← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

بقبول طلب العباس. الثالث: أنه يحتمل أن الرسول ﷺ كان يريد أن يستثني الإذخر فسبقه العباس. وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل بطل به الاستدلال. وجوابه: يجاب عنه بجوابين: الجواب الأول عامٌّ لجميع الاحتمالات وهو: أن هذه الاحتمالات مجرد تصورات لا دليل عليها، وما لا دليل عليه لا يعتد به. الجواب الثاني خاص في الاحتمال الثالث - وهو: كون النبي ﷺ كان يريد استثناء الإذخر فسبقه العباس - وهو: أنا لا نسلم بذلك؛ لأن المستثنى لا يجوز تأخيره عن المستثنى منه، حذرًا من التلبيس، وقد انتقل الرسول ﷺ من الجملة التي تفيد حرمة قطع الإذخر من غير أن يستثني إلى أخرى وهي: «ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل قتيلًا فهو بخير النظرين … »، وحين ذاك قال العباس ما قال.

стр. 1612

المذهب الثاني: أن الاجتهاد لم يقع من النبي ﷺ . وهو مذهب بعض الشافعية، وبعض الحنابلة، وكثير من المتكلمين. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أنه لو وقع من النبي ﷺ الاجتهاد لاستفاض نقله؛ لكونه حادثاً غريبًا بالنسبة له ﷺ ، لكنه لم ينقل إلينا؛ فدل ذلك على أنه لم يقع منه ﷺ . جوابه: أن الاجتهاد وقع منه ﷺ ، واستفاض، ونقل إلينا بطرق مختلفة تكفي لإثبات أنه ﷺ اجتهد في أمور، وقد سبقت الأمثلة على ذلك، ولا يلزم من عدم اطلاع بعض الناس عليها أنه لم يقع. الدليل الثاني: أنه لو وقع الاجتهاد من النبي ﷺ للزم من ذلك اختلاف اجتهاداته - كعادة المجتهدين - ولو اختلفت اجتهادات النبي ﷺ لاختلفت أحكامه التي يصدرها فيتهم بسبب ذلك بتغير رأيه، وبوضع الشريعة، لكنه لم تتغير أحكامه، ولم يتهم بذلك، فينتج أن لم يقع منه الاجتهاد.

стр. 1613

جوابه: أن اجتهاد النبي ﷺ ليس مثل اجتهادات غيره تتغير وتتبدل في قضايا متشابهة، بحيث يوجه إليه هذه التهمة، وعندما أخطأ في بعض اجتهاداته مما يكون سببًا في تغيير نتائجها: نزل الوحي لتصحيح هذا الخطأ، فمنع السبب في توجيه تلك التهمة إليه ﷺ ، وبذلك يكون مجتهدًا من غير أن يصدر منه ما يوجب هذا الاتهام، فلا يتخذ عدم توجيه هذه التهمة إليه ذريعة لإنكار اجتهاده. • بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ لاتفاق أصحاب المذهبين على جواز اجتهاده ﷺ ، وكونه وقع منه ذلك الاجتهاد أو لم يقع، فإنه لا يغير من المعنى والحكم شيئاً. • مسألة: هل يجوز الخطأ في اجتهاده ﷺ -؟ لقد اختلف القائلون: إن الاجتهاد وقع منه ﷺ في جواز الخطأ في اجتهاده ﷺ . المذهب الأول: أنه يجوز الخطأ في اجتهاده ﷺ . وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ للأدلة التالية: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ

стр. 1614

لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾ [التوبة: ٤٣]. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لما أذن للذين تخلفوا عن غزوة تبوك: بين الله تعالى في هذه الآية الخطأ في ذلك. الدليل الثاني: قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ لما أخذ المال عوضًا عن أسرى بدر: بين الله تعالى له أنه ألم يصب بترك قتل هؤلاء الأسرى، وعاتبه في ذلك. الدليل الثالث: قوله ﵊: «إنما أحكم بالظاهر وإنكم لتختصمون إلي، ولعل أحدكم يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من مال أخيه، فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار» (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قد بين هنا أنه يقضي بما لا يكون حقًّا في نفس الأمر، وهذا يدل على أنه يقع منه الخطأ في اجتهاده. المذهب الثاني: أنه لا يجوز الخطأ في اجتهاده ﷺ وهو مذهب بعض الشافعية.

стр. 1615

أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. وجه الدلالة: أن الله - تعالى - قد أمرنا - هنا - باتباع حكم الرسول ﷺ ، فلو جاز عليه الخطأ في حكمه لكنا قد أمرنا باتباع الخطأ، والشارع لا يمكن أن يأمر بذلك. وجوابه: هذا منقوض بأن الله - تعالى - قد أمر العامي باتباع قول المجتهد والمفتي مع جواز خطئه، فلو كان ما ذكروه صحيحًا للزم من ذلك: أن الله تعالى أمر باتباع الخطأ، وهذا لا يقوله أحد. الدليل الثاني: أن المقصود من البعثة وإظهار المعجزة: اتباع الرسول ﷺ في الأحكام الشرعية؛ إقامة لمصالح الخلق، فلو جاز الخطأ على النبي ﷺ في حكمه.: للزم من ذلك التردد في قوله، والشك في حكمه، وذلك مما يخل بمقصود البعثة، وهذا محال. وجوابه: أن المقصود من البعثة إنما هو تبليغه عن الله - تعالى -: أوامره،

стр. 1616

ونواهيه، والمقصود من إظهار المعجزة: إظهار صدقه فيما يقوله من الرسالة، والتبليغ عن الله تعالى، وذلك مما لا يتصور خطأه فيه بالإجماع. بخلاف ما يحكم به عن اجتهاده، فإنه لا يقول فيه عن وحي، ولا بطريق التبليغ، فتطرق الخطأ إليه في ذلك لا يوجب الإخلال بمعنى البعثة. بيان نوع الخلاف: الخلاف هنا لفظي؛ لأن ما حكم به باجتهاده ﷺ إما أن يكون صوابًا من أول الأمر، أو يحتمل الخطأ في بادئ الأمر، لكن الله تعالى يرشده إلى الصواب، فهو صواب في نهاية الأمر (١). • مسألة: هل يجوز للمجتهد أن يقول في الحادثة الواحدة قولين متضادين في وقت واحد؟ الصحيح أنه لا يجوز ذلك، فلا يجوز له أن يقول في الحادثة الواحدة قولين متضادين كالتحريم والإباحة في وقت واحد.

