• وقد يكون الاجتهاد حرامًا، وذلك في صور منها:
١ - إذا اجتهد فى مخالفة نص أو إجماع.
٢ - إذا اجتهد فأخرج قولًا غير القولين المختلف فيهما.
٣ - اجتهد من لم يبلغ رتبه الاجتهاد بعد.
• مسألة: تجزؤ الاجتهاد:
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
الأول: أنه يجوز تجزؤ الاجتهاد، فالشخص العارف لمسألة معينة، وأدلتها وطرق النظر فيها، وما يتعلق بها، فإنه يجوز أن يجتهد فيها ويعمل باجتهاده، وهذا مذهب الجمهور.
والأدلة على ذلك:
١ - أنه لو كان العلم بجميع مسائل الفقه شرطًا لبلوغ درجة الاجتهاد، وشرطًا لقبوله منه؛ لكان توقف بعض الصحابة، وبعض الأئمة عن الفتيا في بعض المسائل، وعدم قدرتهم على ذلك مخرجًا له عن الاجتهاد.
٢ - أن بعض مسائل الفقه لا صلة لها بالمسائل الأخرى، فلا تضره إذا لم يعرفها أو غفل عنها.
стр. 1577
• مراتب المجتهدين:
المجتهد إما مستقل أو غير مستقل، وغير المستقل أربعة أقسام، فتكون مراتب المجتهدين خمسًا، وهي:
١ - المجتهد المستقل المطلق:
وهو الذي توفرت فيه الشروط السابقة، وكان له قواعد لنفسه، وأصول خاصة يعتمد عليها، ويبني عليها أحكام الفقه، ويمارسها في الاجتهاد، وكان اجتهاده في عامة أبواب الفقه، ويبذل جهده في معرفة النوازل والوقائع وما يسأل عنه، وهذا هو المجتهد المطلق المستقل.
وهذا الصنف قد يصعب توفره الآن، وخاصة مع اتساع العصر، وتنوع العلوم، وكثرة الوقائع والنوازل، والاعتماد على التخصص العام، والتخصص الفرعي الدقيق في مختلف العلوم وفي شؤون الحياة.
ومن أمثلة المجتهد المطلق فقهاء الصحابة والتابعين والأئمة الذين جاؤوا بعدهم واشتهروا بالاجتهاد المطلق كأبي حنيفة، ومالك بن أنس، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، والليث بن سعد، والثوري، وابن جرير الطبري، وأبي ثور، وابن المنذر، وغيرهم كثير.
٢ - المجتهد المطلق غير المستقل:
وهو الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد كالصنف السابق، لكن لم
стр. 1578
يضع لنفسه قواعد ينفرد بها، بل التزم طريقة إمام من أئمة المذاهب في الاجتهاد، فهو مجتهد مطلق منتسب، فهو لم يقلد إمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقته في الاجتهاد والفتوى، ودعا إلى مذهبه، وقرأ كثيرًا منه على أهله، فوجده صوابًا، وأولى من غيره، وذلك مثل أبي يوسف ومحمد وزفر من الحنفية، وابن القاسم وأشهب من المالكية، والبويطي والزعفراني والمزني من الشافعية.
٣ - المجتهد المقيد:
ويسمى: المجتهد في المذهب، أو مجتهد التخريج؛ لأنه مقيد في مذهب إمام معين، وعاملٌ على تقرير أصوله بالدليل، ولا يتعدى أصوله وقواعده، ويتقنها مع فقهها وأدلة مسائلها، وفي ذات الوقت فإنه يعرف القياس، ويقدر على التخريج والاستنباط على أصول إمامه، ويلحق الفروع بالأصول والقواعد التي لإمامه، كالحسن بن زياد الكرخي والطحاوي من الحنفية، والأبهري وابن أبي زيد من المالكية، وأبي إسحاق الشيرازي وأبي إسحاق المروزي من الشافعية، وغيرهم.
ويقوم مجتهد التخريج بنشاط في أقوال إمامه، فإذا أفتى الإمام في مسألتين متشابهتين بحكمين مختلفين في وقتين، نقل حكم كل منهما إلى الأخرى، وصار في كل مسألة قولان بالاجتهاد والتخريج، ما لم يفرق الإمام بينهما، أو يقرب الزمن.
стр. 1579
٤ - مجتهد الترجيح:
وهو فقيه النفس، الحافظ لمذهب إمامه، العارف بأدلته، القائم بتقريرها، ثم يصور ويحرر للمسائل الجديدة، ويمهد لها ويقررها، ويزيف ما يخالفها، ويرجح بين أقوال الإمام، ووجوه الأصحاب، مثل القدوري والمرغيناني صاحب «الهداية» من الحنفية، والقاضي عبد الوهاب والشيخ خليل من المالكية، وأبي الطيب الطبري وأبي حامد الإسفراييني والرافعي والنووي من الشافعية، والقاضي أبي يعلى وابن قدامة وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة، وغيرهم كثير في كل مذهب، ممن لم يخل منهم عصر.
٥ - مجتهد الفتيا:
وهو الفقيه الذي يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه، ويعتمد عليه في نقل المذهب والفتوى به فيما يحكيه من كتب المذهب، ومنصوصات الإمام، وتفريعات الأصحاب المجتهدين في مذهبه وتخريجاتهم، فإن لم يجد حكمًا منقولًا في مذهبه، أعطى ما في معناه مما يدركه بأدنى فكر وتأمل، وأنه لا فارق بين الأمرين، وهذا النوع أكثر من أن يحصى في كل مذهب، وفي كل عصر ممن يتصدر للفتوى والتعليم، وهم المسمون اليوم بالعلماء والفقهاء والمختصين بالشريعة، وهم القائمون على الاجتهاد الجزئي، وبيان أحكام النوازل
стр. 1580
والمستجدات، ويتولون الإفتاء وبيان الأحكام للناس (١).
• مجالات الاجتهاد:
الاجتهاد يكون في الظنيات فقط، وذلك يشمل:
١ - النص قطعي الثبوت ظني الدلالة: وهذا يكون في الآية التي دل لفظها على الحكم دلالة ظنية، وكذلك الحديث المتواتر. مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فهذا قطعي الثبوت ظني الدلالة؛ لأن لفظ القرء مجمل، ويحتمل أن يكون معناه الحيض أو الطهر، فيجتهد هنا المجتهد للوصول إلى المراد.
