стр. 1716
← Усуль аль-фикх следующие страницы →
Усуль аль-фикх · id 30090
جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد
عبد الفتاح مصيلحي
Полный текст (1 863 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1717
المسألة الثانية:
أقسام المقاصد باعتبار الخطاب والأحكام
تنقسم المقاصد باعتبار الخطاب والأحكام إلى:
١ - مقصود الخطاب «النص».
٢ - مقصود الأحكام.
أولًا: مقصود الخطاب:
ويعبر عنه أحيانًا بمراد الشارع من النص قرآنا أو سنة، أي ما الذي أراده الله من خطابه؟ ماذا قصد من هذا النص، ومن هذه العبارة؟ ومن هذه الآية والحديث؟ ما المعنى المقصود والحكم المقصود؟ (١).
فالأصل في الألفاظ أن تحمل على ظاهرها دون تأويل، ويستعمل هذا الاصطلاح «مقصود الخطاب» غالبًا عندما يتوارد على النص الشرعي معنيان: أحدهما غير مقصود، والثاني هو المقصود، وقد يكون الأول هو المتبادر إلى الفهم عند قراءة النص لأول وهلة، ولكن بشيء
стр. 1718
من التأمل والتدبر وإعمال القرائن التفسيرية يتبين لنا المقصود والمراد، فيقال حينئذٍ: مقصود الشارع من خطابه كذا.
ولبيان هذا الأمر فلا بد أن تعلم أن النص الشرعي عادةً يتجاذبه اتجاهان: أحدهما يقف عند حرفية الألفاظ دون النظر إلى مقاصد الشريعة ومراميها، مكتفيًا بما يعطيه ظاهرها (١)، واتجاه آخر يتحرى مقاصد الخطاب ومراميه، ويستند هذا الاتجاه إلى التسليم العام بكون الشريعة ذات مقاصد وحكم مرعية في عامة أحكامها (٢).
وستأتي الأمثلة على ذلك -إن شاء الله-.
• أهمية معرفة مقاصد الخطاب (٣):
مقاصد الخطاب وإن لم تكن موضوعنا، إلا أنه يجدر التنبيه عليها والاهتمام بها، فالخطاب العربي فيه مرونة وسعة وتفنن بخلاف غيره من سائر اللغات، ويفسح مجالًا للمتلقي لإعمال الذهن والفكر، فقد يستعمل اللفظ ويراد به غير ظاهره، وقد يستعمل ويراد به غير حقيقته، وقد يراد الشيء ولا يصرح به، وإنما يشار إليه ويكنى، وقد يذكر الشيء بلازمه لا بذاته، وقد يتكلم العربي ببعض الكلمات ويترك لك البعض
стр. 1719
لتفهمه من تلقاء نفسك، بل إن العرب كانت تستعمل اللفظ وتريد به ضده، ومن هنا تظهر أهمية معرفة مراد الشارع ومقصوده من كلامه، فالتقصير في فهمه والزيادة عليه يفسد الفهم من بدايته، فآخذ الأمور ببادئ الرأي وببادئ النظر وبالخواطر الأولى، دون النظر في القرائن الأخرى وإعمال الفكر فيها، عادة لا ينجو من الزيادة في المعنى، والنقصان منه.
ولو كانت الألفاظ وحدها كافية لفهم المراد من المتكلم، لما كان أي معنى للتفقه في الدين: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين» (١)، ولما كان هناك معنى لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
فلماذا يحتاج إلى التدبر لو كانت الألفاظ التي ألقيت إلينا حصل بها المعنى؟ ففهم المراد من الألفاظ في أحيان كثيرة يحتاج إلى تدبر وتأمل، وجمع النصوص في الباب الواحد؛ حتى يفهم المعنى ولا يزاد عليه ولا ينقص.
أمثلة:
١ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران:
стр. 1720
١٣٠].
ما معنى أكل الربا؟ هل المقصود هو الأكل المعروف؟ فإذا ما وقفنا عند مجرد الألفاظ، فالربا لا يؤكل وغير قابل للأكل، إذن فالمعنى المتداول للأكل غير مقصود في هذا النص، بمعنى أن قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠] ليست كعبارة: لا تأكلوا الخنزير مثلًا.
فمعنى الآية: لا تنفقوا على أكلكم الأموال المحصلة من الربا. ولو وقفنا عند هذا الحد؛ لصح أن يقال: إن سوى الأكل لا تشمله الآية، كالإنفاق من أجل اللبس مثلًا، أو التنزه، أو السكن وغير ذلك، ولا شك أن مقصود الشارع من خطابه هو تحريم الربا بكل صور استعماله، فالتحريم للربا بكل معانيه، وليس من أجل الأكل فقط، ولكن عبر بالأكل؛ لأن المآل هو الأكل، والغرض الأشهر والأكثر هو الأكل، قال القرطبي: يأكلون يأخذون، فعبر عن الأخذ بالأكل، لأن الأخذ إنما يراد للأكل (١).
فالآية تشمل من تعامل بالربا ولو لم يأكل منه أو ينفق درهمًا، وكل هذا يعرف بالتدبر وبالنظر في النصوص الأخرى ذات الصلة، كقوله ﷺ :
стр. 1721
«لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهده، وكاتبه» (١).
