةُ مَنْ كَانَ فَقيهًا عَلَى مَنْ لَم يَكُنْ كَذَلكَ؛ لأَنَّهُ أَعرَفُ بمَدلُولَات الأَلفَاظ.
الرابع: ترجيح رواية الأوثق والأحفظ، ومن كان أَحَدُهُمَا مُتَّبعًا وَالآخَرُ مُبتَدعًا.
الخَامسُ: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا كثير المخالطة للنبي ﷺ دون الآخر؛
стр. 1548
لأن كثرة المُخَالَطَةَ تَقتَضي زيَادَةً في الاطّلَاع.
السادس: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ ثَبَتَت عَدَالَتُهُ بالتَّزكيَة، وَالآخَرُ بمُجَرَّد الظَّاهر.
السابع: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا قَدْ عُدّلَ مَعَ ذكر أَسبَاب التَّعديل، وَالآخَرُ عُدّلَ بدُونهَا.
الثامن: أَنَّهَا تُرَجَّحُ روَايَةُ مَنْ يوافق الحفاظ عَلَى روَايَة مَنْ يَتَفَرَّدُ عَنهُم في كَثيرٍ من روَايَاته.
التاسع: أَنَّهَا تُقَدَّمُ روَايَةُ مَنْ لَم يَختَلف الرُّوَاةُ عَلَيه على من اختلفوا عليه.
• النوع الثاني: الترجيح باعتبار المتن، وله صور منها (١):
أولًا: يرجح النص على الظاهر؛ وذلك لأن النص أدل لعدم احتماله غير المراد، والظاهر محتمل غيره وإن كان احتمالًا مرجوحًا، لكنه يصلح أن يكون مرادًا بدليل كما سبق في تأويل الظاهر، مثاله قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
стр. 1549
[المائدة: ٩٣]، فالظاهر أن له أن يأكل أو يشرب ما شاء، وإذا اتقى الله مع قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، وهذا نص في تحريم الخمر؛ فيقدم النص على الظاهر، وهذا مثال تقريبي.
ثانيًا: يقدم المنطوق على المفهوم:
مثاله: جواز الرهن في الحضر، قال به الشافعي ومالك وأبو حنيفة، وكافة العلماء، وقال مجاهد وداود: لا يجوز إلا في السفر. تمسكًا بمفهوم الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، واحتج الجمهور (١) بأن النبي ﷺ رهن درعه عند يهودي (٢).
مثال آخر: قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨].
فالمفهوم: أن أكلها حرام؛ لأنها خلقت للركوب، مع حديث جابر يوم خيبر: نَهَانَا رَسُولُ اللَّه ﷺ عَنْ البغَال، وَالحَمير، وَلَم يَنهَنَا عَنْ الخَيل (٣)، فيقدم المنطوق.
стр. 1550
مثال آخر: سأل عمر النبي ﷺ : ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنَّا؟ قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١].
فبمفهوم المخالفة: إن أمنتم فلا تقصروا ولو في السفر. فقال ﷺ : «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بهَا عَلَيكُم، فَاقبَلُوا صَدَقَتَهُ» (١).
ثالثًا: يقدم المثبت على النافي؛ لأن المثبت معه زيادة علم، وهو عدل جازم بها؛ كحديث بلَالٍ ﵁ في إثبات صَلَاة النَّبيّ ﷺ في الكَعبَة (٢) عَلَى روَايَة ابن عَبَّاسٍ في نَفيهَا (٣).
وكحديث بول النبي ﷺ قائمًا، عَنْ عَائشَةَ قَالَتْ: مَنْ حَدَّثَكُم أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ بَالَ قَائمًا فَلَا تُصَدّقُوهُ؛ مَا كَانَ يَبُولُ إلَّا جَالسًا (٤).
стр. 1551
وقال حذيفة: لَقَدْ أَتَى النَّبيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَومٍ، فَبَالَ قَائمًا (١).
فيقدم المثبت على النافي، إلَّا أَنْ يَستَندَ النَّفيُ إلَى علمٍ بالعَدَم، لَا عَدَم العلم فَيَستَويَان، يَعني أَنَّ نَفيَ النَّافي إن استَنَدَ إلَى عَدَم العلم، كَقَوله: لَم أَعلَم أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ صَلَّى بالبَيت. لم يلتفت إليه، وَكَانَ إثبَاتُ المُثبت للصَّلَاة مُقَدَّمًا لمَا سَبَقَ. وَإن استَنَدَ نَفيُ النَّافي إلَى علمٍ بالعَدَم، كَقَول الرَّاوي: اعلَم أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ لَم يُصَلّ بالبَيت، لأَنّي كُنْتُ مَعَهُ فيه، وَلَم يَغب عَنْ نَظَري طَرفَةَ عَينٍ فيه، وَلَم أَرَهُ صَلَّى فيه. أَوْ قَالَ: أَخبَرَني رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنَّهُ لَم يُصَلّ فيه. فَهَذَا يُقبَلُ؛ لاستنَاده إلَى مُدرَكٍ علميٍّ، وَيَستَوي هُوَ وَإثبَاتُ المُثبت، فَيَتَعَارَضَان، وَيُطلَبُ المُرَجّحُ من خَارجٍ.