٢ - النص ظني الثبوت قطعي الدلالة: وهذا يكون في خبر الواحد الذي دل معناه دلالة قطعية مع ظنية الثبوت فيه، فيعمل المجتهد في البحث في سنده، وطرق وصوله إلينا، وحال رواته. مثل قوله ﷺ : «في كل خمس من الإبل شاة» (٢)، فهذا نص قطعي الدلالة لا يحتمل إلا معنى واحد.
٣ - النص ظني الثبوت والدلالة معًا: وهذا يكون في خبر الواحد
стр. 1581
الدال على معناه دلالة ظنية، وكذلك هو ظني الثبوت، فيجتهد المجتهد هنا في أمرين:
الأول: إثبات سنده، وحال رواته من العدالة والضبط، ونحو ذلك.
الثاني: دلالة الحديث على المراد منه.
٤ - الاجتهاد فيما لا نص فيه ولا إجماع: وهذا يكون في حادثة لم يرد في حكمها نص، ولا إجماع؛ فيبذل المجتهد وسعه في إدراك حكم هذه المسألة، بالضوابط والقواعد، والأدلة التي أرشده إليها الشرع.
• طريقة الاجتهاد:
إن المجتهد إذا عرضت له قضية أو مسألة، فإنه يسير حسب الخطوات والمراحل التالية:
١ - الرجوع إلى النصوص القطعية، فإن وجد فيها حكم المسألة بدلالة قطعية، قال به، والتزمه، وأفتى به، ولا يجوز له مطلقًا مخالفته والخروج عنه.
فإن كانت الدلالة ظنية للنصوص القطعية، لكن اجتهد فيها السابقون، واتفقوا على حكم، كان إجماعًا، والتزم به، وعمل بموجبه، وأفتى به كالسابق.
فإن لم يتفقوا على حكم، وكان لكل منهم رأي، فإن كان السابقون
стр. 1582
من الصحابة، أخذ بما يعتقده في قول الصحابي، من اتباع أحدهم وعدم الخروج عنهم، أو الاجتهاد مثلهم، كما هو مبين في مذهب الصحابي.
وإن لم يكن المجتهدون السابقون من الصحابة، وجب على المجتهد أن يبذل وسعه وينظر في الأدلة، ويجتهد، سواء وافق رأيه رأي أحدهم، أو خالف الجميع.
٢ - الرجوع إلى النصوص الظنية الثبوت، أو ظنية الثبوت والدلالة، ويعمل بالخطوات السابقة في النصوص القطعية الثبوت الظنية الدلالة.
٣ - عند عدم النص، فإن اجتهد السابقون وأجمعوا على رأي، صار له حكم الإجماع، وإن اختلف الصحابة، عمل برأيه في مذهب الصحابي، وإن كان الاختلاف من غيرهم، لزمه الاجتهاد.
٤ - ولا بد للمجتهد أن يرجع إلى النصوص لعله يجد فيها دلالة على الواقعة المعروضة عليه بالنص، أو الظاهر، وسائر أنواع الدلالات، ويجهد نفسه في معرفة مقاصد الشريعة، واستنباط العلل؛ ليطبق ذلك على الواقعة.
٥ - إن لم يجد المجتهد لذلك حكمًا من الاجتهاد في النصوص، اتجه إلى جمع كل ما يتصل بالواقعة من معان لغوية، ونصوص قرآنية، وأحاديث نبوية، وأقاويل السلف، وأوجه القياس الممكنة، واتجه بقلبه
стр. 1583
مخلصًا لمعرفة حكم الله تعالى فيها من دون تعصب أو تحمل، أو تهور أو تقصير، فما وصل إليه اجتهاده، فهو حكم الله تعالى - عند المجتهد - الذي يجب عليه التزامه، والعمل به، والفتوى فيه.
واستحسن الشوكاني منهج الشافعي ﵀، الذي حكاه عنه الغزالي، ولخص فيه طريقة الاجتهاد فقال: إذا وقعت الواقعة للمجتهد، فليعرضها على نصوص الكتاب، فإن أعوزه، عرضها على الخبر المتواتر، ثم الآحاد، فإن أعوزه لم يخض في القياس، بل يلتفت إلى ظواهر الكتاب، فإن وجد ظاهرًا، نظر في المخصصات من قياس وخبر، فإن لم يجد مخصصًا، حكم به، وإن لم يعثر على ظاهر من كتاب ولا سنة، نظر إلى المذاهب، فإن وجدها مجمعًا عليها، اتبع الإجماع، وإن لم يجد إجماعًا، خاض في القياس، ويلاحظ القواعد الكلية أولًا، ويقدمها على الجزئيات، فإن عدم قاعدة كلية، نظر في المنصوص ومواقع الإجماع، فإن وجدها في معنى واحد، ألحق به، وإلا انحدر به إلى القياس، فإن أعوزه، تمسك بالشبه، ولا يعول على طرد (١).
стр. 1584
ويبين الماوردي ﵀ وجوه الاجتهاد ومنهجه، ويقسمها إلى ثمانية أقسام، وهي:
أحدها: ما كان حكم الاجتهاد مستخرجًا من معنى النص، كاستخراج علة الربا من البر، فهذا صحيح غير مدفوع عنه عند جميع القائلين بالقياس.
القسم الثاني: ما كان مستخرجًا من شبه النص، كالعبد في ثبوت تملكه، لتردد شبهه بالحر في أنه يملك؛ لأنه مكلف، وشبهه بالبهيمة في أنه لا يملك؛ لأنه مملوك، وهذا صحيح وليس بمدفوع عنه عند من قال بالقياس ومن لم يقل، غير أن من لم يقل بالقياس جعله داخلًا في عموم أحد الشبهين، ومن قال بالقياس جعله ملحقًا بأحد الشبهين.
القسم الثالث: ما كان مستخرجًا من عموم النص، كالذي بيده عقدة النكاح في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، يعم الأب والزوج، والمراد به أحدهما، وهذا صحيح يوصل إليه بالترجيح.
القسم الرابع: ما كان مستخرجًا من إجمال النص، كقوله تعالى في متعة الطلاق: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فصح الاجتهاد في إجمال قدر المتعة باعتبار حال الزوجين.
стр. 1585
القسم الخامس: ما كان مستخرجًا من أحوال النص، كقوله تعالى في متعة الحج: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فأطلق صيام الثلاثة في الحج، فاحتمل: قبل عرفة، وبعدها، وأطلق صيام السبعة إذا رجع، فاحتمل: إذا رجع في طريقه، وإذا رجع إلى بلده، فصح الاجتهاد في تغليب إحدى الحالتين.
