← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الشرائع كلها، وغير ذلك مما يتضمن الأمر بالمأمورات العظيمة، والنهي عن الشرك، وقتل النفس، والزنا ونحو ذلك مما حرمته الشرائع كلها، وما يحصل معه فساد عظيم كالأمر بلعق الأصابع، وإماطة الأذى عن اللقمة الساقطة، والنهي عن القران في التمر، ولو كان الأمران واجبين، فليس الأمر بالإيمان بالله ورسوله كالأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد، والأمر بالإنفاق على الحامل وإيتائها أجرها إذا أرضعت (١). ولا شك أن التفاضل في الواجبات يتضمن تفاضلها في الثواب، ويكون التفاضل أيضًا في الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وفي الخبر والإنشاء، فليس الخبر المتضمن للحمد لله، والثناء عليه بأسمائه الحسنى كالخبر المتضمن لذكر أعدائه كفرعون وإبليس (٢)، وإذا عرف أن بين الأعمال تفاضلًا وتفاوتًا، وأنها على درجات ومراتب؛ كان طلب الأفضل أكمل من طلب المفضول، والطالب إذا كان حكيمًا يكون طلبه للأفضل آكد، ومعلوم أن التفاضل يختلف حسب الأحوال والأشخاص والأوقات. قال ابن القيم: فالأفضل في كل وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الوقت ووظيفته

стр. 282

ومقتضاه، وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق (١). وقد مثل ابن القيم لذلك بأمثلة كثيرة، فمن ذلك قوله: فأفضل العبادات في وقت الجهاد الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن، والأفضل في وقت حضور الضيف مثلًا القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل (٢).

стр. 283

ثانيًا: المندوب الندب في اللغة: الدعاء إلى الفعل، قال الجوهري: ندبه للأمر، فانتدب له، أي: دعاه له، فأجاب (١). ومنه قول الشاعر الحماسي: لا يسألون أخاهم حين يندبهم … في النائبات على ما قال برهانًا (٢) وقال الآمدي: الندب في اللغة، هو الدعاء إلى أمرٍ مهمٍ، وهو أنسب وأشهر في كلام العرب وأغلب، وعليه يحمل عموم كلام غيره (٣). ومنه الحديث: «انتدب الله لمن يخرج في سبيله» (٤): أي أجاب له طلب مغفرة ذنوبه (٥).

стр. 284

اصطلاحًا: هو ما طلب الشارع فعله طلبًا غير جازمٍ (١). ما طلب الشارع فعله: يدخل فيه الواجب والمندوب، وخرج المحرم والمكروه؛ لأنهما طلب الشارع تركهما، والمباح؛ لأنه لا طلب فيه. طلبًا غير جازمٍ: خرج الواجب؛ لأنه أمر جازم. التعريف بالثمرة: هو ما يثاب فاعله امتثالًا، وتاركه غير معاقب. ومنه قول صاحب نظم الورقات: والندب ما في فعله الثواب … ولم يكن في تركه عقاب التعريف بالضد: هو ضد المكروه. التعريف بالمثال: مثل صلاة الضحى، وصلاة الوتر، وأذكار الصباح والمساء، وصوم عرفة، وغير ذلك. تنبيه: المندوب قد يكون بأصل وضعه، أو بعد صرفه بدليل. المعنى: أن المندوب قد يكون بأصل وضعه مندوبًا، كصلاة الضحى لم يأت أمر بها إِذَنْ فهي بأصلها مندوبة. وقد يكون مندوبًا بعد صرفه بدليل: أي يأتي بلفظ الأمر، ومعلوم أن

стр. 285

الأمر يقتضي الوجوب في أصله، فيأتي دليل ليصرفه إلى الندب، مثل قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثم جاء الصارف: أن النبي ﷺ اشترى فرسًا ولم يشهد (١). وجه الاستدلال: أنه ﷺ لما ترك الأمر؛ علمنا أن الأمر الأول لم يكن للوجوب، بل صرف إلى الندب. ومثل قول النبي ﷺ : «صلوا قبل المغرب، لمن شاء» (٢). • قواعد الصرف: ١ - الصرف بيان: حيث إنه جاء ليبين حقيقة الأمر الأول، وأنه على الندب وليس على الوجوب، ويجب أن يعلم أنه لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة. ٢ - الصارف والمصروف كأنهما دليل واحد؛ لأن الشيء لا يستغني عن مبينه. ٣ - معنى الصرف: أن الأمر لما نزل كان مندوبًا، والذى أعلمنا بذلك هو الصارف نفسه، وليس المعنى أن الأمر كان واجبًا شرعًا، ثم انتقل إلى الندب، فهذا باب النسخ وليس الصرف.

стр. 286

٤ - الصرف يعمل في الأزمنة المتزاحمة، بخلاف النسخ فإنه يعمل في الأزمنة المتلاحقة. تنبيه: إذا لم يعلم التاريخ تعتبر الأزمنة متزاحمة. ٥ - الأمر يصرف إلى المندوب بالقول والفعل: فالقول مثل حديث سنة المغرب القبلية، والفعل كصرف الأمر بالإشهاد الوارد في الآية بفعل النبي ﷺ ، وهو ترك الإشهاد. ٦ - اللفظ المصروف لا بد أن يحتمل معنى الندب، وإلا لما صح الصرف؛ ولذا اختلفوا في كلمة "واجب" هل تصرف أم لا؟ قال بعضهم: إن لفظ "واجب" لا يصرف؛ لأن كلمة "واجب" في اللغة لا تأتي بمعنى الندب، فكلمة "واجب" عندهم لا يراد بها إلا الوجوب، ولا تستخدم في اللغة أو الشرع بمعنى الندب، وأيد ذلك العلامة أحمد شاكر ﵀ وناقشه في تحقيقه لكتاب «الرسالة» للشافعي. وقال بعضهم: إن لفظ "واجب" يصرف إلى الندب لاحتمال اللفظ لمعنى الندب لغة ووروده شرعًا. ملحوظة: اعلم- رحمك الله - أن أصحاب النبي ﷺ ما كانوا يفرقون في فعلهم بين الواجب والمستحب، وفي تركهم بين الحرام

