• خامسًا: نسبته:
هو من علوم الشريعة عامة، ومن علوم الآلات خاصة، وارتباطه وثيق وظاهر بأصول الفقه، فكل من تكلم عن المقاصد من المتقدمين، كان يذكره في ثنايا الكلام عن أصول الفقه.
ونسبته إلى غيره التباين والاختلاف، ومع ذلك فمن المقرر أن علوم الشريعة يخدم بعضها بعضًا.
• سادسًا: الواضع:
يعد واضع علم المقاصد هو الإمام الشاطبي ﵀؛ إذ كانت المقاصد متناثرة في كتب أهل العلم، فجاء الشاطبي، واستخرجها، ونقحها، وهذبها، واعتنى بها بصورة كبيرة، وأفرد لها جزءًا في كتابه الموافقات، وهو «أبو المقاصد» كما يسميه العلماء.
وأول من أفرد المقاصد بتصنيف مستقل هو الطاهر بن عاشور، وهو «أبو المقاصد الثاني» كما يلقبه بعض الباحثين، ثم تتابع الناس على التأليف والتصنيف في هذا العلم الجليل، فرضي الله عن الجميع.
• سابعًا: الاسم:
علم المقاصد، أو مقاصد الشريعة، أو مقاصد الشرع، أو مقاصد الأحكام، وأحيانًا بالإفراد «مقصد»، وهذا هو الذي شاع عند
стр. 1682
المتأخرين، وبعض المعاصرين يسميه بفلسفة التشريع.
وقد سبق بيان المصطلحات المرادفة له عند المتقدمين.
• ثامنًا: الاستمداد:
علم المقاصد كغيره من العلوم الشرعية يستمد من الكتاب، والسنة، واجتهادات العلماء بالضوابط والشروط المذكورة في كتب الأصول، واستنباطها يحتاج لتدبر وتأمل، واستقراء (١) طويل لأحكام الشريعة.
فمثلًا مقصد حفظ العرض (٢) من المقاصد الخمس الكلية التي جاءت الشريعة لتحقيقها، والتي ثبتت بالاستقراء وبتتبع جزئياته وفروعه، والتي منها: تشريع الزواج والحث عليه، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم التبرج والسفور، وتحريم النظر بشهوة، واللمس، والخضوع بالقول، وتشريع الحجاب، والعفة، والستر والحشمة، واتخاذ العقوبات والزواجر المتعلقة بذلك كالرجم والجلد، ومدح المتعففين والأطهار، وتقريع المستهزئين والشاذين، وذم المتهاونين والمقصرين، والحث على الصوم، والصبر، والاحتساب عند انتفاء
стр. 1683
القدرة على الزواج.
فكل هذه الجزئيات وغيرها تحتاج لتدبر وتأمل واستقراء، وقد شكلت هذه الجزئيات بمجموعها مقصد حفظ العرض وصونه ورعايته.
• تاسعًا: حكم الشارع:
فرض كفاية على جماعة المسلمين، وفرض عين على المجتهدين.
• عاشرًا: مسائله:
مسائل علم المقاصد: ما يتعلق بأفعال الشارع، وأدلته، وأحكامه، والمكلف بهذه الأحكام، ويدخل تحت ذلك مسائل منها:
١ - اعتبار مقاصد الشرع، وطرق معرفتها، ووسائلها، وأقسامها، وقواعدها، وخصائصها.
٢ - علاقة المصالح والمفاسد بالأحكام الشرعية والأدلة الشرعية، وبيان علل التشريع.
стр. 1684
المبحث الثاني:
نشأة علم المقاصد
وفيه ست مسائل:
• أولًا: هل كان علم المقاصد موجودًا في زمن النبوة؟
• ثانيًا: مراعاة النبي ﷺ للمقاصد.
• ثالثًا: مراعاة الصحابة ﵃ للمقاصد.
• رابعًا: تدوين المقاصد عند المتقدمين.
• خامسًا: تدوين المقاصد عند المتأخرين.
• سادسًا: اهتمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله بالمقاصد.
стр. 1685
المسألة الأولى:
هل كان علم المقاصد موجودًا في زمن النبوة؟
علم المقاصد واحد من علوم الاجتهاد التي لا غنى للفقيه المجتهد عنها، وجاءت نشأته في ثنايا أصول الفقه عند الكلام على العلل المناسبة، وكانت أصوله ممتزجةً مع التشريع منذ صدر الإسلام، وهكذا سائر العلوم الشرعية كلها تجد لها أصولًا في الكتاب والسنة، وإن لم ينص عليها صراحة (١).
ومن ذلك مثلًا: جاءت نصوص كثيرة تدل على قاعدة التيسير ورفع الحرج والمشقة، وهذه القواعد من أجلِّ مقاصد الشريعة الإسلامية،
стр. 1686
ومن هذه النصوص قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال ﷺ : «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» (١).
عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال: «إن الدين يسرٌ، ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيءٍ من الدلجة» (٢).