стр. 1617

• مسألة: هل يجوز للمجتهد أن يقلد غيره؟ اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: لا يجوز له تقليد غيره مطلقًا، فالمجتهد حقه الاجتهاد، ولا يقلد أحدًا، حتى لو اجتهد العالم فوصل إلى حكم باجتهاده، فخالف به عامة العلماء فيلزمه اجتهاده، ولا يلزم بأقوال غيره من العلماء، وهو مذهب الجمهور. المذهب الثاني: أنه يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر مطلقًا، وهو مذهب سفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، وهو رواية عن أحمد. واستدلوا بعموم قول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. المذهب الثالث: أنه يجوز أن يقلد المجتهد مجتهدًا آخر أعلم منه إذا تعذر عليه الاجتهاد. المذهب الرابع: أنه يجوز له أن يقلد الواحد من الصحابة إذا كان قد ترجح في نظره على غيره ممن خالفه، وإن استوى في نظره فإنه يتخير في تقليد من شاء، ولا يقلد غير الصحابة. المذهب الخامس: أنه يجوز للمجتهد أن يقلد الواحد من الصحابة، والواحد من التابعين فقط.

стр. 1618

المذهب السادس: أنه يجوز له أن يقلد مجتهدًا آخر فيما يخصه دون ما يفتي به. المذهب السابع: أنه يجوز للمجتهد أن يقلد مجتهدًا آخر مطلقًا إذا خشي أن يفوت الوقت لو اشتغل بالاجتهاد (١). والراجح: عدم الجواز إلا للحاجة. • مسألة: إذا نص المجتهد على حكم في مسألة لعلة ذكرها، ووجدت تلك العلة في مسألة أخرى؟ إذا نص المجتهد في مسألة على حكم، وعلل الحكم بعلة، ووجدت مسألة أخرى متحققة فيها تلك العلة التي نص عليها، فإن مذهبه فيها هو مذهبه في المنصوص عليها، أما إذا نص على حكم في مسألة معينة، ولم يذكر علة ذلك الحكم، ووجدت مسألة أخرى تشبهها؛ فلا يجوز أن يحكم في هذه المسألة بحكم المنصوص عليها (٢).

стр. 1619

• مسألة: إذا روي عن مجتهد في مسألة واحدة روايتان مختلفتان، وصح هذا النقل عنه، ففيه تفصيل: أولًا: أنه لا يجوز أن يقول كل واحدة منهما في وقت واحد وفي حالة واحدة كما سبق. ثانيًا: إذا قال المجتهد هذين الحكمين المختلفين في تلك المسألة في حالتين، فلا يخلو إما أن لا نعلم الرواية الأخيرة، أو نعلم: فإن لم نعلم الرواية الأخيرة من هذا المجتهد، فإننا ننظر في الروايتين أيهما أشبه بأصول ذلك المجتهد، فإننا نجعلها مذهبًا له، وتكون الأخرى مشكوكًا فيها. فإن علمنا الرواية الأخيرة، فقد اختلف العلماء في ذلك، والصحيح أن الرواية الأخيرة لهذا المجتهد هي مذهبه في المسألة، وتكون الرواية الأولى قد رجع عنها فلا تضاف إليه، وقيل: لا تصح الأخيرة مذهبًا له، إلا إذا صرح بالرجوع عن الأولى (١).

стр. 1620

• مسألة: هل يجوز خلو عصر من مجتهد؟ قال ابن مفلح: لا يجوز خلو العصر عن مجتهد عند أصحابنا وطوائف. قال بعض أصحابنا: ذكره أكثر من تكلم في الأصول في مسائل الإجماع، ولم يذكر ابن عقيل خلافه إلا عن بعض المحدثين. وقال الآمدي: جوزه آخرون، وهو المختار؛ لأنه لو امتنع لكان لغيره، والأصل عدمه. وفي الصحيحين: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه، ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا). وقال: التفقه فرض كفاية، ففي تركه اتفاق الأمة على باطل (١). قال الزركشي: مسألةٌ: يجوز خلو العصر عن المجتهد عند الأكثرين وجزم به في «المحصول»، وقال الرافعي: الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم، ولعله أخذه من الإمام الرازي، أو من قول الغزالي في «الوسيط»: قد خلا العصر عن المجتهد المستقل، ونقل الاتفاق فيه عجيبٌ،

стр. 1621

والمسألة خلافيةٌ بيننا وبين الحنابلة، وساعدهم بعض أئمتنا، والحق أن الفقيه الفطن القيَّاس كالمجتهد في حق العامي، لا الناقل فقط. وقالت الحنابلة: لا يجوز خلو العصر عن مجتهدٍ، وبه جزم الأستاذ أبو إسحاق والزبيري، فقال الأستاذ: وتحت قول الفقهاء: لا يخلي الله زمانًا من قائمٍ بالحجة، أمرٌ عظيمٌ، وكأن الله تعالى ألهمهم ذلك، ومعناه أن الله تعالى لو خلى زمانًا من قائمٍ بحجةٍ زال التكليف، إذ التكليف لا يثبت إلا بالحجة الظاهرة وإذا زال التكليف بطلت الشريعة، وقال الزبيري: لن تخلو الأرض من قائمٍ لله بالحجة في كل وقتٍ ودهرٍ وزمانٍ، ولكن ذلك قليلٌ في كثيرٍ، فأما أن يكون غير موجودٍ - كما قال الخصم - فليس بصوابٍ، لأنه لو عدم الفقهاء لم تقم الفرائض كلها، ولو عطلت الفرائض كلها لحلت النقمة بذلك في الخلق، كما جاء في الخبر: «لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس» (١)، ونحن نعوذ بالله أن نؤخر مع الأشرار. انتهى. وقال ابن دقيق العيد: هذا هو المختار عندنا، لكن إلى الحد الذي ينتقض به القواعد بسبب زوال الدنيا في آخر الزمان، وقال في شرح خطبة «الإلمام»: والأرض لا تخلو من قائمٍ لله بالحجة، والأمة الشريفة