стр. 287

والمكروه، فكانوا مقبلين على الآخرة، وإن كانوا يفرقون من الناحية النظرية. • مرادفات المندوب: يسمى سنةً، ومستحبًّا، وتطوعًا، وطاعةً، ونفلًا، وقربةً، ومرغبًا فيه، وإحسانًا (١). فائدة: سمي المندوب بالمندوب؛ لأن الشرع ندب ودعا إليه، وسمي بالمستحب؛ لأن الشارع يحبه، وسمي بالنفل؛ لأنه زائد على الفرض، ويزيد في الثواب، وسمي بالتطوع؛ لأن فاعله يأتي به تبرعًا، وسمي فضيلة؛ لأن فعله يفضل تركه (٢). • الأساليب التي تفيد الندب: الأساليب التي تدل على الندب كثيرة، وأهمها: ١ - التعبير الصريح بلفظ يندب أو يسن، ونحوها. ٢ - الطلب غير الجازم، وذلك بأسلوب الأمر السابق المقترن بقرينة لفظية تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب، وقد تكون القرينة

стр. 288

قاعدة شرعية عامة، مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فلفظ «اكتبوه» أمر يقتضي الوجوب، وصرف من الوجوب إلى الندب بقرينة لاحقة في الآية بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فكتابة الدين مندوبة؛ لأن الدائن إن وثق بمدينه فلا حاجة لكتابة الدين عليه، ومثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، فلفظ «كاتبوهم» أمر بمكاتبة العبد ليصبح حرًّا فيما بعد، ولكن هذا الأمر يفيد الندب للنص على القرينة بعده ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، فعلق الكتابة على علم المالك بأن الكتابة خير للعبد، ولوجود قرينة أخرى وهي قاعدة عامة في الشريعة: أن المالك له حرية التصرف في ملكه. وأول الآية نصت على ثبوت الملك له: ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مما يدل على أن الأمر مصروف من الإيجاب إلى الندب. ٣ - عدم ترتيب العقوبة على ترك الفعل، مع طلبه من الشارع، كإتيان الرخص، فلم يرتب الشرع عقوبة على ترك الرخصة، مع طلبه لفعلها. ٤ - مواظبة الرسول ﷺ على الفعل في معظم الأحيان، أوتركه في حالة أو في بعض الأحيان، كالسنن المؤكدة قبل صلاة الفرض أو

стр. 289

بعدها. ٥ - الأساليب العربية الأخرى التي تدل على عدم الإلزام وعدم التحتيم، مثل قوله ﷺ : «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (١)، ومثل قوله: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» (٢)، وقوله: «إن الله جميل يحب الجمال» (٣). فهذه الأحاديث تدل على طلب الفعل، ولكن بدون إلزام ولا تحتيم، وبدون ترتيب العقوبة على التارك، وإنما اقتصر الطلب على التحبيب، وبيان الفضل، والترغيب في الفعل (٤).

стр. 290

* قواعد ومسائل: • أولًا: ما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب (١). والمعنى: أن الفعل المندوب قد يتعلق بفعل مباح، ولا يتم فعل المندوب إلا بفعل هذا المباح، فيصبح هذا المباح مندوبًا. ومثاله: وضع الطيب مندوب، وشراؤه مباح، فإن لم يتم وضع الطيب إلا بالشراء يصبح شراء الطيب مندوبًا. ومثل استخدام السواك مندوب، وشراؤه مباح، فإن لم يتم استخدام السواك إلا بالشراء يصبح الشراء مندوبًا. ومثل ضبط المنبه لقيام الليل يصبح مندوبًا إن لم يقم الليل إلا به، ومعنى أن يصبح المباح مندوبًا أي يؤجر عليه أجر المندوب. • ثانيًا: أقسام المندوب: المندوب ينقسم عند البعض إلى ثلاثة أقسامٍ: أحدها: ما يعظم أجره، فيسمي سنةً. الثاني: ما يقل أجره، فيسمى نافلةً. الثالث: ما يتوسط في الأجر بين هذين فيسمى فضيلةً ورغيبةً (٢).

стр. 291

• وينقسم المندوب من جهة الندب إليه إلى ثلاثة أقسام: أولًا: السنة المؤكدة: والضابط لهذا القسم: أنه ما واظب عليه النبي ﷺ ، ولم يتركه إلا نادرًا ليبين جواز الترك، وأنه ليس واجبًا، ويسمى سنة الهدي، مثل السنن المكتوبة قبل الفرائض أو بعدها، كركعتي الصبح، وسنة الظهر، وسنة المغرب البعدية، وكذلك سنة العشاء، ومثل المضمضة والاستنشاق في الوضوء عند من قال بسنيتهما. وحكم السنن المؤكدة: أن صاحبها يستحق الثواب والأجر من الله تعالى، وأن تاركها لا يعاقب، ولكنه يعاتب ويلام؛ لأن تركها إهمال وإغفال لسنة رسول الله ﷺ ، وأن ما يتعلق من هذا القسم بالشعائر الدينية كالأذان والجماعة إذا اتفق أهل بلد على تركه وجب قتالهم لاستهانتهم بالسنة. ثانيًا: السنة غير المؤكدة: والضابط لهذا القسم: أنه ما لم يواظب عليه النبي ﷺ ، وإنما كان يفعله النبي ﷺ في بعض الأحيان، ويسمى هذا القسم مستحبًا، كما يسمى نافلة.