بل إن البعثة النبوية نفسها عُلِّلَت بمقاصد عظيمة، بكونها رحمة وخيرًا، وصلاحًا للناس أجمعين، وإتمامًا لمكارم الأخلاق، فقد قال الله تعالى في شأن بعثة الرسول ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وقال النبي ﷺ : «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، وفي رواية:
стр. 1687
«صالح الأخلاق» (١).
الخلاصة: علم المقاصد كغيره من العلوم الشرعية نزل يوم نزل الوحي من السماء.
стр. 1688
المسألة الثانية:
مراعاة النبي ﷺ لمقاصد الشريعة
لقد كان رسول الله ﷺ يراعي مقاصد الشريعة، وهذا يظهر جليًّا واضحًا لمن تتبع سيرته، ولنأخذ أمثلة على ذلك:
١ - لما سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ عن الجدر أمن البيت هو؟ قال: «نعم» قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: «إن قومك قصرت بهم النفقة» قلت: فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال: «فعل ذلك قومك، ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديثٌ عهدهم بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه بالأرض (١).
المقصد المراعى: دفع مفسدة التنفير عن الإسلام، ووأد الخلاف، والحفاظ على جماعة المسلمين، فترك النبي ﷺ إعادة بناء الكعبة على
стр. 1689
قواعد إبراهيم، مع رغبته في ذلك، وكونه هو الأكمل (١) بلا خلاف، وذلك مراعاةً لنفوس الناس وخشية حدوث ضرر على دينهم بسبب ذلك، ومراعاة لهذا المقصد العظيم.
قال ابن الملقن: وقوله: «لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت»: يريد أنهم لقرب عهدهم بالجاهلية فربما أنكرت نفوسهم خراب الكعبة، ونفرت قلوبهم، فيوسوس لهم الشيطان ما يقيض شيئًا في دينهم، وهو كان يريد ائتلافهم وتثبيتهم على الإسلام، وقد بوب عليه البخاري باب: من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس فيقعوا في أشد منه (٢).
٢ - لما أراد المسلمون قتل عبد الله بن أبي بن سلول، قال لهم النبي ﷺ : «دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (٣).
المقصد المراعى: نشر الدين، وعدم الصد عنه، ووأد الخلاف، والحفاظ على جماعة المسلمين.
стр. 1690
قال ابن حجر: وكان النبي ﷺ في أول الأمر يصبر على أذى المشركين ويعفو ويصفح، ثم أمر بقتال المشركين، فاستمر صفحه وعفوه عمن يظهر الإسلام، ولو كان باطنه على خلاف ذلك لمصلحة الاستئلاف وعدم التنفير عنه، ولذلك قال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»، فلما حصل الفتح، ودخل المشركون في الإسلام، وقل أهل الكفر وذلوا أمر بمجاهرة المنافقين، وحملهم على حكم مر الحق، ولاسيما وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين (١).
стр. 1691
المسألة الثالثة:
مراعاة الصحابة للمقاصد
فالصحابة ﵃ هم أول الفقهاء، وأول المفسرين، وأول الأصوليين، وأول المقاصديين، وقُل نحو ذلك في جميع العلوم الإسلامية (١).
ومن استقرأ سير الصحابة ﵃، لا يشك قط في أن الصحابة كانوا يراعون المقاصد الشرعية ولا يهملونها.
قال ابن القيم ﵀: النوع الأول: رأي أفقه الأمة، وأبر الأمة قلوبًا، وأعمقهم علمًا، وأقلهم تكلفًا، وأصحهم قصودًا، وأكملهم فطرةً، وأتمهم إدراكًا، وأصفاهم أذهانًا، الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول؛ فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول ﷺ كنسبتهم إلى صحبته؛ والفرق بينهم وبين مَنْ
стр. 1692
بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل، فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم (١).
ويقول أيضًا: وقد كانت الصحابة أفهم الأمة لمراد نبيها وأتبع له، وإنما كانوا يدندنون حول معرفة مراده ومقصوده، ولم يكن أحد منهم يظهر له مراد رسول الله ﷺ ثم يعدل عنه إلى غيره البتة (٢).
وقال الشاطبي ﵀ حين خشي أن يُتلَّقى كتابه الموافقات بشيء من الاستغراب وأن ينكر عليه: فإن عارضك دون هذا الكتاب عارض الإنكار، وعمي عنك وجه الاختراع فيه والابتكار، وغر الظان أنه شيءٌ ما سمع بمثله ولا ألف في العلوم الشرعية الأصلية أو الفرعية ما نسج على منواله أو شكل بشكله، وحسبك من شرٍّ سماعه، ومن كل بدعٍ في الشريعة ابتداعه؛ فلا تلتفت إلى الإشكال دون اختبارٍ، ولا ترم بمظنة الفائدة على غير اعتبارٍ، فإنه بحمد الله أمرٌ قررته الآيات والأخبار، وشد معاقده السلف الأخيار، ورسم معالمه العلماء الأحبار، وشيد أركانه أنظار النظار، وإذا وضح السبيل لم يجب الإنكار (٣).