стр. 1622

لا بد لها من سالكٍ إلى الحق على واضح المحجة، إلى أن يأتي أمر الله في أشراط الساعة الكبرى، ويتتابع بعده ما بقي معه إلى قدوم الأخرى، ومراده بالأشراط الكبرى: طلوع الشمس من مغربها مثلًا، وله وجهٌ حسنٌ، وهو أن الخلو من مجتهدٍ يلزم منه إجماع الأمة على الخطأ، وهو ترك الاجتهاد الذي هو فرض كفايةٍ (١). قال السيوطي: لا يجوز خلو الزمان عن مجتهد: ذهب الحنابلة إلى أنه لا يجوز خلو الزمان عن مجتهد مطلق أو مقيد لقوله ﷺ «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله» (٢)، قالوا ولأن الاجتهاد فرض كفاية؛ فيستلزم انتفاؤه اتفاق المسلمين على الباطل. واختار الشيخ ابن دقيق العيد أنه لا يجوز خلوه عن مجتهد ما لم يتداعى الزمان بنزول القواعد بأن تأتي أشراط الساعة الكبرى، كذا نقله عنه ابن السبكي في جمع الجوامع. والأرض لا تخلو من قائم لله بالحجة، والأمة الشريفة لا بد فيها من سالك إلى الحق على واضح المحجة إلى أن يأتي أمر الله من أشراط

стр. 1623

الساعة الكبرى وتتابع بعده ما لا يبقى معه إلا قدوم الآخرة. وهذا الكلام استنبطه الشيخ تقي الدين من الحديث المذكور، ومن قول على ﵁: لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة؛ لكيلا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك هم الأقلون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا (١). وقال الشوكانى: ولا يخفاك أن القول بكون الاجتهاد فرضًا يستلزم عدم خلو الزمان عن مجتهد، ويدل لذلك: عن المغيرة بن شعبة، عن رسول الله ﷺ قال: «لا يزال ناس من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون) (٢). وقال: وما قاله الغزالي ﵀: من أنه قد خلا العصر عن المجتهد، قد سبقه إلى القول به القفال، ولكنه ناقض ذلك، فقال: إنه ليس بمقلدٍ للشافعي، وإنما وافق رأيه رأيه، كما نقل ذلك عنه الزركشي، وقال: قول هؤلاء القائلين بخلو العصر عن المجتهد، مما يقضي منه العجب، فإنهم إن قالوا ذلك باعتبار المعاصرين لهم، فقد عاصر القفال، والغزالي، والرازي، والرافعي، من الأئمة القائمين بعلوم الاجتهاد على الوفاء والكمال جماعةٌ منهم، ومن كان له إلمامٌ بعلم التاريخ، واطلاعٌ على أحوال علماء الإسلام في كل عصرٍ لا يخفى عليه مثل هذا، بل قد

стр. 1624

جاء بعدهم من أهل العلم من جمع الله له من العلوم فوق ما اعتبره أهل العلم في الاجتهاد. وإن قالوا ذلك لا بهذا الاعتبار، بل باعتبار أن الله رفع ما تفضل به على من قبل هؤلاء من هذه الأمة من كمال الفهم، وقوة الإدراك، والاستعداد للمعارف، فهذه دعوى من أبطل الباطلات، بل هي جهالةٌ من الجهالات. وإن كان ذلك باعتبار تيسر العلم لمن قبل هؤلاء المنكرين، وصعوبته عليهم، وعلى أهل عصورهم، فهذه أيضًا دعوى باطلةٌ، فإنه لا يخفى على من له أدنى فهمٍ أن الاجتهاد قد يسره الله. وقال: ولما كان هؤلاء الذين صرحوا بعدم وجود المجتهدين شافعيةً، فها نحن نوضح لك من وجد من الشافعية بعد عصرهم، ممن لا يخالف مخالفٌ في أنه جمع أضعاف علوم الاجتهاد، فمنهم ابن عبد السلام، وتلميذه ابن دقيق العيد، ثم تلميذه ابن سيد الناس، ثم تلميذه زين الدين العراقي، ثم تلميذه ابن حجرٍ العسقلاني، ثم تلميذه السيوطي، فهؤلاء ستةأعلامٍ كل واحدٍ منهم تلميذ من قبله، قد بلغوا من المعارف العلمية ما يعرفه من يعرف مصنفاتهم حق المعرفة، وكل واحدٍ منهم إمامٌ كبيرٌ في الكتاب والسنة، محيطٌ بعلوم الاجتهاد إحاطةً

стр. 1625

متضاعفةً، عالمٌ بعلومٍ خارجةٍ عنها (١). • الاجتهاد في العصر الحاضر: أحس المسلمون عامة، والعلماء خاصة منذ مطلع القرن الرابع عشر الهجري، والعشرين ميلادي بضررورة العودة إلى رحاب الشريعة الغراء في التطبيق والحياة، وأدركوا عوامل الخمود والكسل والركود التي سبقت ذلك، فشمروا عن ساعد الجد، وطالبوا بالالتزام بالشرع الحنيف، وساهموا في فتح الكليات والجامعات والمعاهد، ودرسوا مختلف العلوم الإسلامية، وخاصة أصول الفقه، والفقه المقارن بين المذاهب، والموازنة مع القوانين الأجنبية المستوردة، وأَدْلَوا بدلوهم تدريجيًّا في الاجتهاد، وبيان الأحكام في النوازل والمستجدات، ومارسوا الاجتهاد عمليًّا، وتعالت أصواتهم بالدعوة مجددًا إلى فتح باب الاجتهاد، وإنهاء دعوى أو فتوى غلق باب الاجتهاد، وطلبوا من العلماء الذين تتوفر فيهم شروط الاجتهاد أن يتولوا القيام به، ولو جزئيًّا، ليعود الأمر إلى الأصل الشرعي، وقرر معظم العلماء أن باب الاجتهاد لم يغلق أصلًا، وإنما وضعت القيود عليه خشية العبث به، ولوجود الموانع أمامه، وإذا زال المانع عاد الممنوع، وأن الأمة والعلماء مدعوون قطعًا لتحصيل شروط الاجتهاد، ثم العمل بموجبه،

