على شخص واحد، وكالديون إذا كانت على مفلس، أو الوصايا إذا كانت من شخص واحد.
• ثانيًا: أوجه الافتراق:
يفترق كلٌّ من التداخل والتزاحم عن الآخر في بعض الأمور:
الأمر الأول: في حالة التداخل تندرج الأشياء المتداخلة بعضها في بعض، مثل اندراج الوضوء في الغسل، واندراج تحية المسجد في الفريضة، ونحو ذلك.
أما في حالة التزاحم فلا تندرج الأشياء المتزاحمة بعضها في بعض، بل قد تقع المحاصة بينها، كما لو تزاحم الغرماء في مال المفلس، والدين محيط بجميع المال وزيادة، فإن الغرماء يتحاصون ماله على نسبة ديونهم.
الأمر الثاني: في حالة التداخل، وبعد اندراج الأمور المتداخلة بعضها في بعض، يكتفي حينئذ بفعل واحد، كما لو زنى عدة مرات فإن الزنيات يندرج بعضها في بعض، فتكون كالزنية الواحدة، ويترتب عليها حينئذ حد واحد.
أما في حالة التزاحم، فقد لا يكتفى بواحد من هذه الأشياء التي وقع بينها التزاحم كما في تزاحم الغرماء، بل يقسم المال على قدر ديونهم،
стр. 247
وإذا حصل الاكتفاء بواحد في بعض مسائل التزاحم، فقدم بعض الحقوق على بعض، فإنما حصل ذلك التقديم لوجود مرجح من المرجحات التي ذكرها أهل العلم، كالسبق أو القرعة أو القوة، وليس هذا الاكتفاء ناشئًا من اندراج الأشياء المتزاحمة بعضها في بعض، وذلك كما لو أوصى إنسان بحج، ولم يكن قد حج حجة الإسلام، وأوصى بصدقة للفقراء ولا يفي ما وراءه بجميع وصاياه، فإنه يقدم الحج على صدقة التطوع، وكما لو قتل شخص جماعة مرتبًا، فإنه يحصل حينئذ تزاحم في الحقوق بين أولياء المقتولين، لكنه يقتل بالأول وللباقين الدية.
الأمر الثالث: من شروط التداخل أن تكون الأمور التي حصل بينها التداخل متحدة جنسًا، كالتداخل بين الحدود والأحداث، ونحو ذلك مما هو متحد جنسًا، وليس هذا الشرط بلازم في التزاحم، فقد يقع التزاحم بين حقوق متحدة جنسًا كتزاحم الغرماء في مال المفلس، وقد يقع التزاحم بين حقوق مختلفة، كالتزاحم بين حقوق الله وحقوق العباد في تركة الميت مثلًا إذا لم تف التركة بالجميع.
الأمر الرابع: من شروط التداخل أن تكون الأمور التي حصل بينها التداخل متحدة في المقصود، كالتداخل بين الطهارتين الصغرى والكبرى، فإنهما متحدتان قصدًا من حيث كون المقصود منها رفع
стр. 248
الحدث، أو استباحة فعل العبادة التي تشترط لها الطهارة، ونحو ذلك.
أما التزاحم فلا يشترط له اتحاد المقصود من الحقوق المتزاحمة، كما لو حصل التزاحم في تركة الميت بين حقوق مختلفة قصدًا، كالزكاة والكفارات وحقوق الآدميين؛ إذ كل واحد من هذه الحقوق مقصود بنفسه.
الأمر الخامس: التداخل يقع مع إمكان فعل الأمور المتداخلة جميعًا، وذلك في عامة مسائل التداخل، كالتداخل بين الطهارة الصغرى والكبرى، والتداخل بين الحدود والكفارات، ونحو ذلك.
وقد يقع التداخل أحيانًا مع تعذر الجمع -بين الأمور المتداخلة- واقعًا، كما لو كرر محصن الزنا، فإن بكل مرة يثبت حد الرجم، فتتداخل الحدود الواجبة عليه حكمًا وضرورة، لعدم إمكان الجمع بينها تطبيقًا وواقعًا.
أما التزاحم فإنه لا يتصور وقوعه إلا عند تعذر الجمع حقيقة بين الحقوق المتزاحمة؛ إذ لو أمكن الجمع حقيقة بينها لارتفع التزاحم (١).
стр. 249
٣ - قاعدة تزاحم الواجب مع السنة (١):
إذا تزاحم الواجب مع السنة في وقت واحد في حق شخص واحد يجب عليه أن يختار الواجب، ولا يجوز له أن يختار السنة، فلو اختارها بقي عليه إثم ترك الواجب.
يقول ابن تيمية: ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك المستحبات؛ لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا (٢) أي المستحبات.
وسئل ابن تيمية ﵀ عن طلب القرآن أفضل أم العلم؟ فأجاب: العلم الذى يجب على الإنسان عينًا مقدم على حفظ القرآن، فطلب العلم واجب، وحفظ القرآن مستحب، والواجب مقدم على المستحب (٣).
ومن ذلك: تقبيل الحجر الأسود فهو سنة، وقد يتسبب فعله في فعل محرم كأذية المسلمين، فيكفي في الزحام الإشارة له، فيحصل أجر السنة، وأجر القيام بالواجب، وهو عدم أذية المسلمين.
стр. 250
• قاعدة: ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه:
ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه ينقسم إلى الأقسام التالية (١).
الأول: ما كان من أجزائه كالزنى، فإن النهي عنه نهيٌ عن أجزائه، وهي الإيلاجات والإخراجات، ولا فرق بين أن يقول: لا تزن، وبين أن يقول: لا تولج ولا تخرج.
والثاني: ما كان من شروطه وأسبابه:
كمقدمات الوطء من المفاخذة، والقبلة، وسائر الدواعي بعد ذلك، ومنه العقد على الأم، فإنه لما كان سبب الوطء، وهو منهيٌّ عنه كان العقد الذي هو سببٌ إليه منهيًّا عنه.