ويصفهم أيضًا ﵀ فيقول عنهم: الذين عرفوا مقاصد الشريعة
стр. 1693
فحصلوها، وأسسوا قواعدها وأصلوها، وجالت أفكارهم في آياتها، وأعملوا الجد في تحقيق مبادئها وغاياتها (١).
والأئمة والفقهاء والمجتهدون حين أسسوا الفكر المقاصدي، والأسس المقاصدية كانوا دائمًا يستحضرون فعل الصحابة في نوازل كثيرة (٢).
فالمقاصد كانت مدار الاجتهاد في القرون المشهود لها بالخيرية، وكانت تتحقق وظيفتها دون أن تفرد لها التعريفات والتسميات التطبيقية، الأمر الذي نلاحظه عند أي تتبع لاجتهاد الصحابة وسبب اختلافهم في تنزيل الأحكام على محالها (٣).
ومن ذلك:
١ - اجتماع الصحابة ﵃ في ثقيفة بني ساعدة بعد موت النبي ﷺ لتولية إمام.
عن عمر بن الخطاب قال: قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ﷺ ، أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف
стр. 1694
عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكرٍ، فقلت لأبي بكرٍ: يا أبا بكرٍ انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالى عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجلٌ مزملٌ بين ظهرانيهم. فقلت: من هذا؟
فقالوا: هذا سعد بن عبادة. فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك. فلما جلسنا قليلًا تشهد خطيبهم، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهطٌ، وقد دفت دافةٌ من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت زورت مقالةً أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكرٍ، وكنت أدارى منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكرٍ: على رسلك. فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكرٍ فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمةٍ أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها، حتى سكت. فقال: ما ذكرتم فيكم من خيرٍ فأنتم له أهلٌ، ولن يُعرَف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريشٍ، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين
стр. 1695
الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم. فأخذ بيدي، وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالسٌ بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثمٍ، أحب إلي من أن أتأمر على قومٍ فيهم أبو بكرٍ، اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن. فقال قائلٌ من الأنصار: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أميرٌ، ومنكم أميرٌ، يا معشر قريشٍ. فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف. فقلت: ابسط يدك يا أبا بكرٍ. فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة. فقال قائلٌ منهم: قتلتم سعد بن عبادة. فقلت: قتل الله سعد بن عبادة. قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمرٍ أقوى من مبايعة أبي بكرٍ، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعةٌ أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فسادٌ، فمن بايع رجلًا على غير مشورةٍ من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرةً أن يقتلا (١).
المقصد المراعى: إقامة إمام يقيم للمسلمين أمر دينهم ودنياهم، ووأد الخلاف، والحفاظ على جماعة المسلمين.
стр. 1696
ولما حضرت الوفاة أبا بكر استخلف على المسلمين عمر لهذا الغرض أيضًا -رضي الله عن الجميع-، فصدقت فراسة الصحابة في أبي بكر، وصدقت فراسة أبي بكر في عمر حين اجتهد في العهد بالخلافة من بعده له ﵁، فلقد قام بالخلافة أتم القيام، حيث كان إمامًا ناصحًا لله ولرسوله ولدين الإسلام، وتابع عمر أبا بكر في هذا المقصد، فجعل الأمر في ستة من أفاضل الصحابة (١)، وهم عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف ﵃ أجمعين-.
٢ - جمع القرءان في عهد أبي بكر (الجمع الأول).
فعن زيد بن ثابت ﵁ قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت: لعمر كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ، قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال
стр. 1697
زيد: قال أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ، قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال» (١).
المقصد المراعى: حفظ كتاب الله، وخشية ضياعه بموت القراء.
وكان هذا الجمع عبارة عن نقل القرآن، وكتابته في مصحف مرتب الآيات أيضًا، مقتصرًا فيه على ما لم تنسخ تلاوته مستوثقًا له بالتواتر، والإجماع، وكان الغرض منه تسجيل القرآن، وتقييده بالكتابة مجموعًا مرتبًا خشية ذهاب شيء منه بموت حملته وحفاظه.
٣ - جمع القرآن في المصحف وحرق ما سواه (الجمع الثاني).
عن ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه، أن حذيفة بن اليمان ﵁ قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في
стр. 1698
القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى (١).
المقصد المراعى: حفظ الكتاب من التحريف، ووأد الخلاف، والحفاظ على جماعة المسلمين.