стр. 1626

وأن فضل الله على عباده لم ولن ينحصر في وقت دون آخر، ولم ولن يتحدد بجيل دون آخر، وأن الخير في هذه الأمة حتى تقوم الساعة، ويجب أن تنفض عن كواهلها عوارض الكسل والخمود، لتمارس نشاطها الفقهي والاجتهاد. وإن الظروف المعاصرة تستدعي الاجتهاد وتوجبه لسببين رئيسين: السبب الأول: الصحوة الإسلامية المعاصرة، والمرافقة للتطور التقني في تدوين الكتب الشرعية في علوم القرآن، وعلوم السنة، وأصول الفقه، والموسوعات الفقهية، وإحياء التراث، وتحقيقه، ونشره، وسهولة الطباعة لأمهات الكتب في مختلف العلوم، مما يسهل على العلماء الزاد العلمي، وييسر لهم سبل الاجتهاد. السبب الثاني: التطور المعاصر في مختلف شؤون الحياة، وكثرة المستجدات والنوازل والوقائع التي تحتاج إلى بيان الأحكام الشرعية لها، ووجود التحدي من الأنظمة والتشريعات الوافدة من الاتجاه المعاكس، والنظريات المادية، والهيمنة الفكرية، والعولمة، والغزو الثقافي والتشريعي، وظهور الاستعمار القانوني المعاصر. وذلك بالإضافة إلى الدواعي الشرعية السابقة لضرورة الاجتهاد، وحتمية وجوده، وأهميته، وأداء وظيفته.

стр. 1627

وظهر في العصر الحاضر المجامع الفقهية، والندوات، والمؤتمرات التي تجمع كبار العلماء لبحث القضايا المعاصرة، والاجتهاد الجماعي فيها، وإصدار الفتاوى بالاتفاق أو بالأغلبية لبيان الحلول الشرعية لقضايا الأمة والمجتمع والمؤسسات والشركات والأفراد، واختيار الآراء المناسبة من مختلف المذاهب بما يوافق روح العصر، والتقدم والرقي، والمكتشفات العلمية الحديثة. وظهر في معظم البلاد العربية والإسلامية هيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث، ودار الفتوى، ومنصب المفتي العام، ودوائر الشؤون الإسلامية، بالإضافة إلى أساتذة الفقه وأصول الفقه وتاريخ التشريع والفقه المقارن في الكليات والجامعات والمعاهد العليا ممن يجيدون البحث العلمي، ويكتبون البحوث المحكمة والمعمقة، ويقدمون الدراسات والأوراق للندوات والمؤتمرات ومجامع الفقه، إضافة إلى كبار القضاة الذين يتمرسون على فصل المنازعات والاختلافات التي لم يسبق لها مثيل، فيجتهدون في إصدار الأحكام الشرعية فيها، ويستقر عليها العمل، وتصبح سوابق قضائية، وتنتقل من بلد إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى، وتجمع في مدونات، وتطبع وتنشر. وهكذا يحافظ الاجتهاد في عصرنا الحاضر -كما كان في السابق- على حياة التشريع، ومرونة الفقه، وتطوره، وفعاليته، ويحافظ الاجتهاد

стр. 1628

على بقاء الفقه الإسلامي في المعاملات، ويتطلع إليه الخاصة والعامة لحل المشكلات، وإيجاد الحلول الموافقة للشرع للمعضلات التي رانت على القلوب بعد سيطرة الفكر المادي، والاستعمار التشريعي. وإذا كان الاجتهاد المطلق، والمجتهد المستقل، يصعب حصوله اليوم، فإن سائر أنواع الاجتهاد، وسائر طبقات المجتهدين، ومراتبهم، موجودة، وإن معظم شروط الاجتهاد -اليوم- متحققة ومتوفرة، وستبقى حتى تقوم الساعة، وهو ما عبر عنه الغزالي والشهرستاني وابن عبد السلام والسيوطي وغيرهم، وهو ما ينادي به كبار العلماء والفقهاء في هذا العصر، لتظل راية الشرع عالية خفاقة بإذن الله تعالى (١).

стр. 1629

المبحث الثاني: الفتوى • تعريف الفتوى: الفتوى لغة: قال ابن منظور: أفتاه في الأمر أبان له، وأفتى الرجل في المسألة واستفتيته فيها فأفتاني إفتاء … يقال: أفتيت فلانًا رؤيا رآها إذا عبرتها له، وأفتيته في مسألة إذا أجبته عنها … يقال: أفتاه في المسألة إذا أجابه … والفتيا والفُتْوى والفَتْوى: ما أفتى به الفقيه (١). والاستفتاء لغة: طلب الجواب عن الأمر المشكل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ [الكهف: ٢٢]، وقد يكون بمعنى مجرد سؤال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ [الصافات: ١١]، قال المفسرون: أي اسألهم. الفتوى اصطلاحًا: بيان الحكم الشرعي (٢).

стр. 1630

• والقضاء شبيه بالفتوى إلا أن بينهما فروقًا: منها: أن الفتوى إخبار عن الحكم الشرعي، والقضاء إنشاء للحكم بين المتخاصمين. ومنها: أن الفتوى لا إلزام فيها للمستفتي أو غيره، بل له أن يأخذ بها إن رآها صوابًا، وله أن يتركها ويأخذ بفتوى مفت آخر، أما الحكم القضائي فهو ملزم، وينبني عليه أن أحد الخصمين إذا دعا الآخر إلى فتاوى الفقهاء لم نجبره، وإن دعاه إلى قاض وجب عليه الإجابة، وأجبر على ذلك، لأن القاضي منصوب لقطع الخصومات وإنهائها. ومنها: أن المفتي يفتي بالديانة - أي على باطن الأمر، وبدين المستفتي، والقاضي يقضي على الظاهر. قال ابن عابدين: مثاله إذا قال رجل للمفتي: قلت لزوجتي: أنت طالق قاصدًا الإخبار كاذبًا، فإن المفتي يفتيه بعدم الوقوع، أما القاضي فإنه يحكم عليه بالوقوع (١). ومنها: أن حكم القاضي جزئي خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه أوله، وفتوى المفتي شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وغيره، فالقاضي يقضي قضاء معينا على شخص معين، والمفتي يفتي حكمًا

