﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٧٥].
٨ - أوجب الشرع على المسلم إنقاذ من يتعرض للقتل ظلمًا، أو يتعرض لخطر إن استطاع أن ينقذه، قال رب العزة سبحانه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، وقال رسول الله ﷺ : «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا»، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: «تأخذ فوق يديه» (١).
٩ - أذن لمن يُعتَدى عليه أن يدفع عن نفسه وإن مات على ذلك فهو شهيد، قال ﷺ «ومن قُتِل دون دمه فهو شهيد» (٢).
وغير ذلك من الأمور التي شرعها الله حفاظًا على النفس، كالنهي عن التقاء المسلمين بسيفيهما، والنهي عن الإشارة لأخيه بالحديدة، وغيرها.
стр. 1752
• ثالثًا: حفظ العقل:
العقل هو مناط التكليف، وبه كرم الله الإنسان وفضله على سائر المخلوقات، وتهيأ للقيام بالخلافة في الأرض وحمل الأمانة، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
والعقل الإسلامي الذي بناه الوحي هو عقلٌ غائي تعليلي تحليلي برهاني استقرائي استنتاجي قائسٌ مقاصدي، يدرك أن الله لم يخلقنا عبثًا، وأنه ما من شيء في الوجود من المخلوقات، فضلًا عن أحكام الشريعة وتنظيم الحياة؛ إلا وله علةٌ وسبب، ولقد كان الإنسان أو العقل الإنساني في الأمم السابقة محلًّا للصراع والتمزق بين الوحي والعقل، وبين المعجزة (١) والسبب (٢)، حتى جاءت الرسالة المحمدية فبينت دور العقل، وموضعه الصحيح ومكانته التي لا ينبغي أن يزاد عليها أو ينقص.
ولعل من الأمور الملفتة عند الحديث عن الشريعة والعقل، هي أن المعجزة الإسلامية «القرآن الكريم» تميزت عن سائر المعجزات
стр. 1753
السماوية السابقة بأنها معجزة عقلية، تخاطب العقل وتشحذ همته، وتقوده للاجتهاد والتفكير والإيمان؛ فمن أهم ما يميز الشريعة المحمدية أنها أعطت العقل مساحة للتفكر والتدبر، وجاءت بما يحفظ عقول الناس وأفهامهم، ومن أمثلة ذلك:
١ - أمرت الشريعة بإعماله في آيات الله المسطورة والمنظورة، ورتبت الأجر على ذلك، بغض النظر عن الإصابة، فالمهم أن نبدأ بإعمال العقل وفق الضوابط والأصول الشرعية، ذلك أن الله لم يثب على الخطأ في شيء، وإنما غاية فضله التجاوز عنه: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (١)، إلا في حالة إعمال الفكر والاجتهاد فلم يتجاوز عن الخطأ فحسب، وإنما أثاب عليه، فلله الحمد على آلائه.
٢ - تحريم كل ما من شأنه أن يضر العقل أو يعطله، كالمسكرات والخمر وغيرها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠].
стр. 1754
٣ - أمر الله بالتدبر والتفكر واتباع البرهان، ونبذ التقليد غير القائم على الحجة، كما في قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٢٤]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وقوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١].
٤ - كما دعت الشريعة إلى تنمية العقل ماديًّا ومعنويًّا:
ماديًّا بالغذاء الجيد الذي يقوي الجسم، وينشط الذهن، ومن هنا كره للقاضي أن يقضي وهو جائع أو غضبان أو مشوش العقل ومشغول البال، وقدم الطعام على الصلاة إذا حضرا معًا.
أما معنويًّا فبالتأكيد على طلب العلم من طرقه وسبله المرضية، والحث عليه والترغيب فيه، وبجعل حد أدنى منه واجبًا على كل مسلم ومسلمة، فلم يأمر الله في كتابه بالاستزادة من شيء من الدنيا إلا من العلم، قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].
٥ - رفع مكانة العقل، وتكريم أولي العقول، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، ولم تساو الشريعة بين من أعمل عقله وحاز العلم، وبين من فقده، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو
стр. 1755
الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]، وفي الحديث: «ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١): أي ذوو الألباب والعقول.
٦ - منع العقل من الخوض في الغيبيات دون علم يأتيه من الوحي، إذ كيف يدرك العقل ما يفوق مداركه، وهذا من لطف الله بالعباد، إذ لو فتح هذا الباب لضلت فيه العقول والأفهام، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، وبين سبحانه أنه سبيل الشيطان، فقال: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٩].
٧ - كما فتح له باب الاجتهاد في الأحكام، والنظر فيما لا نص فيه، وفي المستجدات والحوادث، ودعا للقياس وإلحاق النظائر ببعضها والمسألة بشبيهاتها، وكل ذلك وغيره يدل على قيمة ومكانة العقل في الإسلام.
٨ - جعل دية العقل دية كاملة، وكأن من جنى على عقل الإنسان فكأنما جنى على بدنه كله وقتله، ونقل ابن المنذر الإجماع على
стр. 1756
ذلك (١)، وغير ذلك من التشريعات المبينة لمكانة العقل وأهميته.
• رابعًا: حفظ النسل:
حفظ النسل يأتي بمعنيين:
الأول: حفظ النوع الإنساني على الأرض بواسطة التناسل (٢)، فبهذا المعنى يعد من كليات الشريعة وضرورياتها؛ لأنه يعادل حفظ النفوس، كما قال الطاهر بن عاشور ﵀.
