المستفتي تكرير السؤال في الصحيح عند الحنابلة؛ لاحتمال تغير نظر المفتي، وعند الشافعية وجهان، والأصح منهما لا يلزمه تجديد السؤال؛ لأنه عرف الحكم الأول، والأصل استمرار المفتي عليه (١).
стр. 1647
المبحث الثالث: التقليد
• تعريف التقليد والاتباع:
التقليد لغة: وضع الشيء في العنق حال كونه محيطًا به، ويسمى ذلك الشيء قلادة، ومنه تقليد الهدي في الحج، أي: وضع القلادة في عنق ما يُهدى إلى الحرم من النَّعَم، وجمع القلادة قلائد (١).
والتقليد اصطلاحًا: أخذ مذهب الغير من غير معرفة دليله (٢).
فالمقلد يعتقد صحة ما يقوله غيره، ويتبعه عليه من غير معرفة الدليل الذي أوجب القول، سواء كان ذلك قولًا أو فعلًا، عملًا أو تركًا، ويسمى المقلد عاميًّا، وهذا يشمل كل إنسان غير مجتهد في الشرع، ولو كان عالمًا وخبيرًا في علم آخر.
ويخرج من التعريف المجتهد إذا عرف الدليل، ووافق اجتهاده
стр. 1648
اجتهاد مجتهد آخر، فإنه لا يسمى تقليدًا، كقولهم: أخذ الشافعي بمذهب مالك في كذا، وأخذ أحمد بمذهب الشافعي في كذا؛ لأنه عند معرفة دليله حق المعرفة يكون قد أخذ الحكم من الدليل، لا من المجتهد السابق، فيكون إطلاق الأخذ بمذهبه فيه تجوُّز.
وكذلك فإن الرجوع إلى قول الرسول ﷺ ، وإلى المعلوم بالضرورة، وإلى الإجماع، ورجوع القاضي إلى شهادة الشاهد، ليس بتقليد حقيقة؛ لقيام الحجة بذلك، وقول النبي ﷺ هو نفس الحجة والدليل.
• الفرق بين التقليد والاتباع (١):
فرَّق كثير من العلماء بين التقليد الذي يأخذ فيه الشخص بقول غيره بدون معرفة دليله، وبغير حجة تظهر له، بل بمجرد الاقتناع والثقة والمحاكاة، حتى لا يعرف دليل القول، ولا معنى قوله، وإنما يسلم به، ويلتزمه فيه، ويسير على هداه.
أما الاتباع فهو الأخذ بقول الآخر بعد معرفة دليله، والطريق الذي أخذ به، فيقتنع بالقول مع الدليل، ثم يتبعه، فيكون تابعًا طريق المتبوع، ولذلك فإن معظم الأصحاب لإمام المذهب هم تابعون له؛ لمعرفتهم الحكم مع الدليل، وكذلك معظم الباحثين والدارسين للفقه المذهبي
стр. 1649
يعتبرون تابعين للمذهب، وليسوا مقلدين له.
ولذلك فكل من خرج عن الاجتهاد ممن ذكرناه سابقًا، ولم يبلغ درجة الاجتهاد، بل يتبع الرسول ﷺ ، والإجماع، والمعلوم بالضرورة فهذا اتباع، وليس تقليدًا، وكذا اتباع المجتهد لقول مجتهد آخر، يسمى اتباعًا، وليس تقليدًا.
• تاريخ التقليد والاتباع (١):
إن التقليد لأقوال العلماء المجتهدين ظهر منذ عصر الصحابة رضوان اللَّه عليهم، فكان معظم الصحابة غير مجتهدين، ويسألون كبار الصحابة و فقهاءهم عن الأحكام، فيأخذون بها دون الاستفسار عن الدليل.
ولكن لم يكن للصحابة مذهب كامل، واستمر الأمر كذلك في عهد التابعين، إلى أن ظهر كبار الأئمة المجتهدين، وصار لهم أتباع، واستقرت مذاهبهم، وبدأ التقليد بشكل واضح في منتصف القرن الثاني الهجري، كما سبق، ثم ظهر التقليد للمذهب بمعناه الكامل في أوائل القرن الرابع الهجري، واستمر إلى اليوم.
قال الشوكاني ﵀: إن التقليد (للمذهب» لم يحدث إلا بعد
стр. 1650
انقراض خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وإن حدوث التمذهب بمذاهب الأئمة الأربعة، إنما كان بعد انقراض عصر الأئمة الأربعة، وإنهم كانوا على نمط مَنْ تقدمهم من السلف في هجر التقليد، وعدم الاعتداد به، وإن هذه المذاهب إنما أحدثها عوام المقلدة لأنفسهم من دون أن يأذن بها إمام من الأئمة المجتهدين (١).
• تقليد المفضول (٢):
يجوز تقليد المجتهد المفضول، مع وجود الأفضل عند الأكثر من المذاهب الأربعة؛ لأن العامي أو المستفتي لا يمكنه الترجيح ومعرفة الفاضل والمفضول، ولو كُلِّف ذلك لكان تكليفًا بضرب من الاجتهاد، وهو لا يستطيعه، ولأن اللَّه تعالى قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، ولم توجب الآية تعيين الأفضل دون المفضول، ولأن المفضول من الصحابة والسلف كان يفتي مع وجود الفاضل، واشتهر ذلك وتكرر، ولم ينكر ذلك أحد، فدل على جواز استفتائه مع القدرة على استفتاء الفاضل لكن قال أكثر العلماء: إنه يلزم العامي في الأصح أن يقلد الأرجح من المجتهدين متى بان له ذلك، وخالف
стр. 1651
بعضهم في ذلك، وقال النووي ﵀: وهذا وإن كان ظاهرًا، ففيه نظر؛ لما ذكرنا من سؤال آحاد الصحابة مع وجود أفاضلهم (١).