القسم السادس: ما كان مستخرجًا من دلائل النص، كقوله تعالى في نفقة الزوجات: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]، فاستدللنا على تقدير نفقة الموسر بمدين، بأنه أكثر ما جاءت به السنة في فدية الأذى لكل مسكين مدان، واستدللنا على تقدير نفقة المعسر بمد، بأقل ما جاءت به السنة في كفارة الوطء في شهر رمضان، لكل مسكين مد.
القسم السابع: ما كان مستخرجًا من أمارات النص، كاستخراج دلائل القبلة فيمن خفيت عليه من قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦]، فصح الاجتهاد في القبلة بالأمارات الدالة عليها من هبوب الرياح ومطالع النجوم.
القسم الثامن: ما كان مستخرجًا من غير نص، ولا أصل، فقد اختلف في صحة الاجتهاد فيه بغلبة الظن على وجهين:
стр. 1586
أحدهما: لا يصح الاجتهاد بغلبة الظن حتى يقترن بأصل؛ لأنه لا يجوز أن يرجع في الشرع إلى غير أصل، وهذا هو الظاهر من مذهب الشافعي، ولذلك أنكر الاستحسان؛ لأنه تغليب ظن بغير أصل.
والوجه الثاني: يصح الاجتهاد به؛ لأن الاجتهاد في الشرع أصل، فجاز أن يستغني عن أصل، وقد اجتهد العلماء في التعزير على ما دون الحدود بآرائهم في أصله من ضرب وحبس، وفي تقديره بعشر جلدات في حال، وبعشرين في أخرى، وبثلاثين في أخرى، وليس لهم في هذه المقادير أصل مشروع، والفرق أن الاجتهاد بغلبة الظن يستعمل مع عدم القياس (١).
• نقض الاجتهاد:
نقض الاجتهاد هو هدمه وإلغاؤه وإبطال العمل به، ويأخذ إحدى الصور الثلاث، بحسب موقعه، إما في العمل به والتطبيق في الحياة، وإما في الإفتاء، وإما في القضاء، سواء كان النقض من نفس المجتهد الأول، أو من غيره.
والمبدأ العام في نقض الاجتهاد واحد في الصور الثلاث، وقد يختلف الأمر في الأثر المترتب على النقض من صورة إلى أخرى.
стр. 1587
والمبدأ العام في نقض الاجتهاد له شقان:
الشق الأول: وجوب نقض الاجتهاد:
إذا كان الاجتهاد مخالفًا لنص صريح في القرآن الكريم، أو السنة الشريفة، ولو كانت سنة آحاد صريحة، أو مخالفًا لإجماع، فإنه ينقض باتفاق العلماء والأئمة والمذاهب، سواء من نفس المجتهد أو من غيره؛ لأن هذا الاجتهاد -أصلًا- باطل؛ لمخالفة النص والإجماع، فيلغى ولا يجوز العمل به في الحياة العملية، ولا يجوز الإفتاء به، ولا القضاء به، وإن عمل به، فيجب الرد، وإذا صدر فيه حكم قضائي، نقض، وإذا أفتى به شخص يجب الرجوع عنه وإبلاغ من أفتاه ليرجع.
وأضاف الحنفية والمالكية والشافعية بأن الاجتهاد ينقض إذا خالف قياسًا جليًّا، وهو ما تكون العلة فيه صريحة في الأصل، أو تكون في الفرع أشد منها في الأصل كالضرب والتأفيف، أو تكون العلة مساوية تمامًا، ولا فرق نهائيًا بين الأصل والفرع كالمرأة قياسًا على الرجل في الكفارة وغيرها، وخالف في ذلك الحنابلة وقالوا: لا ينقض الاجتهاد بمخالفة القياس مطلقًا، ولو كان جليًّا على الصحيح عندهم.
وزاد الإمام مالك بنقض الاجتهاد إذا خالف القواعد الشرعية، وزاد بعض المتأخرين بنقض الاجتهاد وإلغائه إذا خالف المذاهب الأربعة؛ لأن ذلك بمثابة الإجماع، أو المعلوم من الدين بالضرورة، وقال ابن
стр. 1588
حجر: أو كان اجتهادًا لا دليل عليه قطعًا.
وإن كان الاجتهاد معتمدًا على نص قطعي أو إجماع أو قياس جلي فإنه لا ينقض بالاتفاق؛ لأنه يعتمد على دليل لا يجوز خلافه ولا الاجتهاد ضده.
• الشق الثاني: عدم نقض الاجتهاد:
إذا كان الاجتهاد مبنيًّا على الرأي، خارج الحالات السابقة في الشق الأول، فإنه لا ينقض باجتهاد آخر، وهذا ما نصت عليه القاعدة الفقهية الأصولية «الاجتهاد لا ينقض بمثله»، وبعبارة أخرى «الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد».
ومجال هذا الاجتهاد في المسائل الظنية التي لم يرد فيها دليل قاطع، ولا إجماع، أو في المسائل المستجدة، فإن الاجتهاد فيها لا ينقض باجتهاد مثله بالاتفاق؛ لأنه لو نقض الأول بالثاني لجاز أن ينقض الثاني بثالث؛ لأنه ما من اجتهاد إلا ويجوز أن يتغير، وذلك يؤدي إلى عدم الاستقرار؛ ولأن الاجتهاد الأول ظني، ويعتمد على دليل ظني، والثاني ظني ويعتمد على دليل ظني، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر، ونقض هذا الاجتهاد يؤدي إلى نقض النقض، ويتسلسل الأمر فتضطرب الأحكام ولا يوثق بها.
стр. 1589
• آثار تغير الاجتهاد، ونقض الاجتهاد وعدمه:
إذا اجتهد مجتهد، أو حاكم، بما يخالف الدليل القطعي من نص أو إجماع أو قياس جلي، وما مر في الشق الأول، فإن حكمه ينقض باتفاق العلماء، سواء كان من قبل المجتهد، أو الحاكم، أو من مجتهد آخر، أو حاكم آخر؛ لمخالفة الدليل، ولأنه يكون باطلًا، وكل ما بني على باطل فهو باطل، وتنعدم الآثار التي بنيت على الحكم الأول، وهذا له أمثلة من عمل الصحابة في حياة رسول الله ﷺ ، وبعد وفاته، إذا اجتهدوا ثم وجدوا نصًّا، نقضوا اجتهادهم.
وإذا كان الاجتهاد ظنيًّا، وقلنا لا ينقض باجتهاد آخر باتفاق، لكن تغير الرأي بعد ذلك، فإن الأثر العملي يختلف حسب حالة المجتهد نفسه، أو المفتي، أو القاضي.