стр. 292

مثل الصدقة غير المكتوبة، وصلاة الضحى، وسنة العصر قبل الفرض لمن صحح حديثها، وصيام الاثنين والخميس من كل أسبوع. وحكم السنة غير المؤكدة: أن فاعلها يستحق الثواب، وتاركها لا يستحق اللوم والعتاب أو العقاب. ثالثًا: فضيلةٌ وأدبٌ: وتسمى كذلك بسنة الزوائد، وسنة العادة، وهي الأفعال النبوية في غير أمر التعبد (١). والضابط لهذا القسم: أنه يشمل أفعال الرسول عليه الصلاة السلام الجبلية التي يفعلها بحكم صفته البشرية مما لا يتعلق بالأحكام الشرعية، أو العادية التي يفعلها بحكم العادة، وذلك مثل النوم، والمشي، ولبس البياض من الثياب، والاختضاب بالحناء. وحكم هذا القسم: قيل لا يثاب فاعله، بل لا يشرع له المتابعة؛ إذ إن النبي ﷺ لم يفعله بنية التشريع حتى يُتَّبَع فيه، والمشروع التأسي والاتباع فيه هو ما جاء على سبيل التشريع دون غيره. وقيل: يثاب فاعله إن نوى بها متابعة رسول الله ﷺ والتأسي به، ولا

стр. 293

شيء على تاركها مطلقًا، فهذا القسم لا يعتبر من الحكم التكليفي إلا بنية متابعة الرسول ﷺ التي تدل على شدة التعلق والاقتداء به عند بعض العلماء. والفرق بين السنة غير المؤكدة والسنة الزائدة: أن الأولى يستحق صاحبها الثواب بمجرد نية الفعل، والثانية لا يستحق صاحبها الثواب بمجرد نية الفعل، ولا بد من نية الاقتداء والتأسي، وقيل: لا يثاب عليها؛ إذ إنها لم تفعل من النبي بقصد التشريع، بل قد لا يستحب فعلها أصلًا. • ثالثًا: أهمية المندوب: ١ - يُذَكِّر بالواجب، مثل: الصيام يذكر الصيام الواجب. ٢ - يُهَيِّئ للواجب، مثل: السنة القبلية فهي مقدمة للفريضة. ٣ - جبر للواجب، مثل: السنة البعدية وغيرها «نوافل كل فريضة». ٤ - حماية من ترك الواجب (١). قال الإمام أحمد ﵀: من ترك المندوب أوشك أن يترك الواجب، وقال: تارك الوتر رجل سوء (٢).

стр. 294

• رابعًا: حكم من ترك المندوب بالكلية: بالنسبة للفرد لا إثم عليه، لكنه قد يضره؛ حيث إنه يضره في عدم جبر الفريضة، أو يضره في أنه يوصله لترك الواجب، أو يجعله يقوم بالواجب بخلل، أو قد ينسى الواجب لتجاهل المندوب. أما في حق الأمة، فلا تترك الأمة مندوبًا أبدًا، فلو اجتمعت على ترك شيء دل على أنه ليس من الدين؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، وقد قال النبي ﷺ : «لا تجتمع أمتى على ضلالة» (١). • خامسًا: هل المندوب مأمور به؟ بما أن الندب يستفاد من صيغة الأمر المصحوب بقرينة صارفة عن الإيجاب إلى الندب، فيتفرع عن ذلك مسألة مهمة، وهي هل المندوب مأمور به أم لا؟ اتفق العلماء على كون المندوب مأمورًا به، ثم اختلفوا في طبيعة هذا الأمر على قولين: القول الأول: أن المندوب مأمور به حقيقة أي مطلوب، وهو رأي الجمهور من الشافعية، والحنابلة، وقول عند المالكية، والمحققين من

стр. 295

الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي: ١ - أن فعل المندوب يسمى طاعة، والطاعة تكون من امتثال أمر الله تعالى لعباده، فكان المندوب مأمورًا به. واعترض على هذا الدليل فقيل: الطاعة تكون في الأمر، وتكون في الندب، فلا يكون الندب مأمورًا به. ٢ - إن الأمر ينقسم لغة إلى قسمين: أمر إيجاب، وأمر ندب، وكما أن الواجب مأمور به، فكذلك يكون المندوب مأمورًا به. واعترض على هذا الاستدلال أيضًا بأن الأمر ينقسم عند أهل اللغة إلى أمر تهديد، وأمر إباحة أيضًا، والتهديد والإباحة ليس مأمورًا بهما باتفاق، فيكون الندب كذلك ليس مأمورًا به حقيقة. ٣ - المندوب مطلوب كالواجب، ولكن الواجب مطلوب مع ذم تاركه، والمندوب مطلوب من الشارع مع عدم ذم تاركه، والطلب أمر من الشارع، فالمندوب مأمور به. القول الثاني: أن المندوب ليس مأمورًا به حقيقة، وإنما هو مأمور به مجازًا، وهو رأي بعض الحنفية، كالكرخي، والرازي، وأخذت به كتب الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي: ١ - لو كان المندوب مأمورًا به حقيقة؛ لكان تركه معصية،