الثاني: حفظ انتساب النسل إلى أصله، فقد يقال: إن عده من الضروريات غير واضح، إذ ليس بالأمة من ضرورة إلى معرفة أن زيدًا هو ابن عمرو، وإنما ضرورتها في وجود أفراد النوع وانتظام أمرهم (٣).
وقد يجاب: بأنه بمعرفة انتساب النسل إلى أصله تحفظ الأعراض، وتصان عن الاتهام.
стр. 1757
ومن أجل تحقيق مقصد حفظ النسل والعرض شرع الإسلام المبادئ والتشريعات التالية:
١ - الزواج: فقد شرع الإسلام الزواج ورغب فيه، ودعا إليه، ورتب عليه الأجر والثواب، فقال ﷺ : «وفي بضع أحدكم صدقة» (١).
٢ - تحريم الاعتداء على الأعراض، ولذا حرم الله الزنا، وجعل حده من أشد الحدود، وجرم القذف، وحد له عقوبة رادعة، قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ [النور: ٤]، وقال ﷺ : «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائةٍ ونفي سنةٍ، والثيب بالثيب جلد مائةٍ، والرجم» (٢).
٣ - جعل الموت دفاعًا عن العِرض والأهل شهادة، فقال ﷺ : «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد» (٣).
стр. 1758
٤ - حرم الوسائل والمقدمات التي تقع من شأنها ضياع هذا المقصد العظيم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء: ٣٢]، والنهي عن قربانه أبلغ من النهي عن مجرد فعله؛ لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، خصوصًا هذا الأمر الذي في كثير من النفوس أقوى داع إليه.
ووصف الله الزنا وقبحه بأنه ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾ [النساء: ٢٢]: أي إنما يستفحش في الشرع والعقل والفطر؛ لتضمنه التجري على الحرمة في حق الله، وحق المرأة، وحق أهلها أو زوجها، وإفساد الفراش، واختلاط الأنساب، وغير ذلك من المفاسد (١).
ومن أجل هذا المقصد العظيم حفظ العرض؛ حرم الله النظر، وأمر بغض البصر للرجال والنساء سواء، وحرم اللمس والمصافحة، وحرم الغناء الذي هو بريد الزنا، وأمر بتيسير الزواج وعدم تعسيره، وأمر النساء أن يقرن في بيوتهن، وأمر بالحجاب وعدم إبداء الزينة لغير المحارم، وترك التعطر والضرب بالأرجل، وحرم الخلوة بالأجنبية، ونهى عن سفر المرأة بغير محرم، وجعل للبيوت حرمة عظيمة فلا
стр. 1759
يجوز دخولها ولا النظر فيها بغير إذن، وغير ذلك.
• خامسًا: حفظ المال:
كما هو شأن الإسلام دائمًا مع النزعات الفطرية للإنسان يبيح إشباعها، ويلبي مطالبها مع التهذيب والترشيد؛ لتتحقق مصالح العباد، كان هذا شأنه مع تملك المال وحبه، فأباح الملكية الفردية وشرع في ذات الوقت من النظم والتدابير ما يتدارك الآثار الضارة التي قد تنجم عن طغيان هذه النزعة، من فقدان للتوازن الاجتماعي، فالمال به قوام الحياة، ويستحيل أن يهمل الشرع الحكيم جانبًا مهمًّا من جوانب الحياة، والذي لا تستقيم الحياة بدونه، فالمال شقيق الروح من حيث إنه سبب قوامها وبه صلاحها؛ ولذلك جمع الله بينهما في وصية واحدة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠].
ومن ثم اعتبر الإسلام المال ضرورة من ضروريات الحياة الإنسانية، وشرع من التشريعات والتوجيهات ما يشجع على اكتسابه وتحصيله، ويكفل صيانته وحفظه وتنميته، ومن ذلك:
١ - الحث على السعي لكسب الرزق وتحصيل المعاش، فقد حث
стр. 1760
الإسلام على كسب الأموال باعتبارها قوام الحياة الإنسانية، واعتبر السعي لكسب المال -إذا توفرت النية الصالحة وكان من الطرق المباحة- ضربًا من ضروب العبادة، وطريقًا للتقرب إلى الله، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
٢ - رفع منزلة العمل وأعلى من قدر العمال، قال رسول الله ﷺ : «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» (١).
٣ - أوجب الوفاء بحقوق العمال المادية والمعنوية، يقول ﷺ : فيما يرويه عن ربه «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعط أجره» (٢).
٤ - أباح وأقر الإسلام أنواعًا من العقود، كالبيع والإجارة والرهن والشركة وغيرها، وحرم اكتساب المال بالوسائل غير المشروعة والتي تضر بالآخرين، ومنها الربا؛ لما له من آثار تخل بالتوازن الاجتماعي،
стр. 1761
قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، ومنع الشرع إنفاق المال في الوجوه غير المشروعة، ونهى عن تبذيره وإسرافه، وحث على إنفاقه في سبل الخير، قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٢٧].
وكل ذلك مبني على قاعدة من أهم قواعد النظام الاقتصادي الإسلامي وهي: أن المال مال الله، وأن العبد مستخلف فيه. قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]، وقال: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]،
ومن هنا توعد الله الممسكين المكنزين للذهب والفضة المانعين فضل ما لم تعمل يداهم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤].
٦ - كما حرم الاعتداء على مال الغير بالسرقة أو السطو أو التحايل، وشرع العقوبة الرادعة على ذلك، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، وقال
стр. 1762
ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (١)، وأوجب الضمان على من أتلف مال غيره.