١ - أثر تغير الاجتهاد على نفس المجتهد:
إذا رأى المجتهد حكمًا معينًا، ثم تغير ظنه، فإن لم يعمل بالأول فلا شيء في ذلك، ويجب عليه العمل بالثاني، وإن عمل بالأول لزمه أن ينقض اجتهاده وما يترتب عليه، كما إذا خالع المجتهد زوجته بعد طلاقها مرتين، وأداه اجتهاده إلى أن الخلع فسخ، ليس بطلاق، فتزوجها بعد ذلك بمقتضى هذا الاجتهاد، ثم تغير اجتهاده وأداه إلى أن الخلع طلاق، لزمه أن يفارقها، ولا يجوز له إمساكها، عملًا بمقتضى اجتهاده
стр. 1590
الثاني؛ لأنه صار معتقدًا أن الاجتهاد الأول خطأ، والثاني صواب يجب العمل به، وهذا ليس نقضًا للاجتهاد بالاجتهاد، بل هو ترك العمل بالاجتهاد الأول.
مثاله أيضًا: لو رأى المجتهد أن الولي ليس شرطًا في صحة العقد للمرأة الرشيدة، فتزوجها من غير ولي، ثم تغير اجتهاده ورأى أن الولي شرط في صحة الزواج، فيلزمه مفارقة تلك المرأة، ولا يحل له البقاء على الزواج بها، وهو ترك للعمل بالاجتهاد الأول.
وهذا الكلام في المثالين إذا لم يكن القاضي قد حكم بصحة النكاح في الحالتين، فإن حكم بهما القاضي، فلا يلزم الزوج مفارقة المرأة؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، ويترك المخالف مذهبه ويلتزم بمذهب الحاكم.
٢ - أثر تغير اجتهاد الحاكم:
إذا اجتهد القاضي فيما يصح الاجتهاد فيه مما لم يرد فيه نص أو إجماع، وقضى في واقعة بما اجتهد به، ثم حصلت واقعة مماثلة للأولى، فاجتهد فيها، وتغير اجتهاده، فإنه لا ينقض الحكم السابق، وذلك تطبيقًا دقيقًا للقاعدة السابقة «الاجتهاد لا ينتقض بمثله»: لأن النقض يؤدي -كما قلنا- إلى اضطراب القضاء، وعدم استقرار الأحكام، وشلل القضاء بعدم إنهاء المنازعات، وبالتالي عدم الوثوق
стр. 1591
بحكم الحاكم، وبقيت الخصومات على حالها، واستمر التشاجر والتنازع وانتشار الفساد والعدوان والظلم، وهذا يتنافى مع المصلحة التي وجد القضاء لأجلها، والحكمة التي نصب لها الحكام.
والأمثلة في تاريخ القضاء الإسلامي كثيرة منذ عهد الصحابة، كتغير اجتهاد عمر ﵁ في المسألة المشتركة الحجرية في الميراث، وقرر القاعدة المشهودة «تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي» (١)، ويؤيد ذلك ما جاء في كتاب عمر ﵁ لأبي موسى الأشعري ﵁، وفيه: «لا يمنعنك قضاء قضيته اليوم، فراجعت فيه نفسك، أن تراجع الحق، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل» (٢).
والأصل في هذه القاعدة إجماع الصحابة ﵃، كما نقله ابن الصباغ ﵀، وأن أبا بكر ﵁ قضى في مسائل، ثم خالفه فيها عمر ﵁، ولم ينقض اجتهاده، وعلته أن الاجتهاد الثاني ليس بأقوى من الأول، فيصح ما فعله بالاجتهاد الأول الذي تقوى بالقضاء والعمل، ثم يغير الحكم في المستقبل.
стр. 1592
وكذلك لا ينقض اجتهاد مجتهد باجتهاد مجتهد آخر، بل كل مجتهد عليه أن يحترم اجتهاد الآخر لعدم المرجح.
وكذلك الأمر لو كان بين قاضيين، بأن قضى شافعي مثلًا بعدم الشفعة للجار، أو بطلان الزواج بغير ولي، ثم رفعت نفس القضية لقاض حنفي مثلًا يرى الشفعة للجار، أو صحة النكاح بغير ولي، فلا يجوز أن ينقض قضاء الأول، ويجب عليه تنفيذه، ويحكم في القضايا الأخرى بما يراه.
وهذا مبدأ قانوني مقرر في محاكم النقض والتمييز إذا تغير اجتهادها، فإنه لا يسرى ذلك على الأحكام السابقة، ويسمى في اصطلاحهم «بعدم رجعية القوانين والقرارات» (١).
• مسألة: تغير الاجتهاد:
يجوز للمجتهد أن يكون له قولان في وقتين مختلفين، وذلك بأن يكون له اجتهاد وفيه رأي معين، ثم يجتهد في نفس المسألة فيصل إلى اجتهاد آخر ورأي جديد مخالف للأول، وهذا جائز باتفاق.
стр. 1593
وأسباب تغير الاجتهاد كثيرة، أهمها:
١ - وجود دليل جديد:
إن الاجتهاد يتبع الدليل، فإذا وجد المجتهد دليلًا أقوى من دليل الاجتهاد الأول، أو أصح منه، أو أقرب دلالة، فيجب عليه الأخذ بالأقوى والأصح؛ لأنه أقرب إلى الحق والصواب.
٢ - تغير الزمان:
إذا كان الحكم السابق مبنيًّا على العرف، أو مصلحة الناس، ثم تغير العرف أو تغيرت مصلحة الناس، وجب تغير الحكم الشرعي، وهو المقرر في قاعدة «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان»؛ وذلك لتحقيق المصلحة، ودفع المفسدة، وأمثلة ذلك كثيرة، كالإفتاء بجواز أخذ الأجرة أو الراتب على تعليم القرآن، والقيام بالشعائر الدينية كالإمامة والخطابة؛ لتغير العرف بسبب انقطاع المكافآت والعطايا التي كانت تدفع من بيت المال للمشتغلين بهذه الوظائف، والحكم بتضمين الصناع لأموال الناس التي تهلك في أيديهم محافظة على الأموال من الضياع، وتحقيقًا لمصلحة المجتمع، والقول بجواز التسعير دفعًا للضرر العام وتحقيقًا لمصلحة الناس، ومثله إفتاء الفقهاء المتأخرين بعدم جواز القضاء بعلم القاضي لتغير الزمان والحفاظ على حقوق الناس.
стр. 1594
٣ - مراعاة الضرورة وتطور الزمان:
وذلك كالحكم بطهارة سؤر سباع الطير كالصقر والنسر مراعاة للضرورة؛ لعدم إمكان الأعراب وسكان الصحارى من الاحتراز منها، وصحة بيع العقار اليوم بذكر صحيفته العقارية «السجل العقاري» حسب التنظيمات الحاضرة.