стр. 296

والمعصية معاقب عليها لمخالفة الأمر، مع أن العلماء اتفقوا على أن ترك المندوب لا يكون معصية، وأن التارك لا يعاقب، ولا يذم -كما سبق في حكمه-، فكان المندوب مأمورًا به مجازًا فقط. ويعترض الغزالي عليهم بأن الندب اقتضاء لا تخيير فيه؛ لأن التخيير عبارة عن تسوية بين أمرين، فإذا رجح جهة الفعل بربط الثواب به ارتفعت التسوية والتخيير، والله تعالى يقضي لعباده ما فيه صلاحهم، ويقضي بالندب لنيل الثواب، وأما القول بأن تاركه لا يسمى عاصيًا فسببه أن العصيان اسم ذم مختص بمخالفة أمر الإيجاب، وقد أسقط الذم عن المندوب، ويسمى تاركه مخالفًا وغير ممتثل، كما يسمى فاعله موافقًا ومطيعًا. ٢ - قال رسول الله ﷺ : «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (١)، فالسواك مندوب، ولم يأمر به الرسول ﵊، ولو أمر به لكان واجبًا. واعترض عليه: بأن الأمر في الحديث محمول على أمر الإيجاب للجمع بين الأدلة، أي: أن الحديث لم يأمر أمر الإيجاب، وهذا الحديث استدل به ابن بدران للدلالة على أن المندوب مأمور به

стр. 297

حقيقة. ٣ - الأمر حقيقة في لفظ افعل، وهذا اللفظ حقيقة في الإيجاب فقط، فالأمر حقيقة في الإيجاب، ولا يكون حقيقة في الندب. واعلم أن هذا الخلاف لفظي لا طائل تحته، ولا يترتب عليه حقائق عملية في الأحكام بين الجمهور والحنفية، وإنما ذكرناه كنموذج عن البحوث النظرية الكثيرة التي بحثها علماء الأصول، وأطالوا الحديث عنها من الناحية النظرية والفكرية والجدلية (١). والصحيح: أن المندوب مأمور به، كما أن الواجب مأمور به؛ لأن الأمر قسمان: مطلق الأمر، والأمر المطلق. فمطلق الأمر ينقسم إلى أقسام: منه المندوب، ومنه الواجب. أما الأمر المطلق هو الأمر الأعلى أي الواجب، وعليه فالمندوب مأمور به بالنظر لمطلق الأمر، أما بالنظر للأمر المطلق ليس مأمورًا به. قال ابن القيم: إنك إذا قلت الأمر المطلق، فقد أدخلت اللام على الأمر، وهي تفيد العموم والشمول، ثم وصفته بعد ذلك بالإطلاق، بمعنى أنه لم يقيد بقيد يوجب تخصيصه من شرط أو صفة وغيرهما، فهو عام في كل فرد من الأفراد التي هذا شأنها، وأما مطلق الأمر

стр. 298

فالإضافة فيه ليست للعموم، بل للتمييز، فهو قدر مشترك مطلق لا عام، فيصدق بفرد من أفراده، وعلى هذا فمطلق البيع جائز، والبيع المطلق ينقسم إلى جائز وغيره (١)، والأمر المطلق للوجوب، ومطلق الأمر ينقسم إلى الواجب والمندوب، والماء المطلق طهور، ومطلق الماء ينقسم إلى طهور وغيره، والملك المطلق هو الذي يثبت للحر، ومطلق الملك يثبت للعبد. فإذا قيل: هل يملك العبد أم لا يملك؟ كان الصواب إثبات مطلق الملك له دون الملك المطلق. وإذا قيل: هل الفاسق مؤمن أم غير مؤمن؟ فهو على هذا التفصيل، والله تعالى أعلم. فبهذا التحقيق يزول الإشكال في مسألة المندوب هل هو مأمور به أم لا؟ وفي مسألة الفاسق هل هو مؤمن أم لا؟ (٢).

стр. 299

• سادسًا: حكم الشروع في المندوب: سبق في التعريف أن المندوب ما يستحق فاعله الثواب، وتاركه لا يستحق العقاب، أي: أن المسلم مخير بين الفعل لكسب الثواب، وبين الترك وعدم الأجر، أو أن المكلف إذا أراد الثواب والأجر فعل المندوب، وإلا تركه بدون عقاب، أما إذا شرع بالمندوب، فهل يبقى له الخيار في استكمال الفعل أو تركه، وإن تركه فلا شيء عليه، أم يجبر على الاستمرار؟ وبتعبير آخر، هل يبقى المندوب بعد الشروع به على حاله السابقة قبل الشروع أم ينقلب إلى واجب؟ اختلف علماء الأصول في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن المندوب يبقى على حاله بعد الشروع فيه، ولا يجب إتمامه، وإن تركه الفاعل فلا إثم عليه، ولا يجب عليه قضاؤه (١)، وهو مذهب الشافعية. القول الثاني: أن المندوب ينقلب إلى واجب، ويصبح لازمًا بالشروع، وأن المكلف إذا شرع بالمندوب وجب عليه إكماله، لكن يجوز تركه استثناء بلا إثم للنص عليه، وإن تركه وجب عليه قضاؤه، وهو مذهب الحنفية. وفصل الإمام مالك وأبو ثور، فقالا: يلزم الإتمام، فإن خرج بلا

стр. 300

عذر لزمه القضاء، وإن خرج بعذر فلا قضاء (١)، وهو ما نقله النووي في المجموع. • أدلة الفريقين: أولًا: استدل الحنفية على رأيهم بالأدلة التالية: ١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣]، فالمندوب بعد الشروع به صار عملًا يستحق صاحبه الثواب، فإن تركه فقد أبطل عمله وثوابه، والقرآن الكريم ينهى عن إبطال العمل، فكان إتمامه واجبًا. ٢ - قياس الشروع في المندوب على النذر بطريق الأولى، وذلك أن النذر التزام قولي، والناذر قبل النذر مخير بين الالتزام وعدمه، وبعد الكلام أصبح النذر واجبًا، وكذا المندوب، فالمكلف قبل الشروع مخير بين الفعل وعدمه، وبعد الشروع ينقلب إلى واجب بالأولى؛ لأن الفعل أقوى من القول. ويعترض على الاستدلال بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الناذر التزم الوجوب قولًا، وألزم نفسه به لولايته عليها، وأما الشروع فليس بالتزام، بل هو أداء بعض المندوب بنية النفل، وليس بنية الوجوب أو الالتزام به.