стр. 1631

عامًّا كليًّا: أن من فعل كذا ترتب عليه كذا، ومن قال كذا لزمه كذا. ومنها: أن القضاء لا يكون إلا بلفظ منطوق، وتكون الفتيا بالكتابة والفعل والإشارة (١). • أهمية منصب الفتوى وخطورته: ويمكن إيضاح ذلك فيما يأتي: ١ - أن المفتي موقع عن رب العالمين. قال ابن القيم: «وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟! فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يَعُدَّ له عدته، وأن يتأهب له أهبته، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به فإن الله ناصره وهاديه، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب، فقال تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٧]، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفًا وجلالة». ٢ - أن المفتي من شأنه إصدار الفتاوى في ساعته بما يحضره من

стр. 1632

القول، فلا يتهيأ له من الصواب ما يتهيأ لمن أطال النظر وتثبت كالقاضي. ٣ - أن فتوى المفتي - وإن لم تكن ملزمة - حكم عام يتعلق بالمستفتي وبغيره، فالمفتي يحكم حكمًا عامًّا كليًّا أن من فعل كذا ترتب عليه كذا، ومن قال كذا لزمه كذا، بخلاف القاضي فإن حكمه جزئي خاص على شخصٍ معينٍ لا يتعداه إلى غيره (١). • تنبيهات: ١ - باب الفتوى له صلة قوية بباب الاجتهاد والتقليد، بل إن الفتوى فرع عن الاجتهاد والتقليد، إذ المفتي هو المجتهد، والمستفتي هو المقلد، لذا فإن كثيرًا من مباحث الفتوى يرجع فيها إلى ما تقدم من مباحث الاجتهاد والتقليد. فمن ذلك: ٢ - أنواع المفتين كأنواع المجتهدين: فبعضهم مجتهد مطلق وبعضهم مقيد، وبعضهم مجتهد في جميع المسائل، وبعضهم في مسألة أو باب معين، على ما مضى في أقسام الاجتهاد، ولا يجوز للمفتي أن يتجاوز مرتبته.

стр. 1633

٣ - يجوز للمفتي أن يفتي أباه وابنه وشريكه ومن لا تقبل شهادته له؛ لأن الإفتاء حكمه عام يجري مجرى الرواية لا مجرى الشهادة. ٤ - لا يجوز للمفتي أن يأخذ أجرة على فتواه من أعيان من يفتيهم، ويجوز له أن يأخذ من بيت المال ما يغنيه إن احتاج لذلك. وأما الهدية فإن كانت بغير سبب الفتوى جاز قبولها، والأولى أن يكافئ عليها، وإن كانت بسبب الفتوى كره قبولها لأنها تشبه المعاوضة على الإفتاء. ويحرم قبول الهدية إن كانت سببًا إلى أن يفتيه بما لا يفتي به غيره. ٥ - يجوز للحي تقليد الميت والعمل بفتواه؛ لأن الأقوال لا تموت بموت قائليها، وهذا ما عليه عمل جميع المقلدين في أقطار الأرض، فإن خير ما بأيديهم من التقليد تقليد الأموات. ٦ - لا يجوز للمستفتي تتبع الرخص، والتخير بين أقوال المفتين بالرأي المجرد والتشهي، بل عليه أن يرجح قدر استطاعته القول الأقرب للصواب في نظره. وإذا كان تتبع الرخص لا يجوز للمستفتي، فعلى المفتي ألا يُعينه على ذلك إلا إنْ عَلِمَ منه حُسْنَ القصد فله أن يدله على حيلةٍ جائزةٍ لا

стр. 1634

شبهة فيها (١). • حكم الإفتاء والاستفتاء: المراد من الحكم هنا الوصف الشرعي من حيث الوجوب والندب والإباحة والحرمة والكراهة، وهذا يتناول المستفتي والمفتي. لما كان حكم الفتوى مما تتطرق إليه الأحكام التكليفية الخمسة حسن توضيح ذلك فيما يأتي: أ- حكم الإفتاء في الأصل جائز فقد ثبت عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يفتون الناس، فمنهم المكثر في ذلك والمقل، وكذلك كان في التابعين وتابعيهم ومن بعدهم. فلا بد للناس من علماء يسألونهم، ومفتين يستفتونهم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]. وقال ﷺ : «ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال» (٢). ب- وقد يكون الإفتاء واجبًا، وذلك إذا كان المفتي أهلًا للإفتاء، وكانت الحاجة قائمة، ولم يوجد مفتٍ سواه، فيلزمه والحالة كذلك

стр. 1635

فتوى من استفتاه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [آل عمران: ١٨٧]. وقال ﷺ : «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة» (١). ج- وقد يكون الإفتاء مستحبًّا إذا كان المفتي أهلًا، وكان في البلد غيره، ولم تكن هنالك حاجة قائمة. د- وقد يحرم على المفتي الإفتاء، وذلك إذا لم يكن عالمًا بالحكم، لئلا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. فجعل الله القول عليه بلا علم من المحرمات التي لا تباح بحال، ولهذا حصر التحريم فيها بصيغة الحصر.

стр. 1636

وكذلك يحرم الإفتاء فيما إذا عرف المفتي الحق؛ فلا يجوز له أن يفتي بغيره، فإن من أخبر عما يعلم خلافه فهو كاذب على الله عمدًا، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]. والكاذب على الله أعظم جرمًا ممن أفتى بغير علم. هـ- ويكره للمفتي أن يفتي في حال غضب شديد، أو جوع مفرط، أو هم مقلق، أو خوف مزعج، أو نعاس غالب، أو شغل قلبٍ مستول عليه، أو حال مدافعة الأخبثين. بل متى أحس من نفسه شيئًا من ذلك يخرجه عن حال اعتداله، وكمال تثبته وتبينه أمسك عن الفتوى. وعلى كلٍّ، فالضابط لحكم الإفتاء النظر إلى المصالح والمفاسد. قال ابن القيم: « ..... هذا إذا أمن المفتي غائلة الفتوى، فإن لم يأمن غائلتها وخاف من ترتب شر أكثر من الإمساك عنها أمسك عنها، ترجيحًا لدفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما. وقد أمسك النبي ﷺ عن نقض الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم لأجل حدثان عهد قريش بالإسلام، وأن ذلك ربما نفَّرهم عنه بعد الدخول فيه. وكذلك إن كان عقل السائل لا يحتمل الجواب عما سأل عنه، وخاف المسئول أن يكون فتنة له، أمسك عن جوابه.