٤ - اختلاف البلدان:
قد يكون لبعض البلاد أعراف خاصة، وتنظيمات معينة، ومعاملات خاصة، واهتمامات متميزة، وهي مما يجب مراعاته عند الاجتهاد ومعرفة الأحكام التي تناسب هذا البلد دون غيره.
ومن هنا ظهر بعض الاختلاف في الأحكام بين أهل مكة وأهل المدينة؛ لأن مكة تعتمد على التجارة، ولا تعرف الزراعة وما يتعلق بها، وأهل المدينة يعتمدون على الزراعة، وتقل فيهم التجارة.
ولهذه الأسباب مجتمعة أو متفرقة كان المجتهد يغير اجتهاده إذا انتقل من بلد إلى آخر، كما حصل مع الإمام الشافعي عندما غير اجتهاده في مسائل عديدة عندما انتقل من الحجاز إلى العراق، ثم استقر في مصر، وكتب مذهبه الجديد، وخالف فيه بعض اجتهاداته التي عرفت بالمذهب القديم.
стр. 1595
ومن هنا أيضًا تتغير الفتوى للأسباب السابقة، أو لبعضها، مما يجب مراعاته.
ويختلف الأمر في أثر تغيير الاجتهاد من المجتهد نفسه إذا عمل بالرأي الأول، أو أفتى به غيره وعمل به، أو قضى به القاضي (١).
• مسألة: هل كل مجتهد مصيب؟
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أن المصيب واحد من المجتهدين، فإذا حدثت حادثة ولم يوجد عليها دليل قاطع في حكمها من نص أو إجماع، فيطلب أهل الاجتهاد حكم هذه الحادثة، فمن أدركه كان مصيبًا، ومن لم يدركه كان مخطئًا لا إثم عليه.
وهذا مذهب جمهور العلماء وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
١ - قوله ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر» (٢)، وهذا صريح في أن المجتهد يصيب ويخطئ، ويؤجر المجتهد المصيب أجران، ويؤجر المخطئ أجرًا ولا إثم عليه.
стр. 1596
٢ - قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وهذا فيه دلالة على أن الحق واحد، والمصيب واحد، وأن الحق في تلك الواقعة أصابه سليمان، فخصصه الله بفهم الحق في تلك الواقعة، وعدم فهم داود ﵇ للحق في تلك الواقعة؛ فلو كانا مصيبين معًا لما كان لاختصاص سليمان بالفهم في تلك الواقعة معنى.
وهذا أيضًا فيه دلالة أن الإثم محطوط عن المجتهد المخطئ، وذلك بدليل مدح الله لكل من داود وسليمان، فقال تعالى: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩].
٣ - فعل الصحابة ﵃، فإنهم انتشرت عنهم وقائع ومسائل خطأ بعضهم بعضًا فيها، وصرحوا بلفظ الخطأ والإنكار، من ذلك:
- قول عمر ﵁ في قضية قضاها: والله ما يدري عمر أصاب أم أخطأ (١).
- لما كتب كاتب عمر: هذا رأي الله ورأي عمر. قال له عمر: بئس ما قلت، أكتب: هذا ما رآه عمر، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ
стр. 1597
فمن عمر (١).
- قول ابن مسعود ﵁ لما سئل عن المفوضة هل لها مهر؟ قال: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمن الشيطان (٢).
- لما ورث زيد بن ثابت الإخوة مع الجد، اعترض عليه ابن عباس، فقال: ألا يتقي الله زيد، يجعل ابن الابن ابنًا، و لا يجعل أبا الأب أبًا (٣).
فهذا فيه دلالة على أن الصحابة ﵃ قد اتفقوا على أن الحق واحد يصيبه بعض المجتهدين، ويخطئه آخرون.
المذهب الثاني: أن كل مجتهد في الفروع مصيب، وأن حكم الله
стр. 1598
تعالى لا يكون واحدًا معينًا، بل هو تابع لظن المجتهد.
فحكم الله تعالى في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده، وغلب على ظنه.
وهذا مذهب أبي بكر الباقلاني، والغزالي، وأكثر المعتزلة.
واستدلوا بأدلة:
١ - قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥].
فالله تعالى أخبر أن القطع والترك بأمر الله تعالى، فهما صوابان مع كونهما ضدين.
وأجيب عن ذلك: أن هذا من باب الواجب المخير، والعلماء لم يمنعوا أن يرد حكم الله بالتخيير بين الأشياء، إنما منعوا أن يكون الحكم من المجتهد، وضده من مجتهد آخر، وكلاهما صواب.
٢ - حديث: «ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» (١)، فالنبي ﷺ لم ينكر على الصحابة لما أمرهم ألا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة، وقد اختلفوا، فمنهم من صلى في الطريق، ومنهم من لم يصل
стр. 1599
وصل، فدل على أن كل مجتهد مصيب.
وأجيب على ذلك: أن النبي ﷺ لم ينكر على الصحابة اجتهادهم، وكلٌّ عمل بما أداه إليه اجتهاده.
ولكن ليس الكل مصيبًا للحق، وإن كان فعلهم صوابًا «الاجتهاد» في أن كلًّا قد فعل وأدى ما عليه، فهناك فرق بين الإصابة والصواب كما قال الشوكاني: وأما استدلالهم بتصويب كل طائفة ممن صلى قبل الوصول إلى بني قريظة لمن خشي فوت الوقت، وممن ترك الصلاة حتى وصل إلى بني قريظة امتثالًا لقوله ﷺ : «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» (١).
فالجواب عنه: على أن ترك التثريب لمن قد عمل باجتهاده، لا يدل على أنه قد أصاب الحق، بل يدل على أنه قد أجزأه ما عمله باجتهاده، وصح صدوره عنه؛ لكونه قد بذل وسعه في تحري الحق، وذلك لا يستلزم أن يكون هو الحق الذي طلبه الله من عباده، وفرق بين الإصابة والصواب؛ فإن إصابة الحق هي الموافقة، بخلاف الصواب فإنه قد يطلق على من أخطأ الحق ولم يصبه، من حيث كونه قد فعل ما كلف به، واستحق الأجر عليه، وإن لم يكن مصيبًا للحق وموافقا له (٢).
стр. 1600
• مسألة: هل كل من يجتهد يتردد بين الأجر والأجرين؟
وضع النبى ﷺ شرطين للتردد بين الأجر والأجرين، وهما إذا اجتهد الحاكم، أي لا بد أن يكون حاكمًا عالما، وأن يجتهد، فإن لم يجتهد الحاكم وأفتى؛ فهو آثم وإن أصاب الحق.