стр. 301

٣ - إن الشروع بالمندوب يجعله حقًّا لله، وحقوق الله تعالى يجب صيانتها والحفاظ عليها، وطريق صيانة المندوب هو بإلزام المكلف بالباقي أو بقضائه بعد ذلك احتياطًا في العبادات. ثانيًا: استدل الشافعية على رأيهم بما يلي: ١ - إن المندوب يجوز للمكلف أن يتركه في البدء، فكذلك بعد الشروع به يجوز له تركه، والمكلف مخير بين الاستمرار في الفعل وبين تركه، فالمندوب لا يتغير بالشروع، لأن حقيقة الشيء لا تتغير بالشروع، وأن المندوب يبقى بعد الشروع مندوبًا بدليل أنه يتأدى بنية النفل، وأن إتمام المندوب لا يعتبر إسقاطًا لواجب بل هو أداء لنفل. ٢ - قياس الصلاة والصيام على الصدقة، وذلك أن الانسان إذا أخرج عشرة دراهم للتصدق بها، فتصدق بدرهم فقط، فهو بالخيار في الباقي، ولا يجب عليه التصدق بالعشرة، وكذا الصلاة والصوم نفلًا، إذا شرع بهما المكلف فلا ينقلب الباقي إلى واجب. ٣ - قال رسول الله ﷺ : «الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» (١)، وهو نص صريح في حكم المندوب بعد الشروع به، وأن إتمامه عائد إلى المكلف إن شاء استمر، وإن شاء ترك، ولا شيء

стр. 302

عليه. ويظهر من الأدلة ترجيح قول الشافعية لقوة استدلالهم، وموافقة قولهم للأصول، ويرد استدلال الحنفية بالآية ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣]، أنها عامة وتنصرف للأعمال الواجبة جمعًا بين الأدلة، ويتأكد بقاء حكم المندوب على حاله بسبب ورود الحديث، فقد جاء فيه عن أم هانئ ﵂ أن رسول الله ﷺ دخل عليها، فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول الله، أما إني كنت صائمة، فقال رسول الله ﷺ : «الصائم المتطوع أمير نفسه»، وفي رواية: «أمين نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» (١). وروى أبو داود، والترمذي حديثًا آخر، وفيه: «ثم ناوله أم هانئ، فشربت منه، فقالت: يا رسول الله، لقد أفطرت، وكنت صائمة، فقال لها: أكنت تقضين شيئًا؟ فقالت: لا، قال: «فلا يضرك إن كان تطوعًا» (٢) (٣).

стр. 303

• سابعًا: كل تنوع دخل في الوجوب فهو داخل في المندوب، ومن هنا ينقسم المندوب بعدة اعتبارات منها: أقسام المندوب باعتبار الوقت ينقسم إلى قسمين: أولًا: مندوب مضيق، وهو ما لا يسع وقته غيره من جنسه. كصيام يوم عرفة، فصيامه لا يمكن أن يأتي بصيام مندوب آخر معه في نفس وقته. ثانيًا: مندوب موسع، وهو الذى يسع وقته غيره من جنسه، وهو قسمان: ١ - مندوب موسع بين وقتين: وهو ما له وقت بداية، وله وقت نهاية، كصيام الست من شوال، أو كقيام الليل، أو السنن البعدية للصلاة. ٢ - مندوب موسع مطلقًا: وهو له وقت بداية، وليس له وقت نهاية كالعمرة عند من قال بندبها. • ثامنًا: أقسام المندوب باعتبار الفاعل ينقسم إلي قسمين: فكما ينقسم الواجب إلى عيني وكفائي، فكذلك المندوب ينقسم إلى مندوب عيني ومندوب كفائي. المندوب العيني: وهو الذي إذا فعله البعض لا يزال موجودًا في حق

стр. 304

الباقين، مثل: الوتر، وصيام الأيام الفاضلة. المندوب الكفائي: هو أن يقع الامتثال لأمر الاستحباب بفعل البعض، وينقطع دلالة النص على الاستحباب فيما زاد على ذلك، ولا يبقى مستحبًّا، بل داخلًا في حيز المباح أو غيره، مثل: الأذان، والإقامة، والتسليم، والتشميت، وكذا الأضحية والتسمية عند الأكل -عند بعض العلماء - وكذا ما يفعل بالميت مما يندب إليه (١). • تاسعًا: المندوب خادم الواجب: قال الشاطبي: المندوب خادم للواجب؛ لأنه إما مقدمة له، أو تكميلًا له، أو تذكارًا به، سواء كان من جنس الواجب أو لا، فالذي من جنسه كنوافل الصلوات مع فرائضها، ونوافل الصيام والصدقة والحج، والذي من غير جنسه كطهارة الخبث في الجسد والثوب والمُصَلَّى «هذه الأحكام على مذهب الإمام مالك الذي يجعل الطهارة في الصلاة مندوبًا وسنة، وقال الأئمة الثلاثة: ومالك في قول ثان: إنها شرط صحة الصلاة»، والسواك وأخذ الزينة وغير ذلك مع الصلاة، وكتعجيل الإفطار، وتأخير السحور، وكف اللسان عما لا يعني مع الصيام، فإن كان ذلك فهو لاحق بقسم الواجب بالكل، وقلما يشذ عنه مندوب