رابعًا: يقدم الناقل عن الأصل على المبقى له، كحديث: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، فَليَتَوَضَّأ»، مع حديث: «إنما هو بضعة منك»، فيقدم الناقل للحكم على المبقي عليه، وعللوا ذلك بأمرين:
الأول: أن الخبر الناقل يستفاد منه فائدة جديدة، والخبر المبقي لا يستفاد منه إلا ما استفيد من البراءة الأصلية، ففي المثال السابق الحديث الناقل للبراءة استفيد منه نقض الوضوء، وهذه فائدة لم تكن
стр. 1552
موجودة وهي التحريم، والحديث المبقي لها لم يستفد منه إلا عدم النقض من مس الذكر، وذلك كان معلومًا.
الثاني: الخبر الناقل عند ترجيحه يُقدر متأخرًا، فيكون ناسخًا للخبر المبقي للبراءة الأصلية، والخبر المبقي لها لم ينسخ البراءة الأصلية، وإنما هو مقرر لها؛ وبذلك يتحقق النسخ مرة واحدة.
وقال بعض الأصوليين كالرازي والبيضاوي: بترجيح الخبر المبقي للبراءة الأصلية على الخبر الرافع لها، ففي المثال السابق الحديث الناقل عن البراءة الأصلية فيه شغل للذمة، ورفع للبراءة الأصلية؛ لأن مقتضاه نقض الوضوء من مس الذكر، والحديث الثاني مقتضاه عدم النقض وفي ذلك إبقاء للبراءة الأصلية وعدم شغل الذمة بالوضوء، فيكون الحديث الثاني أرجح لاعتضاده بدليل الأصل فَهُمَا دَليلَان، فَيُرَجَّحَان عَلَى دَليلٍ وَاحدٍ، وَهُوَ دَليلُ الحَظر (١).
والراجح: أن الناقل عن الأصل يُقدم على المبقي عليه؛ لأن الأصل أن الشريعة جاءت لتغيير الأحكام.
خامسًا: يقدم قوله ﷺ على فعله؛ لأن فعله قد يكون خاصًّا به، لذلك يقول ابن تيمية: لم يتنازع العلماء في أن قوله ﷺ أوكد من فعله،
стр. 1553
وقد يكون الفعل لحاجة أو عذر، والفعل لا صيغة له تدل بنفسها، وإنما دلالة الفعل لأمر خارج وهو كونه ﵊ واجب الاتباع، فكان القول أقوى فيرجح لذلك، وأيضًا فإن القول متفق على كونه حجة، والفعل مختلف فيه، والمتفق عليه راجح.
سادسًا: يقدم صاحب القصة على غيره، كحديث مَيمُونَةَ بنت الحَارث: «أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» (١)، على حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيمُونَةَ وَهُوَ مُحرمٌ» (٢)؛ فيقدم صاحب القصة لاختصاصه بمزيد علم يوجب إصابته.
سابعًا: يقدم المباشر والملابس للقصة على غيره، كحديث أبي رافع: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو حلال. يقدم على قول ابن عباس: أنه تزوجها وهو محرم. لأن أبا رافع هو المباشر للقصة وقال فيها: وَكُنْتُ الرَّسُولَ بَينَهُمَا (٣).
стр. 1554
ثامنًا: أن يقدم الأفصح على الفصيح؛ لأنه الظن بأنه لفظ النبي ﷺ .
تاسعًا: أن يقدم العام الذي لم يُخصص على العام الذي قد خصص، فيقدم حديث أَبي قَتَادَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ المَسجدَ فَليَركَع رَكعَتَين قَبلَ أَنْ يَجلسَ» (١)، على حديث أَبي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ الصَّلَاة بَعدَ العَصر حَتَّى تَغرُبَ الشَّمسُ، وَعَنْ الصَّلَاة بَعدَ الصُّبح حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ (٢).
فالأول حديث محفوظ لم يخصص، والثاني قد دخله التخصيص، وعلى هذا يقدم الحديث الأول.
عاشرًا: أن يقدم العام الذي لم يرد على سبب على العام الوارد على سبب؛ وذلك لأن الوارد على غير سبب متفق على عمومه، والوارد على سبب مختلف في عمومه (٣).
الحادي عشر: يقدم الحاظر على المبيح، كتقديم عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣].
стр. 1555
المقتضي منع الأختين بملك اليمين، على عموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، الشامل بعمومه للأختين بملك اليمن، ووجه تقديم الحاظر على المبيح: أن ترك مباح أهون من ارتكاب محرم.
الثاني عشر: أن يقدم ما كان حقيقة شرعية أو عرفية على ما كان حقيقة لغوية.
الثالث عشر: أن يقدم الدال على المراد من وجهين على ما كان دالًّا على المراد من وجه واحد.
الرابع عشر: يقدم الإجماع القطعي على الظني.
الخامس عشر: يقدم القياس الجلي على الخفي.
السادس عشر: يقدم ما كانت صفات القبول فيه أكثر على ما دونه، كحديث: «من مس ذكره فليتوضأ»؛ لأنه أحوط وأكثر طرقًا، ومن صححه أكثر.