• تقديم الأعلم على الأورع (٢):
يقدم في تقليد المجتهدين الأعلم على الأورع في الأصح، لأنَّ الظن الحاصل بالأعلم أقوى، ولأنه لا تعلق لمسائل الاجتهاد بالورع، فإن استوى المجتهدون تخير العامي في تقليد أحدِهم متى سكنت نفسه إليه واطمأنت إلى علمه.
• طرق معرفة العامي للمفتي:
١ - انتصاب ذلك الشخص للفتيا بمشهد من العلماء.
٢ - أخذ الناس عنه واجتماعهم على سؤاله.
٣ - أن يخبره عدل ثقة عنده أنه عالم، وغير ذلك.
• فتوى المقلد:
قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، وأهل الذكر هم أهل العلم، والمقلد ليس من أهل العلم المتبوعين، وإنما هو تابع لغيره.
стр. 1652
فأمره الله بالسؤال، وهذا دليل على عدم العلم، فأثبت له عدم العلم، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
قال أبو عمر بن عبد البر وغيره: أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودًا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله (١).
وقال ابن القيم ﵀: وهذا كما قال أبو عمر، فإن الناس لا يختلفون فى أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن دليل، وأما بدون دليل فإنما هو تقليد (٢).
وقال الشوكاني: التقليد جهل وليس بعلم (٣).
وحكى ابن القيم في جواز الفتوى بالتقليد ثلاثة أقوال:
أحدها: لا تجوز الفتوى بالتقليد؛ لأنه ليس بعلم، وهو قول أكثر الأصحاب، وجمهور الشافعية.
الثانى: أن ذلك جائز في ما يتعلق بنفسه، ولا يجوز أن يقلد في ما يفتى به غيره.
الثالث: أن ذلك جائز عند الحاجة، وعدم العالم المجتهد، وهو
стр. 1653
أصح الأقوال وعليه العمل (١).
• أقسام التقليد (٢):
التقليد قسمان: محمود، ومذموم.
١ - التقليد المحمود:
يعتبر التقليد محمودًا في الفروع، وذلك لصنفين:
الصنف الأول: تقليد العاجز عن الاجتهاد، ممن لا تتوفر فيه شروطه، فإنه لا يقدر على التوصل إلى الحكم الشرعي بنفسه، ولم يبق أمامه إلا اتباع من يرشده إلى الحق من أهل النظر والاجتهاد إلى ما يجب عليه من التكاليف.
الصنف الثاني: تقليد العالم إذا علم أن الذي يقلده لا يخطئ فيما قلده فيه، فيلزمه القبول بمجرده، وهذا يشمل أربعة أشخاص:
أ - تقليد النبي ﷺ ، بناء على أن قوله يسمى تقليدًا.
ب- المخبر عن الرسول ﷺ من صحابي، أو تابعي ثقة، وكذا كل راوٍ عدل ثقة ضابط؛ لأن تقليده اتباع لما رواه عن الرسول ﷺ .
стр. 1654
ج- المجمعون على حكم، فتقليدهم واجب فيما أجمعوا عليه؛ لأنه اتباع للإجماع.
د- تقليد الصحابي في رأيه واجتهاده على أحد القولين الذي يعتبر قول الصحابي دليلًا شرعيًّا.
٢ - التقليد المذموم أو المحرم:
وهذا يتضمن أربعة أنواع، وهي:
أ- التقليد الذي يتضمن الإعراض عما أنزل اللَّه، مما لا يجوز الالتفات إليه، كتقليد الآباء والرؤساء والزعماء والطواغيت.
ب- التقليد الذي يتعارض مع ما ثبت عن النبي ﷺ ، أو مع الإجماع، أو مع ما عُلِم من الدِّين بالضرورة.
ج- التقليد بعد ظهور الحجة، وإقامة الدليل على خلاف قول المقلَّد.
د- تقليد من يعلم المقلد أنه ليس أهلًا لأن يؤخذ قوله، كأنصاف العلماء، وعلماء السلطان الذين يفتون بما يهوى، وبما يُملَى عليه.
وهذه الأنواع الأربعة هي التي يحمل عليها ما ورد في القرآن والسنة من ذم التقليد، وعليها يحمل كل ما نقل عن العلماء في ذم التقليد، وهو كثير ثابت عن الأئمة الأربعة في النهي عن تقليدهم، وذم من أخذ
стр. 1655
بأقوالهم بغير دليل ولا حجة.
ونقل عن مالك ﵀ أنه قال: أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي، فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافقه فاتركوه (١).
قال الشافعي ﵀: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب، وفيها أفعى تلدغه ولا يدري، وروى المزني عن الشافعي في أول مختصره أنه لم يزل ينهى عن تقليده، وتقليد غيره (٢).
وقال الإمام أحمد ﵀: لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الثوري، ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا، وقال: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال (٣).
وقال أبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلناه (٤).
وقال السيوطي: ما زال السلف والخلف يأمرون بالاجتهاد ويحضون عليه، وينهون عن التقليد ويذمونه ويكرهونه، وقد صنف
стр. 1656
جماعة في ذم التقليد كالمزني، وابن حزم، وابن عبد البر، وأبي شامة، وابن قيم الجوزية (١).
وقال القرافي: مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد وإبطال التقليد (٢).
