والحسن والقبح بهذا الاعتبار: محل نزاع بين الطوائف، وذلك على النحو الآتي:
* ثانيًا: الأقوال في المسألة:
القول الأول: إثبات الحسن والقبح العقليين، بمعنى أن العقل يدرك الحسن والقبح، فهو يحسن ويقبح، وهذا مذهب المعتزلة (١).
القول الثاني: نفي الحسن والقبح العقليين، بمعنى أن العقل لا يدرك الحسن والقبح، فالعقل لا يحسن ولا يقبح، وهذا مذهب الأشاعرة (٢).
القول الثالث: مذهب أهل السنة، وهم وسط بين الطرفين، وقبل تفصيل مذهبهم في هذه المسألة لا بد من ذكر أصولٍ لهم يحتاج إلى بيانها في هذا المقام، وهذا ما سنبينه إن شاء الله تعالى في النقطة الثالثة:
* ثالثًا: أصول مهمة عند أهل السنة:
الأصل الأول: أنهم يثبتون الحكمة والتعليل في أفعال الله وأحكامه، فجميع الأوامر والنواهي مشتملة على مصالح
стр. 212
العباد (١).
قال ابن القيم: كيف والقرآن وسنة رسول الله ﷺ مملوآن من تعليل الأحكام بالحكم والمصالح، وتعليل الخلق بهما، والتنبيه على وجود الحِكَم التي لأجلها شرع تلك الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضعٍ أو مائتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة.
فتارة يذكر لام التعليل الصريحة، وتارة يذكر المفعول لأجله، الذي هو المقصود بالفعل، وتارة يذكر "من أجل" الصريحة في التعليل، وتارة يذكر أداة "كي"، وتارة يذكر "الفاء" و"إن"، وتارة يذكر أداة "لعل" المتضمنة للتعليل المجردة عن معنى الرجاء المضاف إلى المخلوق، وتارة ينبه على السبب بذكره صريحًا، وتارة يخبر بكمال حكمته وعلمه المقتضي أنه لا يفرق بين متماثلين ولا يسوي بين مختلفين، وأنه ينزل الأشياء منازلها ويرتبها مراتبها (٢).
الأصل الثاني: أن أفعال الله سبحانه كلها حسنةٌ جميلة، لا يقبح منها
стр. 213
شيء، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧].
وقال ﷺ : «إن الله جميل يحب الجمال» (١)، فأفعال الله إذن مباينة لأفعال المخلوقين تمامًا (٢).
الأصل الثالث: أنهم يصفون الله سبحانه بما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، فلا يجوز نفي ما أثبته الله لنفسه من الصفات، ولا أن تمثل صفاته بصفات المخلوقين، ولا أفعاله سبحانه بأفعال المخلوقين (٣).
الأصل الرابع: أنهم لا يوجبون على الله شيئًا إلا ما أوجبه سبحانه على نفسه تفضلا منه وتكرمًا، كما قال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].
قال ابن تيمية: وأما الإيجاب عليه والتحريم بالقياس على خلقه، فهذا قول القدرية، وهو قول مبتدع مخالف لصحيح المنقول وصريح المعقول، وأهل السنة متفقون على أنه سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم
стр. 214
يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا (١).
الأصل الخامس: أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه برسله وكتبه (٢)، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
وقال ﷺ : «ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين» (٣).
الأصل السادس: أن الشرع جاء بتقرير ما هو مستقر في الفطر والعقول -ومن ذلك تحسين الحسن والأمر به، وتقبيح القبيح والنهي عنه- فلا تعارض بين الشرع والعقل، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤].
قال ابن القيم: وأنه [أي الشرع] لم يجئ بما يخالف العقل والفطرة، وإن جاء بما يعجز العقول عن أحواله والاستقلال به،
стр. 215
فالشرائع جاءت بمحارات (١) العقول لا محالاتها، وفرق بين ما لا تدرك العقول حسنه، وبين ما تشهد بقبحه، فالأول مما يأتي به الرسل دون الثاني (٢).
الأصل السابع: أن العقل لا مدخل له في إثبات الأحكام الشرعية، ولا في تعلق المدح والذم بالأفعال عاجلًا أو تعلق الثواب والعقاب بها آجلًا، وإنما طريق ذلك السمع المجرد (٣).
* رابعًا: تفصيل مذهب أهل السنة:
يمكن إيضاح مذهب أهل السنة في هذه المسألة وأدلتهم عليه في ثلاث نقاط (٤):
١ - أن الحسن والقبح صفات ثابتة للأفعال، وهذا الثبوت قد يكون بطريق العقل، وقد يكون بطريق الفطرة، وقد يكون بطريق الشرع، فالعقل والفطرة يحسنان ويقبحان، ولا يمكن أن يأتي الشرع على
стр. 216
خلاف ذلك، والشرع أيضًا يحسن ويقبح فكل ما أمر به الشرع فهو حسن، وكل ما نهى عنه فهو قبيح؛ فثبت إذن أن الحسن والقبح قد يعرفان بالعقل، وقد يعرفان بالفطرة، وقد يعرفان بالشرع.
٢ - أن ما أدرك العقل أو الفطرة حسنه أو قبحه فحكمته معلومة لدينا ولا شك، أما ما عرف حسنه وقبحه بطريق الشرع فقد تغيب حكمته وعلته عن عقولنا القاصرة، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أن جميع ما حسنه الشرع أو قبحه له علة وحكمة يعلمها الله - والواجب التسليم لشرع الله - فإن من صفاته العلم والحكمة، وهذا يقتضي أيضًا أنه لا يجوز عليه سبحانه أن يأمر بالظلم وينهى عن العدل، لكمال حكمته سبحانه.