стр. 1556
• ثالثًا: الترجيح لأمر خارجي، وله طرق (١):
الأول: اعتضاد أحد الخبرين بموافقة ظاهر القرآن، مثل: ترجيح خبر التغليس بالفجر على خبر الإسفار؛ لموافقته لظاهر قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
ونقل عن الشافعي قوله: ما وافق ظاهر القرآن كانت النفوس أميل إليه.
الثاني: ترجيح ما كان عليه عمل أكثر السلف على ما ليس كذلك؛ لأن احتمال إصابة الأكثر أغلب، مثل: ترجيح حديث تكبيرات العيد وأنها سبع في الأولى، وخمس في الثانية. على رواية من روى أنها خمس في الأولى وأربع في الثانية، وهو يرجع إلى الترجيح بالكثرة لعمل الخلفاء الأربعة، وغيرهم به.
الثالث: ترجيح الخبر المقترن بتفسير راويه له بقول أو فعل دون الآخر، فيقدم ما فسره راويه لكون الظن بصحته أوثق، كما في حديث ابن عمر في خيار المجلس، فقد فسره ابن عمر بالتفرق بالأبدان (٢).
стр. 1557
الرابع: موافقة أحد الخبرين للقياس، فيقدم على ما خالف القياس، كما رجح البعض حديث: «إنما هو بضعة منك» على حديث: «من مس ذكره فليتوضأ»؛ لأن الأول موافق للقياس دون الثاني.
وغير ذلك من أسباب الترجيح، وهي كثيرة؛ حيث إن المرجحات يصعب أن تنحصر لكثرتها وانتشارها، لكن ضابط الترجيح: هو ما تحصل به غلبة ظن رجحان أحد الطرفين على الآخر. لذا قال صاحب الضياء اللامع في المرجحات: ومن رام هذه الأجناس بضابط -أي حصر هذه المرجحات- فقد رام شططًا لا تتسع له قوة البشر.
وقال الزركشي: واعلم أن التراجيح كثيرة، ومناطها: ما كان إفادته للظن أكثر فهو الأرجح، وقد تتعارض هذه المرجحات كما في كثرة الرواة، وقوة العدالة فيعتمد المجتهد في ذلك على ما غلب على ظنه (١).
стр. 1558
جامع المسائل والقواعد
في علم الأصول والمقاصد
المجلد الرابع
الاجتهاد، الفتوى، التقليد، وعلم المقاصد
تأليف
عبد الفتاح بن محمد بن مصيلحي
стр. 1559
المجلد الرابع
وفيه فصلان:
• الفصل الأول: الاجتهاد، الفتوى، التقليد.
• الفصل الثاني: مقاصد الشريعة.
стр. 1560
الفصل الأول:
الاجتهاد، والفتوى، والتقليد
وفيه ثلاثة مباحث:
• المبحث الأول: الاجتهاد.
• المبحث الثاني: الفتوى.
• المبحث الثالث: التقليد.
стр. 1561
المبحث الأول: الاجتهاد.
• تعريف الاجتهاد:
الاجتهاد لغة: بذل الوسع فيما فيه كلفة، قال الماوردي: مأخوذ من جهاد النفس وكدها في طلب المراد (١).
وفي الاصطلاح: وهو بذل الجهد في استخراج الأحكام من شواهدها الدالة عليها بالنظر المؤدي إليها.
وقال بعضهم: الاجتهاد هو طلب الحق بقياس وغير قياس.
وقال بعضهم: ما اقتضى غالب الظن في الحكم المقصود.
وقال بعضهم: طلب الصواب بالأمارات الدالة عليه (٢).
وقيل: بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط (٣).
стр. 1562
وقد اشتمل هذا التعريف على الضوابط الآتية:
أ- أن الاجتهاد هو بذل الوسع في النظر في الأدلة، فهو بذلك أعم من القياس؛ إذ القياس هو إلحاق الفرع بالأصل، أما الاجتهاد فإنه يشمل القياس وغيره.
ب- أن الاجتهاد لا يجوز إلا من فقيه، عالم بالأدلة وكيفية الاستنباط منها؛ إذ النظر في الأدلة لا يتأتى إلا ممن كان أهلًا لذلك.
ج- أن الاجتهاد قد ينتج عنه القطع بالحكم أو الظن به، وذلك ما تضمنه قيد «الاستنباط».
د- وقد تضمن قيد «بطريق الاستنباط» بيان أن الاجتهاد إنما هو رأي المجتهد واجتهاده، وذلك محاولة منه لكشف حكم الله، ولا يسمى ذلك تشريعًا؛ فإن التشريع هو الكتاب والسنة، أما الاجتهاد فهو رأي الفقيه أو حكم الحاكم (١).
• نبذة تاريخية عن الاجتهاد:
بدأ الاجتهاد الجزئي في العهد النبوي، سواء كان ذلك من النبي ﷺ على قول، كما سنرى، أم كان من الصحابة الذين كانوا يعرضون اجتهاداتهم على رسول الله ﷺ ، فيقر الصواب الذي يتفق مع الشرع،
стр. 1563
وينكر الخطأ الذي يخالف الدين.