الثالث: ما كان من ضروراته:
وهذا القسم هو المعني بقاعدة: ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب:
والمعنى أنه قد يوجد محرم متعلقٌ بمباح - والمحرم تركه
واجب-، ولا يمكن ترك هذا المحرم إلا بترك هذا المباح فيصبح ترك هذا المباح واجبًا وفعله يكون محرمًا.
стр. 251
مثال: رجل يريد الزواج، ولديه أخت من الرضاعة في قرية لكنه لا يعلمها، فالزواج من نساء هذه القرية مباح، والزواج من أخته محرم، ولكنه لا يستطيع أن يبتعد عن هذا المحرم يقينًا إلا إذا ترك الزواج من نساء هذه القرية كلها فيكون هذا الترك واجبًا فى حقه.
مسألة: حكم الزيادة على الواجب:
لها حالتان:
«الأولى»: أن تكون الزيادة على الواجب متميزة عنه كصلاة النافلة بالنسبة إلى الصلوات الخمس، وهذه الزيادة غير واجبة كما هو واضح.
«الثانية»: أن تكون الزيادة غير متميزة عن الواجب، كالزائد على قدر الفرض من الطمأنينة في الركوع والسجود، ونحو ذلك.
فقال قوم: الزيادة هنا واجبة لأن الجميع امتثال للأمر الواجب، ولم يتميز فيه واجب عن غيره، فالكل واجب لأنه امتثال للواجب.
والحق: أن الزائد غير واجب، والدليل على ذلك جواز تركه، والاقتصار على ما يحصل به الفرض فقط من الطمأنينة من غير شرط ولا بدل (١).
стр. 252
فائدة: ما ليس بواجب لا يجزئ عن الواجب.
بيان ذلك من حيث إن حقيقة الواجب تخالف حقيقة ما ليس بواجب.
فالآتي بإحدى الحقيقتين مكان الأخرى كمن لم يأت بشيء أصلًا، ولهذا نقول: إن صلاة ركعة الوتر لا تجزئ عن ركعة من صلاة الصبح، وألف دينار صدقةً لا تجزئ عن شاة وجبت عليه، وأمثال هذا، وكل ما جاء على هذا الحساب فقد جاء على الأصل، وما جاء على غير هذا فهو على غير الأصل (١).
* تقسيمات الواجب (٢):
الواجب ينقسم بالنظر إلى اعتبارات مختلفة:
• التقسيم الأول: الواجب باعتبار ذاته -أي بحسب الفعل المكلف به- ينقسم إلى قسمين (٣):
القسم الأول: الواجب المعين.
стр. 253
القسم الثاني: الواجب المخير.
الواجب المعين:
في اللغة: مأخوذ من التعيين، وهو: التخصيص، فيكون الواجب المخصص.
وفي الاصطلاح: الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا جازمًا بعينه، دون تخيير بينه وبين غيره.
أي: أنه الذي تعين المطلوب به بشيء واحد لا خيار للمكلف في نوعه، فلا يمكن أن تبرأ ذمته، وهو المطالب به إلا إذا فعله بعينه.
ومن أمثلته: الصلوات المفروضة، وصيام رمضان، والزكاة، والحج، وأداء الديون، والوفاء بالعهد، أو نذر عتق هذا العبد، ونحو ذلك.
الواجب المُخيَّر:
في اللغة: من التخيير، وهو: التفويض. يقال: خيرته بين الشيئين إذا فوضت إليه الاختيار.
و هو في الاصطلاح: الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا جازمًا لا بعينه، بل خير في فعله بين أفراده المحصورة المعينة.
أي: أنه الذي لم يتعين المطلوب به بشيء واحد، وإنما كان له
стр. 254
أفراد، وخير المكلف فيه بأن يأتي بما شاء منها.
مثاله: كفارة اليمين الواردة في قوله تعالى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة ٨٩] حيث إن الشرع قد طلب من المكلف أن يكفر عن يمينه بخصلة واحدة من خصال الكفارة الثلاث وهي: الإطعام، أو الكسوة، أو الإعتاق.
ومثل التخيير في فدية الأذى الوارد في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].
والمكلف إذا فعل واحدًا من الأفراد المُخيَّر بينها، فإن ذمته تبرأ، فإن تركها جميعًا أثم بذلك، ويسميه بعضهم ب «الواجب المبهم».
• ثالثًا: شروط الواجب المُخيَّر:
الشرط الأول: أن تكون الأشياء المُخيَّر بينها معلومة للمخاطب، ومحصورة ومعينة حتى يحيط بها المكلف، ويوازن بينها، ويرى ما هو الأصلح، فيختاره ويقوم به.
الشرط الثاني: أن تتساوى تلك الأشياء المُخيَّر بينها في الرتبة. أي: تكون متساوية في الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، فلا يجوز التخيير بين واجب ومندوب، ولا بين واجب ومباح، ونحو ذلك؛ فإن التخيير
стр. 255
بين الوجوب وتركه يرفع الوجوب.
ولهذا لما استدل داود الظاهري على وجوب النكاح بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] رده العلماء؛ لأن قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فيه تخيير بين النكاح وملك اليمين، ومعروف أن ملك اليمين لا يجب إجماعًا.
الشرط الثالث: أن تكون الأشياء المخير بينها متميزة للمكلف، أي: أن يتميز بعض الأشياء عن بعض، فلا يجوز التخيير بين متساويين من جميع الوجوه لا يتميز أحدها عن الآخر بوصف، كما لو خُيِّر بين أن يصلي أربع ركعات، وأن يصلي أربع ركعات مع تساويهما في جميع الصفات.
الشرط الرابع: أن يتعلق التخيير بما يستطيع فعله، فلا يصح التخيير بين شيء يستطيعه، وشيء لا يستطيعه (١).
مسألة: هل يجوز الجمع بين الأمور المُخيَّر بينها؟
الأمور المعينة المحصورة المُخيَّر بينها قد يحرم على المكلف الجمع بينها، وقد يباح الجمع بينها، وقد يندب الجمع بينها.