٣ - أن ما عرف حسنه وقبحه بطريق العقل والفطرة لا يترتب عليه مدح ولا ذم، ولا ثواب ولا عقاب ما لم تأت به الرسل؛ لأن الدليل الشرعي إنما أثبت المدح والذم، والثواب والعقاب على من قامت عليهم الحجة بالرسل والكتب، فالمدح والذم، والثواب والعقاب إنما يترتب على ما عرف حسنه وقبحه بطريق الشرع فقط.
стр. 217
وبهذا التفصيل يتبين لنا أن مذهب أهل السنة وسط بين الطرفين، وبيان ذلك كالآتي:
* خامسًا: مذهب أهل السنة وسط بين الطرفين (١):
ذلك أن المعتزلة الذين أثبتوا التحسين والتقبيح العقليين ارتكبوا عدة محاذير عندما قالوا: إن العقل يحسن ويقبح:
المحذور الأول: أنهم مجدوا العقل وجعلوا ما أدركته عقولهم أصلًا قاطعًا، فالحسن ما حسنته عقولهم والقبيح ما قبحته عقولهم، والشرع عندهم إنما هو كاشف عن حكم العقل.
والمحذور الثاني: أنهم رتبوا على تحسين العقل وتقبيحه أن أوجبوا على الله فعل الأصلح، وهو الأمر بما حسنته عقولهم والنهي عما قبحته.
والمحذور الثالث: أنهم رتبوا على تحسين العقل: المدح والثواب، وعلى تقبيحه: الذم والعقاب، ومعلوم أن المدح والذم والثواب والعقاب مما لا يدرك إلا بالسمع المجرد.
والمحذور الرابع: أنهم شبهوا الله بخلقه، وذلك أنهم قالوا: ما حسن من المخلوق حسن من الخالق، وما قبح من
стр. 218
المخلوق قبح من الخالق، ومن المعلوم أنه سبحانه لكمال حكمته لا يقبح منه شيء أبدًا، ولا يجوز أيضًا تشبيه الله بخلقه، لا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
ومن جهة أخرى نجد أن الأشاعرة الذين نفوا التحسين والتقبيح العقليين ارتكبوا عدة محاذير عندما صاروا إلى ذلك:
المحذور الأول: أنهم خالفوا بداهة العقل والفطرة السليمة، ذلك أنهم قالوا باستواء الأفعال حسنها وقبيحها، فلا فرق عندهم بين الظلم والفواحش وبين العدل والإحسان، بل قالوا: إنه يجوز أن يأمر الله بالشرك وينهى عن التوحيد، ومعلوم أن الشرع موافق للفطرة والعقل، ولا يمكن أن يستقر في العقول والفطر ما يناقض الشرع، فالعقل يدرك حسن عبادة الله وحده وقبح عبادة ما سواه.
والمحذور الثاني: أنهم نفوا عن الله الحكمة والتعليل في أفعاله، إذ قالوا: إن الله يأمر وينهى لا لحكمة، ولا يخلق الله شيئًا لحكمة لكن نفس المشيئة أوجبت وقوع ما وقع، فهم لا يثبتون إلا محض الإرادة، وهذا مما علم بطلانه بأدلة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ومخالف أيضًا للمعقول الصريح (١)، فإن الله وصف نفسه بالحكمة في
стр. 219
غير موضع، ونزه نفسه عن الفحشاء، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨]، ونزه نفسه عن التسوية بين الخير والشر، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ [القلم: ٣٥]، وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص: ٢٨].
والمحذور الثالث: أنهم جعلوا انتفاء العذاب قبل بعثه الرسل دليلًا على انتفاء التحسين والتقبيح العقليين واستواء الأفعال في أنفسها، ومعلوم أنه لا يلزم من إثبات التحسين والتقبيح العقليين إثبات الثواب والعقاب؛ لأن الثواب والعقاب من الأمور التي لا تثبت إلا بالسمع المجرد.
أما أهل السنة فقد توسطوا بين الطرفين ولم يرتكبوا شيئًا من المحاذير التي وقع فيها الفريقان، فإنهم: أثبتوا ما أثبته الله لنفسه من الحكمة والتعليل، ونزهوا الله عن أن يأمر بالقبائح والنقائص لكمال حكمته وعلمه وعدله، ولذلك لا يمكن أن يجيء الشرع عندهم بما يخالف العقل والفطرة، وإن جاء بما يعجز العقل عن فهمه وإدراكه، ولذلك أيضًا أثبت أهل السنة تحسين العقل وتقبيحه، لكن لا يترتب عندهم على ذلك مدح ولا ذم، ولا ثواب ولا عقاب؛ لأن ترتيب ذلك مما لا يثبت بالعقل، وإنما يستقل السمع المجرد في إثباته.
стр. 220
* سادسًا: تنبيهات:
١ - بني على مسألة التحسين والتقبيح العقليين مسألة: شكر المنعم، هل هو واجب سمعًا أم عقلًا؟
فمن قال: إن العقل يحسن ويقبح قال: إن شكر المنعم واجب عقلًا، وهؤلاء هم المعتزلة.
ومن نفى كون العقل يحسن ويقبح قال: إن شكر المنعم واجب سمعًا لا عقلًا وهؤلاء هم الأشاعرة.
أما أهل السنة فعندهم أن شكر المنعم واجب بالسمع والعقل والفطرة (١).
٢ - كثر الخلط بين مذهب أهل السنة ومذهب الأشاعرة في مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وكذلك في مسألة شكر المنعم، بل جعل البعض المذهبين مذهبًا واحدًا، فقال: إن أهل السنة والأشاعرة متفقون على أن العقل لا يحسن ولا يقبح.