ثم مر الاجتهاد بثلاثة أطوار رئيسية، وهي:
الطور الأول: بدأ الاجتهاد رويدًا رويدًا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وانتقاله للرفيق الأعلى، فتصدى كبار الصحابة وعلماؤهم، وفقاؤهم وقضاتهم وولاتهم للاجتهاد، لبيان حكم الله تعالى فيما يستجد من أحداث، مما ليس له حكم منصوص عليه في الكتاب والسنة، وأدوا وظيفتهم كاملة، وغطوا أحكام ما وقع في عصرهم، وإن كان قليلًا إلى حد ما.
ولما انتشر الإسلام، وزادت الفتوحات، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وامتدت الدولة الإسلامية إلى عواصم الأمم الأخرى، وبلاد الحضارات السائدة، توسع الصحابة ثم التابعون في الاجتهاد، وازدهرت الحركة الفقهية، وبرز الفقهاء المجتهدون من التابعين إلى أن بلغوا الذروة والقمة في القرن الثاني الهجري، وسار الاجتهاد بعد ذلك على وتيرة واحدة، وزخم كبير طوال قرنين تقريبًا، وبلغ الفقه الإسلامي أوجه، ونما، وازدهر، واستجاب لحاجات الناس ومقتضيات تطور الحياة، وأنتج ثروة فقهية زاهرة، مع بعض الخمول أحيانًا، وتراجع بعض الفقهاء والعلماء عن مسابقة الركب، واللحاق بالمقدمة، وفي ذات الوقت بدأ يظهر التقليد للأئمة والعلماء والمذاهب في مختلف
стр. 1564
الأصقاع والبلدان، ولكن كان أكثر العلماء والفقهاء مجتهدين، حتى المحدثون منهم، كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، وجميع القضاة، ومعظم الولاة والخلفاء، وأكثرهم يجتهد ويستنبط الأحكام من المصادر المختلفة بطرق الاجتهاد السليمة، وكانت جماهير الأمة يستفتونهم، ويأخذون عنهم، ويتبعون آراءهم وأحكامهم.
الطور الثاني: وذلك ابتداء من منتصف القرن الرابع الهجري حتى منتصف القرن الرابع عشر الهجري، أي: حوالي ألف سنة، وبدأ الاجتهاد في أول هذا الطور يتراجع، ويتجزأ، ويضطرب، ويتخلخل، ثم بدأ يتسرب إليه أنصاف العلماء ومن دونهم الذين بدأوا يتطاولون على الاجتهاد، ويخرج على الأمة والناس بالأوهام والسخافات، وما يتناقض مع الشرع، ويتعارض مع قواعد أصول الفقه، ويتجاوز ضوابط الاجتهاد، وضعفت الأمة، وبدأ الانحطاط في المجتمع والدولة، مما دعا العلماء الغيورين على الدين أن يتصدوا لهذه الآراء الواهية، وأن يقفوا أمام أدعياء العلم، وأن يعلنوا إغلاق باب الاجتهاد ليوصدوا هذا الباب أمام من ليس أهلًا للاجتهاد والنظر، ويقطعوا الطريق أمام أصحاب الأهواء من مختلف الفرق والمذاهب، وانحصر الاجتهاد غالبًا في مجتهد المذهب، ومجتهد المسائل، ومجتهد التخريج، ومجتهد الترجيح … ، وأصبح أكثر الفقهاء والعلماء من هذه الطبقات،
стр. 1565
وإن ظهر لبعضهم اجتهادات قيمة، وآراء سديدة، وبزغ بينهم مجتهدون، ولكنهم قلة.
ونتج عن ذلك جمود الفقه الإسلامي، وركود الحركة الفقهية، وطغيان التقليد، والاقتصار على المتون، واختصار الكتب، وتدوين الشروح، والحواشي، والموسوعات المذهبية، أو المقارنة بين المذاهب، والتزام جماهير الأمة اتباع المذاهب المتعددة التي استقرت وشاعت، ثم اختفى بعضها وانقرض كمذهب الأوزاعي، والمذهب الظاهري، وسيطرت المذاهب الأربعة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي على معظم أرجاء البلاد الإسلامية، وبقي إلى جانبهم المذهب الزيدي، والإمامي الجعفري، والإباضي.
ونتج عن هذه الحالة -مع إقفال باب الاجتهاد- البقاء على وحدة الأمة الإسلامية، والحفاظ على الثروة الفقهية الموروثة من الطور الأول، وفي ذات الوقت وقف الفقه عن مجاراة الحياة، ووقف الفقهاء والعلماء وراء الركب، وأحس الناس بعجز العلماء، وقصور الأحكام، وخاصة مع التعصب المذهبي، والالتزام بمذهب دون غيره، ورافق ذلك الضعف السياسي، وتسلط الدول الأخرى على البلاد الإسلامية شيئًا فشيئًا، فتحلل الناس والحكام من الأحكام الشرعية جزئيًّا، والتمسوا الحلول المستوردة من القوانين والأنظمة الأجنبية إلى أن
стр. 1566
غابت معظم الأحكام الشرعية عن معظم البلاد الإسلامية، وتسرب الغزو الفكري، والنظريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الغربية، حتى وصل الأمر إلى التشكيك بالإسلام، وفصل الدين والشرع عن الدولة والمجتمع، والهجوم على القرآن والسنة، والطعن أو الغمز أو اللمز صراحة أو ضمنًا بالفقه الإسلامي، وانتهى معظم المسلمين إلى الحضيض، مع تسرب ومضات خاطفة لظهور بعض المجتهدين الذين يصرون على استمرار الاجتهاد.