стр. 1637

وفي المسألة الآتية «أنواع الفتاوى» بيان لبعض الأحكام المتعلقة بالفتوى مما يتصل بالنظر إلى المصلحة والمفسدة. • مسألة: أنواع الفتاوى: أولًا: بالنسبة لقصد السائل فإن الأسئلة تتنوع إلى أنواع، وبحسبها تكون الفتوى: فقد يرد السؤال عن حكم الله ورسوله ﷺ ، وقد يرد السؤال عن قول إمام بعينه، وقد يرد السؤال عما ترجح لدى المفتي. والواجب على المفتي أن يجيب السائل عما سأل. ففي القسم الأول عليه أن يبين حكم الله ورسوله ﷺ إذا عرفه، لا يسعه غير ذلك. وفي القسم الثاني له أن يخبر عن قول ذلك الإمام، لكن عليه أن يتثبت وألا ينسب القول إلى ذلك الإمام إلا إذا علم يقينًا أنه قوله ومذهبه. وفي القسم الثالث له أن يخبر بما عنده مما يغلب على ظنه أنه الصواب بعد بذل الجهد والنظر. ثانيًا: بالنسبة لوقوع الحادثة أو عدم وقوعها تتنوع الفتاوى إلى ما يأتي: ١ - أن يسأل المستفتي عما وقع له، وهو محتاج إلى السؤال، وقد

стр. 1638

حضره وقت العمل فيجب على المفتي - إن لم يوجد غيره - المبادرة إلى جوابه على الفور، ولا يجوز تأخير بيان الحكم عن وقت الحاجة. ٢ - أن يسأل عن الحادثة قبل وقوعها له، فهذه لا تخلو من ثلاث حالات: أ- أن يكون في المسألة نص من كتاب أو سنة أو إجماع، فيجوز للمفتي ولا يجب عليه بيان الحكم، وذلك بحسب الإمكان. ب- أن تكون الحادثة بعيدة الوقوع أو غير ممكنة الوقوع، وإنما هي من المقدرات، فيكره للمفتي الكلام فيها؛ لأن السلف كانوا يكرهون الكلام عما لم يقع، ولأن الفتوى بالرأي إنما تجوز للضرورة وليست هناك ضرورة. ج- أن تكون الحادثة غير نادرة الوقوع، وغرض السائل الإحاطة بعلمها، ليكون على بصيرة إذا وقعت، فيستحب للمفتي الجواب بما يعلم إن رأى المصلحة في ذلك (١). • شروط المفتي: قال ابن الصلاح: أما شروطه وصفاته: أن يكون مكلفًا مسلمًا، ثقة مأمونًا، متنزهًا من أسباب الفسق ومسقطات المروءة؛ لأن من لم يكن

стр. 1639

كذلك فقوله غير صالح للاعتماد، وإن كان من أهل الاجتهاد. ويكون فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر صحيح التصرف والاستنباط مستيقظًا (١). • صفات المفتي: قال أبوعبد الله أحمد بن حنبل: أولها: أن تكون له نيةٌ، فإن لم يكن له نيةٌ لم يكن عليه نورٌ ولا على كلامه نورٌ. والثانية: أن يكون له علمٌ وحلمٌ ووقارٌ وسكينةٌ. الثالثة: أن يكون قويًّا على ما هو فيه، وعلى معرفته. الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس. الخامسة: معرفة الناس. وهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحله من العلم والمعرفة؛ فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى، وأي شيء نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه (٢).

стр. 1640

• وفي الجملة فإن هناك آدابًا للمفتي والمستفتي وإصدار الفتوى تُجمَل فيما يلي: • آداب المفتي في نفسه: ١ - أن يقصد المفتي بعمله وجه الله تعالى، والتقرب إليه في بيان حكم الله تعالى ودينه وشرعه، ولا يفتي طمعًا في منصب، أو مغنم، أو جاه، أو خوفًا من حاكم أو سلطان، ويخلص النية لله تعالى. ٢ - أن يتصف المفتي بالتقوى؛ لأنه أمين على دين الله وشرعه، ومبلغ عن الله تعالى؛ لأنه من ورثة الأنبياء، فيجب أن يتخلق بأخلاقهم، وأن يتجنب أسباب الفسق وخوارم المروءة. ٣ - أن يتصف المفتي بالعلم والحلم والوقار والسكينة؛ لأنه موقع عن رب العالمين، ويتمثل فيه الشرع القويم، ويتجنب الرياء والسمعة في عمله. ٤ - أن يكون المفتي ظاهر الورع، مشهورًا بالديانة الظاهرة، وحسن السريرة الباطنة، قال النووي ﵀: وكان مالك ﵀ يعمل بما لا يلزمه الناس، ويقول: لا يكون عالمًا حتى يعمل بخاصة نفسه بما لا يلزمه الناس، مما لو تركه لم يأثم، وكان يحكي نحوه عن شيخه ربيعة