وهذا خلط عظيم (٢)، سببه: اتفاق الفريقين في بعض الجوانب؛ إذ
стр. 221
الكل متفق على إثبات أن الشرع يحسن ويقبح، ويوجب ويحرم، وأن الثواب والعقاب والمدح والذم لا يعرف بالعقل، وإنما يعرف ذلك بالشرع وحده، وفي حقيقة الأمر نجد أن هناك جوانب أخرى في المسألة اختلفوا فيها، فأهل السنة يثبتون للعقل دورًا في التحسين والتقبيح بينما ينكر الأشاعرة دور العقل تمامًا، وأهل السنة أيضًا يثبتون لله الحكمة والتعليل في أفعاله، بينما ينفي الأشاعرة ذلك، إلى غير ذلك من الأمور التي سبق بيانها في النقاط السابقة.
وبذلك يتبين تباعد الفريقين وافتراق المذهبين.
٣ - يمكن إرجاع الخلاف في هذه المسألة إلى اللفظ إذا فسر الحسن بكون الفعل نافعًا للفاعل ملائمًا له، والقبح بكون الفعل ضارًّا للفاعل منافرًا له، أو فسر الحسن بمعنى الكمال، والقبح بمعنى النقص، وذلك بأن يُعطَى هذا المعنى حقه وتُلتَزَم لوازمه.
إذ الجميع متفق على أن الحسن والقبح بهذين المعنيين عقليان، بمعنى أن العقل يمكنه معرفة ما يلائم الطبع وما ينافره، وما هو صفة كمال أو نقص، إذ يلزم من الملاءمة والمنافرة الكمال والنقص، ولا شك أن المدح والذم مرتب على الحب والبغض المستلزم للكمال
стр. 222
والنقص (١).
قال ابن القيم: قال هؤلاء: فيطلق الحسن والقبح بمعنى الملاءمة والمنافرة، وهو عقلي، وبمعنى الكمال والنقصان، وهو عقلي، وبمعنى استلزامه للثواب والعقاب وهو محل النزاع، وهذا التفصيل لو أعطي حقه والتزمت لوازمه رفع النزاع وأعاد المسألة اتفاقية، وأن كون الفعل صفة كمال أو نقصان يستلزم إثبات تعلق الملاءمة والمنافرة، لأن الكمال محبوب للعالم والنقص مبغوض له، ولا معنى للملاءمة والمنافرة إلا الحب والبغض، والله سبحانه يحب كل ما أمر به، ويبغض كل ما نهى عنه، فأما المدح والذم فترتبه على النقصان والكمال المتصف به وذمهم لمؤثر النقص والمتصف به أمر عقلي فطري، وإنكاره يزاحم المكابرة (٢).
٤ - بني على مسألة التحسين والتقبيح العقليين مسألة حكم الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع.
٥ - إثبات تحسين العقل وتقبيحه، وأن العقل يحسن ويقبح، أو نفي ذلك يحتاج إلى تفصيل؛ إذ إن ذلك من الألفاظ المجملة التي لا
стр. 223
يجوز إطلاقها دون تقييد أو بيان، والتفصيل في ذلك أن يقال:
إن أريد بإثبات تحسين العقل وتقبيحه ترتيب الثواب والعقاب عليه فالصواب نفيه، وإن أريد بإثباته أن العقل يدرك حسن الحسن وقبح القبيح من غير ترتيب ثوابٍ ولا عقاب على ذلك فالصواب إثباته.
ولعل هذا التفصيل هو مراد بعض من نفى أو أثبت التحسين والتقبيح العقليين مطلقًا دون تفصيل أو تقييد.
стр. 224
الفصل الثالث
الأحكام التكليفية
* تعريف الأحكام التكليفية:
التكليف لغة: هو إلزام ما فيه كلفة أي مشقة (١).
ومنه قول الخنساء:
يكلفه القوم ما نابهم … وإن كان أصغرهم مولدًا (٢)
واصطلاحًا: إلزام مقتضى خطاب الشرع.
والمراد بمقتضى خطاب الشرع الأمر والنهي والإباحة (٣).
* هل تسمى أوامر الشرع ونواهيه تكاليف؟
الجواب:
أنكر بعض العلماء أن تسمى أوامر الشرع ونواهيه تكاليف؛ إذ إن
стр. 225
التكليف والمشقة وإن كان موجودًا، لكنه ليس مقصودًا أصالة بل بالتبع.
قال تقي الدين ابن تيمية: نفس الإيمان بالله، وعبادته، ومحبته، وإجلاله هو غذاء الإنسان، وقوته، وصلاحه، وقوامه كما عليه أهل الإيمان، وكما دل عليه القرآن لا كما يقول من يعتقد من أهل الكلام ونحوهم إن عبادته تكليف ومشقة، وخلاف مقصود القلب لمجرد الامتحان والاختبار، أو لأجل التعويض بالأجرة كما يقوله المعتزلة وغيرهم، فإنه وإن كان في الأعمال الصالحة ما هو على خلاف هوى النفس، والله سبحانه يأجر العبد على الأعمال المأمور بها مع المشقة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ الآية [التوبة: ١٢٠]، وقال ﷺ لعائشة: «أجرك على قدر نصبك»، فليس ذلك هو المقصود الأول بالأمر الشرعي، وإنما وقع ضمنًا وتبعًا لأسباب.