стр. 305

يكون مندوبًا بالكل والجزء (١). • عاشرًا: المندوب واجب بالكل: إذا كان الفعل مندوبًا بالجزء كان واجبًا بالكل، كالأذان في المساجد والجوامع أو غيرها، وصلاة الجماعة «عند من قال بسنيتها»، وصلاة العيدين، وصدقة التطوع، والنكاح، والوتر، والعمرة «عند من قال بسنية ما سبق»، وسائر النوافل الرواتب، فإنها مندوب إليها بالجزء، ولو فرض تركها جملة لجُرِح التارك لها، ويستحق أهل المصر القتال إذا تركوا الأذان، وقد توعد الرسول من داوم على ترك الجماعة منهم أن يحرق عليهم بيوتهم، والنكاح لا يخفى ما فيه مما هو مقصود للشارع من تكثير النسل، وبقاء النوع الإنساني، وما أشبه ذلك، فالترك لها جملة، مؤثر في أوضاع الدين إذا كان دائمًا، أما إذا كان في بعض الأوقات فلا تأثير له، فلا محظور في الترك (٢).

стр. 306

• مسألة: الفرق بين قاعدة المندوب الذي لا يقدم على الواجب، وقاعدة المندوب الذي يقدم على الواجب: المندوب الذي لا يقدم على الواجب هو ما لم تعرض ضرورةٌ لا تندفع إلا بتقديمه عليه، فيقدم الواجب حينئذٍ عليه جريًا على القاعدة الأغلبية من تقديمه عليه؛ لأنه أفضل منه، ففي مسلمٍ وغيره أنه ﷺ قال: «قال الله تعالى: ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه، ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» (١)، فقد صرح بأن الواجب أفضل من غيره. والمندوب الذي يقدم على الواجب هو ما دعت الضرورة التي لا تندفع إلا بتقديمه على الواجب إلى تقديمه عليه على خلاف القاعدة المذكورة، وله مثلٌ منها: الجمع للمسافر، وكذا للمريض إذا خاف الغلبة على عقله آخر الوقت، فهو متعينٌ لرفع الضرر، ومنها الظهر والعصر عند الزوال يوم عرفة فإنه مندوبٌ قدم على واجبين أحدهما تأخير الصلاة لوقتها، وهي العصر ترك لأن الجمع لضرورة الحجاج في ذلك اليوم للإقبال على الدعاء والابتهال والتقرب اللائق بعرفة، وهو يومٌ لا يكاد يحصل في العمر إلا مرةً بعد ضنك الأسفار، وقطع البراري والقفار، وإنفاق الأموال من الأقطار البعيدة والأوطان النائية ناسب أن

стр. 307

يقدم على مصلحة وقت العصر؛ لأن فوات الزمان هنا للضرورة المذكورة أعظم من فوات الزمان بجمع التقديم بين الصلاتين للمسافر لضرورة السفر؛ لأن الإنسان يمكنه أن لا يسافر أو يسافر معه رفقةٌ موافقون على النزول في أوقات الصلوات، فهو ضررٌ يمكن التحرز منه من حيث الجملة، بخلاف ضرورة مصالح الحج فإنها أمرٌ لازمٌ للعبد لا خروج له عنها، ولا يمكنه العدول عنها إلى غيرها. وثانيها: ترك الجمعة إذا جاءت يوم عرفة؛ لأنها وإن كانت أفضل وواجبة قبل الظهر مع الإمكان كما قال أبو يوسف للإمام مالك لما اجتمع به في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام عام حجه مع هارون الرشيد، إلا أن مالكًا قال له إن ذلك خلاف السنة، فقال له أبو يوسف: من أين لك ذلك، وأنه خلاف السنة، وقد صلى رسول الله ﷺ بالناس ركعتين قبلهما خطبة، وهذه هي صلاة الجمعة، فقال له مالك: جهر فيهما، أو أسر؟! فسكت أبو يوسف، وظهرت الحجة لمالك -رضي الله تعالى عنهم أجمعين- بسبب الإسرار؛ لأن الجمعة جهرية، فلما صلى ﵊ ركعتين سرًّا دل ذلك على أنه صلى الظهر سفرية وترك الجمعة (١).

стр. 308

• مسألةٌ: لا يُترَك المندوب إذا صار شعارًا للمبتدعة: ولا يترك لكونه صار شعارًا للمبتدعة خلافًا لابن أبي هريرة، ولهذا ترك الترجيع في الأذان، والجهر بالبسملة، والتختم في اليمين، وتسطيح القبور محتجًا بأنه ﷺ ترك القيام للجنازة لما أخبر أن اليهود تفعله. وأجيب بأن له ذلك؛ لأنه مشرعٌ بخلاف غيره لا يترك سنةً صحت عنه. وفصل الغزالي بين السنن المستقلة وبين الهيئات التابعة، فقال: لا يترك القنوت إذا صار شعارًا للمبتدعة بخلاف التسطيح، والتختم في اليمين ونحوهما فإنها هيئاتٌ تابعةٌ، فحصل ثلاثة أوجهٍ، والصحيح: المنع مطلقًا (١). • مسألةٌ: لا يترك المندوب لخوف اعتقاد العامة وجوبه: ولا يترك المندوب لخوف اعتقاد العامة وجوبه خلافًا لمالكٍ، ووافقه أبو إسحاق المروزي فيما حكاه الدارمي في «الاستذكار» أنه قال: لا أحب أن يداوم الإمام على مثل أن يقرأ كل يوم جمعةٍ بالجمعة ونحوه؛ لئلا يعتقد العامة وجوبه (٢).