٧ - سن التشريعات الكفيلة بحفظ أموال القصر، والذين لا يحسنون التصرف في أموالهم، من يتامى وصغار حتى يبلغوا سن الرشد، ومن هنا شرع تنصيب الوصي عليه، قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا﴾ [النساء: ٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، ومن ذلك الحجر على البالغ إذا كان سيئ التصرف في ماله، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥)﴾ [النساء: ٥].
٩ - إقامة المعاملات المالية على الرضا والعدل، فالعقود لا تمضي على المتعاقدين إلا إذا كانت عن تراض وعدل، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
وبهذه التشريعات، وغيرها الكثير حفظ الإسلام المال، وصانه عن الفساد والتلف، والحمد لله على شرعه وحكمه.
стр. 1763
• الحاجيات:
مرتبة الحاجيات يقع فيها أكثر الإشكالات، فعليها مدار تحديد الضروريات والتحسينيات، فما فوقها هو الضروريات، وما دونها هو التحسينيات؛ فإذا تحدد معنى الحاجة فما فوقها هو الضروري، وما دونها هو التحسيني؛ ولذا فهي معترك علمي فقهي سياسي.
والحاجيات: هي التي يحتاج الناس إليها احتياجًا لا يبلغ إلى حد الضرورة، ولكن فقدهم لها ينشأ عنه ضيق وحرج ونكد، ومن شأن الاستمرار في فقدها واختلالها إلحاق الضرر بالضروريات (١).
وعرفها الطاهر بن عاشور فقال: هو ما تحتاج الأمة إليه لاقتناء مصالحها، وانتظام أمورها على وجه حسن، بحيث لولا مراعاته لما فسد النظام، ولكنه كان على حالة غير منتظمة؛ فلذلك كان لا يبلغ مبلغ الضروري (٢).
الأدلة عليها:
قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، وقال جل شأنه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:
стр. 1764
١٨٥].
ويمثل لها الأصوليون بالبيوع والإجارات (١)، والسلم (٢)، والقراض (٣)، والمساقاة (٤).
ومثالها في حفظ الدين: ضبط تفاصيل العبادات التي لو غابت تحدث بلبلة وغموضًا، وتفتح باب التكاسل لدى المكلفين.
ووضع الرخص في أوقات الضيق والحرج، والتي تخفف عن المكلف، وترفع عنه المشقة، ولولاها لعمد الناس إلى ترك كثير من العبادات والتكاليف حال الحرج كالفطر للمريض وللمسافر، والتيمم عند تعذر الماء، والجلوس في الصلاة لمن لا يقوى على القيام.
ومثالها في حفظ النفس: مشروعية التوسع في الاستمتاع بالطيبات من الطعام والشراب والملبس، فهذا ليس ضروريًّا لبقائها، ولكن قد يسبب غيابه حرجًا ومشقة، قال العز بن عبد السلام: فالضرورات: كالمآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح والمراكب
стр. 1765
الجوالب للأقوات وغيرها مما تمس إليه الضرورات (١).
ومثالها في حفظ النسل: إقامة العلاقات الزوجية والأسرية على أسس متينة ومحكمة، ونظام كامل، فاختلال هذه الأحكام لا يفضي مباشرة إلى تعطيل النسل، لكنه يؤدي لإلحاق الضرر بحفظ الكيان وهو الأسرة.
ومثالها في حفظ العقل: تزويده بالعلم، وصقله بالفكر والنظر والتدبر، وإخراجه من الجهل والغفلة المؤدية بعد حين إلى إلحاق ضرر بالضروريات.
فالحاجيات مكملة للضروريات بدفع ما يمسها ويؤثر فيها، ولو من بعد.
قال الشاطبي: فالأمور الحاجية إنما هي حائمةٌ حول هذا الحمى؛ إذ هي تتردد على الضروريات (٢).
قاعدة: الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة (٣).
هذه القاعدة قد قررها الجويني ﵀ وتابعه الناس على ذلك،
стр. 1766
وهذه القاعدة يتم الاستدلال بها كثيرًا في النوازل العامة.
وقد يتجاوز البعض ويقول: الحاجة تنزل منزلة الضرورة الخاصة. وهي ليست بهذا الإطلاق، فالذي ينزل منزلة الضرورة الخاصة هي الحاجة العامة.
ثمرة القاعدة:
الضرورة في حق الفرد تُجَوِّز كثيرًا من المحرمات، وتقتضي عددًا من التسهيلات والتخفيف، والضرورة تقدر بقدرها، وتستدعى وجود حكم لها، وكذلك الحاجة العامة؛ فإذا كانت هناك حاجة عامة للناس، فإنها كذلك تفتح العديد من الأبواب المغلقة، فالأمر إذا ضاق اتسع، فمثلًا: بيع السلم. لو طبقنا عليه القواعد العامة؛ لقلنا بعدم الجواز، فمن القواعد العامة في البيع أن يكون المبيع موجودًا، وهذا لا ينطبق على بيع السلم؛ لأنه بيعٌ لمعدوم (١)، والنبي ﵊ قال لحكيم بن حزام: «لا تبع ما ليس عندك» (٢)، لكن حاجة الناس دعت إليه فجوزه الشرع، عن ابن عباسٍ ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون
стр. 1767
بالتمر السنتين والثلاث، فقال: «من أسلف في شيءٍ، ففي كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ» (١)، وبعض الفقهاء يعللون جوازه بحاجة الناس إليه.
• التحسينيات:
هي ما كان بها كمال حال الأمة في نظامها، حتى تعيش مطمئنة، مرغوبًا في الاندماج فيها والتقرب منها (٢)، وهي المتممات للأشياء (٣).