стр. 256
فمثال الأول -وهو ما يحرم فيه الجمع بين الأمور المُخيَّر بينها-: تزويج المرأة من كفأين متساويين معًا، وكذا مبايعة إمامين للأمة.
ومثال الثاني -وهو ما يباح فيه الجمع بين الأمور المُخيَّر بينها-: ستر العورة بثوب بعد سترها بثوب آخر، فستر العورة واجب، والمكلف مُخيَّر بسترها بأي ثوب شاء متى تعددت عنده الثياب، ويباح له سترها بأكثر من ثوب واحد، فيكون الجمع بين الأثواب في الستر مباحًا.
ومثال الثالث -وهو ما يندب فيه الجمع بين الأمور المخير بينها-: خصال كفارة اليمين، فإننا نعلم أن الخطاب قد تعلق بها على سبيل التخيير بينها، والواجب يسقط بفعل واحد منها، ولكن قد يندب له الجمع بين الإطعام، والكسوة، والعتق زيادة له في الثواب (١)، ولبعضهم بعض الاعتراضات على ما ذكر من أمثلة.
فائدةٌ: معظم العبادات على التخيير:
معظم العبادات في الشرع على التخيير، إلا ما شذ وندر. ألا ترى أنه يتوضأ بأي ماءٍ شاء، ويصلي في أي مكان مع أيٍ لبوسٍ شاء، ومن لزمه عتقٌ فهو مُخيَّرٌ من أي الرقاب المجزئة، ومن لزمته الصدقة فهو
стр. 257
مُخيَّرٌ بين أعيان الدراهم (١).
• التقسيم الثاني: الواجب باعتبار فاعله، أي: باعتبار المخاطبين به ينقسم إلى قسمين (٢):
القسم الأول: الواجب العيني.
القسم الثاني: الواجب الكفائي.
فالواجب العيني: هو ما يتحتم أداؤه على مكلف بعينه.
أو هو: ما طلب الشارع حصوله من كل واحد من المكلفين.
والمعنى: لا يكفي فيه قيام البعض دون البعض الآخر، ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بأدائه، ويأثم بالترك، ولا يغني عنه فعل غيره، ولذلك سمي بفرض العين.
مثل: التوحيد، والصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والوفاء بالعقود، واجتناب الشرك، والخمر، والميسر.
والواجب الكفائي: هو ما طلب الشارع حصوله من جماعة المكلفين من غير نظر إلى فاعله؛ لأن مقصود الشارع حصول الفعل فقط، فإذا فعله البعض الكافي سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يفعل
стр. 258
نهائيًّا أثم الجميع، لتعلق الطلب بالكل.
فالطلب هنا منصب على إيجاد الفعل في حد ذاته لا إلى الفاعل.
ومن أمثلته: الجهاد، والقضاء، وأداء الشهادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإيجاد الصناعات والحرف المختلفة، والعلوم التي تحتاج إليها الأمة، وإعداد القوة بأنواعها، ونحو ذلك مما يحقق مصلحة الأمة.
مسألة: لا خلاف بين الأصوليين في أن الواجب الكفائي يتحقق المقصود منه بفعل بعض المكلفين، وعلى أن ترك الواجب الكفائي من جميع المكلفين يستوجب تأثيم الجميع؛ لأنهم فوَّتوا ما قُصِد من الفعل، وكذلك لو قام به عدد أقل ممن يسد بهم الحاجة، فالفاعلون مثابون، وغيرهم آثمون.
لكنهم مختلفون في الخطاب المتعلق بهذا الفعل، هل هو موجه إلى جميع المكلفين، ويسقط بفعل البعض، أو هو موجه إلى بعض غير معين؟
فالجمهور على أنه متعلق بجميع المكلفين، بمعنى أن القادر على الفعل عليه أن يقوم بنفسه، وغير القادر يحث غيره على القيام به.
стр. 259
واستدلوا بأدلة منها:
١ - أن الواجبات الكفائية الواردة في القرآن والسنة جاءت بصيغة العموم كالواجبات العينية، فقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة ٢١٦]، كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣]، مع أن الأول كفائي، والثاني عيني.
٢ - أن الإثم يلحق الجميع إذا تركوا، ولو لم يكونوا مخاطبين به ما أثموا.
وذهب بعض الأصوليين إلى أن فرض الكفاية يتعلق بطائفة غير معينة؛ لأنه لو تعلق بالكل لما سقط إلا بفعل الكل.
واستدل القائلون بأنه موجه إلى بعض مبهم بدليلين:
١ - قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة ١٢٢]. فالخطاب هنا موجه إلى بعض مبهم، وهو متعلق بواجب كفائي.
٢ - أنه يسقط بفعل بعض المكلفين، ولو خوطب به الجميع لما سقط إلا بفعل الجميع كسائر الواجبات العينية.
وتظهر ثمرة هذا الخلاف: فيمن علم بشيء من فروض الكفايات، كتغسيل ميت وتكفينه، والصلاة عليه، وشك هل هناك من قام بهذا
стр. 260
الواجب أم لا؟ فعلى رأي الجمهور يجب عليه السعي ليتبين حقيقة الأمر؛ لأن الأمر متعلق به على سبيل الوجوب المحقق، ولا يسقط بالشك.
أما على الرأي الثاني فلا يلزمه ذلك؛ لأن الخطاب لم يتوجه إليه (١).
• مسألة: فرض الكفاية قد يصبح فرض عين (٢):
قد يصير الواجب الكفائي واجبًا عينيًا، إذا انحصر الفعل المطلوب في شخص معين أو فئة معينة، فإنه يصبح فرض عين على كل قادر عليه، إذا لم يحصل بعدد محدد.
- إذا تعين في حق شخص معين للقيام به، كأن يختار الإمام شخصًا معينًا يصلي مكانه.
- الشروع في بعض الأعمال كالجهاد.