يقول العلامة الزرقاني في «مناهل العرفان»: اتسعت الفتوحات في زمن عثمان واستبحر العمران، وتفرق المسلمون في الأمصار والأقطار، ونبتت ناشئة جديدة كانت بحاجة إلى دراسة القرآن، وطال عهد الناس بالرسول والوحي والتنزيل، وكان أهل كل إقليم من أقاليم الإسلام يأخذون بقراءة من اشتهر بينهم من الصحابة، فأهل الشام يقرأون بقراءة أبي بن كعب، وأهل الكوفة يقرأون بقراءة عبد الله بن مسعود، وغيرهم يقرأ بقراءة أبي موسى الأشعري، فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء، ووجوه القراءة بطريقة فتحت باب الشقاق والنزاع في قراءة القرآن أشبه بما كان بين الصحابة قبل أن يعلموا أن القرآن نزل على سبعة أحرف، بل كان هذا الشقاق أشد لبعد عهد هؤلاء بالنبوة وعدم وجود الرسول بينهم يطمئنون إلى حكمه ويصدرون جميعًا عن رأيه، واستفحل الداء حتى كفَّر بعضهم بعضًا، وكادت تكون فتنة في الأرض وفساد كبير، ولم
стр. 1699
يقف هذا الطغيان عند حد، بل كاد يلفح بناره جميع البلاد الإسلامية، حتى الحجاز، والمدينة، وأصاب الصغار والكبار على سواء.
أخرج ابن أبي داود في «المصاحف» من طريق أبي قلابة أنه قال: لما كانت خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل، والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون، فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، حتى كفر بعضهم بعضًا؛ فبلغ ذلك عثمان، فخطب، فقال: أنتم عندي تختلفون فمن نأى عني من الأمصار أشد اختلافًا (١).
وصدق عثمان، فقد كانت الأمصار النائية أشد اختلافًا ونزاعًا من المدينة والحجاز، وكان الذين يسمعون اختلاف القراءات من تلك الأمصار إذا جمعتهم المجامع، أو التقوا على جهاد أعدائهم يعجبون من ذلك، وكانوا يمعنون في التعجب والإنكار كلما سمعوا زيادة في اختلاف طرق أداء القرآن.
وتأدى بهم التعجب إلى الشك والمداجاة، ثم إلى التأثيم والملاحاة، وتيقظت الفتنة التي كادت تطيح فيها الرؤوس، وتسفك الدماء وتقود المسلمين إلى مثل اختلاف اليهود والنصارى في
стр. 1700
كتابهم (١).
فائدتان مهمتان مما سبق:
الأولى: وأد الخلاف، والحفاظ على جماعة المسلمين من أسمى المقاصد وأجلها، ومن الواجبات المقدمة في الشرع دائمًا، فمن أجله ترك النبي ﷺ إعادة بناء البيت على قواعد إبراهيم مع كونه الأكمل بلا خلاف (٢)، ومن أجله ترك هارون بني إسرائيل على ما هم عليه، وعلل ذلك لموسى قائلًا: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ [طه: ٩٤]، ومن أجله ترك النبي ﷺ المنافقين ولم يقتلهم مع كونهم أخطر على الإسلام من الكفار، وعلله بقوله: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» (٣)، وذلك فيه صدٌّ عن الدين وتفرقةٌ لجماعة المسلمين، ومن أجله صلى عبد الله بن مسعود خلف عثمان بن عفان ﵄ بالإتمام في منى، مع أنه يقول بالقصر وهي السنة، وعلل ذلك قائلًا: «الخلاف شر» (٤).
стр. 1701
فوأد الخلاف والحفاظ على جماعة المسلمين من التفرق والاختلاف مقصدٌ شرعي، وواجبٌ ديني، لا يعادله واجبٌ في الشريعة، فلا تكاد تجد شيئًا يقدم عليه.
الثانية: المقاصد الشرعية هي القاعدة لبناء التشريع بأصوله وفروعه، والأحكام الشرعية، والنظر فيها يكون من خلال مقاصد الشريعة.
стр. 1702
المسألة الرابعة:
المؤلفون في العصر القديم
• القرن الرابع الهجري:
ألف الحكيم الترمذي كتاب «الصلاة ومقاصدها» يتحدث فيه عن مقاصد الصلاة ويعلل أفعالها، ويجتهد في استنباط حكمها وفوائدها.
وفيه أيضًا ألف أبو بكر الشاشي المعروف بالقفال الكبير كتابه «محاسن الشريعة».
• سمة هذا العصر:
كانت المؤلفات فيه يغلب عليها الاهتمام بالعلل الجزئية، والتعليلات التفصيلية، والبحث عن حكمها، والتنصيص عليها.
• القرن الخامس:
انتقلت حركة الاهتمام بالمقاصد والكتابة فيها من طور التعليلات الجزئية والتفصيلية، إلى طور التأصيل والتنظير للمقاصد بصفة عامة، وأثمر فيما بعد ما نعرفه اليوم من مقاصد، ومصطلحات، وتقسيمات،
стр. 1703
وضروريات خمس (١).
فمثلًا: إمام الحرمين الجويني ﵀ من الأئمة الذين نظروا وأصلوا وأعطوا مصطلحات وتقسيمات، وأسهموا في تشييد البناء المقاصدي، كالتقسيم الثلاثي للمقاصد «ضروريات، وحاجيات، وتحسينات»، وله كتابه المشهور «البرهان في أصول الفقه».