٢ - قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله جل شأنه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
ما المقصود بتحريم الميتة؟ هل لمسها، أو النظر إليها، أو أكلها، أو الانتفاع بشيء منها، أو حيازتها؟
وما المقصود بتحريم الأمهات؟ هل اللمس، أم المحادثة، أم النظر، أم النكاح؟ فعبارة التحريم في الآيتين واحدة، فهل مضمون التحريم واحد؟ وهل التحريم على الإطلاق؟
والجواب الشافي يكون في البحث فيما وراء اللفظ، وفيما حواليه، وما يتصل به من معان أخرى وتفعيل القواعد الشرعية، فالله أعطاك نصًّا، وأعطاك معه نصوصًا أخرى، وأعطاك عقلًا وفكرًا.
فنقول: مقصود الشارع من تحريم الميتة هو تحريم أكلها، ومقصوده من تحريم الأمهات هو تحريم النكاح، وعلم ذلك بالقاعدة الأصولية التي تقول: إذا علق الحكم بعينٍ رجع عرفًا لما أعدت له هذه العين. فالحلال والحرام لا يتعلقان بذوات إنما يتعلقان بأفعال مرتبطة
стр. 1722
بتلك الذوات (١).
وهذا ما أشار إليه الطاهر بن عاشور ﵀ فقال: وإضافة التحريم إلى ذات الميتة وما عطف عليها هو من المسألة الملقبة في أصول الفقه بإضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان، ومحمله على تحريم ما يقصد من تلك العين باعتبار نوعها نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، أو باعتبار المقام نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. فيقدر في جميع ذلك مضاف يدل عليه السياق، أو يقال: أقيم اسم الذات مقام الفعل المقصود منها للمبالغة، فإذا تعين ما تقصد له قصر التحريم والتحليل على ذلك، وإلا عمم احتياطًا، فنحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، متعين لحرمة تزوجهن، وما هو من توابع ذلك كما اقتضاه السياق، فلا يخطر بالبال أن يحرم تقبيلهن أو محادثتهن (٢).
٣ - قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣].
فالوقوف مع اللفظ دون غيره يقتضي تكليف للنبي ﷺ بأخذ قدرٍ غير محدد من أموال الناس، ولكن بالنظر للقرائن التفسيرية، وجمع النصوص، وتعميل القواعد الأصولية، وبشيء من التأمل والتدبر؛ يتبين
стр. 1723
لنا: أن الخطاب موجه لعموم المسلمين، وبخاصة ولاة الأمور، وأن الأموال لها صفة مخصوصة، والقدر الذي سيؤخذ منهم مخصوص على سبيل الوجوب، والفئة التي ستعطي والتي ستأخذ فئة مخصوصة، فهذا هو معنى مقصود الخطاب.
٤ - قال النبي ﷺ : «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه» (١).
فلو نظرنا إلى مجرد ظاهر الألفاظ واكتفينا بما تعطيه من أحكام، وتجاهلنا غاية الشارع ومراميه، لقلنا: إن إفراغ البول عن طريق الشاحنات، أو عن طريق قارورة مثلًا لا يشمله النهي، وأنه يجوز لغيره أن يغتسل في هذا الماء، ويجوز أن يتغوط في الماء ثم يغتسل منه، فمعظم هذه المعاني لا يشملها النص الملفوظ، فهل يقال: بأن هذا مقصود الشارع من خطابه؟ قطعًا لا، فهذا ينافي تمامًا حكمة الباري جل وعلا، وتأباه الفطرة والعقل، فأي عقل وأي شرع يحرم البول المباشر في الماء الراكد وإن كانت قطرات، ثم يبيح وضع أضعافها من البول؛ لأنها وصلت بطريق غير مباشر؟ (٢).
ومثل نهي النبي ﷺ عن الأضحية بالعوراء، فهل تجوز العمياء؟
стр. 1724
قطعًا لا يجوز، بل هو من باب أولى؛ لأن تحريم الأدنى دليل على تحريم الأعلى (١).
فلو أخذت هذه الألفاظ مجردة عن معانيها دون النظر والتدبر؛ لخرجت الأحكام بعيدة كل البعد عن مقصود الشارع.
بل حتى ألفاظ الخطاب الدنيوي لا بد فيها من مراعاة القصود والغايات
فمثلًا: لو اجتمعت الأسرة على الطعام وقال الوالد لولده: املأ لي كوبًا من الماء. فملأه الولد ولم يحضره؛ لأنه أخذ باللفظ المجرد عن المعنى والقصد، لو فعل الولد ذلك لكان مقصرًا مستحقًا للعتاب، إذ ليس هذا المقصود، إنما مقصود والده أن يملأه ويحضره له ليشرب، وهذا يفهم بالنظر لحالهم وهم على الطعام.
وابن القيم ﵀ يقسم الناس في تعاملهم مع النصوص الشرعية إلى قسمين: قسمٌ يسأل: «ماذا قال»، وقسمٌ يسأل: «ماذا أراد».