стр. 309

ثالثًا: المباح تعريفه لغة: مشتقٌّ من الإباحة، وهي الإظهار والإعلان، ومنه يقال: باح بسره: إذا أظهره. وقد يرد أيضًا بمعنى الإطلاق والإذن، ومنه يقال: أبحته كذا، أي: أطلقته فيه وأذنت له (١). وقيل: من باحة الدار وهي ساحتها، وفيه معنى السعة وانتفاء العائق؛ لأن الساحة تتسع للتصرف فيها بالسعي والحركة بحسبها، والعائق من ذلك منتفٍ فيها (٢). واصطلاحًا: هو ما أذن الله تعالى للمكلفين في فعله وتركه مطلقًا من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه لذاته (٣).

стр. 310

• شرح التعريف، وبيان محترزاته: قولنا: ما للجنس، ويقصد بها الفعل، أو الشيء، ويدخل في ذلك الأحكام التكليفية كلها الواجب، والمندوب، والمباح، والمكروه، والحرام. قولنا: أذن الله تعالى أي: صدر هذا من الله وهو الشارع الحكيم. قولنا: للمكلفين جمع مكلف، والمكلف هو: البالغ العاقل الذي يفهم الخطاب الشرعي. وخرج بهذا: الصبي والمجنون، والساهي، والنائم، والبهيمة، فأفعال هؤلاء ليست مباحة؛ لعدم التكليف في حقهم. قولنا: في فعله وتركه مطلقًا أي: من غير بدل. وخرج بهذا: الواجب الموسع، والواجب المخير؛ حيث إن المكلف مخير بين أن يفعل هذه الخصلة، أو تلك من غير ذم ولا مدح في تركها؛ فالمكلف مخير بين أن يفعل الصلاة في أول وقتها، أو يفعلها في وسط وقتها، أو يفعلها في آخر وقتها، لكن هذا مشروط بأن لا يترك الصلاة في أول وقتها، إلا إذا كان عازمًا على فعلها في وسط أو آخر وقتها. وكذلك في الواجب المخير: لا يترك خصلة إلا إذا كان عازمًا على

стр. 311

فعل الخصلة الأخرى، من خصال كفارة اليمين مثلًا. فذكرنا في التعريف مطلقًا؛ لإخراج ذلك، أي: أن الترك في المباح يكون مطلقًا غير مشروط. قولنا: من غير مدح ولا ذم في أحد طرفيه: أي أن التارك لا يذم، ولا يمدح، والفاعل لا يذم ولا يمدح، فالفعل والترك وهما الطرفان متساويان عند الشارع. • وهذا القيد أخرج الأحكام التكليفية الأربعة وهي: ١ - الواجب؛ لأنه يتعلق بفعله مدح، وبتركه ذم. ٢ - المندوب؛ لأنه يتعلق بفعله مدح، ولا ذم في تركه. ٣ - الحرام؛ لأنه يتعلق بتركه مدح، وبفعله ذم. ٤ - المكروه؛ لأنه يتعلق بتركه مدح، ولا يتعلق بفعله ذم. قولنا: لذاته أي: تارك المباح وفاعله لا يذم، ولا يمدح لذات المباح من غير اعتبارات أخرى. فخرج بهذا: المباح الذي يترك به واجبًا، وأخرج المباح الذي يستعين به على واجب (١).

стр. 312

التعريف بالثمرة: ما لا يتعلق به ثواب ولا عقاب لذاته. التعريف بالضد: ليس له ضد؛ لأنه وسط. التعريف بالمثال: كالنوم، والأكل والشرب، والبيع والشراء. سبب وضع المباح في الأحكام التكليفية مع أنه ليس فيه طلب: قال بعض العلماء: إنه وضع مسامحة، ولتتمة القسمة. وقال بعض العلماء: إن هذا الحكم مباح، فيجب اعتقاد أن هذا الأمر مباح، لكن يعترض عليه أنه بهذا الاعتقاد خرج من باب المباح وصار واجبًا. وقيل: إنه ليس لذاته، ولكن لتعلقه أحيانًا بأمور خارجية تغير حكمه إلى واجب أو مندوب أو محرم أو مكروه، فليس التكليف في المباح، وإنما فيما يتعلق به. وقيل: لأن الحكم بالإباحة متوقف على حكم الشارع. وقيل: إن المباح وضع في الأحكام التكليفية؛ لأن المخاطب به هو المكلف، فالفعل لا يسمى مباحًا إلا إذا كان يخاطب به المكلفون، ففعل المجنون لا يسمى مباحًا، كما أن الواجب لا يسمى في حقه واجبًا، وكذلك الحرام لا يسمى في حقه حرامًا، فكذلك المباح لا يسمى في حقه مباحًا؛ لأنه مرفوع عنه التكليف، فحينما يخاطب الله

стр. 313

الناس بالمباح يخاطب المكلف، وهذا القول هو الأقرب، والله أعلم. تنبيه: الإباحة منصبةٌ على الجزئيات لا على الكليات فالأكل مباح لكن تركه كليةً حرام. • الأساليب التي تفيد الإباحة: ١ - الصيغة الصريحة في الحل، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وقوله ﷺ في البحر حين سألوه عنه: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (١). ٢ - رفع الحرج أو الإثم أو الجناح أو ما في معنى ذلك، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٩]، وعن أبي المنهال عبد الرحمن بن