ولهذا لم يجئ في الكتاب والسنة وكلام السلف إطلاق القول على الإيمان والعمل الصالح أنه تكليف، كما يطلق ذلك كثير من المتكلمة والمتفقهة، وإنما جاء ذكر التكليف في موضع النفي كقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، أي وإن وقع في الأمر تكليف فلا يكلف إلا قدر الوسع، لا أنه يسمى جميع الشريعة
стр. 226
تكليفًا، مع أن غالبها قرة العيون، وسرور القلوب، ولذات الأرواح، وكمال النعيم، وذلك لإرادة وجه الله، والإنابة إليه وذكره، وتوجه الوجه إليه، فهو الإله الحق الذي تطمئن إليه القلوب، ولا يقوم غيره مقامه في ذلك أبدًا قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥] (١).
وأجاز البعض: صحة التسمية؛ وذلك من جهة أن التسمية جاءت من قولهم: كَلِفت بالأمر، إذا أحببته، وتكاليف الشرع محبوبة للمؤمن، أو من جهة أن التكاليف الشرعية لا تخلو من مشقة، ولكنها مشقة معتادة؛ ولذلك قال النبي ﷺ : «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» (٢)، وتكون المشقة المنفية هي المشقة الخارجة عن المعتاد المؤدية إلى اختلال الحياة أو المعاش.
ومما يدل على صحة تسمية أوامر الشرع تكليفًا قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، فالآية تدل على امتناع التكليف بما خرج عن الوسع والطاقة، وتدل على صحة التكليف بما يدخل تحت الوسع والقدرة بطريق المفهوم (٣).
стр. 227
والخلاف في المسألة لفظي، فالمنع إنما يتجه لوصف جميع الأحكام الشرعية بأن فيها مشقة، وأن ذلك شرط لكي يصح نسبتها للشرع.
والإثبات إنما يتجه لكون بعض الأحكام الشرعية فيها نوع مشقة، وهي المشقة العادية كمشقة البرد في الوضوء والغسل، ومشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، ومشقة ألم الحدود، ورجم الزناة، ونحو ذلك.
وقد اتفق الفريقان على خروج المشقة العظيمة التي تتجاوز الحدود العادية والطاقة البشرية السوية، كالتي تؤدي إلى هلاك أحد الضرورات الخمس، فنحو هذه المشقات إنما هي مرفوعة عن الأمة، ولم يكلفنا الله بها، بل هي موجبة للرخصة والتخفيف كنحو إباحة التيمم للخوف من الاغتسال للجنابة من شدة البرد، ووجوب الفطر، لكن خاف على نفسه التضرر بالصوم، ونحو ذلك مما هو معروف في محله (١).
стр. 228
الأحكام التكليفية
* أولًا: الواجب
تنبيه: الفرق بين الإيجاب، والواجب.
الإيجاب هو نفس خطاب الشارع، أما الوجوب فهو الأثر المترتب على ذلك الخطاب، والواجب هو وصف لفعل المكلف الذي طلبه الشارع.
مثال قوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ هذا خطاب من الله تعالى بإيجاب الصلاة على المكلف، وأثر هذا الخطاب أو ما ينتج عنه هو وجوب الصلاة على المكلف، وأما إقامة الصلاة فهي الواجب.
* تعريف الواجب:
الواجب لغة: من وجب بمعنى ثبت أو سقط، يقال: وجب البيع والحق: ثبت ولزم، ووجب الحائط سقط، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦]: أى سقطت (١).
стр. 229
حيث إنا نتخيل الحكم أو الشيء الواجب جزمًا سقط، أي: وقع على المكلف من الله تعالى (١).
الواجب اصطلاحًا: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا جازمًا (٢).
* شرح التعريف:
١ - ما: بمعنى الذي، وهي صفة الفعل؛ لأن الإيجاب إذا تعلق بفعل المكلف فيكون الفعل واجبًا، والفعل يشمل الأحكام الخمسة.
٢ - طلب الشارع فعله: أي القيام به وأداؤه، فيدخل في التعريفات الواجب والمندوب؛ لأن الشارع طلب فعلهما، ويخرج من التعريف المباح؛ لأن الشارع لم يطلب فعله ولا تركه، ويخرج المكروه والمحرم؛ لأن الشارع لم يطلب فعلهما بل طلب تركهما.
٣ - طلبًا جازما: أي طلبًا لازمًا؛ بحيث لا يسوغ تركه، فيخرج المندوب؛ لأن الشارع طلبه بدون حتم.
стр. 230
* تعريفات أخرى للواجب منها:
١ - تعريفه بالثمرة: هو ما يثاب فاعله امتثالًا، وتاركه متوعد بالعقاب مطلقًا.
ومنه قول صاحب «نظم الورقات»:
فالواجب المحكوم بالثواب … في فعله والترك بالعقاب
امتثالًا: أي أن الذي يفعل الواجب يثاب بشرط أن يفعله امتثالًا، فلو ترك أحد الأكل لمرض أو علة من الفجر إلى غروب الشمس لا يعد صائمًا؛ لأنه لم يصم امتثالًا.
تاركه: تارك الواجب متوعد بالعقاب، فهو متوعد بالعقاب ولا يقال: معاقب. لأن الله تعالى قد يتوب عليه ويغفر له، فالله تعالي لا يخلف وعده بالثواب، لكنه قد يعفو عن من توعده بالعقاب؛ لأن رحمته سبقت غضبه.
وقوله: "مطلقًا" فيه تقديران:
أحدهما: أن "مطلقًا" عائدٌ إلى الترك، والتقدير تركًا مطلقًا، ليدخل الواجب الموسع، والمخير، والكفائي، وبيان ذلك أن:
- الواجب الموسع: كالصلاة التي يجوز تركها في أول الوقت مع فعلها في أثنائه، فلولا زيادة لفظ مطلقًا لقيل إن الواجب الموسع في أول
стр. 231
الوقت ليس بواجب؛ لأنه لا يذم تاركه.