فقال ﵀: وهذا أمر يعم أهل الحق والباطل، لا يمكن دفعه، فاللفظ الخاص قد ينتقل إلى معنى العموم بالإرادة، والعام قد ينتقل إلى الخصوص بالإرادة، فإذا دُعِي إلى غداء فقال: والله لا أتغدى. أو قيل
стр. 1725
له: نم. فقال: والله لا أنام. أو: اشرب هذا الماء. فقال: والله لا أشرب. فهذه كلها ألفاظ عامة نقلت إلى معنى الخصوص بإرادة المتكلم التي يقطع السامع عند سماعها بأنه لم يرد النفي العام إلى آخر العمر، والألفاظ ليست تعبدية، والعارف يقول: ماذا أراد؟ واللفظي يقول: ماذا قال؟ كما كان الذين لا يفقهون إذا خرجوا من عند النبي ﷺ يقولون: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦]، وقد أنكر الله سبحانه عليهم وعلى أمثالهم بقوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء: ٧٨]، فذم من لم يفقه كلامه» (١).
فختامًا نقول: مقصود الشارع من خطابه، وإن لم يكن موضوع البحث والشرح، إلا أنه لا يمكن إغفاله، فقد يجعلنا نتكلم عن أحكامٍ ومقاصد ليست مقصودة من خطاب الشارع، فالبحث عن مقاصد الشارع في أحكامه لا يستقيم إلا بعد معرفة مقصود الشارع من خطابه، فهو الذي سيُبني عليه، ومن هنا تتجلى أهميته، وبهذا تدرك سبب جعل بعض العلماء الظاهرية في منزلة العوام، وقالوا: إن الإجماع لا يتوقف عليهم، لكونهم أهملوا النظر في مقاصد الخطاب، واكتفوا بظواهر الألفاظ دون مراعاة المعاني والقصود.
стр. 1726
وأما مقاصد الأحكام فهي (١): الغايات والفوائد والمصالح التي تتحقق من العمل بمقتضى هذه الأحكام، فبعد إدراك ما أراده الشارع من خطابه «مقصود الخطاب» يجيء معرفة الغايات التي يرمي إلى تحقيقها، والفوائد التي تترتب على العمل به، والمصالح التي قصدها الشارع بوضع التشريع.
فحينما نأخذ نصًّا من نصوص الشرع، فأول خطوة في البحث عن المقاصد، هي البحث عن مقصود الكلمة: ماذا أريد بها؟ هل هو هذا المعنى الحرفي الظاهر؟ هل هو المعنى الثاني؟ هل هو المعنى المجازي؟ هل هو المعنى البعيد؟ أم المتبادر القريب؟ (٢)، فهذه الخطوة الأولى، ثم إذا أدركنا قصد الشارع ومراده من خطابه واستخرجنا الحكم الشرعي المقصود من هذا الخطاب، تأتي الخطوة الثانية وهي البحث عن مقصود الشارع ومراده من هذا الحكم الذي استخرجناه.
أمثلة:
في مثال الربا المتقدم، قلنا: إن مقصود الشارع في خطابه النهي عن الربا بكل صوره ومعانيه، أما مقاصد الأحكام هو أن نتساءل: لماذا حرم
стр. 1727
الله الربا (١)؟ ما الحكمة والغاية من تحريم الربا؟ ما الثمرة والفائدة في تحريم الربا؟ ما المصلحة المجلوبة وما المفسدة المدفوعة من تحريم الربا؟ ما السر والمغزى من تحريم الربا؟ ما هي الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية من تحريم الربا؟ وكذلك نفس الأسئلة في تحريم الميتة، ونكاح الأمهات.
فالإجابة عن ذلك: مقاصد الأحكام.
وفي المثال الثاني في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، تبين لنا بالنظر للقرائن التفسيرية وبشيء من التأمل والتدبر؛ أن الخطاب موجه للمسلمين، وبخاصة ولاة الأمور، وأن الأموال لها صفة مخصوصة، والقدر الذي سيؤخذ منهم مخصوص على سبيل الوجوب، فهذا مقصود الخطاب كما سبق.
فإن قيل: لِمَ يؤخذ هذا المال من الأغنياء؟ ولماذا تدفع إلى أصناف بأعينهم؟ ولماذا هذا القدر دون غيره؟ وما الغاية من ذلك؟ وما الأبعاد الاجتماعية والنفع الذي يعود على الأمة بذلك؟.
فالجواب على هذه الأسئلة وجنسها يتضمن بيان مقاصد الأحكام، فتكون بمعنى الفوائد والغايات المتوخاة من وراء العمل بالأحكام،
стр. 1728
وهو ما يقصده العلماء عند الحديث عن مقاصد الشريعة (١).
مثال آخر: قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣].
فلو تساءلنا وقلنا: ما الحكمة والسر والمقصد من تحريمها؟ أمن أجل قذارتها؟ أم نجاستها؟ أم لنتنهاوعفونتها؟ أم لضررها الصحي؟ أم لشيء آخر؟
فالجواب عن هذه الأسئلة هو ما نعنيه بمقاصد الشريعة.
قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، عرفنا أن هذا هو الخلع، وأنه يكون في حالات وله شروط، فيأتي بعد ذلك البحث المقاصدي: هل له حكمة؟ هل له فائدة للمرأة أم للرجل أم للاثنين معًا؟ ما المفسدة التي يدفعها والمصلحة التي يجلبها؟ فهذا هو البحث المقاصدي عن أحكام الشريعة.
وفي نهي الشريعة عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها، والجمع بين الأختين؛ يظهر لنا جليًّا مقصود الشارع العظيم من درأ المفاسد، والوحشة، وقطع الأرحام.
стр. 1729
المسألة الثالثة:
أقسام المقاصد باعتبار النظر للأحكام (١)
تنقسم المقاصد باعتبار النظر للأحكام إلى: عامة، وخاصة، وجزئية.
١ - المقاصد العامة (في كل أبواب الشريعة أو معظمها):
هي المعاني والحكم الملحوظة في جميع أحوال التشريع، أو معظمها، كحفظ الضروريات الخمس، ورفع الحرج، ودفع الضرر، وإقامة العدل، وإخراج العبد من داعية هواه إلى عبادة الله.
وحتى نستطيع القول بأن هذا المقصد من مقاصد الشريعة العامة، فلا بد من توافر بعض الشروط فيها، وهي: أن تكون ثابتة ظاهرة منضبطة مطردة (٢).
стр. 1730
والمراد بالثبوت: أن تكون تلك المعاني مجزومًا بتحقيقها، أو مظنونًا ظنًّا قريبًا من الجزم.
والمراد بالظهور: الاتضاح، بحيث لا يختلف الفقهاء في تشخيص المعنى، ولا يلتبس على معظمهم.
والمراد بالانضباط: أن يكون للمعنى حد معتبر لا يتجاوزه، ولا يقصر عنه.
والمراد بالاطراد: أن لا يكون المعنى مختلفًا باختلاف أحوال الأقطار والقبائل والأعصار.
٢ - المقاصد الخاصة (في باب من أبواب الشريعة):
هي التي تكون في باب من أبواب التشريع، أو في جملة من أبواب متجانسة ومتقاربة، كالتي تكون في العقوبات، أو المعاملات المالية، أو نظام الأسرة، أو القضاء، أو غيرها.
ومعرفتها غالبًا تكون أيسر من معرفة المقاصد العامة لحصرها، ولاختصاصها بموضوع واحد.
٣ - المقاصد الجزئية (في كل حكم جزئي):
هي التي راعاها الشرع عند كل حكم على حدته، كالإشهاد في المعاملات حفظًا للحقوق، والنهي عن الجمع بين الأختين، أو بين
стр. 1731
البنت وعمتها أوخالتها حفاظًا على صلة الرحم، ودرءًا للقطيعة.
• فائدة:
العبودية هي مقصد المقاصد، وغاية الغايات، وكل المقاصد الكلية والجزئية تدور في فلكها.
قال الشاطبي ﵀: المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبدٌ لله اضطرارًا (١).
العلاقة بين الأنواع الثلاثة (٢):
هي علاقة تكاملية، فلا يمكن إدراك المقاصد الكلية إلا من خلال معرفة المقاصد الخاصة، ولا تدرك المقاصد الخاصة إلا من خلال المقاصد الجزئية، فالعامة تتكون من الخاصة، والخاصة تتكون من الجزئية.
стр. 1732
المسألة الرابعة:
أقسام المقاصد باعتبار الحاجة إليها
تنقسم المقاصد باعتبار الحاجة إليها إلى ثلاثة أقسام (١): مقاصد ضرورية، ومقاصد حاجية، ومقاصد تحسينية.
• الضروريات:
هي التي تتوقف عليها حياة الناس فيما يتعلق بأمور الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت اختل نظام الحياة في الدنيا، وحل العقاب في الآخرة (٢).
فبعد تتبع واستقراء طويلين، انتهى العلماء إلى ملاحظة أن مقاصد الشريعة ومصالحها الكبرى التي تدور حولها معظم أحكامها أو كلها، تجتمع في مصالح خمسٍ سموها: الضروريات الخمس. وسماها بعضهم: الأصول الخمس، والكليات الخمس. ولعل أول من ذكرها واضحة كاملة هو الإمام الغزالي (٣)، وهي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل، قال الغزالي ﵀: ومقصود الشرع من
стр. 1733
الخلق خمسةٌ: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحةٌ، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدةٌ، ودفعها مصلحةٌ (١).
بل ذهب الشاطبي ﵀ أن هذا مما اتفقت عليه كل الشرائع، فقال: فقد اتفقت الأمة -بل سائر الملل- على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس -وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل- وعلمها عند الأمة كالضروري (٢).
وقال الغزالي: وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل أن لا تشتمل عليه ملةٌ من الملل، وشريعةٌ من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق (٣).
قال في المراقي:
فحفظها حتم على الإنسان … في كل شرعة من الأديان (٤)
وقال الجزائري (٥):
قد أجمع الأنبيا والرسل قاطبة … على الديانة بالتوحيد في الملل
стр. 1734
وحفظ نفس ومال معهما نسب … وحفظ عقل وعرض (١) غير مبتذل
الأدلة عليها:
مستند العلماء في ذلك هو تتبع واستقراء أحكام الشريعة، غير أن هناك نصوصًا نبهت عليها ودلت عليها بالإشارة، قال ابن عاشور ﵀: وقد علم بالضرورة كونها مقصودة للشرع، لا بدليل واحد، وأصل واحد معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر (٢).