ويدخل في التحسينات: كل مصلحة ومنفعة لا تصل إلى حد الضرورة أو الحاجة، ولكن فيها نوع إفادة للناس (٤).
ويمكن القول بأن التحسينات هي: الأخذ بمحاسن العادات، ومكارم الأخلاق، والتي تقع موقع التحسين، والتزيين، والتيسير، وتجنب الأحوال المدنسات.
فالعبد ليس مضطرًا للتحسينات، ولا محتاجًا إليها حاجة كبيرة، ولا تختل حياته بفقدها، ولا يقع في مشقة وحرج بتركها، ولكنها أمور مكملة كما نسميه الآن من المكملات.
стр. 1768
ويمثل العلماء لها بنوافل العبادات، وآداب المعاملات، ومحاسن العادات والفطرة، وآداب الأكل والشرب من التسمية، والأكل باليمين ونحوهما، والنهى عن القزع، والنهي عن بيع الرجل على بيع أخيه، وخطبته على خطبة أخيه، والأمر بالطهارة وترك النجاسات، والختان، والاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، ومظاهر الجمال والتزيين عمومًا من غير إسراف، فكل هذا يدخل في المصالح التحسينية التي اعتبرها الشرع، فالمحافظة عليها يزيد الإنسان ويضفي على الحياة كمالًا وجمالًا وسموًّا، ولا شك أن هذا مما قصدت إليه الشريعة، ولعلك لو تأملت قوله ﷺ : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» (١) لفهمت المقصود.
تنبيه مهم:
يظهر مما سبق أنه ليس المراد بالتحسينات المستحبات فقط، بل قد تكون مستحبات وقد تكون واجبات، فمنها: تشريع الولي في النكاح، فإنه من تحسينات الزواج، إذ يقبح أن تتولى المرأة زواجها بنفسها،
стр. 1769
والولي من واجبات النكاح وشروطه؛ لقوله ﷺ : «لا نكاح إلا بوليٍّ» (١)، ومنها قص الشارب، وهو من المستحبات ومن التحسينات، ومنها إزالة النجاسة وهي شرط للصلاة وهي من التحسينيات، ومن هنا تعلم أن الشرع الحنيف ما ترك مصلحة إلا ودلنا على الاهتمام بها وحفظها، سواء كانت من الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات، وما ترك مضرة أو مفسدة إلا وحذرنا منها ونهانا عنها.
فالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا.
• العلاقة بين الأنواع الثلاثة:
التحسينيات مكملة للحاجيات، والحاجيات مكملة للضروريات، فكل درجة أقل تعتبر مكملة لما فوقها؛ فالمصالح التحسينية خادمة للمصالح الحاجية، والضرورية، والمصالح الحاجية خادمة للمصالح الضرورية.
قال الشاطبي: إن كل حاجيٍّ وتحسينيٍّ إنما هو خادمٌ للأصل الضروري، ومؤنسٌ به، ومحسنٌ لصورته الخاصة، إما مقدمةً له، أو
стр. 1770
مقارنًا، أو تابعًا، وعلى كلِّ تقديرٍ، فهو يدور بالخدمة حواليه، فهو أحرى أن يتأدى به الضروري على أحسن حالاته (١).
الضرورة والحاجة يتفقان في أن الناس في حاجةٍ إليهما، وأن كلًّا منها يحتاج إلى حكم يعالجه، ويفترقان في أن الحاجة تتسم باستمراريتها، والضرورة غالبًا تكون مؤقتة طارئة (٢).
стр. 1771
المبحث الرابع:
حاجة الناس إلى معرفة مقاصد الشريعة،
وسوء استخدام بعض الناس لها:
لافتة: إذا كانت المقاصد أرواح الأعمال (١) كما يقول الشاطبي ﵀، فإن العجب كل العجب أن يعيش الناس بلا مقاصد، أي بلا أرواح، فالفقه بلا مقاصد فقه بلا روح، والفقيه بلا مقاصد فقيه بلا روح، إن لم نقل: إنه ليس بفقيه، والمتدين بلا مقاصد متدين بلا روح، والدعاة إلى الإسلام بلا مقاصد هم أصحاب دعوة بلا روح (٢).
فعلم المقاصد تعم فائدته المسلمين أفرادًا وجماعات على اختلاف مراتبهم وتفاوتهم، فيستفيد منه عوام المسلمين، وطالب العلم، والمجتهد، والفقيه، والمتدين، والداعية إلى الله، فعلم المقاصد وبيانه فيه نفع عام للعباد جميعًا، ومن ذلك: حاجة المكلفين عمومًا إلى المقاصد.
стр. 1772
لا ريب أن لله مرادًا وحِكَمًا وأسرارًا من أحكامه وتشريعه وخلقه، فهل يجدر بالعبد الذي خلق للعبودية أن يجهل مراد الله في أحكامه وخلقه؟ وكيف يرضي ربه، وهو لا يعرف مراده وغايته؟ فما من مكلف إلا وهو بحاجة لمعرفة مقاصد الشريعة، فبها تقوم الدنيا والدين، وإليك بيان بعض ذلك، وبعض ثمرات وفوائد المقاصد التي تعم كل المكلفين:
١ - حصول الطمأنينة الكاملة بصلاحية وملاءمة أحكام الشرع لكل زمان ومكان (١)، وهذا أمرٌ تشتد الحاجة إليه في هذا الزمان، مع كثرة المضلين والداعين لتنحية الشريعة، وحبسها في دور العبادة.