- كذلك الفقيه الذى يريد أن يجتهد في المسائل، فيتحول تعلم علم أصول الفقه في حقه من فرض كفاية إلى فرض عين؛ لأنه لن يستطيع أن يجتهد أو أن يستنبط إلا بتعلمه، وهكذا.
- ومنه إذا شهد المكلف القادر دون غيره منكرًا، فعليه إنكاره بقدر
стр. 261
استطاعته، ومثله الطبيب في مكان ناء عن المدن، ولم يوجد غيره أصبح إسعاف المريض بالنسبة له فرض عين.
• لطيفة:
من الأمثلة التي تجمع فرض الكفاية مع فرض العين قوله ﵊: «إذا رأيتموه فصوموا» (١)، ففرض الكفاية في قوله ﵊: «إذا رأيتموه»، وفرض العين في قوله: «فصوموا».
• مسألة: أيهما أفضل: فرض العين أم فرض الكفاية؟
للعلماء في هذه المسألة رأيان:
الرأي الأول: أن فرض العين أفضل؛ لشدة اعتناء الشرع به، ولذلك طلب فعله من كل مكلف، ولذلك يكره ترك فرض العين لأداء فرض الكفاية، فلا يحسن ترك الطواف المفروض لصلاة الجنازة؛ لأن الأول فرض عين، والثاني فرض كفاية، وهذا هو رأي الشافعية وغيرهم.
الرأي الثاني: أن فرض الكفاية أفضل؛ لأن فاعل الكفاية ساع في صيانة الأمة كلها عن المأثم، أما فرض العين فإنه يصان به الإثم عن الفاعل فقط، ولا شك أن ما يتعلق بالأمة كلها أهم وأولى مما يتعلق بالبعض، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق الاسفراييني، وإمام الحرمين
стр. 262
ووالده (١).
• أهم الفروق بين الواجب العيني والواجب الكفائي:
١ - أن الواجب العيني مطلوب من كل واحد من المكلفين بعينه، وأما الواجب الكفائي فلا يطلب من واحد بعينه.
٢ - أن الواجب العيني مصلحته ترجع إلى فاعله، أما الواجب الكفائي فمصلحته عامة.
٣ - الواجب العيني: ما تكررت مصلحته بتكرره كالصلوات الخمس وغيرها، فإن مصلحتها الخضوع لله، وتعظيمه، ومناجاته، والتذلل والمثول بين يديه، وهذه الآداب تكثر كلما كررت الصلاة.
وأما الواجب الكفائي: قد لا تتكرر مصلحته بتكرره: كإنجاء الغريق، وغسل الميت، ودفنه، ونحوها.
٤ - الواجب الكفائي ينوب فيه البعض عن الكل، وأما الواجب العيني فلا يكفي فعل بعض المكلفين عن بعضهم الآخر.
٥ - الأمر في الواجب العيني موجه لجميع المكلفين، أي لكل واحد منهم.
стр. 263
أما الأمر في الواجب الكفائي اختلف فيه:
فقيل: إنه موجه للجميع لكن يسقط بفعل البعض.
وقيل: موجه إلى بعض غير معين.
وقيل: متوجه إلى المجموع من حيث هو مجموع (١).
تنبيه: إن فرض الكفاية لو نظرت له نظرة عامة لوجدته متعلقًا بكل الأمة، فإن القادر يجب عليه أن يقوم به، وغير القادر يجب عليه أن يقيمه.
قال الشاطبي: لكن قد يصح أن يقال: إنه واجب على الجميع على وجه من التجوز؛ لأن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة، فهم مطلوبون بسدها على الجملة، فبعضهم هو قادر عليها مباشرة، وذلك من كان أهلًا لها، والباقون وإن لم يقدروا عليها قادرون على إقامة القادرين، فمن كان قادرًا على الولاية فهو مطلوب بإقامتها، ومن لا يقدر عليها مطلوب بأمر آخر، وهو إقامة ذلك القادر، وإجباره على القيام بها، فالقادر إذن مطلوب بإقامة الفرض، وغير القادر مطلوب بتقديم ذلك القادر؛ إذ لا يتوصل إلى قيام القادر إلا بالإقامة، من باب
стр. 264
ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (١).
• التقسيم الثالث: الواجب باعتبار تحديد الشارع للمكلف فيه وعدم تحديده (٢):
ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الواجب المحدد.
القسم الثاني: الواجب غير المحدد.
أما الواجب المحدد: فهو مأخوذ من الحد، وهو الفصل والمنع، يقال: حد بين الشيئين أي فصل بينهما.
الواجب المحدد هو: الفعل الذي طلبه الشارع طلبًا جازمًا، وقد حدده وقدره بمقدار معين، وفصله عن غيره، كالصلوات الخمس، فقد حددت كل صلاة بركعات محددة، وكزكاة الأموال، وصيام رمضان، والنذر إذا كان محددًا، وغسل الرجلين واليدين، وزكاة كل مال واجبة فيه الزكاة مشغولة بها ذمة المكلف حتى تؤدى بمقدارها في مصرفها، ونحو ذلك.
وأما الواجب غير المحدد: فهو الذي لم يعين له الشارع مقدارًا
стр. 265
معينًا، بل طلبه بغير تحديد، كالطمأنينة في الركوع والسجود. والإنفاق في سبيل الله، والتعاون على البر، والتصدق على الفقراء إذا وجب بالنذر، وإطعام الجائع وإغاثة الملهوف، وغير ذلك من الواجبات التي لم يحددها الشارع، لأن المقصود بها سد الحاجة، ومقدار ما تسد به الحاجة يختلف باختلاف الحاجات والمحتاجين والأحوال.
• التقسيم الرابع: الواجب باعتبار وقته وزمن أدائه ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الواجب المؤقت.
القسم الثاني: الواجب غير المؤقت، وهو الواجب المطلق.
أولًا: الواجب المؤقت: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا حتمًا في وقت معين، كالصلوات الخمس، وصوم رمضان، والحج.