ثم جاء أبو حامد الغزالي امتدادًا لشيخه الجويني، وهو من أقوى المعللين لكافة الأحكام من عبادات ومعاملات، وله كتاب «المستصفى»، وألف العز بن عبد السلام في كتاب «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» يتحدث فيه عن المصالح والمفاسد، والمفاضلة والترجيح، والتقديم والتأخير بين المصالح والمفاسد.
• القرن الثامن:
جاء الشاطبي ﵀ فأظهر علم المقاصد وبينه، وهو المؤسس والمنظر له، وجعل له كيانًا مستقلًّا وأفرد له جزءًا كاملًا في كتابه «الموافقات»، فجمع فيه ما تفرق في غيره، وأخذ ممن سبقوه وطورها وعضدها وقعد لها، كمسألة ترك الشريعة الأمر بما تهواه الأنفس وتشتهيه تعويلًا منها وحوالة على الجبلة والفطرة، وكذلك ما تكرهه
стр. 1704
الجبلات، فإن الشريعة لا تنشغل بإبعاد الناس عنه؛ لأن في الجبلة ما يكفي من الكراهية والنفور منه (١).
وأضاف عليها بعض المباحث أيضا، كموضوع: مقاصد المكلفين (٢)، وفتح الباب في بيان طرق إثبات المقاصد، وهو مبحث في غاية الأهمية، وقد تناول الكلام فيه في صفحات قليلة في خاتمة كتابه.
ولذا يعتبر الشاطبي هو واضع علم المقاصد ويلقب ب «أبو المقاصد».
стр. 1705
المسألة الخامسة:
المؤلفون في العصر الحديث
لما مات الشاطبي ودفن ﵀، دفن معه كتابه الموافقات لمدة ستة قرون استمر فيها انحدار المسلمين وتقدم الأوربيين، وفي مطلع القرن الثالث عشر الهجري طبع كتاب الموافقات أولى طبعاته في تونس سنة (١٣٠٢ هـ)، فكانت هذه الولادة الثانية للكتاب.
وذاع خبر الكتاب وانتشر، وكانت نتيجته أن تلقفه الشيخ محمد عبده، فصار يحث على قراءته ونشره، وكان من أثر ذلك أن قام تلميذه الشيخ عبد الله دراز بنشر الكتاب في مصر، وقام تلميذه الآخر رشيد رضا بنشر كتاب الاعتصام، ومن مصر انتشر الكتابان وشاع تداولهما في الأقطار العربية.
وأما تونس البلد الذي طبع فيها الكتاب أول مرة، فكان التجاوب مع الكتاب كبيرًا جدًّا عند علماء الزيتونة الذين احتفوا بالكتاب أيما احتفاء، فدرَسوه ودرَّسوه وبدأ البحث والتنقيب عن المقاصد، وبدأت المقاصد تأخذ طورًا جديدًا، وفي هذه الأجواء والحقبة الزمنية المهمة في علم المقاصد ظهر عالم جليل هو الشيخ الطاهر بن عاشور، وهو
стр. 1706
رائد هذا العلم في العصر الحديث، وهو الذي ذاع وانتشر خبره وصيته، خاصة في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية»، ولا يذكر اسم المقاصد إلا وذكر معه ابن عاشور، حتى إن بعض الباحثين يطلق عليه «أبو المقاصد الثاني»، وقد تابع الطاهر بن عاشور الشاطبي في مسألة «طرق إثبات المقاصد»، فالشاطبي جعلها خاتمة كتابه، وابن عاشور جعلها في القسم الأول من الكتاب (١)، فرحمة الله على الجميع.
وابن عاشور هو أول من درس كتاب الموافقات، ومقاصد الشريعة في الجامعة، وهذا التدريس استمر عدة سنوات، أفضى به أن تكون له استدراكات وتتمات لعمل الشاطبي (٢).
وبعد إبراز ابن عاشور للمقاصد؛ اهتم العلماء بالمقاصد وأعادوا النظر والبحث فيما كتبه العلماء السابقون في المقاصد، وبحثوا ونظروا بأسلوب علمي رصين ومنهجية علمية متأنية فيما كتبه هؤلاء العلماء، فظهرت بحوث ودراسات علمية وأكاديمية تتعلق بعلم المقاصد عند الشاطبي، والعز بن عبد السلام، والقرافي، وابن تيمية، وابن عاشور، وأُفرِد علم المقاصد بالمصنفات والبحوث والرسالات الجامعية مما جعله سهلًا متناولًا، ولله الحمد.
стр. 1707
المسألة السادسة:
اهتمام شيخ الإسلام ابن تيمية
وتلميذه ابن القيم-رحمهما الله- بالمقاصد:
ابن تيمية ﵀ من العلماء الذين كشفوا عن مقاصد الشريعة، وأبلوا بلاء حسنًا في الدفاع عنها ومعرفتها وتفصيلها، ولا يكاد يخلو كلام له عن الشريعة، وإبراز مصالحها، ومفاسد مخالفتها، وبيان حكمها ومقاصدها.
فابن تيمية وابن القيم وإن لم يصنفوا في المقاصد، غير أن تصانيفهم تدل على علو شأنهم في ذلك، فهما بدون تردد من رواد هذا المجال، ومن عظمائه وأجلائه.