قال الطاهر بن عاشور ﵀: أما في النحو الرابع (٢) فاحتياجه فيه (٣) ظاهر، وهو الكفيل بدوام أحكام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع، والتي تأتي إلى انقضاء الدنيا، وفي هذا النحو أثبت مالك ﵀ حجية المصالح المرسلة، وفيه أيضًا قال الأئمة بمراعاة كليات الشريعة الضرورية، وألحقوا بها الحاجية
стр. 1773
والتحسينية (١).
فباب الاجتهاد المقاصدي يبقى مطلوبًا ومهمًّا ومفتوحًا طالما كانت حركة المجتمعات في تطور ونمو وامتداد، وتغير وتبدل في المصالح وطبيعة المشكلات، فالاجتهاد المقاصدي دليل خلود هذا الدين (٢).
٢ - بيان محاسن الشريعة وكيف أنها راعت مصالح العباد في الدنيا والدين، بل الشريعة كلها مبناها على جلب المصالح للناس، ودرء المفاسد عنهم، فالحاجة ملحة إلى بيان محاسن الشريعة، وما رمت إليه، وتسليط الضوء على المقاصد الخمس الكبرى مثلًا، «وهي غاية ما يتمناه الإنسان»، وتعليل أحكامها وبيانها للناس، وكذلك مسألة التعدد والميراث مثلًا، فكثيرًا ما تتهم الشريعة بظلمها للمرأة، فلو بينا مقصود الشارع ومراده وحكمته من التعدد والميراث ونحوها مع بيان أمره التشريعي؛ لكان ذلك أوقع في قلوب الناس.
قال ابن القيم ﵀: ثم جاءت الشريعة الكاملة الفاضلة المحمدية، التي هي أكمل شريعة نزلت من السماء على الإطلاق، وأجلها وأفضلها، وأعلاها، وأقومها بمصالح العباد في المعاش
стр. 1774
والمعاد، بأحسن من ذلك كله، وأكمله، وأوفقه للعقل والمصلحة (١).
وقال في موضع آخر: إن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدلٌ كلها، ورحمةٌ كلها، ومصالح كلها، وحكمةٌ كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل؛ فهي قرة العيون، وحياة القلوب، ولذة الأرواح، فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة، وكل خيرٍ في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسومٌ قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها؛ فالشريعة التي
стр. 1775
بعث الله بها رسوله هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة (١).
فمثلًا: دعوة الإسلام للعتق وفك الرقاب: الإسلام الدين الذي كرم الله به البشرية جاء متشوفًا لفك الرقاب والعتق، وقد عد ذلك من قبيل المقاصد الشرعية التي تواردت على تثبيتها نصوصٌ، وأحكامٌ، ومعانٍ شرعيةٌ كثيرةٌ، ومن ذلك:
تشريع الأحكام الواردة في العتق، وتكثير طرق التحرير، والحث عليه، والترغيب فيه، وترتيب الأجر العظيم، والنجاة من النار على ذلك، فقد ثبت أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار، فقد حصل بعتق رقبة واحدة تكفير جميع الخطايا، وجعل بعض مصارف الزكاة في شراء العبيد، وعتقهم وتحريرهم، وجعل العتق من الوجوه المقدمة للكفارات الواجبة في قتل الخطأ، والجماع في نهار رمضان، والظهار، وحنث الأيمان، وأمره جل وعلا بمكاتبة العبيد إن طلبوا المكاتبة.
وإليك بعض النصوص من الكتاب: قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]،
стр. 1776
وقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣]، وقال تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾ [البلد: ١١ - ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣].
ومن السنة: قوله ﷺ للجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء. فأقرها وقال لسيدها: «اعتقها فإنها مؤمنةٌ» (١).
وعن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: «من أعتق رقبةً، أعتق الله بكل عضوٍ منها عضوًا من أعضائه من النار، حتى فرجه بفرجه» (٢).
وأيضًا في تشريع القصاص، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]. قال ابن القيم ﵀: في ضمن هذا الخطاب ما هو كالجواب لسؤال مقدر: إن في إعدام هذه
стр. 1777
البنية الشريفة، وإيلام هذه النفس وإعدامها في عدم مقابلة إعدام المقتول؛ تكثير لمفسدة القتل، فلأية حكمة صدر هذا ممن وسعت رحمته كل شيء، وبهرت حكمته العقول؟ فتضمن الخطاب جواب ذلك بقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
وذلك لأن القاتل إذا توهم أنه يُقتَل قصاصًا بمن قتله؛ كف عن القتل وارتدع، وآثر حب حياته ونفسه، فكان فيه حياة له ولمن أراد قتله.
ومن وجه آخر: وهو أنهم كانوا إذا قُتِل الرجل من عشيرتهم وقبيلتهم قَتَلوا به كل من وجدوه من عشيرة القاتل وحيِّه وقبيلته، وكان في ذلك من الفساد والهلاك ما يعم ضرره، وتشتد مؤنته، فشرع الله تعالى القصاص، وأن لا يقتل بالمقتول غير قاتله، ففي ذلك حياة عشيرته وحيِّه وأقاربه، ولم تكن الحياة في القصاص من حيث إنه قُتِل، بل من حيث كونه قصاصًا، يؤخذ القاتل وحده بالمقتول لا غيره، فتضمن القصاص الحياة في الوجهين.