فالوقت جزء من الواجب، ولا يلتزم المكلف بالواجب إلا بعد دخول الوقت، ولا يصح أداؤه غالبًا إلا في وقته المحدد له، بدون تقديم ولا تأخير، فإن قدمه عن الوقت فإنه باطل، وإن أخره عن وقته بدون عذر أثم؛ ولذا قال العلماء: الواجب في الصلاة واجبان، وللمؤدي أجران، واجب الأداء وواجب الوقت، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]، وكذا الصيام، فمن
стр. 266
صام في رمضان فله أجران: أجر الصيام وأجر فضيلة الشهر المبارك، ومن فعل الواجب في غير وقته؛ فقد قام بأحد الواجبين، وترك الواجب الآخر، وله أجر في الأول، ويستحق الإثم على ترك الثاني.
ثانيًا: الواجب المطلق عن الوقت: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلبًا حتمًا مطلقًا عن الوقت، مثل الكفارة الواجبة، والنذور المطلقة، فمن حلف يمينًا وحنث، أو نذر، ولم يقيد نذره بوقت، فليس لفعله وقت معين، فإن شاء كفَّر عن يمينه، وأدى نذره فورًا، وإن شاء أخره إلى الوقت الذي يريده، وكذا الحج في العمر عند الشافعية، وقضاء رمضان عند الحنفية.
ويطلق الفقهاء على الواجب المطلق اصطلاح: واجب على التراخي، فيجوز للمكلف أن يفعله في أي وقت شاء، دون أن يترتب عليه إثم في التأخير، ولا يسمى فعله أداء ولا قضاء، والفائدة من هذا التقسيم: أن الأول يثبت في الذمة، فإذا انقضى الوقت ولم يقم المكلف به ثبت في ذمته، وصارت الذمة مشغولة به حتى يقضى، أما الثاني فلا يثبت في الذمة؛ لأنه لم يمض وقته لأنه غير مؤقت.
* تقسيم الواجب المؤقت:
ينقسم الواجب المؤقت بحسب ارتباطه بالوقت إلى ثلاثة أنواع: واجب مضيق، وواجب موسع، وواجب ذي شبهين.
стр. 267
أولًا: الواجب المؤقت بوقت مضيق:
هو الواجب المؤقت الذي يستغرق فعله جميع الوقت المحدد له، والوقت معيار له، فلا يسع واجبًا آخر معه من جنسه، مثل الصيام في شهر رمضان، فالصيام يستغرق جميع الشهر، ولا يستطيع المكلف أن يصوم في شهر رمضان تطوعًا أو نذرًا أو قضاءًا؛ لأن الوقت بقدر الواجب، فلا يزيد عنه، ولا ينقص، ووقته سبب لوجوبه، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ثانيًا: الواجب المؤقت بوقت موسع:
وهو الواجب المؤقت الذي يتسع وقته لأدائه، ولأداء غيره من جنسه، فالوقت أوسع من الواجب، مثل الصلوات الواجبة المؤقتة بأوقات معينة، فإن وقت كل منها يتسع لأداء الفرض، وأداء غيره من الصلوات الأخرى، ويستطيع المكلف أن يصلي في وقت الظهر فرض الظهر، وسننه، ونوافله، وما يرغب من التطوع، وأن يقضي فرضًا آخر عليه.
واتفق العلماء في الواجب الموسع على أن وقته سبب لوجوبه، فوقت دلوك الشمس سبب لوجوب الظهر، ولا تجب الصلاة قبل دخول وقته؛ لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾ [الإسراء: ٧٨].
стр. 268
وذهب جمهور الأصوليين إلى أن جميع وقت الظهر وقت لأدائه، والمكلف مخير في الأداء في أي جزء منه، وأن الشرع وسعه على المكلف.
فائدة: كما أنه جاز التخيير بين أفراد الواجب في الواجب المخير، كخصال كفارة اليمين إما الإطعام، أو الكسوة، أو الإعتاق؛ كذلك يجوز التخيير بين أجزاء الوقت في الواجب الموسع كالصلاة، فإن الصلاة في أول الوقت كالصلاة في وسطه، والصلاة في آخره، ولا فرق بينها في سقوط الفرض وحصول المصلحة (١).
• مسألة مهمة
متى ينقلب الواجب الموسع إلى واجب مضيق؟
وذلك إذا غلب على ظن المكلف العجز عن أداء الواجب طوال وقته.
مثال: شخص ظن الموت بالقصاص أو نحوه بعد فترة من دخول الوقت، وأنه لن يعيش إلى آخر الوقت الموسع، فيصبح الموسع مضيقًا عليه، ويجب أداؤه على الفور.
ومثال ذلك أيصًا: إذا اعتادت المرأة أن ترى الحيض بعد دخول
стр. 269
الوقت بفترة تستطيع فيها الصلاة، فيجب عليها الأداء فورًا، وإن أخرت فهي آثمة.
فإن لم يصل المكلف في مثل هذه الحالة ولم يقتل، أو لم يأت الحيض، ثم أدى الواجب، فاختلف العلماء فيه، فقال أكثرهم: يعتبر فعله أداءً لبيان خطأ ظنه. وقال بعضهم: يعتبر فعله قضاء؛ لأن الوقت صار مضيقًا، فإن أخر فهو قضاء. لكنهم اتفقوا على أنه آثم في التأخير؛ لغلبة الظن بضيق الوقت (١).
ثالثًا: الواجب المؤقت ذو الشبهين:
وهو الواجب الذي لا يسع غيره من جنسه، ولكن لا يستغرق فعله كل الوقت المحدد له، مثل الحج، فإن أشهر الحج تسع فريضة الحج، ولا تسع حجًّا آخر في نفس العام، ولكن أعمال الحج لا تستغرق جميع أشهر الحج، فيمكن أداء أعمال الحج عدة مرات وقت الحج، ولكن لا يحسبها الشارع إلا حجًّا واحدًا، فيمكن الوقوف في عرفة عدة مرات في يوم عرفة، ويمكن للحاج أن يطوف أكثر من مرة، وأن يسعى مرارًا، وأن يرمي الجمار، وغير ذلك من أعمال الحج، فالوقت يسع الواجب
стр. 270
وزيادة من جهة، ولا يسع غيره من جنسه من جهة أخرى، ولذا سمي ذا الشبهين.