• مسألة: هل يجوز التقليد في الأصول (٣)؟
اختلف النقل عن الجمهور والسلف اختلافًا كبيرًا فمنهم من ينقل عن الجمهور والسلف الجواز، ومنهم من ينقل عنهم المنع، ومن ذلك:
قال شيخ الإسلام: أما في المسائل الأصولية، فكثير من المتكلمين، والفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يوجب النظر والاستدلال على كل أحد حتى على العامة والنساء، حتى يوجبوه في المسائل التي تنازع فيها فضلاء الأمة، قالوا: لأن العلم بها واجب، ولا يحصل العلم إلا بالنظر الخاص.
وأما جمهور الأمة فعلى خلاف ذلك، فإن ما وجب علمه إنما يجب
стр. 1657
على من يقدر على تحصيل العلم، وكثير من الناس عاجز عن العلم بهذه الدقائق، فكيف يكلف العلم بها، وأيضًا فالعلم قد يحصل بلا نظر خاص، بل بطرق أخرى من اضطرار، وكسب، وتقليد ممن يعلم أنه مصيب، وغير ذلك (١).
وقال الأرموي: التقليد في الأصول جائز عند أكثر السلف والفقهاء وبعض المتكلمين (٢).
وقال الشوكاني: فيا لله العجب من هذه المقالة -عدم إيمان المقلد- التي تقشعر لها الجلود، وترجف عند سماعها الأفئدة، فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة، وتكليف لهم بما ليس في وسعهم، ولا يطيقونه، وقد كفى غالب الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الإيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله ﷺ ، وهو بين أظهارهم بمعرفة ذلك، ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته (٣).
وقال بعضهم أن قول الجمهور المنع، للإجماع على وجوب المعرفة، ولقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، فأمر
стр. 1658
بالعلم بالوحدانية، والتقليد لا يفيد العلم، وقد ذم الله تعالى التقليد في الأصول، وحث عليه في الفروع، فقال في الأصول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٣]، وحث على السؤال في الفروع بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣] (١).
وبالنظر في أقوالهم، وما يضربون من الأمثلة يتبين وجه الجمع، وهو أن من يمنع يقصد بذلك أصول الإيمان والتوحيد، كالإيمان بوجود الله، واستحقاقه للعبودية، وإثبات ربوبيته، وألوهيته، ونحو ذلك، ومن يجيز يريد ما هو أبعد من ذلك مما يحتاج إلى النظر مما لا يقوى عليه العامي، كالنظر في أدلة الأسماء والصفات وإثباتها، ونفي أقوال المبطلين، وأوجه الاستدلال عليها من النصوص، فهذا لايقوى عليه العامي المقلد ولا يستطيعه، فأجازوا له التقليد في مثل هذا.
وبهذا الجمع تتضح أقوال العلماء، ويَذهب الإشكال، ويُفَض الإجمال، ويزول التعارض.
стр. 1659
• مسألة: هل يجوز التقليد في الفروع (١)؟
في ذلك تفصيل:
أولًا: لقد أجمع العلماء على أن أركان الإسلام - وهي: الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج - لا يجوز فيها الاجتهاد؛ لأنه ثبت بالتواتر ونقلته الأُمَّة خلفًا عن سلف، فمعرفة العامي فيها توافق معرفة العالم فيها، كما تتفق معرفة الجميع فيما يحصل بأخبار التواتر من البلدان كالهند، والصين.
ثانيا: أما فروع الدين - غير ما سبق - كالبيوع، والأنكحة، والعتاق، والحدود، والكفارات، وبعض جزئيات وتفاصيل العبادات، ونحو ذلك من الأحكام الفقهية فقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين:
المذهب الأول: أنه يجوز للعامي، أو طالب العلم الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد أن يقلد المجتهد، والأخذ بفتواه.
وهو مذهب جمهور العلماء، وهو الحق؛ لما يلي من الأدلة:
الدليل الأول: الإجماع على جواز ذلك قبل ولادة ذلك المخالف؛
стр. 1660
حيث إن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم كانوا يُسألون عن الأحكام فيفتون، وكان السائل يتبع المجتهد والمفتي فيما يقول، وكان العلماء يبادرون إلى الإجابة من غير إشارة إلى ذكر الدليل، أو طريق الحكم، ولا ينهونهم عن ذلك من غير نكير من أحد، فكان إجماعًا على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقًا.
الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
وجه الدلالة: أن هذا دلَّ على أنه يرد الحكم إلى أهل الاستنباط وهم المجتهدون.
الدليل الثالث: أنه لا خطر ولا محذور في تقليد العامي للمجتهد في الفروع؛ لأن المجتهد لو أخطأ فلا إثم عليه، بل له أجر، إذن لا خطر على المقلد في هذا.
الدليل الرابع: أن الإجماع قد انعقد أن العامي إذا نزلت به حادثة فإنه يلزمه فيها حكم شرعي، وهو بين أمرين لا ثالث لهما:
الأمر الأول: إما أن يعرف حكم حادثته بنفسه بواسطة الاستدلال.
الأمر الثاني: أن يعرف حكمها عن طريق التقليد.
أما الأمر الأول فلا يمكن؛ لأنه إذا أراد معرفة حكم حادثته بنفسه
стр. 1661
فإنه لا بد أن يبدأ بتعلم العلم، فيعرف الأدلة، وكيفية ترتيبها، والناسخ منها والمنسوخ، وأقوال العلماء في كل دليل، ومعرفة ما يعارض ذلك الدليل، وكيفية فك ذلك التعارض، وهذا كله إذا كان قابلًا للتعلم، وكذلك تعلم القياس وشروط كل ركن من أركانه، وهذه المعرفة لا يمكنه تحصيلها إلا في زمان طويل، قد يذهب عمره وهو لم يصل إلى حكم شرعي لحادثته.