ومن هذه الأدلة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ [الممتحنة: ١٢].
فقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] إشارة إلى حفظ الدين وأنه في المقدمة.
وقوله: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ﴾ [الممتحنة: ١٢] إشارة إلى حفظ المال.
وقوله جل شأنه: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢] إشارة إلى حفظ العرض.
стр. 1735
وقوله جل وعز: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ﴾ [الممتحنة: ١٢] إشارة إلى حفظ النفس.
وبقي من الضروريات الخمس العقل، فهو يدخل ضمنًا في حفظ النفس؛ لأنه جزء منها وليس كيانًا مستقلًّا، ولأنه شرط في حفظ الأربعة، وقد بايع المسلمون رجالًا ونساءً رسول الله ﷺ على هذه الكليات.
فعن عبادة بن الصامت، وكان من الذين شهدوا بدرًا مع رسول الله ﷺ ، ومن أصحابه ليلة العقبة، أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه «تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف؛ فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا؛ فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله؛ فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه»، قال: فبايعته على ذلك (١).
وقد جاء أيضًا التنصيص عليها متفرقًا، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا
стр. 1736
يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨]، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ [الإسراء: ٢٦]، ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ [البقرة: ٧٣].
وعن ابن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (١).
وعنه ﵁ قال: سألت النبي ﷺ : أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك». قلت: إن ذلك لعظيم. قلت: ثم أي؟ قال: «وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني حليلة جارك» (٢).
ومما يؤكد ذلك أن الله تعالى شرع ما يوصل إليها «الكليات الخمس» ونهى عما يضادها (٣)، فأمر الله بالعبادات على نحو ما بينه
стр. 1737
رسوله ﷺ ، وجعل العبادات توقيفية، ونهى عن الابتداع في الدين، وجعله ردًّا على صاحبه، وذلك لحفظ الدين (١).
وأوجب تناول ما تقوم به الحياة من طعام وشراب وغيره، وحرم المسكرات والمخدرات، وتبني الأفكار الهدامة لحفظ النفس والعقل.
وشرع الزواج، وحث عليه، ورتب عليه الأجر، وحرم الزنا، وتوعد فاعله، وحرم تأجير الأرحام لحفظ النسل.
وأباح البيع، وحرم الربا، والغرر، وأوجب الزكاة، وندب إلى الصدقة عمومًا، وجعلها تزكية للنفس والمال، وحرم السرقة، وقطع الطريق لحفظ المال.
بل ورتبت الشريعة أشد العقوبات على انتهاكها، وهي الحدود: حد الردة، وحد الزنى، وحد السكر، والقصاص.
فائدة: ويكثر في السياق القرآني مجيء النهي عن هذه المنكرات الثلاث متتابعة: الشرك، والزنا، وقتل النفس، ذلك أنها كلها جرائم قتل في الحقيقة، الجريمة الأولى قتل للفطرة، والثانية جريمة قتل للجماعة، والثالثة جريمة قتل للنفس المفردة، إن الفطرة التي لا تعيش على التوحيد فطرة ميتة، والجماعة التي تشيع فيها الفاحشة جماعة ميتة،
стр. 1738
منتهية حتمًا إلى الدمار، والمجتمع الذي تشيع فيه المقاتل والثارات مجتمع مهدد بالدمار، ومن ثم يجعل الإسلام عقوبة هذه الجرائم هي أقسى العقوبات؛ لأنه يريد حماية مجتمعه من عوامل الدمار (١).
المقصود بحفظ الضروريات:
المقصود هو إيجادها، وصيانتها في حدها الأدنى الذي لا تقوم ولا تدوم إلا به، أما التوسع بما يزيد على الحد الضروري فيدخل في الحاجيات والتحسينات (٢).
كيفية حفظها:
حفظ هذه الضروريات يكون بأمرين:
أحدهما: ما يقيم أصل وجودها.
والثاني: ما يدفع عنها الاختلال الذي يعرض لها.
وهو ما سماه العلماء في الأول بالحفظ من جهة الوجود، وفي الثاني بالحفظ من جهة العدم.
قال الشاطبي: والحفظ لها يكون بأمرين: ما يقيم أركانها ويثبت
стр. 1739
قواعدها، وذلك عبارةٌ عن مراعاتها من جانب الوجود، والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارةٌ عن مراعاتها من جانب العدم (١).
• أولًا: حفظ الدين (٢):
وهي الضرورة العظمى التي لأجلها خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وهي التي لأجلها ابتلى الله أحب الخلق إليه وهم أنبياؤه ورسله، وشرع سبحانه شرائع خاصة لحماية هذا الدين وحفظه (٣).