ويرى بعض العلماء أن الحج واجب غير مؤقت فهو واجب مطلق، لأنه يجب على المكلف على التراخي طوال العمر، ولكن إذا أراد المكلف أداءه في سنة معينة فهو محدد بأشهر معينة، ومن هنا فالحج واجب ذو شبهين، فهو يشبه الواجب المقيد من جهة، ويشبه الواجب المطلق من جهة أخرى.
• تنبيهات:
التنبيه الأول: للقضاء درجةٌ متوسطةٌ بين الصلاة والحج، وهي قضاء رمضان هو بالنسبة للمعصية كالصلاة، وبالنسبة لعدم الفوات كالحج.
وقد قال بعض العلماء: لو مات بين الرمضانين لم يعص لكن يطعم عنه. وقال البعض: لا يجب عليه شيءٌ لا الإطعام ولا الصيام؛ لأن القضاء محدودٌ بما بين الرمضانين، فإذا مات في أثنائه لم يلزمه، كما لو مات في أثناء وقت الصلاة بخلاف الحج؛ لأن ابتداءه معلومٌ، ولا حد لانتهائه.
стр. 271
التنبيه الثاني: التوسيع كما يكون في الواجب يكون في السنة، كالأضحية (١).
التنبيه الثالث: من دخل في فرضٍ مُوَسَّعٍ حرم عليه قطعه، والفرض المضيق من باب أولي.
• التقسيم الخامس: باعتبار الموجب، وهو نوعان:
النوع الأول: واجب بالشرع، كالصلاة.
النوع الثاني: واجب بالشرط، كالنذر.
• التقسيم السادس: باعتبار المواظبة، وهو نوعان:
النوع الأول: راتب، كالصلوات الخمس، وصوم رمضان، والحج.
النوع الثاني: عارض، كصلاة الاستسقاء، والكسوف، والجنازة.
مسألة: التفريق بين الفرض والواجب:
الوجوب في اللغة: السقوط. والفرض: التأثير. وإلى معناه يرجع أكثر فروع مادته.
قال الجوهري: الفرض: الحز في الشيء، وفرض القوس: هو الحز الذي يقع فيه الوتر، وإذا ثبت ذلك، فالفرض أخص من السقوط، إذ لا
стр. 272
يلزم مثلًا من سقوط الحجر ونحوه على الأرض أن يحز ويؤثر فيها، ويلزم من حزه وتأثيره في الأرض أن يكون قد سقط، واستقر عليها، وإذا كان كذلك وجب اختصاص الفرض بقوةٍ في الحكم، كما اختص بقوةٍ في اللغة، حملًا للمسميات الشرعية على مقتضياتها اللغوية؛ إذ الأصل عدم التغيير (١).
معاني الفرض:
١ - التقدير، ومنه قوله : ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]: أي قدَّرتم، وقوله سبحانه: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾ [النساء: ١١٨]: أي معلومًا.
٢ - التأثير، قال الجوهري: الفرض: الحز في الشيء، وفرض القوس: الحز الذي يقع به الوتر.
٣ - الإلزام، ومنه قوله : ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: ١]: أي أوجبنا العمل بها.
٤ - العطية، يقال: فرضت له كذا وافترضته أي أعطيته، وفرضت له في الديوان (٢).
стр. 273
٥ - الإنزال، ومنه قوله : ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥]: أي أنزل عليك القرآن (١)، قال البغوي: هو قول أكثر المفسرين.
٦ - الإباحة، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٨]: أي أباح الله له (٢).
وقبل مناقشة مسألة التفريق بين الفرض والواجب، لا بد من النظر لبعض المقدمات، وهى:
المقدمة الأولى: لا يلزم من الاختلاف في المعنى الاختلاف في المسمى، بل قد يكون الاختلاف في الاسم فقط.
والمسمى هو الذات، والاسم هو اللفظ الموضوع على الذات لتمييزها، فلا يلزم من تغير الاسم تغير الذات، فالنبي ﵊ اسمه محمد، واسمه أحمد أيضًا، واسمه الحاشر، وغير ذلك، فكل اسم له معنى، ولكن ليس اختلاف معانى الأسماء يعنى اختلاف الذات والمسمى، فالذات واحدة، وهى ذات النبي محمد ﷺ .
المقدمة الثانية: زيادة الرواة الذين ينقلون الخبر تزيد في التصديق،
стр. 274
لا في الأجر والثواب.
فلو روى الحديث ثقة لا بد من تصديقه، ولكن لو كانوا اثنين فأكثر فالتصديق سيزداد، وإن كان الأول مُصَدَّقًا، ولكن ليس معنى ذلك أنه كل ما ازداد الرواة ازداد أجر العمل، أو ازداد عقاب العمل، فالأجر والثواب والإثم والعقاب متوقف على ذات العمل وقيمته، وليس متوقفًا على عدد الرواة، فقد يكون العمل عظيمًا ويرويه واحد أو اثنان، وقد يكون العمل قليلًا ويرويه عدد من الرواة، فحديث النية: «إنما الأعمال بالنيات» (١)، رواه عمر ﵁، وهو حديث آحاد، وهو من الأحاديث التي بني عليها الدين.
المقدمة الثالثة: الأحكام بين الصحابة وبين سائر الأمة أحكام واحدة.