إذن لا يمكن للعامي أن يعرف حكم حادثته بنفسه بواسطة الاستدلال. فلم يبق إلا الأمر الثاني وهو أن يعرف حكمها عن طريق تقليده لغيره من المجتهدين.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز التقليد في الفروع، بل يلزم العوام الاجتهاد والنظر في الدليل.
وهو مذهب معتزلة بغداد، وبعض العلماء.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه قد لا يثق العامي بالمجتهد الذي أفتاه؛ فيكون فعله مفسدة، فيحتاج العامي أن يفهم دليل المجتهد ليزول شكه، ويكون واثقًا من الحكم الذي قاله له المجتهد.
стр. 1662
وجوابه:
يجاب عن ذلك بجوابين:
الجواب الأول: أن المجتهد لو أخبر العامي بالدليل الذي اعتمد عليه، فإن هذا لا يفيد شيئاً؛ لأن العامي لا يعرف وضعه وطريقه وكيفية الاستفادة منه - كما قلنا ذلك فيما سبق -.
الجواب الثاني: أن هذا الدليل منتقض بخبر الواحد، فإن العالم لا يأمن أن يكون المخبر قد كذب عليه، فيكون بأخذه ما جاء في الخبر والاستدلال به فاعلًا للمفسدة، ولكنه يأخذ المجتهد ممن توفرت شروط الراوي فيه ما يرويه.
الدليل الثاني: قياس الفروع على الأصول، فكما أنه لا يجوز للعامي التقليد في أصول الدين، فكذلك لا يجوز في الفروع.
وجوابه:
أن هذا القياس قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، ويفرق بينهما من وجهين:
الوجه الأول: أن طرق مسائل أصول الدين من التوحيد، والنبوات عقلية يحتاج الإنسان فيها إلى تنبيه يسير، فلا ينقطع عمرالإنسان ومعاشه فيها. أما الفروع فنظرًا إلى كثرة أدلته، وتنوعها، وتشعبها،
стр. 1663
وتجدد الاجتهاد فيها، وأنه لا يتم إلا بأمور شرعية لا يمكن ضبطها ومعرفتها إلا بطول بحث، وسعة نظر واطلاع، وهذا يفضي إلى الانقطاع عن المعاش الذي به قوام الدنيا.
الوجه الثاني: أن مسائل الفروع يطلب فيها ما يغلب على ظنه أنه الحق، وذلك يحصل للعامي بقول المفتي وهو المجتهد، كما يحصل للعالم بخبر الواحد عن الرسول ﷺ . بخلاف مسائل الأصول، فلا بد من الجزم فيها.
وكذلك فإن مسائل الأصول منها ما يجوز فيه التقليد كما سبق، فالتقليد في الفروع من باب أولى.
• أحكام تتعلق بالتقليد (١):
يتعلق بالتقليد عدة أحكام، أهمها:
أولًا: الالتزام بمذهب معين: إن طريق العامي، وغير المتأهل للاجتهاد لمعرفة الأحكام الشرعية هو التقليد، وعليه أن يسأل أهل العلم عما يحتاج إلى معرفته من أحكام شرعية.
وبعد استقرار المذاهب الأربعة بين الناس، وقيام أتباع المذاهب
стр. 1664
ببيان الأحكام الشرعية حسب مذهب كل منهم، فهل يجب على الإنسان الالتزام بمذهب فقهي معين؟
يكاد أن يتفق العلماء على أن المستفتي إذا سأل عن مسألة وعرف حكمها وعمل به، فليس له أن يرجع عنه، ليأخذ بغيره في نفس الواقعة؛ لما فيه من استقرار التعامل، وحسم باب النزاع في معاملات الناس، فإن لم يعمل به جاز له الرجوع.
وإذا عمل الشخص في واقعة بمذهب إمام، ومفت معين، فلا يلزمه الالتزام به أو بمذهبه، ويجوز له أن يسأل غيره، وبالتالي يعمل في الواقعة الأخرى بمذهب آخر؛ ولا يلزمه الاستمرار على مذهب معين، ويجوز له الانتقال منه إلى مذهب آخر، لأن اللَّه تعالى أوجب الالتزام بقول اللَّه تعالى، وقول رسوله ﷺ ، ولم يوجب التزام قول آخر، ولا واجب إلا ما أوجبه اللَّه ورسوله، ولم يوجب اللَّه والرسول التزام مذهب معين، وليس التزام مذهب نذرًا حتى يجب الوفاء به، وكل ما أوجبه اللَّه تعالى أنه طلب سؤال أهل العلم والاختصاص، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، ولأن المستفتين المقلدين في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم لم يلتزموا بمذهب معين، أو إمام معين، أو عالم معين، بل يسألون من يتهيأ لهم دون تقييد بواحد دون آخر، ولأن الالتزام بمذهب دون غيره يؤدي إلى الحرج والمشقة، وإن تعدد
стр. 1665
العلماء والمختصين نعمة وفضيلة ورحمة للأمة، وهذا قول جمهور الفقهاء والأصوليين.
ثانيًا: مخالفة المذهب (١):
إذا التزم شخص بمذهب معين، فيجوز له -في الأصح- مخالفة مذهب إمامه في بعض الجزئيات لحاجة أو لدليل؛ لأن التزامه بالمذهب غير متعين وغيرم ملزم؛ لأنه لا واجب إلا ما أوجبه اللَّه ورسوله، ولم يثبت أن اللَّه ورسوله أوجب على أحد أن يتمذهب بمذهب أحد الأئمة أو أحد العلماء.