• المصلحة الإيمانية والقلبية (المعنوية):
اعتبرت الشريعة المصالح القلبية والاهتمام بها وإقامتها، فالمصالح المادية تفرض نفسها على حياة الناس، ولا تحتاج إلى كثير كلام، فالناس يطلبون ما يقيم حياتهم من مصالح دنيوية من أكل وشرب ومركب، وما يحتاج لبيانٍ هي المصالح القلبية والإيمانية «المعنوية»
стр. 1778
من تزكية للنفس وترويضها، واكتساب حسن الأخلاق؛ فهذه المصالح قد يصيبها الضمور والإغفال ولذا وجب التنبيه عليها، فحينما ذكر الله تعالى الزكاة قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، لم يعللها بتعليل اقتصادي، أو التكافل الاجتماعي، وما إلى ذلك من فوائد الزكاة ومصالحها، ومقاصدها الصحيحة الموجودة فيها، لكنه عللها بالمصلحة الإيمانية والقلبية ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، فنبه الشارع الناس على المصلحة الأعلى والأهم، والتي قد يصيبها الإغفال والضمور.
ومثله أيضًا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
قال ابن عاشور ﵀: حكم الصيام حكم عظيم من الأحكام التي شرعها الله تعالى للأمة، وهو من العبادات الرامية إلى تزكية النفس ورياضتها، وفي ذلك صلاح حال الأفراد فردًا فردًا؛ إذ منها يتكون المجتمع، وقوله: لعلكم تتقون. بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع (١).
ومثل ذلك لما نهى الله تعالى عن الخمر، قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 1779
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]، فالفقهاء حين يعللون تحريم الخمر يقولون: من أجل الإسكار، وذهاب العقل، وأنها رجس. وهذا كله صحيح، لكن القرآن جلَّى أمرًا آخر أهم، وهو فساد ذات البين وضياع الأخلاق، والغفلة عن ذكر الله تعالى، وهذه كلها مفاسد إيمانية وقلبية وأخلاقية، وابن تيمية ﵀ ممن ركز على المصالح الإيمانية، وانتقد من قصر نظره على المقاصد الدنيوية المادية، فقال ﵀: وكثير من الناس يقصر نظره عن معرفة ما يحبه الله ورسوله من مصالح القلوب والنفوس ومفاسدها، وما ينفعها من حقائق الإيمان، وما يضرها من الغفلة والشهوة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٢٩ - ٣٠]، فتجد كثيرًا من هؤلاء في كثير من الأحكام لا يرى من المصالح والمفاسد إلا ما عاد لمصلحة المال والبدن (١).
ولأن المصلحة القلبية مقدمة على مصلحة البدن، قدم الفقهاء في
стр. 1780
كتبهم العبادات على المعاملات، وبهما تتم مصلحة القلب والبدن.
وقد جمع الله بين المصلحة الدنيوية والأخروية «الإيمانية» في تشريعه للقصاص، فقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]، فجمع الشارع بين حفظ المصلحة الدنيوية وهي حفظ الحياة، والمصلحة الإيمانية وهي تحصيل التقوى، بل إن الله تعالى لما أمر الناس جميعًا بعبادته وحده، ونبذ ما يعبد من دونه، جعل غاية ذلك تحصيل المصالح الإيمانية القلبية، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]، قال ابن عاشور ﵀: ولما كانت التقوى نتيجة العبادة جُعِل رجاؤها أثرًا للأمر بالعبادة؛ فإن التقوى هي الغاية من العبادة، فرجاء حصولها عند الأمر بالعبادة وعند عبادة العابد أو عند إرادة الخلق (١).
٣ - بيان أن الشريعة توافق العقل والفطرة ولا تخالفهما:
فلا تعارض بين النقل والعقل، فالعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، بل يشهد له ويؤيده؛ لأن الذي خلق العقل هو الذي أرسل إليه النقل، ويستحيل أن يرسل إليه ما يفسده، ولو وجد تعارض
стр. 1781
فلأمرين: إما أن النص لم يثبت، أو أن العقل لم يفهم المراد من النص. فلن نجد نصًا صحيحًا يخالف عقلًا صريحًا من كل الوجوه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: والمقصود أن ما جاء عن النبي ﷺ في هذا الباب وغيره كله حقٌّ يصدق بعضه بعضًا، وهو موافقٌ لفطرة الخلائق، وما جعل فيهم من العقول الصريحة والقصود الصحيحة لا يخالف العقل الصريح، ولا القصد الصحيح، ولا الفطرة المستقيمة، ولا النقل الصحيح الثابت عن رسول الله ﷺ ، وإنما يَظُنُّ تعارضها مَنْ صَدَّقَ بباطل من النقول، أو فهم منه ما لم يدل عليه (١).
٤ - ومن ثمرات وفوائد المقاصد ومعرفتها أيضًا: الفهم الصحيح والتطبيق السليم للإسلام، وللتكاليف، وللاستخلاف في الأرض، وإزالة بعض الإشكالات (٢)، فقد التبس على كثير من الناس مثلًا مفهوم الحضارة، وقد تأثر كثير من شباب المسلمين اليوم بالحضارة الغربية، وصاروا يطبقون كل ما يرونه ويسمعونه، حتى لو كان ذلك مناقضًا لدين الله ولسنة رسوله ﷺ (٣)، فالحضارة ليست هي الغاية التي خُلِق الإنسان من أجلها، إنما هي وسيلة للمقصود الأعلى والغاية الكبرى،
стр. 1782
وهي عبادة الله وحده لا شريك له.