ولا شك أن حفظه مقدم على غيره، فهو لب المقاصد وروحها، ولا قيام لها إلا به، وبضياعه تضيع المقاصد الأخرى، فإذا فسد الدين اغتيلت النفوس، وانتهكت الأعراض، وسرقت الأموال، فتضيع وتفسد المقاصد بفساده وتنصلح بصلاحه، فهو كالمضغة بالنسبة للجسد، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، فاللهم احفظ
стр. 1740
علينا ديننا (١).
قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]، فهذه الآية تشير إلى أن اتباع الأهواء يلزم منه الفساد، وذلك لأن أهواء الناس تختلف وتتضاد ومصالحهم تتعارض، فإذا لم يكن هناك دين يضبط المصالح وينظم الحياة فإن كل شخص سيفعل ما يراه مصلحة له بحسب ما يمليه عليه هواه، فيحصل الاعتداء على الأموال والأنفس والأعراض والأنساب (٢)، وقد شبه الله سبحانه من فقدوا الدين، ولم يستنيروا بنوره كالأموات، فقال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢]، فشبه الإنسان قبل إيمانه بالميت، وشبه الكفر بالظلمات لكون صاحبه يتخبط بغير هدى، فالناس بغير الدين ليسوا على شيء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى
стр. 1741
الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ [المائدة: ٦٨] (١).
وهذا هو الذي فهمه الغلام في قصة أصحاب الأخدود حين أرسله الملك مع جنده ليقتلوه، فنجا فصار بين واجبين وضرورتين: حفظ النفس، وحفظ الدين. فإما أن ينجو بنفسه ويحافظ عليها من الهلاك، وإما أن يقدم واجب الدعوة إلى الله ويذهب مرة أخرى ليدعو الملك وأتباعه، فقدم الواجب الأعلى وهو الدعوة إلى الله وحفظ الدين، ومن أجله شرع الله الهجرة من بلاد الكفار لبلاد المسلمين.
ومثله في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨٠ - ٨١].
قال الطاهر بن عاشور ﵀: وأما تصرفه في قتل الغلام فتصرف بوحي من الله جارٍ على قطع فساد خاص علمه الله، وأعلم به الخضر بالوحي، وأراد الله اللطف بأبويه بحفظ إيمانهما وسلامة العالم من هذا الطاغي، لطفًا أراده الله خارقًا للعادة جاريًا على مقتضى سبق علمه، ففي هذا مصلحة للدين بحفظ أتباعه من الكفر، وهو مصلحة خاصة فيها حفظ الدين (٢).
стр. 1742
فحفظ الدين مقدمٌ ولا ريب، فلا يبذل ما هو أعلى لتحصيل ما هو أدنى.
الله تعالى تكفل بحفظ الدين وشرع الوسائل لحفظه:
ومما ينبغي الإشارة إليه أن الله تكفل بحفظ الدين قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، وقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
قال ابن كثير ﵀: هذه أكبر نعم الله على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق، لا كذب فيه ولا خلف، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]: أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل الدين لهم تمت النعمة عليهم (١).
ومع ذلك شرع الله الوسائل لحفظ دينه (٢)، وحثت عليها الشريعة
стр. 1743
ورغبت فيها، ووعد الله من صبر وتمسك بدينه، مع شدة الفتن والابتلاء بأن آتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، فجمعوا بين خيري الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨] (١)، فجعل الله أمامهم القدوة، وعلمهم كيف يثبتون في الابتلاء والمحن بالدعاء والاستغفار، وختم الآيات بالجزاء، وهو ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، وأعظمه رضا الله ومحبته.
• كيفية حفظ الدين:
حفظ الدين يكون من جانب الوجود ومن جانب العدم، ويكون حفظه على مستوى الأفراد، ولعموم الأمة، فحفظ الدين بالنسبة لعموم الأمة، أي دفع كل ما شأنه أن ينقض أصول الدين القطعية، ويدخل في ذلك حماية البيضة، والذب عن الحوزة الإسلامية بإبقاء وسائل تلقي الدين من الأمة حاضرها وآتيها (٢).
стр. 1744
• حفظ الدين من جانب الوجود:
وذلك يكون بالمحافظة على ما يقيم أركانه ويثبت قواعده، والمحافظة على ما به قيامه وثباته ومن ذلك: العمل به، والحكم به، والدعوة إليه، والجهاد من أجله (١).
إن أي مبدأ من المبادئ مهما سمت معانيه وقويت حججه وبراهينه، وحسنت صياغة نصوصه لا يكون له أثره الفعال ما دام غير مطبق عملًا في واقع الحياة، وإن النصوص التي تضمنته لتنسى ولو حفظت، وإن معانيه لتضيع مهما فهمت (٢)، فأعظم ما ينفع الناس مسلمين وكافرين، العمل بالإسلام وإقامته كمنهج حياة، فيحفظ الدين من جانب الوجود فلا يكون عملًا إلا به، ولا حكمًا إلا له، ولا تكون دعوة إلا به وإليه، ولا جهادًا إلا من أجله.