- الواجب المخير: مثل وجوب التكفير عن اليمين الحانثة بواحد من ثلاثة: العتق، والإطعام، والكسوة. فكل واحد من هذه الثلاثة بخصوصه يجوز تركه من غير ذم لكن بشرط أن يفعل غيره، فلولا زيادة وصف الترك بالإطلاق لقيل الواجب المخير ليس داخلا.
- الواجب الكفائي: مثل غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه، فهذا واجب على عموم المسلمين العالمين بموت ذلك المسلم، ولكن لو تركه بعضهم وفعله آخرون لم يأثم التارك ولم يذم، فلو لم نصف الترك بقولنا مطلقًا، للزم خروج الواجب الكفائي لأن تاركه لا يذم، ولما زدنا هذا الوصف دخل الواجب الكفائي؛ لأن تركه ليس مطلقًا، بل من بعض المكلفين دون بعض (١).
والتقدير الثاني: أن "مطلقًا" عائدٌ إلى الذم والتقدير ذمًّا مطلقًا.
وبيان ذلك أن الذم على الواجب الموسع وعلى المخير وعلى الكفاية من وجهٍ دون وجهٍ، والذم على الواجب المضيق والمحتم والمعين من كل وجهٍ؛ فلذلك قال: مطلقًا. ليشمل ذلك كله بشرطه، ولو لم يذكر ذلك لورد عليه من ترك شيئًا من ذلك.
стр. 232
٢ - تعريفه بالضد: الواجب ضد الحرام، ومنه قول صاحب «نظم الورقات»:
وضابط المكروه عكس ما ندب … كذلك الحرام عكس ما يجب.
فعرَّف الحرام بأنه عكس الواجب، فعلم بالضرورة منه أن الواجب عكس الحرام.
٣ - تعريفه بالمثال: الواجب مثل الصلاة، والتعريف بالمثال استخدمه العلماء في هذا العلم وغيره من العلوم، ومنه قول صاحب «المنظومة البيقونية»:
معنعنٌ كعن سعيدٍ عن كرم ...............
فقد عرف المعنعن بالمثال.
* مرادفات الواجب:
المرادفات هي أسماء وأوصاف متعددة لذات واحدة.
ومن مرادفات الواجب: الفرض، والأمر، والحتم، والمكتوب، وغير ذلك (١).
١ - الفرض: ومنه قوله ﵊: «إن الله فرض عليكم الحج
стр. 233
فحجوا» (١).
٢ - الأمر: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
٣ - الحتم: ومنه قول علىٍّ ﵁: الوتر ليس بحتم (٢).
٤ - المكتوب: ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وغير ذلك.
* صيغ الوجوب:
الصيغ الدالة على إفادة الوجوب في نصوص الكتاب والسنة كثيرةٌ، أهمها:
١ - صيغة الأمر بلفظ الإنشاء، بفعل الأمر «افعل» كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، أو المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾ [النساء: ٩]، أو اسم فعل الأمر كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، أو المصدر النائب عن فعل الأمر، كقوله
стр. 234
تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤].
٢ - صيغة «أمر» وما يتصرف عنها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وقوله ﷺ : «وأنا آمركم بخمسٍ الله أمرني بهن: السمع والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة» (١).
٣ - صيغة «كَتَبَ» و «كُتِبَ»، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقوله ﷺ : «إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته» (٢).
٤ - صيغة «فرض» وما يتصرف عنها، كقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]: أي أوجبنا العمل بها.
وعن عبد الله بن عباسٍ ﵄: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا
стр. 235
إلى اليمن قال: «إنك تقدم على قومٍ أهل كتابٍ، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلواتٍ في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاةً تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم» (١).
٥ - صيغة الخبر التي فيها تنزيل المطلوب منزلة التام الحاصل تأكيدًا للأمر به، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
٦ - ما ورد فيه ترتيب المؤاخذة على ترك الامتثال، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وقول النبي ﷺ : «من لا يَرحم لا يُرحم» (٢).
٧ - وصف ترك الامتثال بالمخالفة، كحديث أبي هريرة ﵁ قال: «شر الطعام طعام الوليمة، يُدعَى لها الأغنياء ويُترَك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله» (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ
стр. 236
فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].
٨ - ما رتب على تركه عدم الاعتداد بالعمل، كقوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (١)، وقوله ﷺ : «لا نكاح إلا بوليٍّ» (٢).
* مسألة مهمة:
الفعل النبوي إذا جاء تفسيرًا لواجبٍ مجملٍ، كقوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣)، وقد صلى بفعله، وقوله ﷺ : «خذوا عني مناسككم» (٤)، وقد حج بفعله، هل يكون ذلك الفعل واجبًا؟
التحقيق الذي عليه أكثر أهل العلم أن البيان بالفعل واقعٌ على ما هو واجبٌ كالركوع والسجود في الصلاة، وعلى ما هو مندوبٌ كرفع اليدين وصف القدمين ووضع اليمنى على اليسرى، فمجرد الفعل النبوي لم يجعل المندوب منها واجبًا، وذلك لو صح فإنه يعني أن
стр. 237
المندوبات في حقه ﷺ انقلبت واجباتٍ بفعله في حق أمته، وهذا معنى لا يتصور، فالتكليف في حقه ﷺ مقطوعٌ بأنه آكدٌ منه في حق أمته.
فلا يصلح إذًا إطلاق أن فعل النبي ﷺ إذا كان بيانًا لواجبٍ فكل أجزاء ذلك الفعل واجبةٌ على أمته، وإنما يستفاد وجوبها من غير ذات الفعل، وتبقى مشروعية المتابعة للنبي ﷺ واجبةً في الواجب، ومندوبةً في المندوب (١).