стр. 1641

(١). ٥ - أن يكون المفتي فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح التصرف والاستنباط، متيقظًا لما يعرض عليه، بعيدًا عن الغفلة خشية الوقوع في مكائد المستفتين وشباكهم. ٦ - ينبغي ألا يفتي حال تغير خلقه، وانشغال قلبه بما يمنعه من التأمل، كالغضب، والجوع والعطش، والحزن والفرح الغالب، والنعاس، والملل، والضجر من حر أو برد، والمرض، ومدافعة الحدث، وكل ما يشغل القلب، ويمنع الاعتدال. ٧ - أن يتصف المفتي بالرفق في تفهم سؤال المستفتي، وأن يكون واسع الصدر معه، وأن يصبر عليه، فلا يضيق ذرعًا بجهل السائل، ولا بإلحاحه، أو تطويله، أو تطويل السؤال وتكراره. ٨ - أن يكون المفتي مستقل الإرادة في الفتوى، فلا يخشى بها الناس، فيغير الحكم طمعًا في ترغيب، أو خوفًا من ترهيب، وأن يتجنب الفتاوى التي تملى عليه صراحة أو دلالة، فلا يكون مفتيًا للسلطة الحاكمة بحسب أهوائها، أو ما يتناسب مع توجهاتها واتجاهاتها، وخاصة في هذا الزمان، فإن أكثر الحكام لا يطبقون شرع الله، ويتحايلون

стр. 1642

عليه، ويحاولون أن يلبسوا أعمالهم عباءة الشرع والدين باستصدار الفتاوى، والحصول على موافقة المفتي وأعوانه. قال الإمام أحمد ﵀: إذا هاب الرجل شيئًا، لا ينبغي أن يحمل على أن يقوله (١) (٢). • آداب إصدار الفتوى: ١ - يجب على المفتي اتباع الحكم المفتى به بالدليل، وذلك بذكر حجته إذا كان نصًّا واضحًا مختصرًا، وخاصة إذا كان المستفتي فقيهًا عالمًا، لا عامِّيًّا، وبشكل أخص إذا كانت الفتوى عامة، وتعلق وتنشر على الناس. ٢ - يجب على المفتي الالتزام بالأحكام المجمع عليها، ويحرص على بيان الأحكام المتفق عليها بين المذاهب. ٣ - إذا كانت الفتوى مختلفًا فيها بين المذاهب، وكان المفتي مذهبيًّا، فيجب عليه اعتماد القول المعتمد الراجح في المذهب، كما سبق، ويجب أن يكون اعتماده على الكتب الموثوقة في المذهب التي تنص على القول الراجح المعتمد، ويتجنب الأقوال الضعيفة

стр. 1643

المرجوحة، أما إن كان مجتهدًا فيفتي باجتهاده دون تقيد بمذهب. ٤ - يجب على المفتي أن يحرص في الفتوى على موافقة الشرع، وتحقيق المقاصد الشرعية، والمصالح العامة، ويتجنب الفتوى حسب أهواء الناس ورغباتهم، أو حسب أهواء الحكام وميولهم، ويجب أن يتحرى المصلحة العامة، ويتحرز ما يؤدي إلى فتنة، أو يلحق أذى بالناس، أو يؤدي إلى التنازع أو تفريق الصفوف، وعليه الامتناع عن الفتوى إن علم أن المستفتي يريد بالفتوى اتباع الهوى، وليس الحق، وأنه يريد استغلالها للترويج لأمر غير مشروع. وإذا أصدر الحاكم حكمًا يوافق الشرع وله دليل شرعي معتبر، ويراه المفتي حقًّا، فلا مانع من تأييده. ٥ - يحرم التساهل في الفتوى، ومن عُرِف به حَرُم استفتاؤه ووجب منعه، ومن التساهل أن لا يتثبت، ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر، إلا إذا تقدمت في السابق، فلا بأس من المبادرة، وعلى هذا يحمل ما نقل عن الماضين من مبادرة، ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة، والتمسك بالشبه طلبًا للترخيص لمن يريد نفعه، أو التغليظ على من يريد ضره. ٦ - إذا تكرر الاستفتاء في حادثة، وتذكر المفتي الأولى ودليلها الشرعي، أو حكمها في المذهب المنتسب إليه، أفتى بذلك مباشرة، وإن

стр. 1644

لم يذكر الدليل والحكم المذهبي، فيجب تجديد النظر والبحث، على الأصح. ٧ - يجوز للمفتي التشديد والتغليظ في الفتوى لمصلحة، وإن كان لا يرى ذلك، لكن فيه تأويل، زجرًا للمستفتي. ٨ - يجب على المفتي أن تكون فتواه صريحة جازمة واضحة محددة، فلا يقتصر على ذكر الخلاف، أو القولين فيها؛ لأن مقصود المستفتي بيان ما يعمل به، فينبغي الجزم بما هو الراجح، فإن لم يعرفه، توقف حتى يظهر له، ولأن الفتوى غير الواضحة لا تفيد المستفتي، ولا تحقق الغرض من الفتوى، فيجب أن يجزم بما هو الراجح. ٩ - أن يتجنب المفتي الخوض في المسائل الكلامية، بل يمنع المستفتي وسائر العامة من الخوض في ذلك، ليقتصروا على الإيمان جملة، وعلى أركانه، وكذا في آيات الصفات والأخبار المتشابهة، فإن الفتوى لا تغني فيها ولا تفيد، وكذا تجنب الفتوى فيما لا وجود له كالرق والعتق والعبيد، والكلام عن اختلاف الصحابة والسلف واقتتالهم، فلا جدوى من ذلك، والأصل في الفتوى السؤال عما يوجب عملًا، ويبعد عن محرم وشر وضرر، ولا يدخل فيها الأمور النظرية (١).

стр. 1645

• آداب المستفتي: ١ - يجب على المستفتي الاستفتاء إذا نزلت به حادثة ليعلم حكم الله تعالى فيها، ويلتزم به، وإن لم يجد ببلده من يستفتيه، وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه وإن بعدت المسافة؛ لأن ذلك يتعلق بالدين، والحلال والحرام. ٢ - يجب على المستفتي قطعًا البحث عمن تتوفر فيه أهلية الفتوى لإفتائه، وعليه أن يسأل أهل العلم الشرعي حصرًا، وخاصة الملتزمين بالتقوى؛ لأن التحري في أمر الدين واجب، ويسأل من عرف علمه وعدالته. ٣ - يجوز للمستفتي أن يسأل بنفسه، وله أن يبعث ثقة يعتمد خبره ليستفتي له، وله الاعتماد على خط المفتي إذا أخبره به ثقة أنه خطه، أو كان يعرف خطه، ولم يتشكك فيه، وأن يكون كاتب السؤال ممن يحسن السؤال، ويحدد الغرض منه، مع وضوح الخط واللفظ. ٤ - ينبغي للمستفتي أن يتأدب مع المفتي، وأن يظهر له الاحترام والإجلال في كلامه وكتابه، وألا يسيء في ألفاظه وكلامه ومخاطبته، ولا يسأله وهو مشغول، أو في حالة ضجر أو هم، أو نحو ذلك مما يشغل القلب، ولا يدع الدعاء لمن يستفتيه. ٥ - إذا استفتى في مسألة أو قضية، ثم حدثت تلك القضية، فيلزم

стр. 1646

المستفتي تكرير السؤال في الصحيح عند الحنابلة؛ لاحتمال تغير نظر المفتي، وعند الشافعية وجهان، والأصح منهما لا يلزمه تجديد السؤال؛ لأنه عرف الحكم الأول، والأصل استمرار المفتي عليه (١).