يقول الأستاذ الدكتور عياض بن نامي السلمي: ثم جاء ابن تيمية أيضًا، فاهتم بالمقاصد اهتمامًا كبيرًا في كتبه جميعًا، واعتنى بها عناية قل أن تجدها عند من في عصره، وهناك رسالة دكتوراه مطبوعة باسم «المقاصد عند ابن تيمية» للدكتور يوسف بدوي، والذي يطلع على هذه الرسالة يجد أن صاحبها قد نقل عن ابن تيمية نصوصًا صريحة في
стр. 1708
اهتمامه بالمقاصد، وفي عمله بها مثل قوله: أصل الدين، وأساسه، وعموده، ورأسه المقاصد. كذلك نقل عنه أنه يرى أن العلم بالمقاصد شرط لبلوغ رتبة الاجتهاد (١).
ولغلبة المقاصد على ابن تيمية فتراه مثلًا في شرحه لحديث: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضالٌّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائعٌ، إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ، إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا، فليحمد الله
стр. 1709
ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه» (١).
فيحلله ويشرحه تحليلًا مقاصديًّا، فيقول: فلما ذكر في أول الحديث ما أوجبه من العدل، وحرمه من الظلم على نفسه وعلى عباده، ذكر بعد ذلك إحسانه إلى عباده مع غناه عنهم، وفقرهم إليه، وأنهم لا يقدرون على جلب منفعةٍ لأنفسهم، ولا دفع مضرةٍ إلا أن يكون هو الميسر لذلك، وأمر العباد أن يسألوه ذلك، وأخبر أنهم لا يقدرون على نفعه ولا ضره مع عظم ما يوصل إليهم من النعماء، ويدفع عنهم البلاء، وجلب المنفعة ودفع المضرة إما أن يكون في الدين أو في الدنيا، فصارت أربعة أقسامٍ: الهداية والمغفرة، وهما جلب المنفعة ودفع المضرة في الدين، والطعام والكسوة وهما جلب المنفعة ودفع المضرة في الدنيا، وإن شئت قلت: الهداية والمغفرة يتعلقان بالقلب الذي هو ملك البدن، وهو الأصل في الأعمال الإرادية، والطعام والكسوة يتعلقان بالبدن: الطعام لجلب منفعته، واللباس لدفع مضرته. وفتح الأمر بالهداية، فإنها وإن كانت الهداية النافعة هي المتعلقة بالدين، فكل أعمال الناس تابعةٌ لهدي الله إياهم (٢).
ويقول الدكتور يوسف البدوي في كتابه «مقاصد الشريعة عند ابن
стр. 1710
تيمية» في الفصل السادس تحت عنوان: «تأصيل القواعد المقاصدية»: يعتبر هذا الإسهام من أبرز إسهامات ابن تيمية في علم المقاصد، حيث قدم لنا ثروةً كبيرةً وعظيمةً من القواعد المقاصدية، كيف لا وأبو العباس ﵀ هو صاحب الباع الطويل في استقراء الشريعة وأدلتها وأحكامها ومقاصدها (١).
ثم ذكر صاحب الكتاب خمس عشرة قاعدة مقاصدية انتقاها من كتب ابن تيمية ﵀ ومنها (٢):
١ - الدين تحصيل الحسنات والمصالح، وتعطيل السيئات والمفاسد.
٢ - الباطل من العبادات ما لم يحصل به مقصوده، ولم يترتب عليه أثره، فلم يكن فيه المنفعة المطلوبة منه.
٣ - المصالح الفرعية مكملة للمصالح الأصلية.
٤ - مبنى الشريعة على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع.
٥ - قصد الشارع من المكلف مخالفة هواه، حتى يكون عبدًا لله طوعًا، كما هو عبدٌ لله كرهًا.
стр. 1711
٦ - الشارع لا يأمر إلا بمصالح العباد في المعاش والمعاد.
٧ - إنما أوجب الله الواجبات وحرم المحرمات؛ لما يتضمن ذلك من المصالح لخلقه ودفع المفاسد عنهم.
قال الأستاذ عمر عبيد حسنة: وإن كان الإمام المجدد ابن تيمية ﵀ هو أحد رواد أو بناة الاجتهاد المقاصدي، وإن لم يفرد له كتابًا أو بحثًا خاصًّا به، حيث كانت له اجتهادات جريئة خالف فيها بعض الفقهاء؛ لأن تطبيق بعض الاجتهادات الفقهية النظرية المجردة السائدة في عصره، والتقليد المذهبي بعيدًا عن واقع الناس، فوَّت كثيرًا من المصالح، وتعارض مع مقصد الشارع في بناء الأسرة والمجتمع، بحيث كانت هناك فجوة تتسع بين بعض اجتهادات الفقهاء وقضايا المجتمع ومصالح العباد، إلى درجة يمكن أن نقول معها: إن اجتهاد الإمام ابن تيمية هو في الحقيقة اجتهاد مقاصدي، وإن استقراء المقاصد عند شيخ الإسلام يحتاج إلى باحثين لإغناء الرؤية الاجتهادية بأصول فقهية مقاصدية على غاية من الأهمية (١).