وقيل: إن الأصل في بيان الواجب بالفعل أنه للوجوب إلا ما خرج للندب بصارف، ووضعوا لذلك قاعدة" إن الفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير لقول سابق فله حكمه" (٢).
* قواعد الواجب:
• قاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجبٌ) (٣):
ما يتوقف عليه الإتيان بالواجب، وهو مقدمته التي ينبني عليها تحصيله، يرجع إلى ثلاثة أقسامٍ:
стр. 238
الأول: ما لا يدخل تحت قدرة العبد، كزوال الشمس لوجوب صلاة الظهر، فهذه مقدمةٌ لا تتم صلاة الظهر إلا بها لكنها ليست تحت قدرة المكلف.
فهذا القسم لا يندرج تحت القاعدة المذكورة.
الثاني: ما يدخل تحت قدرة المكلف لكنه غير مأمورٍ بتحصيله، كبلوغ النصاب لوجوب الزكاة، والاستطاعة لوجوب الحج، فإنه تحت قدرته أن يجمع النصاب، وأن يكتسب ليحقق الاستطاعة للحج، لكن ذلك لا يجب عليه.
فهذا لا يدخل أيضًا تحت القاعدة المذكورة.
الثالث: ما يدخل أيضًا تحت قدرة المكلف وهو مأمورٌ بتحصيله، فهذا يجب عليه الإتيان به، وهو المقصود بالقاعدة (١).
والمعنى: أن الواجب قد يتعلق بأمر، ولا يتم فعل هذا الواجب إلا بفعل ذاك الأمر، فيصبح فعل هذا الأمر واجبًا.
مثال: غسل بعض الشعر من الرأس مع الوجه غير واجب، ولكن لا يتم التأكد من غسل الوجه إلا بغسل بعض الشعر، فيصبح غسل بعض الشعر مع الرأس واجبًا.
стр. 239
ومنه لو أن أحدًا لا يستطيع القيام لصلاة الفجر إلا بالنوم مبكرًا أو بضبط المنبه، فالقيام لصلاة الفجر واجب، فإن لم يتم هذا الواجب إلا بتلك الصورة أصبحت هذه الصورة واجبة له أجر القيام بها، ومتوعد بالعقاب إن لم يأت بها فعليه عقاب ترك الواجب.
ومنه في الوضوء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فغسل اليد حده إلى المرفق، ولا يتيقن غسل اليد إلى المرفق إلا إذا أدخلت المرفق في الغسل من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وغير ذلك.
• قاعدة تزاحم الواجبات (١):
التزاحم من حيث هو يأتي على صور ثلاث:
الأولى: تزاحم حسنة مع حسنة، فيقدم الأعلى من الحسنتين، ومثاله: اجتماع واجب ومستحب، كدين مطلوب في الذمة، ونفقة مستحبة كالصدقة، فالمقدم قضاء الدين؛ لأنه واجب.
الثانية: اجتماع سيئة وسيئة، كمحرم وآخر أخف منه، أو محظور
стр. 240
ومكروه، ومثاله: ما يقع الإنسان فيه بين شيئين من المحاذير المعروفة، فإنه يرتكب الأدنى ليتقي به الأعلى، ومثل لها بعض فقهاء الشافعية برجل صلى في ثوب لا يستر تمام عورته الواجبة، فإنه حينئذ يلزمه أن يجلس ويصلي جالسًا، فالصلاة جالسًا مع القدرة محظور، فارتكب الأدنى ليتقي الأعلى من المحظورين.
الثالثة: اجتماع حسنة وسيئة، قال شيخ الإسلام: ينظر في الراجح منهما فيعمل به، فقد تترجح الحسنة على السيئة فتعمل، وهذا كله إذا كان يلزم من فعل الحسنة الوقوع في السيئة، أو يلزم من ترك السيئة ترك الحسنة (١).
ومثال ذلك: لو أسلمت المرأة في دار الكفر وليس لها محرم، فسفرها بغير محرم سيئة ومحظور، والهجرة واجبة وهي حسنة، فترجح فعل الحسنة على السيئة من البقاء في دار الكفر، فشرع لها الشارع الهجرة.
ومن هنا يتبين أن تلازم الأحكام وتزاحمها يحتاج إلى أمرين لكي يبت في ذلك:
الأول: معرفة واقع الواقعة.
стр. 241
الثاني: العلم بمراتب الحسنات والسيئات ومقاصد الشريعة.
يقول ابن تيمية ﵀: والشرع دائمًا يرجح خير الخيرين بتفويت أدناهما، ويدفع شر الشرين بالتزام أدناهما (١).
بعض صور التزاحم:
مثل: إعادة الكعبة إلى البناء القديم الأصلي حسنة ومصلحة، بل قيل بوجوبه، والحفاظ على جماعة المسلمين وعدم تفريقهم حسنة ومصلحة وهو واجب، فقدم النبي ﷺ المصلحة الأعلى، وهي الحفاظ على جماعة المسلمين، ولم يُعِد الكعبة على قواعد إبراهيم.
وقال ﷺ لعائشة: «يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت، فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، فبلغت به أساس إبراهيم» (٢).
وهناك واجبات عامة في الشريعة تقدم دائمًا، فالحفاظ على جماعة المسلمين وعدم إشاعة الفتنة بينهم وعدم تفريقهم واجب لا يكاد يعادله واجب في الشريعة، فلا تكاد تجد واجبًا يقدم على هذا الواجب.
ومن ذلك فعل النبي ﷺ مع المنافقين، فمع عظيم خطرهم لما
стр. 242
عرض على النبي ﷺ قتلهم أبى، وقال: «حتى لا يقال إن محمدًا يقتل أصحابه» (١).