стр. 1647

المبحث الثالث: التقليد • تعريف التقليد والاتباع: التقليد لغة: وضع الشيء في العنق حال كونه محيطًا به، ويسمى ذلك الشيء قلادة، ومنه تقليد الهدي في الحج، أي: وضع القلادة في عنق ما يُهدى إلى الحرم من النَّعَم، وجمع القلادة قلائد (١). والتقليد اصطلاحًا: أخذ مذهب الغير من غير معرفة دليله (٢). فالمقلد يعتقد صحة ما يقوله غيره، ويتبعه عليه من غير معرفة الدليل الذي أوجب القول، سواء كان ذلك قولًا أو فعلًا، عملًا أو تركًا، ويسمى المقلد عاميًّا، وهذا يشمل كل إنسان غير مجتهد في الشرع، ولو كان عالمًا وخبيرًا في علم آخر. ويخرج من التعريف المجتهد إذا عرف الدليل، ووافق اجتهاده

стр. 1648

اجتهاد مجتهد آخر، فإنه لا يسمى تقليدًا، كقولهم: أخذ الشافعي بمذهب مالك في كذا، وأخذ أحمد بمذهب الشافعي في كذا؛ لأنه عند معرفة دليله حق المعرفة يكون قد أخذ الحكم من الدليل، لا من المجتهد السابق، فيكون إطلاق الأخذ بمذهبه فيه تجوُّز. وكذلك فإن الرجوع إلى قول الرسول ﷺ ، وإلى المعلوم بالضرورة، وإلى الإجماع، ورجوع القاضي إلى شهادة الشاهد، ليس بتقليد حقيقة؛ لقيام الحجة بذلك، وقول النبي ﷺ هو نفس الحجة والدليل. • الفرق بين التقليد والاتباع (١): فرَّق كثير من العلماء بين التقليد الذي يأخذ فيه الشخص بقول غيره بدون معرفة دليله، وبغير حجة تظهر له، بل بمجرد الاقتناع والثقة والمحاكاة، حتى لا يعرف دليل القول، ولا معنى قوله، وإنما يسلم به، ويلتزمه فيه، ويسير على هداه. أما الاتباع فهو الأخذ بقول الآخر بعد معرفة دليله، والطريق الذي أخذ به، فيقتنع بالقول مع الدليل، ثم يتبعه، فيكون تابعًا طريق المتبوع، ولذلك فإن معظم الأصحاب لإمام المذهب هم تابعون له؛ لمعرفتهم الحكم مع الدليل، وكذلك معظم الباحثين والدارسين للفقه المذهبي

стр. 1649

يعتبرون تابعين للمذهب، وليسوا مقلدين له. ولذلك فكل من خرج عن الاجتهاد ممن ذكرناه سابقًا، ولم يبلغ درجة الاجتهاد، بل يتبع الرسول ﷺ ، والإجماع، والمعلوم بالضرورة فهذا اتباع، وليس تقليدًا، وكذا اتباع المجتهد لقول مجتهد آخر، يسمى اتباعًا، وليس تقليدًا. • تاريخ التقليد والاتباع (١): إن التقليد لأقوال العلماء المجتهدين ظهر منذ عصر الصحابة رضوان اللَّه عليهم، فكان معظم الصحابة غير مجتهدين، ويسألون كبار الصحابة و فقهاءهم عن الأحكام، فيأخذون بها دون الاستفسار عن الدليل. ولكن لم يكن للصحابة مذهب كامل، واستمر الأمر كذلك في عهد التابعين، إلى أن ظهر كبار الأئمة المجتهدين، وصار لهم أتباع، واستقرت مذاهبهم، وبدأ التقليد بشكل واضح في منتصف القرن الثاني الهجري، كما سبق، ثم ظهر التقليد للمذهب بمعناه الكامل في أوائل القرن الرابع الهجري، واستمر إلى اليوم. قال الشوكاني ﵀: إن التقليد (للمذهب» لم يحدث إلا بعد

стр. 1650

انقراض خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وإن حدوث التمذهب بمذاهب الأئمة الأربعة، إنما كان بعد انقراض عصر الأئمة الأربعة، وإنهم كانوا على نمط مَنْ تقدمهم من السلف في هجر التقليد، وعدم الاعتداد به، وإن هذه المذاهب إنما أحدثها عوام المقلدة لأنفسهم من دون أن يأذن بها إمام من الأئمة المجتهدين (١). • تقليد المفضول (٢): يجوز تقليد المجتهد المفضول، مع وجود الأفضل عند الأكثر من المذاهب الأربعة؛ لأن العامي أو المستفتي لا يمكنه الترجيح ومعرفة الفاضل والمفضول، ولو كُلِّف ذلك لكان تكليفًا بضرب من الاجتهاد، وهو لا يستطيعه، ولأن اللَّه تعالى قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، ولم توجب الآية تعيين الأفضل دون المفضول، ولأن المفضول من الصحابة والسلف كان يفتي مع وجود الفاضل، واشتهر ذلك وتكرر، ولم ينكر ذلك أحد، فدل على جواز استفتائه مع القدرة على استفتاء الفاضل لكن قال أكثر العلماء: إنه يلزم العامي في الأصح أن يقلد الأرجح من المجتهدين متى بان له ذلك، وخالف
следующие страницы →