الطور الثالث: أحس العلماء الغيورون بالوضع الراهن السيء، وتلمسوا الحلول لإنقاذ الأمة، وأيقنوا أن فتح باب الاجتهاد هو أحد الوسائل المهمة لحل المشكلة، وعادوا إلى إحياء قواعد أصول الفقه، والاجتهاد في القضايا المعاصرة والمستجدة، وفتحت الجامعات الإسلامية، وكليات الشريعة، وظهرت كوكبة من العلماء في القرن الرابع عشر تدعو للصحوة الإسلامية والتشريعية، والعودة إلى الينابيع، وإكمال العمل الذي كان في العهود السابقة للسلف الصالح، وأنشئت المجامع الفقهية، ومجمع البحوث، والمؤتمرات والندوات التي ضمت في جنباتها كبار علماء العصر الذين أدلوا بدلوهم، وأثبتوا أن فضل الله لا ينقطع؛ ولا ينحصر بجيل وأفراد، وفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، لكن ولجه من هو له أهل، واندس فيه من ليس أهلًا له، بل
стр. 1567
هجم عليه غير المختصين أصلًا بالدين والشريعة، ثم بدأ الأمر يتمحص لمن يستحق أن يكون أهلًا للاجتهاد بجدارة، حتى قال الشوكاني ﵀: ومن حصر فضل الله على بعض خلقه، وقصر فهم هذه الشريعة المطهرة على ما تقدم عصره، فقد تجرأ على الله ، ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده، ثم على عباده الذين تعبدهم الله بالكتاب والسنة (١).
وعادت دراسة أصول الفقه ليتم تطبيقها، ومنها أهلية الاجتهاد وشروطه وضوابطه، ليمارسها العلماء، ويعملوا بموجبها، ويؤكدوا صلاحية هذه الشريعة لكل زمان ومكان، وأن كل واقعة في الكون تتصل بالإنسان لها حكم شرعي يجب على العلماء والفقهاء بيانه (٢).
• مكانة الاجتهاد:
تظهر أهمية الاجتهاد ومكانته من خلال النقاط التالية:
١ - الاجتهاد حكم شرعي:
إن الاجتهاد حكم شرعي مقرر ثابت بالنصوص والإجماع، وهو مهم للغاية، ويجب ممارسته وتطبيقه والعمل به وجوبًا شرعيًّا، فيثاب
стр. 1568
فاعله، ويعاقب الأهل له بتركه، وإذا تركه الجميع أثموا، فالاجتهاد -في حد ذاته- عبادة، وتعبد لله تعالى في وسائله وغايته، وتقرب لرضوانه في الدنيا والآخرة، ليفوز المجتهد بمكانة العلماء الثابتة شرعًا.
وإن تعطيل الاجتهاد، أو ادعاء غلقه، والعزوف عنه، يعطل حكمًا أساسيًّا مهمًّا في الشرع، كإقامة الدولة الإسلامية، والجهاد، وأركان الإسلام، وينعكس أثره السيء على سائر المسلمين، والأمة، والمجتمع، والدعوة، والتطور، والحياة، ومستقبل المسلمين، ومكانتهم في الأرض، وتحت الشمس، وبين الأمم، كما حصل في العصور الأخيرة.
٢ - أحكام النوازل والمستجدات:
إن الاجتهاد هو الوسيلة الوحيدة للمسلمين لإيجاد الأحكام والحلول للمشكلات الطارئة، والنوازل الواقعة، والمستجدات المتلاحقة، بغية معرفة حكم الله تعالى فيها، وتسهيل حياة المسلمين، وتيسير ظروفهم وأحوالهم وشؤونهم، وبيان مصالحهم في ضوء الشريعة الغراء، بجلب المصالح والمنافع لهم، ودفع المضار والمفاسد، والهلاك والضرر عنهم، وحمايتهم من السيطرة التشريعية الأجنبية، أو الاستعمار التشريعي، واستيراد الأحكام من الأعداء، وإبعاد الجمود الفكري والعقلي والشرعي عن حياتهم.
стр. 1569
٣ - صلاحية الشريعة:
إن الاجتهاد هو الوسيلة الوحيدة التي تؤكد صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، وتبين خصائص الشريعة وسماتها وواقعيتها ومرونتها وقدرتها على التطبيق، ومجاراتها لتطور الحياة، وكانت السلاح الوضاء أمام العلماء والدعاة في الدعوة لتطبيق شرع الله وأحكامه ودينه في جميع الأعصار والأمصار، وإلا تعطلت الشريعة، وفقدت سر بقائها، وتعرض أهلها للغزو الفكري والتشريعي ليحل محل الفقه الإسلامي.