ثالثًا: تقليد غير الأئمة الأربعة (٢):
إن مذاهب الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمهم اللَّه تعالى قد لقيت القبول والانتشار، ثم عكف العلماء عليها بالدراسة والتمحيص والاستدلال والتخريج، وشاعت هذه المذاهب، واستقرت في معظم بلاد العالم الإسلامي.
وبقي في الكتب والمصادر أقوالٌ لأئمة مجتهدين كأعيان الصحابة
стр. 1666
وكبار التابعين، أو كالمذاهب المنقرضة كمذهب الليث والأوزاعي وابن جرير الطبري، والظاهرية، مع مذاهب الجعفرية والزيدية والإباضية، فهل يجوز الأخذ والإفتاء من غير المذاهب الأربعة؟
قال أكثر المتقدمين والمتأخرين: لا يجوز تقليد غير المذاهب الأربعة، لأنها غير مدونة، ولا مضبوطة، ولم تثبت صحتها، ويشك في نقلها، بخلاف المذاهب الأربعة فإنها منقحة، ومضبوطة، ومدوّنة، واعتنى بها الأصحاب في كل مذهب في النقل والتدليل والتصحيح والترجيح والتدقيق، واستقرت فيها الأحكام، لذلك تطمئن النفس إلى الأخذ بها؛ لقربها من الحق، وبعدها عن الخطأ.
قال إمام الحرمين ﵀: أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب أعيان الصحابة ﵃، بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا فنظروا، وبوّبوا الأبواب، وذكروا أوضاع المسائل؛ لأنهم أوضحوا طرق النظر، وهذبوا المسائل وبينوها وجمعوها (١).
وقال ابن الصلاح ﵀: يتعين تقليد الأئمة الأربعة دون غيرهم؛ لأن مذاهب الأربعة قد انتشرت، وعلم تقييد مطلقها، وتخصيص
стр. 1667
عامها، ونشرت فروعها، بخلاف مذاهب غيرهم (١).
قال النووي ﵀: وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة ﵃ وغيرهم من الأولين، وإن كانوا أعلم وأعلى درجة ممن بعدهم، لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم، وضبط أصوله وفروعه، فليس لأحد منهم مذهب مهذب محرر مقرر، وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناهلين لمذاهب الصحابة والتابعين القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها، الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها كمالك وأبي حنيفة وغيرهما (٢).
وقال الشيخ ابن الصلاح: لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة في إفتاء أو قضاء (٣).
وأجاز بعض العلماء تقليد غير الأئمة الأربعة في غير الإفتاء، وتوسط العز بن عبد السلام ﵀، وقال: إن المدار على ثبوت المذهب عند المقلد، وغلبة الظن على صحته عنده، فحيث ثبت عنده مذهب من المذاهب صح له أن يقلده، ولو كان صاحب المذهب من
стр. 1668
غير الأئمة الأربعة (١).
والراجح والله أعلم: أن الأمر يدور على غلبة الظن بالصواب سواء في المذاهب الأربعة أو غيرها، وإن كان الغالب أن الصواب يكون في المذاهب الأربعة، أو في أحدها لما وجدت من الرعاية والعناية، وأنها استوعبت الأدلة من القرآن والسنة بشكل صحيح وكامل، بالإضافة لاعتمادها على سائر المصادر التشريعية، لكن لا مانع للجان التشريع، ومجامع الفقه، وعند الاجتهاد الجماعي أن تختار قولًا من غير المذاهب الأربعة باعتبار دليله، ووجهة نظره، ومراعاة للمصلحة أو لتطور الظروف، واختلاف الأحوال، وإن لم يتوثق النقل الصحيح الكامل؛ لأن العبرة بالدليل، وبشرط تبني هذا الرأي من أولي الأمر، كأنه مباح أمر به الحاكم فصار واجبًا في التطبيق والالتزام، كتولي القضاء للمرأة، واعتبار الطلاق الثلاث طلقة في هذا العصر، والأخذ بالوصية الواجبة، وغير ذلك، وهو ما يقع العمل به عند وضع القوانين والأنظمة المستمدة من الشريعة واختيار بعض الآراء فيها للمصلحة ومقتضيات الزمن والعصر وحالة المسلمين.
стр. 1669
رابعًا: التلفيق وتتبع الرخص (١):
نتج عن تقليد المذاهب مسألة التلفيق بينها، وذلك أن يأخذ الشخص في قضية واحدة ذات أركان، أو جزئيات بقولين أو أكثر، كل قول من مذهب، لينتج حقيقة مركبة لا يقرها أحد الأئمة، أو لا تتفق مع أي مذهب بمفرده، سواء عمل في الواقعة بالقولين معًا، أو عمل بأحدهما مع بقاء أثر الثاني، فكل مذهب يقرر بطلان تلك الحقيقة الملفقة.
مثاله: أن يكتفي المصلي في وضوئه بمسح بعض الرأس حسب المذهب الشافعي، ثم يلمس امرأة أجنبية، فيريد أن يقلد أبا حنيفة أو مالكًا بعدم نقض الوضوء باللمس، ثم يريد الصلاة، فهذا الوضوء حينئذ لم يقل به هؤلاء الأئمة، فالشافعي يبطله لنقضه باللمس، وأبو حنيفة يبطله لعدم مسح ربع الرأس، ومالك لا يقره لعدم مسح جميع الرأس.