وذلك لأننا أمة واحدة، فلا يصح أن يكون العمل بالنسبة للصحابة فرضًا، وبالنسبة لغيرهم واجبًا على الاختلاف المذكور عند الحنفية؛ حيث قالوا: منكر الفرض كافر، ومنكر الواجب لا يكفر، وفاعل الفرض ثوابه أكبر من ثواب فاعل الواجب، وتارك الفرض وزره وعقابه أكبر من وزر تارك الواجب. هكذا فرق الحنفية بين الفرض
стр. 275
والواجب في الأحكام المترتبة عليهما، فالصحابة سمعوا الحديث من النبي ﷺ وثبت لديهم هذا الحديث قطعي الثبوت لا ظن فيه، فالحديث في حقهم فرض، فلو نَقَل الحديث لنا واحدٌ أو اثنان مثلًا يكون الحديث في حقنا على مذهب الحنفية واجبًا، وهذا يعنى أن الأحكام بيننا وبين الصحابة ستختلف فيكون العمل في حق الصحابة فرضًا قطعي الثبوت، ويكون نفس العمل في حقنا واجبًا ظني الثبوت.
مثال: قراءة الفاتحة في الصلاة مثلًا تعتبر فرضًا بالنسبة إلى رسول الله، وإلى الصحابي الذي سمع الحديث منه، فإن تركها بطلت صلاته، بينما تعتبر قراءة الفاتحة واجبًا بالنسبة إلى بقية الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولا تبطل الصلاة بتركها لثبوتها بخبر الآحاد (١).
المقدمة الرابعة: فهم الصحابة لمسائل الدين هو الفهم الصحيح.
لأنهم هم الذين عاصروا الوحي، ففهمهم للمسائل هو الفهم الصحيح، وهم لم يفرقوا بين الفرض والواجب، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
المقدمة الخامسة: كل تقسيم ينبني عليه عمل لا بد عليه من دليل.
فتقسيم الحنفية وتفريقهم بين الفرض والواجب، هذا أمر ينبني
стр. 276
عليه عمل؛ إذن لا بد من دليل على هذا التقسيم، ولا دليل، بل إن الدليل يثبت عكس ذلك.
والخلاصة أن الحنفية قالوا بالتفريق بينهما واستدلوا بدليلين:
الأول: من ناحية اللغة.
الثاني: من ناحية درجة الثبوت.
الدليل الأول: قالوا الواجب في اللغة: هو الساقط اللازم، أما الفرض هو: الحز أو التأثير.
وجه استدلالهم: أن الفرض له معنى، والواجب له معنى، فإذا ثبت الفرق في اللغة ثبت الفرق في الشرع.
وهذا قول غير صواب؛ لأن الشرع هو الحاكم على اللغة لا العكس، فقد يثبت الفرق في اللغة، لكن الشرع يبين أن المعنى واحد شرعًا.
الدليل الثاني: قالوا الفرض: هو ما ثبت بدليل قطعي، أي في القرآن أو في السنة المتواترة، أما الواجب: هو ما ثبت بدليل ظني، مثل أحاديث الآحاد.
стр. 277
وبالنظر للأدلة الشرعية يتبين أنه لا فرق بينهما، ومن هذه الأدلة:
١ - الحديث القدسي: «قال الله: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» (١).
وجه الاستدلال: الانتقال من الفرض إلى النافلة مباشرة، ولو كان هناك شيء بينهما كما قال الحنفية لذكره الله لنا، بل سيكون ذكر الشيء الذى بينهما وهو الواجب على قول الحنفية أولى من ذكر النافلة، وخاصة أنه على تقسيم الحنفية سيكون الواجب أكثر بكثير في الشريعة من الفرض؛ لأن الأحاديث المتواترة قليلة.
٢ - الحديث النبوي: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال النبي ﷺ : «خمس صلوات في اليوم والليلة»، قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع» (٢)، فانتقل النبي ﷺ من الفرض إلى النفل بدون ذكر واسطة؛ فدل ذلك على أن الفرض هو الواجب.
وقال ﷺ : «يا أيها الناس إن الله فرض عليكم الحج فحجوا» فقال
стр. 278
رجل: يا رسول الله أكل عام؟ فسكت، فقال: «لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم» (١).
ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ سمى الحج فرضًا، وسماه واجبًا، ولا يمكن أن يجتمعا عند الحنفية؛ لأن الفرض ثبت بدليل قطعي والواجب ثبت بدليل ظني، ولكن لما جمع بينهما النبي في شيء واحد؛ دل ذلك على أنه لا فرق بينهما.
٣ - فهم الصحابة: فعن ابن محيريز أن رجلًا من بنى كنانة يدعى المخدجي سمع رجلًا بالشام يدعى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب. قال: فرحت إلى عبادة بن الصامت، فقلت: إن أبا محمد يقول: إن الوتر واجب. فقال عبادة: كذب «أي أخطأ» أبو محمد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد» (٢)، كتبهن أي فرضهن وهذا المعنى عند الجميع من يفرق ومن لم يفرق، والمعنى: فلو كان الوتر واجبًا لم تكن الفروض خمسة.
стр. 279
٤ - بيان نوع الخلاف:
إن الخلاف في هذه المسألة قد اختلف العلماء فيه على قولين:
القول الأول: إن الخلاف معنوي له ثمرة، فقد رتب أصحاب المذهب الأول -وعلى رأسهم الحنفية- على الحكم بفرضية الشيء كفر جاحده، وعدم إمكان جبره، أما الحكم بوجوب الشيء فلا يكفر جاحده، ويمكن جبره، ولذلك قالوا: إن قراءة القرآن في الصلاة فرض، لثبوته بدليل قطعي، وهو قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، أما قراءة الفاتحة في الصلاة فهي واجبة؛ لثبوت ذلك بالدليل الظني، وهو خبر الواحد الذي رواه عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (١).
القول الثاني: إن الخلاف لفظي لا ثمرة له؛ لأنه لا نزاع بين أصحاب المذهبين في انقسام ما أوجبه الشرع علينا وألزمنا إياه من التكاليف إلى قطعي وظني، ولا نزاع بينهم أيضًا على تسمية الظني واجبًا، ولكن النزاع حصل في القطعي، فأصحاب المذهب الثاني يسمونه فرضًا، وواجبًا بطريق الترادف.