٤ - الثروة الفقهية التشريعية:
إن الاجتهاد في العصور الأولى، وحتى في المراحل اللاحقة، كان الوسيلة الوحيدة حيث أعطى الأمة الإسلامية ثروة فقهية زاخرة، وتراثًا غزيرًا، تضاهي بها العالم، ويندر وجود مثيلها عند أمة أخرى، وزود المسلمين بملايين المؤلفات والمصنفات والموسوعات والمجلدات والكتب الفقهية التي عول عليها العالم أجمع في العصور الحديثة، والنهضة المعاصرة، ويستفيد منها المسلمون، ويتخيرون ما يقوى دليله، ويصلح للعصر، ثم يجتهدون فيما وراءه.
ولا يزال الاجتهاد -بل يجب أن يكون- السلاح الذي يعول عليه المسلمون اليوم في إغناء شعوبهم أولًا، وتزويد العالم ثانيًا بالحلول
стр. 1570
الشرعية التي تنبثق من الأصول الشرعية، لتحقيق مصالح الناس بأفضل الوسائل، وأنجع المناهج، ويكفي أن نشير مثلًا إلى ما حققه الاجتهاد المعاصر في الاقتصاد الإسلامي، وبيان الأحكام الشرعية المؤصلة للمؤسسات المالية الإسلامية، كالمصارف، والتأمين، والسوق المالية، وسائر المعاملات المعاصرة مما ينعم به المسلمون اليوم، وبربطهم بدينهم وعقيدتهم وتراثهم، ويحقق مصالحهم، ويدفع عنهم غائلة النظم المادية الأخرى.
٥ - إعمال الفكر والعقل:
إن الاجتهاد -بحد ذاته- يغذي فكر المسلمين عامة، والعلماء خاصة، ويمنحهم الإثراء العقلي، والتفتح الذهني، وتشغيل الدماغ والعقل فيما يعود بالخير والنفع على الأمة والإنسانية، ويساهم في تطوير البحث النظري والشرعي، ويوسع مدارك المتعلمين والمتفقهين على جميع المستويات، ويعمق الحوار الجاد، والمناظرات العلمية الفاعلة والنافعة للناس، وبالتالي يتجدد الفكر بدلًا من الجمود والتعطيل، والمحاكاة والتقليد الذي يساهم بتهيئة النفوس للاستعمار الفكري والثقافي والتشريعي، فالاجتهاد يطرد ذلك، ويجعل العلماء والفقهاء والمجتهدين والأمة في المكان الذي يحبه الله ويرضاه، ويدعو إليه ويرغب به.
стр. 1571
٦ - الارتباط بمصادر التشريع:
إن الاجتهاد العملي يعمق الارتباط بالقرآن الكريم والسنة الشريفة، ويحكم الصلة بآثار الصحابة والتابعين، ويتفاعل مع فتاوى السلف والخلف، ويوثق الصلة باللغة العربية والتراث العظيم، وتاريخ التشريع الإسلامي في مختلف أطواره، فيستفيد المجتهد من كل ذلك، ثم يبدع وينتج ويستخرج الأحكام الشرعية التي تنفع الناس، ويوجد الحلول الإسلامية لمجريات الحياة.
٧ - الارتباط بالواقع والحياة:
إن المجتهد في قضايا عصره يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحياة الناس، وهموم الأمة، والنوازل التي تقع، فيكون مجتهدًا وعالِمًا واقعيًّا يفهم حياته وعصره، ولا يبقى في البرج العاجي الخالي من الناس، ويقطع عنه أحلام الماضي، والتغني بالآباء والأجداد، بل يعيش مع أهل العصر، ويكشف لهم الطريق الشرعي لمعاملاتهم على ضوء الكتاب والسنة وسائر مصادر التشريع الإسلامي (١).
стр. 1572
• أركان الاجتهاد:
الاجتهاد له ثلاثة أركان، وهي:
١ - نفس الاجتهاد:
وهو العمل والفعل الذي يبذل فيه المجتهد وسعه لنيل حكم شرعي من الأدلة المقررة شرعًا عن طريق الاستنباط والاستدلال والقياس وغيره، مما ليس فيه نص قطعي الثبوت والدلالة، أو مما لم يسبق فيه إجماع، وسبق تعريف الاجتهاد، وسيرد لاحقًا- إن شاء الله- مجاله، وشروطه.
٢ - المُجتهِد:
وهو الفقيه الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد، وصار عنده ملكة يقتدر بها على استنتاج الأحكام من مآخذها، وبشروطها التي سترد.
٣ - المُجتهَد فيه:
وهو الحكم الشرعي العملي أو العلمي الذي ليس فيه دليل قطعي، فالحكم هو الوصف للحادثة أو الواقعة، والشرعي لإخراج الأمور العقلية التي لا تحتمل الاجتهاد، ولأن الحق فيها واحد لا يتعدد، ولا يحتمل الاختلاف، والعملي هو الذي يقتضي عملًا بالقلب أو اللسان أو الأعضاء والجوارح مما يدخل في كسب المكلف إقدامًا أو إحجامًا،
стр. 1573
والعلمي هو ما تضمنه علم الأصول من المظنونات التي يستند العمل إليها، وعبارة «ليس فيه دليل قاطع» لتخرج الأحكام الثابتة بالدليل القطعي، مما يحرم فيه الاجتهاد؛ لأن الاجتهاد ظن، والظن لا يقوى ولا يعارض القطع، وذلك كوجوب الصلوات الخمس، والزكاة، وصيام رمضان، والحج، وما اتفقت عليه الأئمة، وأجمع عليه الفقهاء من أحكام الشرع الجلية (١).