ومثاله: أن يتزوج رجل امرأة بلا ولي حسب رأي الحنفية، وبلا شهود حسب رأي المالكية.
стр. 1670
ومثاله: أن يطلق شخص زوجته ثلاثًا، ثم تتزوج بابن تسع سنين بقصد التحليل حسب رأي الشافعية، ثم يصيبها الصبي، ثم يطلقها مع عدم العدة حسب رأي الإمام أحمد وذلك لتحل لزوجها الأول.
فهذا التلفيق ممنوع؛ لأنه أشبه باللعب، ويناقض اتفاق العلماء بمنع إحداث قول ثالث إذا افترق العلماء على قولين، وهذا فرع أيضًا عن نظرية التقليد.
أما التلفيق بأخذ رأي مذهب مثلًا في الوضوء، ثم الأخذ برأي مذهب آخر في وضوء آخر، فلا مانع، أو الأخذ برأي مذهب آخر في جزئية في الوضوء لكنها لا تتنافى مع المذهب الأول، كمن توضأ كاملًا مع السنن حسب المذهب الشافعي، ومسح جميع رأسه، ودلك الأعضاء، ثم لمس امرأة أجنبية، فيجوز له أن يصلي بذلك الوضوء باعتبار أنه لم ينقض حسب المذهب الحنفي والمالكي، وهذا فرع عن المسألة الثانية في جواز مخالفة الشخص لمذهبه.
لكن يشترط في التلفيق الجائز، أو تقليد مذهب آخر في نفس المسألة، شرطان:
١ - ألا يؤدي ذلك للتهرب من الأحكام.
٢ - ألا يؤدي ذلك لتتبع الرخص.
стр. 1671
فالشرط الأول: كمن يلفق في الأخذ في مسألة من مذهبين للتهرب من الزكاة مثلًا، أو لتحليل الحرام.
والشرط الثاني: يؤدي إلى إسقاط التكاليف في كل مسألة مختلف فيها، ويدل على قلة الورع في الدِّين، وعدم الهمة لأداء الأعمال لاكتساب الأجر والثواب.
وإن تتبع الرخص: يعني أن يأخذ الشخص من كل مذهب ما هو أهون عليه، وأيسر مما يطرأ من المسائل.
واختلف العلماء في حكم تتبع الرخص، فقال المالكية والحنابلة في الأصح والغزالي والسبكي والشاطبي وغيرهم: يمتنع تتبع الرخص في المذاهب؛ لأنه اتباع لأهواء النفس، وميل للهوى، وقال ابن عبد البر وابن حزم: لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعًا؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط التكاليف، وقال الحنفية في الراجح، وأكثر أصحاب الشافعي وبعض المالكية كالقرافي: يجوز تتبع رخص المذاهب؛ لعدم وجود مانع في الشرع، وأنه سلوك للأخف، لكن القرافي قيّد ذلك بألا يترتب عليه باطل عند جميع من قلدهم، وقيد غيره ذلك بألا يكون الشخص قد باشر التصرف وفق القول الأول.
وقال بعض العلماء بفسق من تتبع الرخص، وقال آخرون: لا يفسق.
стр. 1672
وحكى البيهقي عن إسماعيل القاضي قال: دخلت على المعتضد «الخليفة» فرفع إليَّ كتابًا لأنظر فيه، وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل منهم، فقلت: مصنف هذا زنديق .. ، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بحرق ذلك الكتاب.
والراجح: أنه لا مانع من الأخذ بالرخص من المذاهب عند الحاجة للفرد، أو للجماعة في التشريع، وعند وضع الأنظمة من اللجان المختصة، أما التزام ذلك وتتبعه للفرد فإنّه يدل على رقة الدِّين، وضعف اليقين، وقلة الورع، ويخشى على صاحبه من التفلت والتهرب من أحكام الشرع وتكاليفه، وخاصة في حقوق العباد والمعاملات والمحظورات.
خامسًا: دعوى الإلهام (١):
يزعم بعض الناس أن العلم إلهام من اللَّه تعالى، ويزعمون أن اللَّه تعالى يلهمهم، ويلقي في قلوبهم أحكامًا ليعملوا بها، ويفتوا الناس بها.
وهذه دعوى باطلة، وحذَّر العلماء منها؛ لأنها سبيل لإلغاء الأحكام الثابتة بالنصوص، أو الزيادة عليها، أو فتح باب للتهرب من الشريعة
стр. 1673
والزيادة عليها.
قال الإمام الشافعي ﵀: على العالم ألا يقول إلا من جهة العلم، وجهةُ العلم: الخبر اللازم بالقياس بالدلائل على الصواب، حتى لا يكون صاحب العلم أبدًا متبعًا خبرًا وطالب خبر بالقياس، كما يكون متَّبع البيت بالعيان، وطالب قصده بالاستدلال بالأعلام مجتهدًا، ولو قال بلا خبر لازم ولا قياس، كان أقرب من الإثم من الذي قال وهو غير عالم، وكان القول لغير أهل العلم لازمًا.
ثم قال: ولم يجعل اللَّه لأحد بعد رسول اللَّه ﷺ أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بَعْدُ الكتابُ والسنة والإجماع والآثار، وما وصفتُ من القياس عليها، ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها، وهي العلم بأحكام كتاب اللَّه ....
ونقل الزركشي عن القفال رحمهما اللَّه تعالى قوله: ولو ثبتت العلوم بالإلهام، لم يكن للنظر معنى، ولم يكن في شيء من العالَم دلالة ولا عبرة (١).