وكذلك إن اجتهد الجاهل فهو آثم، وإن أصاب الحق؛ لأنه لم يصب الحق، ولكن الحق الذى أصابه؛ لأن الجاهل لا يدري طرق الاجتهاد ولا أصوله، فلا يتردد بين الأجر والأجرين إلا إذا كان من أهل العلم ويجتهد للفتوى.
قال النووي: أجمع العلماء على أن هذا فى حاكم عالم أهلًا للحكم، فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له، بل هو آثم، فلا ينفذ حكمه سواء وافق الحق أم لا؛ لأن إصابته للحق اتفاقية فهو عاص في جميع أحواله (١).
• مسألة: هل يجوز الاجتهاد في زمان النبي ﷺ -؟
اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز الاجتهاد في زمان النبي ﷺ مطلقًا.
وهو الصحيح، والأدلة على ذلك كثيرة منها:
стр. 1601
أ- أن النبي ﷺ فوض الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ حيث رضوا بحكمه، فحكم سعد فيهم برأيه واجتهاده، فقال رسول الله ﷺ له: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات» (١).
ب- اجتهاد عمرو بن العاص لما أجنب في ليلة شديدة البرد، وخشي على نفسه إن اغتسل أن يهلك، فتيمم وصلى بأصحابه الفجر، وأقره النبي ﷺ على اجتهاده (٢).
المذهب الثاني: أنه لا يجوز الاجتهاد في زمان النبي ﷺ ، وقالوا:
أ- إن كثيرًا من الصحابة ﵃ قد رجعوا إلى النبي ﷺ في حكم وقائع قد حصلت لهم، و لو كان الاجتهاد جائزًا في زمانه لاجتهدوا بأنفسهم، فلما رجعوا إليه دل ذلك على عدم الجواز.
وأجيب عن ذلك: بأن رجوعهم إلى النبي ﷺ في بعض الأمور لا يدل على منعهم من الاجتهاد بالكلية.
فالأمر محتمل أنهم رجعوا إليه فيما لم يظهر لهم فيه وجه الحكم بالاجتهاد، أو أنه يحتمل أن الذي رجع إليه لم تتوفر فيه شروط
стр. 1602
المجتهد.
ب- أن الصحابة ﵃ يمكنهم معرفة الحكم عن طريق الوحي القاطع، وإذا كان يمكنهم معرفة الحكم معرفة قطعية فلا يجوز ردهم إلى الاجتهاد المفيد للظن.
وأجيب عن ذلك: أن ذلك منتقد بوقوع الاجتهاد من بعض الصحابة رضوان الله عليهم.
وكذلك لا مانع من الحكم بالظن والظاهر؛ فالنبي ﷺ لما اختصم عنده رجلان فقال: «إنكم لتختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو ما أسمع» (١).
• مسألة: هل يجوز للنبي ﷺ الاجتهاد؟
أولاً: اتفق العلماء على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ في الأمور الدنيوية، ومنها أمور الحرب، وغيرها، بدليل وقوعه منه ﷺ ؛ حيث صالح غطفان مقابل ثمار المدينة، ولم تتم هذه المصالحة بسبب مخالفة رؤساء أهل المدينة، ووقوعه في تأبير النخل - بعد قدومه المدينة.
ثانياً: اتفق العلماء - أيضا - على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ في تحقيق مناط الحكم، ومنه الأقضية، وفصل الخصومات، ونحو ذلك.
стр. 1603
ثالثاً: اختلف العلماء في جواز اجتهاده ﷺ في غير ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز الاجتهاد للنبي ﷺ ، وهو قول جمهور العلماء؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: عموم قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر: ٢] حيث إن الله قد أمر أهل البصائر أن يعتبروا ويقيسوا الأشياء بما يماثلها، وهو عامٌّ وشامل لجميع أهل البصائر، ورسول الله ﷺ أعلى أهل البصائر، وأرفعهم منزلة، فكان بالاعتبار أولى.
الدليل الثاني: قياس نبينا ﷺ على داود وسليمان ﵉.
بيانه: أنه لما اعتدت غنم قوم على زرع آخرين، ذهب صاحب الزرع وصاحب الغنم يتخاصمان إلى داود ﵇ ليحكم بينهما، فحكم بينهما بحكم، وخالفه فيه سليمان ﵇ - وحكم - أي: سليمان - بحكم آخر، فكان حكمهما بالاجتهاد، بدليل: أن سليمان لو لم يحكم بالاجتهاد لما قال تعالى: «ففهمناها سليمان»، وما يذكر بالتفهيم إنما يكون بالاجتهاد، لا بطريق الوحي، وإذا جاز لداود وسليمان ﵉ الاجتهاد، فإنه يجوز الاجتهاد لنبينا محمد ﷺ ولا فرق، والجامع: النبوة في كل.
стр. 1604
الدليل الثالث: أن النبي ﷺ يشارك أمته فيما لم يرد فيه تخصيص له، أو تخصيص لهم، والاجتهاد قد أمرت أمته به لإيجاد أحكام شرعية للحوادث المتجددة، لكي تكون الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، فهو يشارك أمته في الاجتهاد، فيجوز له ﷺ الاجتهاد مثل غيره، وليس في العقل ما يحيله في حقه ويصححه في حقنا، ولهذا أوجب عليه وعلينا العمل باجتهادنا في مضار الدنيا ومنافعها.
الدليل الرابع: أنه لا يلزم من فرض تعبده ﷺ بالاجتهاد محال عقلًا، ولا يؤدي إلى مفسدة، وكل ما كان كذلك كان جائزًا عقلًا، فتعبده بالاجتهاد جائز عقلًا.
الدليل الخامس: وقوع الاجتهاد منه ﷺ ، ولو لم يكن متعبدًا بالاجتهاد لما وقع منه، فقد اجتهد في حوادث شتى، منها: اجتهاده في أسرى بدر، حيث أخذ الفداء مقابل إطلاق الأسرى، وهذا بالاجتهاد، وستأتي أمثلة على ذلك في المسألة التالية.
المذهب الثاني: لا يجوز الاجتهاد للنبي ﷺ .
وهو مذهب بعض الشافعية، وحُكِي عن أبي منصور الماتريدي، وهو ظاهر مذهب ابن حزم.