وأصحاب المذهب الأول -وعلى رأسهم الحنفية- يسمونه باسم
стр. 280
الفرض، وذلك مما لا يضر أصحاب المذهب الثاني، فليسم كل فريق بما شاء وهو مجرد اصطلاح.
والراجح: التفصيل، فإن نظر إلى الأمر وأنه حقيقة للوجوب بمعنى الطلب الجازم بقطع النظر عن كون الدليل قطعيًّا أو ظنيًّا، فإن الخلاف يكون لفظيًّا.
وإن نظر إلى أحكام كل منهما وما يفيده، فإن الخلاف يكون معنويًّا؛ فإن أصحاب المذهب الأول -وعلى رأسهم الحنفية- قد ذكروا أحكامًا شرعية وفرقوا بينها وبين الأحكام الأخرى، وكان سبب هذا التفريق هو تفريقهم بين الفرض والواجب (١).
* المسألة الخامسة: التفاضل بين الواجبات:
إذا قلنا: إنه لا فرق بين الفرض والواجب، فهل كل الواجبات على درجة واحدة؟
التفاضل بين الواجبات أمر حاصل؛ إذ بعض الواجبات آكد من البعض الآخر.
قال ابن تيمية مقررًا لذلك وممثلًا: وكذلك ليس الأمر بالتوحيد والإيمان بالله ورسوله، وغير ذلك من أصول الدين الذي أمرت به
стр. 281
الشرائع كلها، وغير ذلك مما يتضمن الأمر بالمأمورات العظيمة، والنهي عن الشرك، وقتل النفس، والزنا ونحو ذلك مما حرمته الشرائع كلها، وما يحصل معه فساد عظيم كالأمر بلعق الأصابع، وإماطة الأذى عن اللقمة الساقطة، والنهي عن القران في التمر، ولو كان الأمران واجبين، فليس الأمر بالإيمان بالله ورسوله كالأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد، والأمر بالإنفاق على الحامل وإيتائها أجرها إذا أرضعت (١).
ولا شك أن التفاضل في الواجبات يتضمن تفاضلها في الثواب، ويكون التفاضل أيضًا في الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وفي الخبر والإنشاء، فليس الخبر المتضمن للحمد لله، والثناء عليه بأسمائه الحسنى كالخبر المتضمن لذكر أعدائه كفرعون وإبليس (٢)، وإذا عرف أن بين الأعمال تفاضلًا وتفاوتًا، وأنها على درجات ومراتب؛ كان طلب الأفضل أكمل من طلب المفضول، والطالب إذا كان حكيمًا يكون طلبه للأفضل آكد، ومعلوم أن التفاضل يختلف حسب الأحوال والأشخاص والأوقات.
قال ابن القيم: فالأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته
стр. 282
ومقتضاه، وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق (١).
وقد مثل ابن القيم لذلك بأمثلة كثيرة، فمن ذلك قوله: فأفضل العبادات في وقت الجهاد الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن، والأفضل في وقت حضور الضيف مثلًا القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل (٢).
стр. 283
ثانيًا: المندوب
الندب في اللغة: الدعاء إلى الفعل، قال الجوهري: ندبه للأمر، فانتدب له، أي: دعاه له، فأجاب (١).
ومنه قول الشاعر الحماسي:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم … في النائبات على ما قال برهانًا (٢)
وقال الآمدي: الندب في اللغة، هو الدعاء إلى أمرٍ مهمٍ، وهو أنسب وأشهر في كلام العرب وأغلب، وعليه يحمل عموم كلام غيره (٣).
ومنه الحديث: «انتدب الله لمن يخرج في سبيله» (٤): أي أجاب له طلب مغفرة ذنوبه (٥).
стр. 284
اصطلاحًا: هو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازمٍ (١).
ما طلب الشارع فعله: يدخل فيه الواجب والمندوب، وخرج المحرم والمكروه؛ لأنهما طلب الشارع تركهما، والمباح؛ لأنه لا طلب فيه.
طلبًا غير جازمٍ: خرج الواجب؛ لأنه أمر جازم.
التعريف بالثمرة: هو ما يثاب فاعله امتثالًا، وتاركه غير معاقب.
ومنه قول صاحب نظم الورقات:
والندب ما في فعله الثواب … ولم يكن في تركه عقاب
التعريف بالضد: هو ضد المكروه.
التعريف بالمثال: مثل صلاة الضحى، وصلاة الوتر، وأذكار الصباح والمساء، وصوم عرفة، وغير ذلك.
تنبيه: المندوب قد يكون بأصل وضعه، أو بعد صرفه بدليل.
المعنى: أن المندوب قد يكون بأصل وضعه مندوبًا، كصلاة الضحى لم يأت أمر بها إِذَنْ فهي بأصلها مندوبة.
وقد يكون مندوبًا بعد صرفه بدليل: أي يأتي بلفظ الأمر، ومعلوم أن
стр. 285
الأمر يقتضي الوجوب في أصله، فيأتي دليل ليصرفه إلى الندب، مثل قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثم جاء الصارف: أن النبي ﷺ اشترى فرسًا ولم يشهد (١).
وجه الاستدلال: أنه ﷺ لما ترك الأمر؛ علمنا أن الأمر الأول لم يكن للوجوب، بل صرف إلى الندب.
ومثل قول النبي ﷺ : «صلوا قبل المغرب، لمن شاء» (٢).
• قواعد الصرف:
١ - الصرف بيان: حيث إنه جاء ليبين حقيقة الأمر الأول، وأنه على الندب وليس على الوجوب، ويجب أن يعلم أنه لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.
٢ - الصارف والمصروف كأنهما دليل واحد؛ لأن الشيء لا يستغني عن مبينه.
٣ - معنى الصرف: أن الأمر لما نزل كان مندوبًا، والذى أعلمنا بذلك هو الصارف نفسه، وليس المعنى أن الأمر كان واجبًا شرعًا، ثم انتقل إلى الندب، فهذا باب النسخ وليس الصرف.