стр. 1674
الفصل الثاني:
علم المقاصد
وفه أربعة مباحث:
• المبحث الأول: المبادئ العشرة لعلم المقاصد.
• المبحث الثاني: نشأة علم المقاصد.
• المبحث الثالث: أقسام علم المقاصد.
• المبحث الرابع: حاجة الناس إلى علم المقاصد.
стр. 1675
المبحث الأول:
المبادئ العشرة لعلم المقاصد
قال الصبان:
إن مبادئ كل فن عشرة … الحد والموضوع ثم الثمرة
وفضله ونسبة والواضع … والاسم الاستمداد حكم الشارع
فمسائل والبعض بالبعض اكتفى … ومن درى الجميع حاز الشرفا
• أولًا: الحد:
مقاصد الشريعة: هي اسمٌ ولقبٌ لعلم من علوم الشريعة الإسلامية، وهذا الاسم يتركب من لفظين: لفظ مقاصد، لفظ الشريعة.
المقاصد لغة: جمع مقصد، من الفعل قصد، ويأتي على معان منها:
١ - الاعتماد، والتوجه، واستقامة الطريق، قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩].
٢ - التوسط، وعدم الإفراط والتفريط، قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، وفي الحديث: «والقصد القصد تبلغوا» (١).
стр. 1676
الشريعة لغة: تطلق في اللغة على مورد الماء ومنبعه ومصدره، كما تطلق على الدين وأحكامه (١).
والشريعة ما شرعه الله لعباده من أحكام ليهتدوا بها، أو بعبارة أخرى هي الأحكام التي تضمنها القرآن والسنة، وبها مصالح العباد في العاجل والآجل.
• التعريف الاصطلاحي لمقاصد الشريعة:
لم يوجد عند العلماء المتقدمين تعريف واضح أو محدد، أو دقيق لمقاصد الشريعة، وإنما وجدت كلمات وجمل لها تعلقٌ ببعض أنواعها وأقسامها، وببعض تعبيراتها ومرادفاتها، وبأمثلتها وتطبيقاتها، وبحجيتها وحقيقتها، ومن تلك الكلمات التي كانوا يستخدمونها: المصلحة (٢)، والحكمة (٣)، .........................................
стр. 1677
والعلة (١)، والمنفعة، والغرض (٢)، والغايات، والأهداف، والمرامي، والأسرار (٣)، والمعاني، والمغزى، والمراد، وغير ذلك.
وكثرة الأسماء وتعدد المعاني لذات الشيء تدل على فضله وأهميته.
قال الدكتور الريسوني: ومنذ القرن الرابع إلى القرن الثامن وما بعده، نجد كلمة المقاصد هي التي استحوذت على هذا المعنى الذي نتحدث عنه، دون أن تلغي غيرها؛ لأن اللفظ الواحد لن يكون كافيًا وشافيًا في التعبير عن هذا المعنى العظيم الجليل المتعدد الأبعاد والجوانب (٤).
تنبيه: المقاصد إذا أطلقت قصد بها مقاصد الشارع من أحكامه؛ لأن
стр. 1678
المقاصد تنقسم باعتبارات كثيرة (١).
فمقاصد الشارع هي:
الغايات، والآثار، والحِكَم، والمعاني التي تتعلق بخطاب الشارع وأحكامه.
أو: الغايات، والآثار، والحِكَم، والمعاني التي جاءت الشريعة لأجل تحقيقها، والتي ترجع إلى تحقيق المصالح، ودرء المفاسد في الدنيا والدين (٢)، وذلك إما بجلب نفعٍ، أو دفع ضررٍ، أو تحقيق مصلحة، أو درء مفسدة، فالشريعة لها مقاصد وغايات وأهداف جاءت لتحقيقها من خلال الأحكام الشرعية التي تضمنها القرآن والسنة، وهما الوحي المنزل من عند رب العالمين.
قال الدكتور مسفر بن علي القحطاني: فأحكام الشريعة لا تخلو من هذه الثلاثة (٣):
١ - الوصف الظاهر المنضبط وهو العلة.
٢ - ما في الفعل من نفع أو ضرر، ويعبر عنه بالمصالح والمفاسد.
стр. 1679
٣ - ما يترتب على التشريع من جلبٍ للمنافع، أو درءٍ للمفاسد، ويسمى مقصد الشارع.
وهذه سمة ملازمة لكل أحكام الشرع، فما من حكم إلا وهو فيه سعادة العباد في العاجل والآجل.
فثبت ولله الحمد بما لا يدع مجالًا للشك: أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا (١).
الخلاصة: أن المقاصد الشرعية هي الإرادة التشريعية للحاكم (٢).
فهي جملة ما أراده الشارع الحكيم من مصالحٍ تترتب على الأحكام الشرعية، كمصلحة الصوم، والتي هي بلوغ التقوى وغيرها، ومصلحة الجهاد التي هي درء العدوان والذب عن الأمة، ومصلحة الزواج والتي هي غض البصر، وتحصين الفرج، وإنجاب الذرية، وإعمار الكون، وغير ذلك.
وهذه المصالح كثيرة ومتنوعة، وهي تُجمَع في مصلحة كبرى وغاية كلية: هي تحقيق عبادة الله، وإصلاح المخلوقين، وإسعادهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
стр. 1680
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] (١).
• ثانيًا: الموضوع:
موضوع علم المقاصد هو: المصالح والمفاسد، والأحكام الشرعية. فالمصالح من حيث جلبها، والمحافظة عليها، وبيان مراتبها، والمفاسد من حيث درؤها، ودرء ما يدعو إليها وبيان مراتبها، والأحكام الشرعية من حيث جلبها للمصالح، ودرؤها للمفاسد.