ومثل شيخه سار ابن القيم ﵀، فكلامه يدل على ذلك وعلى اهتمامه بالمقاصد، وله فتاوى تدل على مراعاته لها، فمثلًا: يقول في
стр. 1712
«إعلام الموقعين»: فصل: لا بد من اعتبار النية والمقاصد في الألفاظ.
وهذا الذي قلناه من اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ، وأنها لا تلزم بها أحكامها حتى يكون المتكلم بها قاصدًا لها مريدًا لموجباتها، كما أنه لا بد أن يكون قاصدًا للتكلم باللفظ مريدًا له، فلا بد من إرادتين: إرادة التكلم باللفظ اختيارًا، وإرادة موجبه ومقتضاه. بل إرادة المعنى آكد من إرادة اللفظ؛ فإنه المقصود واللفظ وسيلة، وفي المحلى: أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في امرأة قالت لزوجها: سمني، فسماها الظبية، فقالت: لا. فقال لها: ما تريدين أن أسميك؟ قالت: سمني خلية طالق. فقال لها: فأنت خلية طالق. فأتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن زوجي طلقني. فجاء زوجها فقص عليه القصة، فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها (١).
وهذا هو الفقه الحي الذي يدخل على القلوب بغير استئذان (٢).
مع أن الرجل قد تكلم بالطلاق بلفظين مختلفين، ولكن البحث عن قصده ومراده يبطل هذه الحيل، ولذا سماه ابن القيم «الفقه الحي».
ويقول أيضًا ﵀: إن ما حرم سدًّا للذريعة يباح للحاجة، فلهذا
стр. 1713
كان من فتواه أنه نص على أن من كان في قافلة، ومعه ذهب خام ويريد أن يضربه نقودًا، فله أن يدفعه للصائغ، ويقدر الصائغ كم سيكون من دينار، ويأخذه دنانير وينصرف مع رفقته، فمقصد ابن القيم من ذلك أنه لو انتظر الصائغ حتي يصنع دنانير؛ لأدى ذلك إلى فوات الرفقة، وتعرضه للهلاك، ولقطاع الطرق، ونظر إلى مقصد آخر، وهو أن هذا الشخص لم يكن مقصوده التحايل للوصول إلى الربا، وإنما مقصده أن يأخذ الدنانير مضروبة (١).
وكذلك رد ابن القيم ﵀ على من لم ير اعتبار المقاصد، فقال: وما مثل من وقف مع الظواهر والألفاظ، ولم يراع المقاصد والمعاني إلا كمثل رجلٍ قيل له: لا تسلم على صاحب بدعةٍ، فقبل يده ورجله، ولم يسلم عليه. أو قيل له: اذهب فاملأ هذه الجرة، فذهب فملأها ثم تركها على الحوض، وقال: لم تقل: ايتني بها. وكمن قال لوكيله: بع هذه السلعة. فباعها بدرهمٍ، وهي تساوي مائةً، ويلزم من وقف مع الظواهر أن يصحح هذا البيع، ويلزم به الموكل، وإن نظر إلى المقاصد تناقض حيث ألقاها في غير موضعٍ، وكمن أعطاه رجلٌ ثوبًا، فقال: والله لا ألبسه لما له فيه من المنة، فباعه وأعطاه ثمنه فقبله (٢).
стр. 1714
المبحث الثالث:
أقسام المقاصد
وفيه أربعة مسائل:
• أولًا: أقسام المقاصد باعتبار جهة صدورها.
• ثانيًا: أقسام المقاصد باعتبار الخطاب والأحكام.
• ثالثًا: أقسام المقاصد باعتبار النظر في الأحكام.
• رابعًا: أقسام المقاصد باعتبار الحاجة إليها.
стр. 1715
المسألة الأولى:
أقسام المقاصد باعتبار جهة صدورها
تنقسم المقاصد باعتبار جهة صدورها إلى:
١ - مقاصد الشارع.
٢ - مقاصد المكلف.
وهذا أول تقسيم للمقاصد ذكره الشاطبي ﵀ في «الموافقات».
أما الأول وهو مقاصد المكلفين: فهو ما تتجه إليه إرادتنا ونيتنا عند القول والفعل، أي ما يقصده المكلف في سائر تصرفاته، وهذا النوع ليس موضوع البحث، ولكن يكفينا فيه أن نعلم أن الشارع له مقصود من أحكامه، وأمر المكلفين أن يسعوا إلى هذه المقاصد بحيث تكون مقاصدهم موافقة لمقاصد الشارع.
قال الشاطبي ﵀ في وجوب موافقة قصد المكلف من عمله قصد الشارع: قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل
стр. 1716
موافقًا لقصده في التشريع (١).
والنوع الثاني وهو مقاصد الشارع، وهو ما سنتناوله بالتوضيح بإذن الله .