стр. 1745
• حفظ الدين من جانب العدم:
وذلك بدرء الفساد الواقع أو المتوقع عليه، ويكون أيضًا برد كل ما يخالفه من أقوال، وأفعال، واعتقاد، وما يطرأ عليه من أمور تفسده وتذهب به، فترك الأقوال الفاسدة والمذاهب المنحرفة والمعتقدات الباطلة التي تتسرب إلى عقول المسلمين؛ لأن فيها ضياعًا للدين، وهذه مهمة الأمة جميعًا، جماعات وفرادى، علماء وعوام، حكامًا ومحكومين، وقد قيد الله في كل عصر ومصر من يذب عن شرعه ودينه.
قال أبو العباس ﵀: فالمرصدون للعلم عليهم للأمة حفظ علم الدين وتبليغه؛ فإذا لم يبلغوهم علم الدين أو ضيعوا حفظه؛ كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩]، فإن ضرر كتمانهم تعدى إلى البهائم وغيرها فلعنهم اللاعنون حتى البهائم، كما أن معلم الخير يصلي عليه الله، وملائكته، ويستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في جوف البحر، والطير في جو السماء (١).
وجعل الله من وسائل حفظ هذا الدين أن اختار من خلقه حرَّاسًا
стр. 1746
لهذا الدين، وعلماء أفذاذًا قاموا بحفظ حماه وحرسوا مداخله، فلم يدخله التحريف والتغيير، فكانوا للمفسدين والمحرفين بالمرصاد.
ومما ذكره العلماء ﵏ من أولى أوليات الحاكم المقدمة هي حفظ الدين.
وهذا ما فهمه الصديق والصحابة ﵃ بعد موت رسول الله ﷺ ، فقام مقام النبي ﷺ الصدِّيقُ ﵁ وأرضاه- في إقامة الحق، وحفظ الدين، وصيانة أهله، فقاتل من ارتد من العرب موفقًا رشيدًا، وانتظم به ما كان منتشرًا بعد قبض نبيه ﷺ .
قال الماوردي: والذي يلزمه -أي الحاكم- من الأمور العامة عشرة أشياء:
أحدها: حفظ الدين على أصوله المستقرة، وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدعٌ أو زاغ ذو شبهةٍ عنه أوضح له الحجة، وبين له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود؛ ليكون الدين محروسًا من خللٍ، والأمة ممنوعةً من زللٍ (١).
ومن أجل حفظ الدين هذه الغاية الكبرى قال ﷺ «إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان، فإذا أبصرأحدكم امرأة فليأت
стр. 1747
أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه» (١).
وقال «إذا الرجل دعا زوجته لحاجته فلتأته، وإن كانت على التنور» (٢).
كل ذلك من أجل حفظ الدين، لئلا يغلب على الإنسان داعي الشيطان والهوى.
• ثانيًا: حفظ النفس:
والمقصود بحفظ النفس حفظ الأرواح من التلف أفرادًا وعمومًا (٣)، والمقصود بالأنفس التي عنيت الشريعة بحفظها هي الأنفس المحترمة في نظر الشريعة، وهي المعصومة بالإسلام أو الجزية أو الأمان، فقتل النفس المعصومة مستقبح في الشريعة الربانية، وقد شرع الإسلام عدة وسائل للمحافظة على النفس منها:
١ - حرم الله قتل النفس المعصومة، وتوعد القاتل بأشد الوعيد الذي لا تكاد تجد مثله في القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ
стр. 1748
وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ [النساء: ٩٣]. وفي الحديث: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة» (١).
بل واعتبرت الشريعة قتل نفسٍ واحدةٍ بمثابة قتل الناس جميعًا، قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
وقال أبو هريرة: دخلت على عثمان يوم الدار، فقلت: جئت لأنصرك وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين. فقال: يا أبا هريرة، أيسرك أن تقتل الناس جميعًا وإياي معهم؟ قلت: لا. قال فإنك إن قتلت رجلًا واحدًا فكأنما قتلت الناس جميعًا، فانصرف مأذونًا لك، مأجورًا غير مأزور. قال: فانصرفت ولم أقاتل (٢).
وحتى لو كانت هذه النفس نفسك فليس لك أن تفرط فيها، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩].
عن عمرو بن العاص ﵁، أنه قال لما بعثه النبي ﷺ عام ذات السلاسل: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن
стр. 1749
أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمت على رسول الله صلى عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب!»، قلت: يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا (١).
٢ - أوجبت الشريعة القصاص في القتل العمد، والدية والكفارة في القتل خطأً، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢]
٣ - أمر الله تعالى بتوفير المأكل والمشرب والمسكن لحفظ النفس
стр. 1750
وصيانتها من الهلاك والتلف، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]، وأحل له ما حرمه عليه إذا كان ذلك سيحفظ عليه حياته كأكل الميتة وشرب الخمر، قال جل شأنه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣].
٤ - أجازت الشريعة للمضطر أن يقول كلمة الكفر إذا كان ذلك سيدفع عنه ويحفظ عليه نفسه، شريطة أن يكون قلبه مطمئنًّا بالإيمان، قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
٥ - تشريع الرخص ورفع الحرج والمشقة التي تلحق بالنفس وتسبب لها ضررًا، كرخصة الفطر في رمضان بسبب المرض والسفر والكبر الذي لا تقوى معه النفس على الصيام، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٦ - الزواج من أجل التناسل والتكاثر وإيجاد النفوس، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
٧ - إعلان الجهاد حفظًا للنفوس وحماية للمستضعفين، قال تعالى:
стр. 1751
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٧٥].