• ثالثًا: الثمرة:
سيأتي بيانه في بحث مستقل - إن شاء الله تعالى -.
• رابعًا: فضله:
الفضل يتناسب مع الثمرة، فكلما كانت الثمرة عالية، كان الفضل عظيمًا، ولما كانت ثمرة المقاصد تعم الأمة جميعًا، وتبين للناس صلاحية هذا الدين لكل عصر ومصر، وتظهر حكمة التشريع، وتبين للناس محاسن الإسلام، كان علمًا عظيم الفضل جليل القدر، لا يُستغْنَى عنه ولا يُهمَل.
стр. 1681
• خامسًا: نسبته:
هو من علوم الشريعة عامة، ومن علوم الآلات خاصة، وارتباطه وثيق وظاهر بأصول الفقه، فكل من تكلم عن المقاصد من المتقدمين، كان يذكره في ثنايا الكلام عن أصول الفقه.
ونسبته إلى غيره التباين والاختلاف، ومع ذلك فمن المقرر أن علوم الشريعة يخدم بعضها بعضًا.
• سادسًا: الواضع:
يعد واضع علم المقاصد هو الإمام الشاطبي ﵀؛ إذ كانت المقاصد متناثرة في كتب أهل العلم، فجاء الشاطبي، واستخرجها، ونقحها، وهذبها، واعتنى بها بصورة كبيرة، وأفرد لها جزءًا في كتابه الموافقات، وهو «أبو المقاصد» كما يسميه العلماء.
وأول من أفرد المقاصد بتصنيف مستقل هو الطاهر بن عاشور، وهو «أبو المقاصد الثاني» كما يلقبه بعض الباحثين، ثم تتابع الناس على التأليف والتصنيف في هذا العلم الجليل، فرضي الله عن الجميع.
• سابعًا: الاسم:
علم المقاصد، أو مقاصد الشريعة، أو مقاصد الشرع، أو مقاصد الأحكام، وأحيانًا بالإفراد «مقصد»، وهذا هو الذي شاع عند
стр. 1682
المتأخرين، وبعض المعاصرين يسميه بفلسفة التشريع.
وقد سبق بيان المصطلحات المرادفة له عند المتقدمين.
• ثامنًا: الاستمداد:
علم المقاصد كغيره من العلوم الشرعية يستمد من الكتاب، والسنة، واجتهادات العلماء بالضوابط والشروط المذكورة في كتب الأصول، واستنباطها يحتاج لتدبر وتأمل، واستقراء (١) طويل لأحكام الشريعة.
فمثلًا مقصد حفظ العرض (٢) من المقاصد الخمس الكلية التي جاءت الشريعة لتحقيقها، والتي ثبتت بالاستقراء وبتتبع جزئياته وفروعه، والتي منها: تشريع الزواج والحث عليه، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم التبرج والسفور، وتحريم النظر بشهوة، واللمس، والخضوع بالقول، وتشريع الحجاب، والعفة، والستر والحشمة، واتخاذ العقوبات والزواجر المتعلقة بذلك كالرجم والجلد، ومدح المتعففين والأطهار، وتقريع المستهزئين والشاذين، وذم المتهاونين والمقصرين، والحث على الصوم، والصبر، والاحتساب عند انتفاء
стр. 1683
القدرة على الزواج.
فكل هذه الجزئيات وغيرها تحتاج لتدبر وتأمل واستقراء، وقد شكلت هذه الجزئيات بمجموعها مقصد حفظ العرض وصونه ورعايته.
• تاسعًا: حكم الشارع:
فرض كفاية على جماعة المسلمين، وفرض عين على المجتهدين.
• عاشرًا: مسائله:
مسائل علم المقاصد: ما يتعلق بأفعال الشارع، وأدلته، وأحكامه، والمكلف بهذه الأحكام، ويدخل تحت ذلك مسائل منها:
١ - اعتبار مقاصد الشرع، وطرق معرفتها، ووسائلها، وأقسامها، وقواعدها، وخصائصها.
٢ - علاقة المصالح والمفاسد بالأحكام الشرعية والأدلة الشرعية، وبيان علل التشريع.
стр. 1684
المبحث الثاني:
نشأة علم المقاصد
وفيه ست مسائل:
• أولًا: هل كان علم المقاصد موجودًا في زمن النبوة؟
• ثانيًا: مراعاة النبي ﷺ للمقاصد.
• ثالثًا: مراعاة الصحابة ﵃ للمقاصد.
• رابعًا: تدوين المقاصد عند المتقدمين.
• خامسًا: تدوين المقاصد عند المتأخرين.
• سادسًا: اهتمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله بالمقاصد.
стр. 1685
المسألة الأولى:
هل كان علم المقاصد موجودًا في زمن النبوة؟
علم المقاصد واحد من علوم الاجتهاد التي لا غنى للفقيه المجتهد عنها، وجاءت نشأته في ثنايا أصول الفقه عند الكلام على العلل المناسبة، وكانت أصوله ممتزجةً مع التشريع منذ صدر الإسلام، وهكذا سائر العلوم الشرعية كلها تجد لها أصولًا في الكتاب والسنة، وإن لم ينص عليها صراحة (١).
ومن ذلك مثلًا: جاءت نصوص كثيرة تدل على قاعدة التيسير ورفع الحرج والمشقة، وهذه القواعد من أجلِّ مقاصد الشريعة الإسلامية،