стр. 1717
المسألة الثانية:
أقسام المقاصد باعتبار الخطاب والأحكام
تنقسم المقاصد باعتبار الخطاب والأحكام إلى:
١ - مقصود الخطاب «النص».
٢ - مقصود الأحكام.
أولًا: مقصود الخطاب:
ويعبر عنه أحيانًا بمراد الشارع من النص قرآنا أو سنة، أي ما الذي أراده الله من خطابه؟ ماذا قصد من هذا النص، ومن هذه العبارة؟ ومن هذه الآية والحديث؟ ما المعنى المقصود والحكم المقصود؟ (١).
فالأصل في الألفاظ أن تحمل على ظاهرها دون تأويل، ويستعمل هذا الاصطلاح «مقصود الخطاب» غالبًا عندما يتوارد على النص الشرعي معنيان: أحدهما غير مقصود، والثاني هو المقصود، وقد يكون الأول هو المتبادر إلى الفهم عند قراءة النص لأول وهلة، ولكن بشيء
стр. 1718
من التأمل والتدبر وإعمال القرائن التفسيرية يتبين لنا المقصود والمراد، فيقال حينئذٍ: مقصود الشارع من خطابه كذا.
ولبيان هذا الأمر فلا بد أن تعلم أن النص الشرعي عادةً يتجاذبه اتجاهان: أحدهما يقف عند حرفية الألفاظ دون النظر إلى مقاصد الشريعة ومراميها، مكتفيًا بما يعطيه ظاهرها (١)، واتجاه آخر يتحرى مقاصد الخطاب ومراميه، ويستند هذا الاتجاه إلى التسليم العام بكون الشريعة ذات مقاصد وحكم مرعية في عامة أحكامها (٢).
وستأتي الأمثلة على ذلك -إن شاء الله-.
• أهمية معرفة مقاصد الخطاب (٣):
مقاصد الخطاب وإن لم تكن موضوعنا، إلا أنه يجدر التنبيه عليها والاهتمام بها، فالخطاب العربي فيه مرونة وسعة وتفنن بخلاف غيره من سائر اللغات، ويفسح مجالًا للمتلقي لإعمال الذهن والفكر، فقد يستعمل اللفظ ويراد به غير ظاهره، وقد يستعمل ويراد به غير حقيقته، وقد يراد الشيء ولا يصرح به، وإنما يشار إليه ويكنى، وقد يذكر الشيء بلازمه لا بذاته، وقد يتكلم العربي ببعض الكلمات ويترك لك البعض
стр. 1719
لتفهمه من تلقاء نفسك، بل إن العرب كانت تستعمل اللفظ وتريد به ضده، ومن هنا تظهر أهمية معرفة مراد الشارع ومقصوده من كلامه، فالتقصير في فهمه والزيادة عليه يفسد الفهم من بدايته، فآخذ الأمور ببادئ الرأي وببادئ النظر وبالخواطر الأولى، دون النظر في القرائن الأخرى وإعمال الفكر فيها، عادة لا ينجو من الزيادة في المعنى، والنقصان منه.
ولو كانت الألفاظ وحدها كافية لفهم المراد من المتكلم، لما كان أي معنى للتفقه في الدين: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين» (١)، ولما كان هناك معنى لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
فلماذا يحتاج إلى التدبر لو كانت الألفاظ التي ألقيت إلينا حصل بها المعنى؟ ففهم المراد من الألفاظ في أحيان كثيرة يحتاج إلى تدبر وتأمل، وجمع النصوص في الباب الواحد؛ حتى يفهم المعنى ولا يزاد عليه ولا ينقص.
أمثلة:
١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران:
стр. 1720
١٣٠].
ما معنى أكل الربا؟ هل المقصود هو الأكل المعروف؟ فإذا ما وقفنا عند مجرد الألفاظ، فالربا لا يؤكل وغير قابل للأكل، إذن فالمعنى المتداول للأكل غير مقصود في هذا النص، بمعنى أن قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠] ليست كعبارة: لا تأكلوا الخنزير مثلًا.
فمعنى الآية: لا تنفقوا على أكلكم الأموال المحصلة من الربا. ولو وقفنا عند هذا الحد؛ لصح أن يقال: إن سوى الأكل لا تشمله الآية، كالإنفاق من أجل اللبس مثلًا، أو التنزه، أو السكن وغير ذلك، ولا شك أن مقصود الشارع من خطابه هو تحريم الربا بكل صور استعماله، فالتحريم للربا بكل معانيه، وليس من أجل الأكل فقط، ولكن عبر بالأكل؛ لأن المآل هو الأكل، والغرض الأشهر والأكثر هو الأكل، قال القرطبي: يأكلون يأخذون، فعبر عن الأخذ بالأكل، لأن الأخذ إنما يراد للأكل (١).
فالآية تشمل من تعامل بالربا ولو لم يأكل منه أو ينفق درهمًا، وكل هذا يعرف بالتدبر وبالنظر في النصوص الأخرى ذات الصلة، كقوله ﷺ :