• شروط المجتهد:
١ - أن يعلم من الأدلة الشرعية ما يحتاج إليه في اجتهاده، كآيات الأحكام وأحاديثها.
٢ - أن يعرف ما يتعلق بصحة الحديث وضعفه، كمعرفة الإسناد ورجاله، وغير ذلك.
٣ - أن يعرف الناسخ والمنسوخ، ومواقع الإجماع حتى لا يحكم بمنسوخ، أو مخالف للإجماع.
٤ - أن يعرف من الأدلة ما يختلف به الحكم من تخصيص، أو تقييد، أو نحوه، حتى لا يحكم بما يخالف ذلك.
٥ - أن يعرف من اللغة وأصول الفقه ما يتعلق بدلالات الألفاظ،
стр. 1574
كالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، ونحو ذلك ليحكم بما تقتضيه تلك الدلالات.
٦ - أن يكون عنده قدرة يتمكن بها من استنباط الأحكام من أدلتها.
٧ - قال الشاطبي: من شروطهم فى العالم بأي علم أن يكون عارفًا بأصوله وما ينبنى عليه ذلك العلم، قادرًا على التعبير عن مقصوده، عارفًا بما يلزم عنه، قائمًا على دفع الشبه الواردة عليه فيه، غير أنه لا يشترط السلامة عن الخطأ البتة (١).
٨ - لا يشترط فيه حفظ القرآن ولا أدلة الأحكام -كما قال بعضهم- وكذلك في الأحاديث، بل يكفيه معرفة مواقع الآيات من القرآن، وكذلك الأحاديث من السنة.
٩ - أن يكون عالمًا بالقياس، حيث إن أكثر من نصف الفقه مبني عليه، فيعرف أركانه، وشروطه، وقوادحه.
قال الإمام أحمد: لا يستغني أحد عن القياس (٢).
١٠ - معرفة مقاصد الشريعة، بأن يفهم المجتهد مقاصد الشرع العامة من تشريع الأحكام، وأن يكون خبيرًا بمصالح الناس،
стр. 1575
وأحوالهم، وعاداتهم، وأعرافهم.
١١ - أن يكون عدلًا مجتنبًا للمعاصي القادحة في العدالة، وهذا الشرط يشترط لجواز الاعتماد على فتواه، فمن ليس بعدل لا تقبل فتواه.
بل قيل إن المجتهد الفاسق لو أظهر دليله، وكان دليلًا صالحًا للاحتجاج به، فإن كان المستمع لهذه الفتوى عالمًا مدركًا لصحة الدليل، ووجه دلالته على الحكم؛ فإنه يعمل بفتوى ذلك الفاسق، اعتمادًا على الدليل الصحيح، وليس اعتمادًا على اجتهاد ذلك المجتهد الفاسق.
وإن كان المستمع لهذه الفتوى لا يدرك صحة الدليل ولا يعلم؛ فإنه لا يعمل بفتواه.
• حكم الاجتهاد:
هو فرض كفاية، فإذا قام به البعض الكافي سقط عن الباقين.
• وقد ينتقل إلى فرض العين، كما هو فى حق المجتهد لنفسه، فلا يجوز للمجتهد أن يقلد غيره، بل يجب عليه الاجتهاد، وأن يعمل باجتهاده، وكذلك فى حق المجتهد لغيره إذا تعين عليه الحكم.
• وقد يكون مندوبًا كالاجتهاد في الحوادث التي لم توجد بعد.
стр. 1576
• وقد يكون الاجتهاد حرامًا، وذلك في صور منها:
١ - إذا اجتهد فى مخالفة نص أو إجماع.
٢ - إذا اجتهد فأخرج قولًا غير القولين المختلف فيهما.
٣ - اجتهد من لم يبلغ رتبه الاجتهاد بعد.
• مسألة: تجزؤ الاجتهاد:
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
الأول: أنه يجوز تجزؤ الاجتهاد، فالشخص العارف لمسألة معينة، وأدلتها وطرق النظر فيها، وما يتعلق بها، فإنه يجوز أن يجتهد فيها ويعمل باجتهاده، وهذا مذهب الجمهور.
والأدلة على ذلك:
١ - أنه لو كان العلم بجميع مسائل الفقه شرطًا لبلوغ درجة الاجتهاد، وشرطًا لقبوله منه؛ لكان توقف بعض الصحابة، وبعض الأئمة عن الفتيا في بعض المسائل، وعدم قدرتهم على ذلك مخرجًا له عن الاجتهاد.
٢ - أن بعض مسائل الفقه لا صلة لها بالمسائل الأخرى، فلا تضره إذا لم يعرفها أو غفل عنها.
стр. 1577
• مراتب المجتهدين:
المجتهد إما مستقل أو غير مستقل، وغير المستقل أربعة أقسام، فتكون مراتب المجتهدين خمسًا، وهي:
١ - المجتهد المستقل المطلق:
وهو الذي توفرت فيه الشروط السابقة، وكان له قواعد لنفسه، وأصول خاصة يعتمد عليها، ويبني عليها أحكام الفقه، ويمارسها في الاجتهاد، وكان اجتهاده في عامة أبواب الفقه، ويبذل جهده في معرفة النوازل والوقائع وما يسأل عنه، وهذا هو المجتهد المطلق المستقل.