٨ - أوجب الشرع على المسلم إنقاذ من يتعرض للقتل ظلمًا، أو يتعرض لخطر إن استطاع أن ينقذه، قال رب العزة سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، وقال رسول الله ﷺ : «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: «تأخذ فوق يديه» (١).
٩ - أذن لمن يُعتَدى عليه أن يدفع عن نفسه وإن مات على ذلك فهو شهيد، قال ﷺ «ومن قُتِل دون دمه فهو شهيد» (٢).
وغير ذلك من الأمور التي شرعها الله حفاظًا على النفس، كالنهي عن التقاء المسلمين بسيفيهما، والنهي عن الإشارة لأخيه بالحديدة، وغيرها.
стр. 1752
• ثالثًا: حفظ العقل:
العقل هو مناط التكليف، وبه كرم الله الإنسان وفضله على سائر المخلوقات، وتهيأ للقيام بالخلافة في الأرض وحمل الأمانة، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
والعقل الإسلامي الذي بناه الوحي هو عقلٌ غائي تعليلي تحليلي برهاني استقرائي استنتاجي قائسٌ مقاصدي، يدرك أن الله لم يخلقنا عبثًا، وأنه ما من شيء في الوجود من المخلوقات، فضلًا عن أحكام الشريعة وتنظيم الحياة؛ إلا وله علةٌ وسبب، ولقد كان الإنسان أو العقل الإنساني في الأمم السابقة محلًّا للصراع والتمزق بين الوحي والعقل، وبين المعجزة (١) والسبب (٢)، حتى جاءت الرسالة المحمدية فبينت دور العقل، وموضعه الصحيح ومكانته التي لا ينبغي أن يزاد عليها أو ينقص.
ولعل من الأمور الملفتة عند الحديث عن الشريعة والعقل، هي أن المعجزة الإسلامية «القرآن الكريم» تميزت عن سائر المعجزات
стр. 1753
السماوية السابقة بأنها معجزة عقلية، تخاطب العقل وتشحذ همته، وتقوده للاجتهاد والتفكير والإيمان؛ فمن أهم ما يميز الشريعة المحمدية أنها أعطت العقل مساحة للتفكر والتدبر، وجاءت بما يحفظ عقول الناس وأفهامهم، ومن أمثلة ذلك:
١ - أمرت الشريعة بإعماله في آيات الله المسطورة والمنظورة، ورتبت الأجر على ذلك، بغض النظر عن الإصابة، فالمهم أن نبدأ بإعمال العقل وفق الضوابط والأصول الشرعية، ذلك أن الله لم يثب على الخطأ في شيء، وإنما غاية فضله التجاوز عنه: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١)، إلا في حالة إعمال الفكر والاجتهاد فلم يتجاوز عن الخطأ فحسب، وإنما أثاب عليه، فلله الحمد على آلائه.
٢ - تحريم كل ما من شأنه أن يضر العقل أو يعطله، كالمسكرات والخمر وغيرها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠].
стр. 1754
٣ - أمر الله بالتدبر والتفكر واتباع البرهان، ونبذ التقليد غير القائم على الحجة، كما في قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٤]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وقوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١].
٤ - كما دعت الشريعة إلى تنمية العقل ماديًّا ومعنويًّا:
ماديًّا بالغذاء الجيد الذي يقوي الجسم، وينشط الذهن، ومن هنا كره للقاضي أن يقضي وهو جائع أو غضبان أو مشوش العقل ومشغول البال، وقدم الطعام على الصلاة إذا حضرا معًا.
أما معنويًّا فبالتأكيد على طلب العلم من طرقه وسبله المرضية، والحث عليه والترغيب فيه، وبجعل حد أدنى منه واجبًا على كل مسلم ومسلمة، فلم يأمر الله في كتابه بالاستزادة من شيء من الدنيا إلا من العلم، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].
٥ - رفع مكانة العقل، وتكريم أولي العقول، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، ولم تساو الشريعة بين من أعمل عقله وحاز العلم، وبين من فقده، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو
стр. 1755
الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]، وفي الحديث: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١): أي ذوو الألباب والعقول.
٦ - منع العقل من الخوض في الغيبيات دون علم يأتيه من الوحي، إذ كيف يدرك العقل ما يفوق مداركه، وهذا من لطف الله بالعباد، إذ لو فتح هذا الباب لضلت فيه العقول والأفهام، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، وبين سبحانه أنه سبيل الشيطان، فقال: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٩].
٧ - كما فتح له باب الاجتهاد في الأحكام، والنظر فيما لا نص فيه، وفي المستجدات والحوادث، ودعا للقياس وإلحاق النظائر ببعضها والمسألة بشبيهاتها، وكل ذلك وغيره يدل على قيمة ومكانة العقل في الإسلام.
٨ - جعل دية العقل دية كاملة، وكأن من جنى على عقل الإنسان فكأنما جنى على بدنه كله وقتله، ونقل ابن المنذر الإجماع على