стр. 1605
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أن الرسول ﷺ قادر على معرفة الحكم بالوحي الذي يفيد العلم قطعًا وصريحًا، وكل من كان قادرًا على العلم القطعي لا يجوز له العمل بالظن، فلا يجوز للنبي ﷺ العمل بالظن الحاصل بالاجتهاد، فلا يجوز له الاجتهاد.
وجوابه:
أنا لا نسلم أن النبي ﷺ كان قادرًا على معرفة الحكم بالوحي؛ لأن الوحي ليس في اختياره ينزل عليه متى شاء، ولذلك قد يضطر إلى الاجتهاد في الأمور التي لا تقبل التأجيل.
الدليل الثاني: أنه قد ثبت أن قول النبي ﷺ نص قاطع، وحجة قاطعة على من سمعه شفاها أو بلغه عن طريق التواتر، والاجتهاد لا يفيد إلا الظن، فهنا حصل تضاد بين قوله ﷺ ، حيث قلنا بإفادته القطع، وبين اجتهاده حيث إنه لا يفيد إلا الظن، فالقطع غير الظن فكيف يجتمعان؟!
وجوابه:
أنه لو قيل له: إن ظنك علامة على حكم الله - تعالى - فيكون قد استيقن الظن والحكم معاً، فلا تنافي بين معرفته الحكم بالوحي، ومعرفته إياه بالاجتهاد؛ لأنه ﷺ لما ظن الحكم بالاجتهاد فإنه يقطع
стр. 1606
بكونه حكم الله في الحادثة.
الدليل الثالث: لو جاز الاجتهاد للرسول ﷺ : لأجاب عن كل واقعة سئل عنها، ولما انتظر الوحي؛ لأن الاجتهاد هو الوسيلة لمعرفة الحكم فيما لا قاطع فيه، لكنه ﷺ توقف في اللعان، والظهار، وانتظر الوحي، فهذا يدل على عدم جواز القياس.
وجوابه:
إن توقف ﷺ عن الاجتهاد في بعض الوقائع والحوادث وانتظاره للوحي لا يلزم منه عدم تعبده بالاجتهاد في جميع الحوادث؛ لأننا لا نقول: إن الرسول ﷺ يجتهد حال حدوث الحادثة، بل كان ينتظر الوحي، فإذا لم ينزل عليه وحي وخشي الفوات اجتهد.
وعلى هذا، فإنه يحتمل أن يكون تأخره بسبب السعة في الوقت.
ويحتمل أن يكون بسبب أنه لم ينقدح في ذهنه اجتهاد الآن.
ويحتمل أن يكون سبب توقفه حيث إن بعض المسائل لا تقبل الاجتهاد، أو هي مما نهي فيه عن الاجتهاد.
الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣ - ٤].
وجه الدلالة: أن هذه الآية بينت أن كل ما ينطق به النبي ﷺ وحي،
стр. 1607
وإذا كان الأمر كذلك، فلا يبقى للاجتهاد مجال، ولكان الاجتهاد في حقه نطقاً عن الهوى المنفي عنه بالآية الكريمة، فالضمير في قوله تعالى: «إن هو» يرجع إلى النطق المذكور في الآية في ضمن قوله: «وما ينطق عن الهوى»، وهو عامٌّ.
وجوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: لا نسلم عموم الآية، بل إن الآية وردت لرد ما كان يقوله الكفار بأن ما يأتي به ﷺ من القرآن ليس وحيًا من عند الله، بل هو افتراء منه على الله تعالى، فالضمير في قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤] يرجع إلى القرآن، فيكون تقدير الآية كذا: أن النبي ﷺ لا ينطق فيما ينطق به من القرآن من هوى نفسه، ما القرآن إلا وحي يوحى إليه من الله تعالى، فعلى هذا تنفي الآية: أن يتكلم الرسول ﷺ بغير القرآن، ولا تمنع الآية من ذلك.
الجواب الثاني: سلمنا أن الآية عامة في جميع ما نطق به الرسول ﷺ من القرآن وغيره، إلا أن ذلك لا ينفي اجتهاده ﷺ ؛ لأنه لو كان متعبدًا بالاجتهاد بواسطة الوحي لما كان اجتهاده نطقًا عن الهوى، بل كان بالوحي، وما حكم به باجتهاده إما صواب من أول الأمر، أو يحتمل الخطأ في بادئ أمره، لكن الله تعالى يرشده إلى الصواب، أو يقره عليه،
стр. 1608
فلا يحتمل غير الحق.
• بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا معنوي؛ حيث إنه يجوز - بناءًا على المذهب الأول - أن يكتفي المجتهد بالاستدلال على حكم مسألة بدليل ظني مع أنه قادر على الاستدلال عليه بدليل قطعي.
كما يجوز على هذا المذهب الاجتهاد في أوقات الصلاة والقبلة مع إمكان الصبر إلى اليقين، أما بناءًا على المذهب الثاني فلا يجوز كل ذلك.
• مسألة: هل وقع الاجتهاد من النبي ﷺ -؟
لقد اختلف القائلون: بجواز الاجتهاد للنبي ﷺ فيما بينهم هل وقع الاجتهاد منه ﷺ أو لا؟ على مذهبين:
المذهب الأول: أن الاجتهاد وقع من النبي ﷺ . وهو مذهب بعض الحنفية، وكثير من المالكية ومنهم ابن الحاجب، وكثير من الشافعية ومنهم: الآمدي، وفخر الدين الرازي، وكثيرمن الحنابلة ومنهم: أبو الخطاب، وابن قدامة، لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: أنه ﷺ قد استشار أبا بكر وعمر ﵄ في الأسرى يوم بدر، فأخذ برأي أبي بكر، حيث وافق رأيه رأي النبي ﷺ فأخذ
стр. 1609
الفداء مقابل إطلاق سراح الأسرى، فعاتبه الله تعالى بقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٨]، فحزن النبي ﷺ بعد نزول هاتين الآيتين (١).
فلو لم يكن الرسول قد وقع منه الاجتهاد وعمل به لما عوتب، لأنه لا عتاب على العمل بالوحي.
الدليل الثاني: أن الرسول ﷺ لما أعلن فرضية الحج سأله الأقرع بن حابس ﵁: لعامنا هذا أم للأبد؛ فقال ﷺ : «هو للأبد، ولو قلت لعامنا لوجب» (٢).
وجه الدلالة: أنه لو لم يكن للرسول ﷺ الاختيار لما قال ما قال، وكون الاختيار له ﷺ في أن يقول: «لعامنا» ظاهره الاختيار بالاجتهاد، أي: له الحق في أن يقول ذلك بالاجتهاد.