٥ - دفع السآمة، وتنشيط العباد، والحث على الالتزام بأحكام الشريعة، وامتثال التكليف الشرعي على الوجه الأكمل، فالسائر إلى الله تعالى تتناوبه فترات وهنٍ وضعفٍ، وقد يكون عرضة للسآمة والضجر، وللتلكؤ والانقطاع، فيأتي بالأعمال على غير وجهها، ودون استحسانها وإتقانها، خاصة إذا كانت العبادة فيها مشقة بدنية أو نفسية؛ فمعرفة مقاصد الأعمال تدعو للصبر، والمواظبة، وتدفع التلكؤ والبطالة.
قال الطاهر بن عاشور ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٨ - ٩٩]: فأما كونها تعليلًا، فلزيادة الحث على الامتثال للأمر بأن الاستعاذة تمنع تسلط الشيطان على المستعيذ; لأن الله منعه من التسلط على الذين آمنوا المتوكلين، والاستعاذة منه شعبة من شعب التوكل على الله; لأن اللُّجْأَ إليه تَوَكُّلٌ عليه، وفي الإعلام بالعلة تنشيط للمأمور بالفعل على الامتثال إذ يصير عالمًا بالحكمة (١).
فالمقاصد تزيل الكَلَل، وتسدد العمل، وتسد الخلل، وفي الأمثال
стр. 1783
قالوا: من عرف ما قصد هان عليه ما طلب.
وفي غزوة حنين لما قسم النبي ﷺ الغنائم، وأكثر من العطاء لأهل مكة، والمؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار مثلهم استاء بعض الأنصار الكرام ﵃ وحين بين لهم النبي ﷺ مقصده في ذلك انشرحت صدورهم واطمأنوا، وذهب عنهم ما أصابهم (١).
ولقد كان من الممكن أن يقال لهم: هذا حكم الله ورسوله فارضوا به وسلموا تسليمًا، وليس لكم أن تتقدموا ولا أن تتكلموا. وهذا كلام صحيح لا غبار عليه، ولكن حين يكون هذا مُعزَّزًا ببيان المقاصد والحِكَم، ولا سيما في موارد الاستشكال والالتباس يكون أصح وأتم، ويكون التصرف اللازم أنسب وأسلم، فيزيل ما عنده من شكوك وظنون وريب، فيحصل عندها الاطمئنان القلبي (٢).
٦ - تصحيح قصد المكلف ليكون موافقًا لمقصود الشارع وتحقيق العبودية لله؛ فالعبودية هي مقصد المقاصد وغاية الغايات، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، قال الشاطبي ﵀: المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية
стр. 1784
هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبدٌ لله اضطرارًا (١).
٧ - بيان أن بعثة الرسل وشريعة الله ما جاءت إلا لجلب المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وهذا المعنى جاء بعبارات مختلفة عن الأئمة ﵃ فالإمام الجويني يعبر عنه بعبارة «الأغراض الدفعية والنفعية»، ويعبر عنه الغزالي والشاطبي بعبارة «حفظ المصالح من جانب الوجود والعدم».
ويقول الدكتور الريسوني (٢): إن عبارة الجويني أسبق وأوجز مع زيادة في المعنى، فالدفع والنفع يساويان جلب ودرء المصلحة والمفسدة، وكلمة الأغراض تعبر عن قصد الشرع، وعلى كلٍّ فتنوع العبارات «دفع ونفع، جلب ودرء، وجود وعدم»، يثير الانتباه إلى أن الشريعة جاءت لإصلاح الناس، وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
٨ - الجهل بمقاصد الشرع من أحكامه يجعل الأعمال صورًا بلا روح، ومن هنا وقع كثيرٌ من الناس في باب الحيل؛ إذ إنهم أخذوا الأحكام بصورها دون النظر لما قصده الشارع منها، فأجازوا المُحَلِّل، والعينة، وغيرها لكون صورة العمل صحيحة.
стр. 1785
٩ - حفظ نظام الأمة وبقاء قوتها وهيبتها، وهذا بإظهار مقاصدها العالية التي هي نفع الناس في الأولى والآخرة، فما من منفعة مطلوبة ولا مضرة مرهوبة إلا داخلة في مقاصد الشريعة.
• حاجة المجتهدين إلى المقاصد:
المجتهدون من جملة المكلفين، فاحتياجهم للمقاصد زائدٌ لما حملوه من العلم والفقه؛ فلا يكفي الفقيه أن يعرف دلالات الألفاظ على المعاني، بل لا بد له من معرفة أسرار التشريع والأغراض العامة للشريعة التي قصدها الشارع من أحكامه،
فالمقاصد هي قبلة المجتهدين، ولا يكون المجتهد إلا بمعرفة مقاصد الشريعة، حتى إن الشاطبي ﵀ في كتابه «الموافقات» نص على أنه لا اجتهاد إلا بعد التمكن من المقاصد وفهمها، فقال ﵀: إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين: أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها. الثاني: التمكن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها (١).
ومثله الطاهر بن عاشور ﵀ فقال: تصرف المجتهدين بفقههم في الشريعة يقع على خمسة أنحاء: فهم النصوص، ودلالة النصوص،
стр. 1786
والقياس، وحكم المستجدات، والتسليم التعبدي؛ فالفقيه بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة في هذه الأنحاء كلها (١).
والفقهاء يعتمدون على قواعد فقهية وأصولية، وكثير من هذه القواعد تندرج تحت مقاصد الشريعة، كقاعدة: المشقة تجلب التيسير، والضرر يزال، والضرورة تقدر بقدرها، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التساوي.