وهذا الصنف قد يصعب توفره الآن، وخاصة مع اتساع العصر، وتنوع العلوم، وكثرة الوقائع والنوازل، والاعتماد على التخصص العام، والتخصص الفرعي الدقيق في مختلف العلوم وفي شؤون الحياة.
ومن أمثلة المجتهد المطلق فقهاء الصحابة والتابعين والأئمة الذين جاؤوا بعدهم واشتهروا بالاجتهاد المطلق كأبي حنيفة، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، والليث بن سعد، والثوري، وابن جرير الطبري، وأبي ثور، وابن المنذر، وغيرهم كثير.
٢ - المجتهد المطلق غير المستقل:
وهو الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد كالصنف السابق، لكن لم
стр. 1578
يضع لنفسه قواعد ينفرد بها، بل التزم طريقة إمام من أئمة المذاهب في الاجتهاد، فهو مجتهد مطلق منتسب، فهو لم يقلد إمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقته في الاجتهاد والفتوى، ودعا إلى مذهبه، وقرأ كثيرًا منه على أهله، فوجده صوابًا، وأولى من غيره، وذلك مثل أبي يوسف ومحمد وزفر من الحنفية، وابن القاسم وأشهب من المالكية، والبويطي والزعفراني والمزني من الشافعية.
٣ - المجتهد المقيد:
ويسمى: المجتهد في المذهب، أو مجتهد التخريج؛ لأنه مقيد في مذهب إمام معين، وعاملٌ على تقرير أصوله بالدليل، ولا يتعدى أصوله وقواعده، ويتقنها مع فقهها وأدلة مسائلها، وفي ذات الوقت فإنه يعرف القياس، ويقدر على التخريج والاستنباط على أصول إمامه، ويلحق الفروع بالأصول والقواعد التي لإمامه، كالحسن بن زياد الكرخي والطحاوي من الحنفية، والأبهري وابن أبي زيد من المالكية، وأبي إسحاق الشيرازي وأبي إسحاق المروزي من الشافعية، وغيرهم.
ويقوم مجتهد التخريج بنشاط في أقوال إمامه، فإذا أفتى الإمام في مسألتين متشابهتين بحكمين مختلفين في وقتين، نقل حكم كل منهما إلى الأخرى، وصار في كل مسألة قولان بالاجتهاد والتخريج، ما لم يفرق الإمام بينهما، أو يقرب الزمن.
стр. 1579
٤ - مجتهد الترجيح:
وهو فقيه النفس، الحافظ لمذهب إمامه، العارف بأدلته، القائم بتقريرها، ثم يصور ويحرر للمسائل الجديدة، ويمهد لها ويقررها، ويزيف ما يخالفها، ويرجح بين أقوال الإمام، ووجوه الأصحاب، مثل القدوري والمرغيناني صاحب «الهداية» من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب والشيخ خليل من المالكية، وأبي الطيب الطبري وأبي حامد الإسفراييني والرافعي والنووي من الشافعية، والقاضي أبي يعلى وابن قدامة وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة، وغيرهم كثير في كل مذهب، ممن لم يخل منهم عصر.
٥ - مجتهد الفتيا:
وهو الفقيه الذي يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه، ويعتمد عليه في نقل المذهب والفتوى به فيما يحكيه من كتب المذهب، ومنصوصات الإمام، وتفريعات الأصحاب المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم، فإن لم يجد حكمًا منقولًا في مذهبه، أعطى ما في معناه مما يدركه بأدنى فكر وتأمل، وأنه لا فارق بين الأمرين، وهذا النوع أكثر من أن يحصى في كل مذهب، وفي كل عصر ممن يتصدر للفتوى والتعليم، وهم المسمون اليوم بالعلماء والفقهاء والمختصين بالشريعة، وهم القائمون على الاجتهاد الجزئي، وبيان أحكام النوازل
стр. 1580
والمستجدات، ويتولون الإفتاء وبيان الأحكام للناس (١).
• مجالات الاجتهاد:
الاجتهاد يكون في الظنيات فقط، وذلك يشمل:
١ - النص قطعي الثبوت ظني الدلالة: وهذا يكون في الآية التي دل لفظها على الحكم دلالة ظنية، وكذلك الحديث المتواتر. مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فهذا قطعي الثبوت ظني الدلالة؛ لأن لفظ القرء مجمل، ويحتمل أن يكون معناه الحيض أو الطهر، فيجتهد هنا المجتهد للوصول إلى المراد.
٢ - النص ظني الثبوت قطعي الدلالة: وهذا يكون في خبر الواحد الذي دل معناه دلالة قطعية مع ظنية الثبوت فيه، فيعمل المجتهد في البحث في سنده، وطرق وصوله إلينا، وحال رواته. مثل قوله ﷺ : «في كل خمس من الإبل شاة» (٢)، فهذا نص قطعي الدلالة لا يحتمل إلا معنى واحد.
٣ - النص ظني الثبوت والدلالة معًا: وهذا يكون في خبر الواحد