وكذلك من أعظم وأعلى هذه الواجبات في الشريعة هو واجب العمل لله والدعوة إليه، فلو تزاحم مع أي واجب آخر يقدم هو على غيره، وهذا الذى فهمه الغلام في قصة أصحاب الأخدود حين أرسلهم الملك ليقتلوه، فنجا فصار بين واجبين: إما أن ينجو بنفسه ويحافظ عليها من الهلاك، وإما أن يقدم واجب الدعوة إلى الله ويذهب مرة أخرى ليدعو الملك وأتباعه؛ فقدم الواجب الأعلى، وهو الدعوة إلى الله، بل لما رأى أن هذه الدعوة لم تؤت ثمارها، ووجد أنه لا بد أن يضحي بحياته كي ينشر هذا الدين، فقدم واجب نشر الدين على واجب الحفاظ على حياته.
ومن ذلك أيضًا: ما فعله النبي ﷺ مع أبي جندل حينما فر من المشركين، وجاء إلى النبي ﷺ فارًّا بدينه، وكان النبي عاقدًا لصلح الحديبية، فرده النبي ﷺ ، وقال أبو جندل: «أُرَد إلى الكفار يفتنونني في ديني» (٢).
стр. 243
ومن المعلوم أن الحفاظ على المسلم من الابتلاء والفتنة أمر واجب، ولكن يوجد واجب أعلى، وهو الحفاظ على مقام النبوة، وعدم نقض العهد؛ لذلك قدم النبي ﷺ هذا الواجب، ورده مع أنه يرد إلى ابتلاء وفتنة.
• مسألة: الثواب ثوابان:
ثواب العمل: وهو الذي يناله العبد على ما عمل من الأعمال.
ثواب الفضل: وهو الثواب الذى يؤخذ بغير عمل؛ لأنه منع منه مانع.
وبيان هذه المسألة ليعلم أن ترك الواجب الأدنى لا إثم فيه، بل له فيه الأجر؛ وذلك لأن الثواب ثوابان، فثواب العمل وهو الثواب الذى يأخذه العبد على عمل عمله، وثواب الفضل وهو ثواب يأخذه العبد على عمل لم يعمله فضلًا من الله تعالى، وذلك بشرط أن يمنعه العذر مع كونه صادق النية في إرادته للقيام بهذا العمل، وهذا مفهوم حديث النبي ﷺ : «من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة» (١)، فلما وُجِد المانع من الخارج وحال بينه وبين العمل بهذه الحسنة وهو يريد فعلها، بل وهم بها؛ كتبها الله له عنده حسنة كاملة،
стр. 244
ومنه قول النبي ﷺ : «إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا شركوكم الأجر»، قيل: وهم بالمدينة. فقال النبي ﷺ لهم: «حبسهم العذر» (١)، فلما حبسهم العذر وكانوا صادقين حقًّا؛ أعطاهم الله تعالى الثواب بفضله، قال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾ [التوبة: ٩٢]، فلما حبسهم العذر أخذوا ثواب الفضل، أما السيئة فهي على العكس من ذلك فلكي يترتب على تركها ثواب لا بد أن يكون المانع الذى حال بين العبد وبينها من عند نفسه، كما حدث مع صاحب الغار لما قالت له: «اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه قام عنها وتركها» (٢)، يعنى كان المانع من عند نفسه وهو تقوى الله تعالى، فكان هذا العمل من أعظم حسناته، وصالح أعماله.
• الفرق بين التزاحم والتداخل:
التزاحم: هو توارد الحقوق وازدحامها على محل واحد (٣).
أما التداخل: فهو اجتماع مخصوص، لحكمين شرعيين
стр. 245
مخصوصين، والاكتفاء بواحد منهما، علي سبيل التخيير غالبًا، مع حصول ثوابهما معًا، أو ثواب واحد منهما (١).
* أوجه الاتفاق والافتراق بين التداخل والتزاحم:
• أولًا: أوجه الاتفاق:
يشترك كل من التداخل والتزاحم في أمور:
الأمر الأول: أن كلًّا من التداخل والتزاحم إنما يحصلان عند وجود جمع من الأمور، كما لو قام بالإنسان حدث أصغر وأكبر، وكما لو وجبت عليه حدود من جنس واحد، وكما لو أوصى لأكثر من جهة، أو تعدد غرماؤه وماله لا يفي بالجميع، فالملحوظ في هذه المسائل؛ أن كل صورة تشتمل على أكثر من أمر.
وعلى هذا فلا يتصور وقوع التداخل والتزاحم في حال التفرد وعدم الجمع، بل إن كلًّا من لفظتي التداخل والتزاحم في مدلولهما اللغوي يدلان على حصول التداخل والتزاحم بين أكثر من واحد، كما تقتضيه صيغة تفاعل مما هو مقرر عند أهل اللغة.
الأمر الثاني: أن كلًّا من التداخل والتزاحم إنما يحصلان إذا كانت الأمور المجتمعة مجتمعة في محل واحد، كالحدود المتماثلة إذا كانت
стр. 246
على شخص واحد، وكالديون إذا كانت على مفلس، أو الوصايا إذا كانت من شخص واحد.
• ثانيًا: أوجه الافتراق:
يفترق كلٌّ من التداخل والتزاحم عن الآخر في بعض الأمور:
الأمر الأول: في حالة التداخل تندرج الأشياء المتداخلة بعضها في بعض، مثل اندراج الوضوء في الغسل، واندراج تحية المسجد في الفريضة، ونحو ذلك.
أما في حالة التزاحم فلا تندرج الأشياء المتزاحمة بعضها في بعض، بل قد تقع المحاصة بينها، كما لو تزاحم الغرماء في مال المفلس، والدين محيط بجميع المال وزيادة، فإن الغرماء يتحاصون ماله على نسبة ديونهم.