الدليل الثالث: أن النبي ﷺ لما أراد أن ينزل ببدر دون الماء، قال له الحباب بن المنذر: إن كان هذا بوحي فنعم، وإن كان الرأي والمكيدة
стр. 1610
فانزل بالناس دون الماء، لنحول بينه وبين العدو، فقال لهم: ليس بوحي، وإنما هو رأي واجتهاد، ورجع إلى قوله (١)، ورحل وذهب إلى الموضع الذي أشار به الحباب، فهذا صريح في وقوع الاجتهاد منه ﷺ .
الدليل الرابع: أن النبي ﷺ لما قال بشأن مكة:
«لا يختلى خلاها، ولا يعتضد شجرها … » قال له العباس: إلا الإذخر فإنه لقبورنا وبيوتنا، فقال ﷺ : «إلا الإذخر» (٢).
فلم يقبل الرسول ﷺ قول العباس الطالب للتخفيف إلا بالاجتهاد ومعلوم أن الوحي لم ينزل عليه في تلك الحالة، فكان الاستثناء بالاجتهاد.
اعتراض على هذا:
قال قائل - معترضًا -: إن هذا الدليل يحتمل احتمالات هي:
الأول: أنه يحتمل أن الرسول ﷺ كان مأمورًا بالوحي بالاستثناء عندما يسأله العباس.
الثاني: أنه يحتمل أن جبريل ﵇ كان حاضرًا، فأشار إليه
стр. 1611
بقبول طلب العباس.
الثالث: أنه يحتمل أن الرسول ﷺ كان يريد أن يستثني الإذخر فسبقه العباس.
وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال.
وجوابه:
يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول عامٌّ لجميع الاحتمالات وهو: أن هذه الاحتمالات مجرد تصورات لا دليل عليها، وما لا دليل عليه لا يعتد به.
الجواب الثاني خاص في الاحتمال الثالث - وهو: كون النبي ﷺ كان يريد استثناء الإذخر فسبقه العباس - وهو: أنا لا نسلم بذلك؛ لأن المستثنى لا يجوز تأخيره عن المستثنى منه، حذرًا من التلبيس، وقد انتقل الرسول ﷺ من الجملة التي تفيد حرمة قطع الإذخر من غير أن يستثني إلى أخرى وهي: «ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل قتيلًا فهو بخير النظرين … »، وحين ذاك قال العباس ما قال.
стр. 1612
المذهب الثاني: أن الاجتهاد لم يقع من النبي ﷺ .
وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وكثير من المتكلمين.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه لو وقع من النبي ﷺ الاجتهاد لاستفاض نقله؛ لكونه حادثاً غريبًا بالنسبة له ﷺ ، لكنه لم ينقل إلينا؛ فدل ذلك على أنه لم يقع منه ﷺ .
جوابه:
أن الاجتهاد وقع منه ﷺ ، واستفاض، ونقل إلينا بطرق مختلفة
تكفي لإثبات أنه ﷺ اجتهد في أمور، وقد سبقت الأمثلة على ذلك، ولا يلزم من عدم اطلاع بعض الناس عليها أنه لم يقع.
الدليل الثاني: أنه لو وقع الاجتهاد من النبي ﷺ للزم من ذلك اختلاف اجتهاداته - كعادة المجتهدين - ولو اختلفت اجتهادات النبي ﷺ لاختلفت أحكامه التي يصدرها فيتهم بسبب ذلك بتغير رأيه، وبوضع الشريعة، لكنه لم تتغير أحكامه، ولم يتهم بذلك، فينتج أن لم يقع منه الاجتهاد.
стр. 1613
جوابه:
أن اجتهاد النبي ﷺ ليس مثل اجتهادات غيره تتغير وتتبدل في قضايا متشابهة، بحيث يوجه إليه هذه التهمة، وعندما أخطأ في بعض اجتهاداته مما يكون سببًا في تغيير نتائجها: نزل الوحي لتصحيح هذا الخطأ، فمنع السبب في توجيه تلك التهمة إليه ﷺ ، وبذلك يكون مجتهدًا من غير أن يصدر منه ما يوجب هذا الاتهام، فلا يتخذ عدم توجيه هذه التهمة إليه ذريعة لإنكار اجتهاده.
• بيان نوع الخلاف:
الخلاف هنا لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين على جواز اجتهاده ﷺ ، وكونه وقع منه ذلك الاجتهاد أو لم يقع، فإنه لا يغير من المعنى والحكم شيئاً.
• مسألة: هل يجوز الخطأ في اجتهاده ﷺ -؟
لقد اختلف القائلون: إن الاجتهاد وقع منه ﷺ في جواز الخطأ في اجتهاده ﷺ .
المذهب الأول: أنه يجوز الخطأ في اجتهاده ﷺ .
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ
стр. 1614
لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٣].
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لما أذن للذين تخلفوا عن غزوة تبوك: بين الله تعالى في هذه الآية الخطأ في ذلك.
الدليل الثاني: قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧].
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لما أخذ المال عوضًا عن أسرى بدر: بين الله تعالى له أنه ألم يصب بترك قتل هؤلاء الأسرى، وعاتبه في ذلك.
الدليل الثالث: قوله ﵊: «إنما أحكم بالظاهر وإنكم لتختصمون إلي، ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه، فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار» (١).
وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قد بين هنا أنه يقضي بما لا يكون حقًّا في نفس الأمر، وهذا يدل على أنه يقع منه الخطأ في اجتهاده.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز الخطأ في اجتهاده ﷺ
وهو مذهب بعض الشافعية.
стр. 1615
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وجه الدلالة: أن الله - تعالى - قد أمرنا - هنا - باتباع حكم الرسول ﷺ ، فلو جاز عليه الخطأ في حكمه لكنا قد أمرنا باتباع الخطأ، والشارع لا يمكن أن يأمر بذلك.
وجوابه:
هذا منقوض بأن الله - تعالى - قد أمر العامي باتباع قول المجتهد والمفتي مع جواز خطئه، فلو كان ما ذكروه صحيحًا للزم من ذلك: أن الله تعالى أمر باتباع الخطأ، وهذا لا يقوله أحد.
الدليل الثاني: أن المقصود من البعثة وإظهار المعجزة: اتباع الرسول ﷺ في الأحكام الشرعية؛ إقامة لمصالح الخلق، فلو جاز الخطأ على النبي ﷺ في حكمه.: للزم من ذلك التردد في قوله، والشك في حكمه، وذلك مما يخل بمقصود البعثة، وهذا محال.
وجوابه:
أن المقصود من البعثة إنما هو تبليغه عن الله - تعالى -: أوامره،