فمقاصد الشريعة تعمل على:
١ - ضبط عملية الإفتاء للمجتهد، فكل نص ينظر فيه الفقيه لا بد من حضور المقاصد فيه ليكون فهمه سديدًا وفق مراد الشارع، فالمقاصد هي الإرادة التشريعية للحاكم جل وعلا، فكيف تغيب عن الأذهان؟ فإهمال النظر في مقاصد الشريعة وعدم اعتبارها واحد من أسباب الخطأ؛ لأن الشارع طلب من المجتهدين أن يوافق استنباطهم واجتهادهم في كل مسألة مقاصد الشريعة العامة.
يقول الشيخ عبد الله دراز: أما بالنسبة للمجتهد بوجهٍ خاص، فإن عليه أن يحدد المقصد الشرعي في حكم كل مسألة على حده؛ ليتمكن من تبين صحة أو دقة اندراجها في المقاصد العامة للتشريع التي اتجهت
стр. 1787
جملة التكاليف إلى تحقيقها اعتبارًا للجزئي بالكلي، وهذا لون من الجهد العقلي الاجتهادي (١).
٢ - التقليل في الخلاف بين العلماء ونبذ التعصب، وقد أشار الطاهر بن عاشور ﵀ في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية» إلى هذا، فقال: هذا كتاب قصدت منه إلى إملاء مباحث جليلة من مقاصد الشريعة الإسلامية، والتمثيل لها، والاحتجاج لإثباتها، لتكون نبراسًا للمتفقهين في الدين، ومرجعًا بينهم عند اختلاف الأنظار وتبدل الأعصار، وتوسلًا إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار، ودربة لأتباعهم على الإنصاف في ترجيح بعض الأقوال على بعض عند تطاير شرر الخلاف، حتى يستتب بذلك ما أردناه غير مرة من نبذ التعصب، والفيئة إلى الحق إذا كان القصد إغاثة المسلمين ببلالة تشريع مصالحهم الطارئة متى نزلت الحوادث واشتبكت النوازل، وبفصل من القول إذا شجرت حجج المذاهب، وتبارت في مناظرتها تلكم المقانب (٢).
٣ - الترجيح بين الأدلة عند التعارض، فمقاصد الشريعة ليست دليلًا خارجيًّا ولا دليلًا إضافيًّا، بل هي دليل مع كل دليل، ودليل في كل دليل، وهي جزء من كل دليل؛ فالشريعة أحكامٌ تنطوي على مقاصد،
стр. 1788
والمقاصد تؤخذ من الأحكام، فهناك تمازجٌ كاملٌ؛ ولذا فهي من المرجحات عند تطاير الشرر.
٤ - استنباط علل القياس، ومن ثم بيان الحكم الشرعي على وجه صحيح، فالقياس نظرٌ إلى المقاصد، ولا يعرف القياس الصحيح من الفاسد إلا بمعرفة مقاصد الشرع، وكذلك المصلحة المرسلة فهي مبنية على مقصود الشارع، وما علمناه من حرص الشرع على جلب المصلحة ودرء المفسدة.
٥ - بيان حكم المستجدات، فهناك مستجدات لم ينص عليها الشارع بعينها ولا نجد لها مثيلًا في الكتاب والسنة، لكن حكمها يندرج تحت الكليات العامة للشريعة، وهنا يتجلى دور المقاصد، واعتبار المصالح، قال العز بن عبد السلام: ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد، حصل له من مجموع ذلك اعتقادٌ أو عرفانٌ بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماعٌ ولا نصٌّ ولا قياسٌ خاصٌّ، فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك. ومثل ذلك أن من عاشر إنسانًا من الفضلاء الحكماء العقلاء وفهم ما يؤثره ويكرهه في كل وردٍ وصدرٍ ثم سنحت له مصلحةٌ أو مفسدةٌ لم يعرف قوله فإنه يعرف بمجموع ما عهده من
стр. 1789
طريقته وألفه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة ويكره تلك المفسدة (١).
وإذا كان الصحابة ﵃ مع قربهم من التشريع وقلة المستجدات إلا أنهم راعوا مقاصد الشريعة وفعلوها، فنحن في عصرنا هذا أحوج لذلك.
قال الشيخ نور الدين الخادمي: فكثيرًا من الأمثلة الفقهية التي تبناها التابعون سواء بنقلها عن الصحابة، أو ببيانها من قبلهم تدل بجلاء على اهتمامهم البالغ، وتعويلهم على المقاصد الشرعية في معالجة النوازل وتأطير الحوادث والمستجدات (٢).
بعد كل هذا لم يبق شك أبدًا أن علم مقاصد الشريعة لا بد منه للمجتهد الفقيه، حتى يستطيع أن يفتي للناس في كل أمر مستجد؛ لتبقى هذه الشريعة خالدة صالحة لكل زمان ومكان (٣).
• حاجة الداعية إلى المقاصد:
الدعاة اليوم في أشد الحاجة لمعرفة مقاصد الشريعة وبيانها، وإبراز محاسنها، ورفع الإشكالات، وإنصاف ديننا المفترى عليه خاصة في ظل التحديات الفكرية والإعلامية التي تواجهنا، فالدعاة اليوم أكثر
стр. 1790
اضطرارًا لذلك عن أمس، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، ومن البصيرة أن تكون عالمًا بمقاصد الدين ومراميه، فبقدر معرفة الداعي منه تكون بصيرته.
قال العلامة شاه ولي الله الدهلوي ﵀: وأولى العلوم الشرعية عن آخرها فيما أرى وأعلاها منزلة، وأعظمها مقدارًا، هو علم أسرار الدين الباحث عن حجج الأحكام، وأسرار خواص الأعمال، إذ به يصير الإنسان على بصيرة بما جاء به الشرع (١).