الأمر الثاني: في حالة التداخل، وبعد اندراج الأمور المتداخلة بعضها في بعض، يكتفي حينئذ بفعل واحد، كما لو زنى عدة مرات فإن الزنيات يندرج بعضها في بعض، فتكون كالزنية الواحدة، ويترتب عليها حينئذ حد واحد.
أما في حالة التزاحم، فقد لا يكتفى بواحد من هذه الأشياء التي وقع بينها التزاحم كما في تزاحم الغرماء، بل يقسم المال على قدر ديونهم،
стр. 247
وإذا حصل الاكتفاء بواحد في بعض مسائل التزاحم، فقدم بعض الحقوق على بعض، فإنما حصل ذلك التقديم لوجود مرجح من المرجحات التي ذكرها أهل العلم، كالسبق أو القرعة أو القوة، وليس هذا الاكتفاء ناشئًا من اندراج الأشياء المتزاحمة بعضها في بعض، وذلك كما لو أوصى إنسان بحج، ولم يكن قد حج حجة الإسلام، وأوصى بصدقة للفقراء ولا يفي ما وراءه بجميع وصاياه، فإنه يقدم الحج على صدقة التطوع، وكما لو قتل شخص جماعة مرتبًا، فإنه يحصل حينئذ تزاحم في الحقوق بين أولياء المقتولين، لكنه يقتل بالأول وللباقين الدية.
الأمر الثالث: من شروط التداخل أن تكون الأمور التي حصل بينها التداخل متحدة جنسًا، كالتداخل بين الحدود والأحداث، ونحو ذلك مما هو متحد جنسًا، وليس هذا الشرط بلازم في التزاحم، فقد يقع التزاحم بين حقوق متحدة جنسًا كتزاحم الغرماء في مال المفلس، وقد يقع التزاحم بين حقوق مختلفة، كالتزاحم بين حقوق الله وحقوق العباد في تركة الميت مثلًا إذا لم تف التركة بالجميع.
الأمر الرابع: من شروط التداخل أن تكون الأمور التي حصل بينها التداخل متحدة في المقصود، كالتداخل بين الطهارتين الصغرى والكبرى، فإنهما متحدتان قصدًا من حيث كون المقصود منها رفع
стр. 248
الحدث، أو استباحة فعل العبادة التي تشترط لها الطهارة، ونحو ذلك.
أما التزاحم فلا يشترط له اتحاد المقصود من الحقوق المتزاحمة، كما لو حصل التزاحم في تركة الميت بين حقوق مختلفة قصدًا، كالزكاة والكفارات وحقوق الآدميين؛ إذ كل واحد من هذه الحقوق مقصود بنفسه.
الأمر الخامس: التداخل يقع مع إمكان فعل الأمور المتداخلة جميعًا، وذلك في عامة مسائل التداخل، كالتداخل بين الطهارة الصغرى والكبرى، والتداخل بين الحدود والكفارات، ونحو ذلك.
وقد يقع التداخل أحيانًا مع تعذر الجمع -بين الأمور المتداخلة- واقعًا، كما لو كرر محصن الزنا، فإن بكل مرة يثبت حد الرجم، فتتداخل الحدود الواجبة عليه حكمًا وضرورة، لعدم إمكان الجمع بينها تطبيقًا وواقعًا.
أما التزاحم فإنه لا يتصور وقوعه إلا عند تعذر الجمع حقيقة بين الحقوق المتزاحمة؛ إذ لو أمكن الجمع حقيقة بينها لارتفع التزاحم (١).
стр. 249
٣ - قاعدة تزاحم الواجب مع السنة (١):
إذا تزاحم الواجب مع السنة في وقت واحد في حق شخص واحد يجب عليه أن يختار الواجب، ولا يجوز له أن يختار السنة، فلو اختارها بقي عليه إثم ترك الواجب.
يقول ابن تيمية: ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك المستحبات؛ لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا (٢) أي المستحبات.
وسئل ابن تيمية ﵀ عن طلب القرآن أفضل أم العلم؟ فأجاب: العلم الذى يجب على الإنسان عينًا مقدم على حفظ القرآن، فطلب العلم واجب، وحفظ القرآن مستحب، والواجب مقدم على المستحب (٣).
ومن ذلك: تقبيل الحجر الأسود فهو سنة، وقد يتسبب فعله في فعل محرم كأذية المسلمين، فيكفي في الزحام الإشارة له، فيحصل أجر السنة، وأجر القيام بالواجب، وهو عدم أذية المسلمين.
стр. 250
• قاعدة: ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه:
ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه ينقسم إلى الأقسام التالية (١).
الأول: ما كان من أجزائه كالزنى، فإن النهي عنه نهيٌ عن أجزائه، وهي الإيلاجات والإخراجات، ولا فرق بين أن يقول: لا تزن، وبين أن يقول: لا تولج ولا تخرج.
والثاني: ما كان من شروطه وأسبابه:
كمقدمات الوطء من المفاخذة، والقبلة، وسائر الدواعي بعد ذلك، ومنه العقد على الأم، فإنه لما كان سبب الوطء، وهو منهيٌّ عنه كان العقد الذي هو سببٌ إليه منهيًّا عنه.
الثالث: ما كان من ضروراته:
وهذا القسم هو المعني بقاعدة: ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب:
والمعنى أنه قد يوجد محرم متعلقٌ بمباح - والمحرم تركه
واجب-، ولا يمكن ترك هذا المحرم إلا بترك هذا المباح فيصبح ترك هذا المباح واجبًا وفعله يكون محرمًا.