стр. 314

مطعمٍ قال: سألت البراء بن عازبٍ وزيد بن أرقم عن الصرف؟ فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله ﷺ ، فسألنا رسول الله ﷺ عن الصرف؟ فقال: «إن كان يدًا بيدٍ فلا بأس، وإن كان نساءً فلا يصلح» (١). ٣ - صيغة الأمر الواردة بعد الحظر لما كان مباحًا في الأصل، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، فهذا أمرٌ جاء بعد حظر البيع عند سماع نداء الجمعة وإيجاب السعي إليها، فلما انتهى الغرض من ذلك عاد الأمر إلى الإباحة السابقة بصيغة طلبٍ أريد بها رفع الجناح العارض لأجل الجمعة. ومنها: صيغة الأمر الواردة لإفادة نسخ الحظر والعودة بحكم الشيء إلى الإباحة كما لو لم يرد الحظر، كقوله ﷺ : «نهيتكم عن زيارة القبور فزورها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاءٍ فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرًا» (٢)، فهذه أوامر جاءت لإزالة الحظر الذي ورد لسببٍ، وقد كانت الأشياء المذكورة قبل الحظر مباحةً، فعادت بهذا الأمر إلى

стр. 315

ما كانت عليه. ٤ - استصحاب الإباحة الأصلية، وهذا الذي يقال فيه: «الأصل في الأشياء الإباحة»، فكل شيءٍ مباحٌ ما لم يرد دليلٌ ينقله من تلك الإباحة إلى غيرها من الأحكام التكليفية، فلا يدعى وجوبٌ أو استحبابٌ أو تحريمٌ أو كراهةٌ إلا بدليلٍ ناقلٍ إليها من الإباحة (١). • أقسام المباح: ينقسم المباح من حيث تعلقه بالنفع والضرر إلى ثلاثة أقسام: ١ - قسم لا ضرر على المكلف في فعله وتركه، كالأكل والشرب، واللباس، والصيد، وصبغ الثياب، والتنزه في الهواء الطلق، وغير ذلك. ٢ - وقسم لا ضرر على المكلف في فعله مع فساده وثبوت ضرره وتحريم أصله، وهو ما أباح الشارع فعله من المحرمات للضرورة أو للإكراه، وما أباح الشارع تركه من الواجبات في حالات خاصة، أو لا ضرر على المكلف بتركه مع وجوب أصله، كالإفطار للحامل المرضع والمسافر، وترك القيام في الصلاة للعاجز، وما أباح الشارع فعله بعد تحريمه لسبب طارئ مثل دم المرتد يباح، ولا ضرر على إراقته، وقد كان دمه حرامًا، فلما ارتد زالت حرمة دمه، بل ينقلب إلى وجوب قتله

стр. 316

على الحاكم، وكذلك أخذ جزء من مهر المرأة، فإنه حرام لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠]، أما إذا استمر الشقاق بين الزوجين فيباح للرجل أن يأخذ من مال زوجته ما تفتدي به نفسها في الخلع كما سبق، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ٣ - قسم ثبت فساده وضرره، ولكن الله تعالى عفا عن صاحبه، فصار فعله مباحًا، فلا يذم على تركه، ولا يثاب على فعله، ويعرف عند الفقهاء بمرتبة العفو. والأمثلة على ذلك كثيرة، كارتكاب المحرمات قبل الإسلام، مثل الزواج من المحارم، والزواج من زوجة الآباء، والجمع بين الأختين، ثم جاء الشرع السماوي فحرم هذه الأفعال، ونص على العفو عنها فيما سبق، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢]، وأكد هذا العفو رسول الله ﷺ بقوله: «الإسلام يجب ما قبله» (١)،

стр. 317

ومثله ما كان شائعًا في أول الإسلام ولم يحرم، واستمر المسلمون على فعله، ثم نص الشرع على تحريمه، كالخمر، وتعدد الزوجات فوق الأربع، وبعض بيوع الجاهلية، وغيرها مما حرمته الشريعة، فكانت قبل التحريم مباحة لا يعاقب فاعلها. وهذا القسم يعتبر من المباح تبعًا لا أصالة. واعتبر بعض الفقهاء هذا القسم مرتبة مستقلة عن الأحكام الخمسة، وأنها مرتبة بين الحلال والحرام؛ لأن المباح هو ما تساوى طرفاه في النفع والضرر، وهذا القسم ثبت ضرره أكثر من نفعه قطعًا لتحريم الشارع له، ولكن الله تعالى عفا عنه، ولم يعذب صاحبه كشارب الخمر مثلًا، واستدل الفقهاء على قولهم بما ورد من النصوص التي تدل على هذه المرتبة المستقلة مثل قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، وما ثبت من العفو عن الخطأ والنسيان والاستكراه، وأن رسول الله ﷺ كان يكره كثرة السؤال فيما لم ينزل فيه حكم بناء على البراءة الأصلية، والأمثلة كثيرة على الأمور المعفو عنها، كالرخص أيضًا، والترجيح بين الدليلين عن التعارض وعدم إمكان الجمع، وما سكت الشارع عنه. ويمكن أن تدخل هذه الأمور تحت حكم المباح الذي لا يؤاخذ

стр. 318

الله فاعله، ويعفو عنه، لما ورد فيها من العفو وعدم المؤاخذة، وأن الفاعل لا يثاب ولا يعاقب على الفعل، وإن كان ضرره أكثر من نفعه، ولكن قد تحيط به ظروف وقرائن وحالات تجعل الضرر متساويًا مع النفع، أو تجعل النفع أكثر من الضرر كأكل لحم الميتة في المخمصة، وشرب الخمر عند خوف الهلاك (١). • مسألة: أنواع الإباحة باعتبار مصدرها: ١ - إباحة شرعية: وهى الثابتة بدليل شرعي، مثل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهذه الصور غالبًا تكون في باب النسخ أي أن الشرع يحرم شيئًا، ثم بعد ذلك يبيحه ويحله، فليلة الصيام كان الرفث فيها غير مباح، ثم جاء قوله تعالى في الآية السابقة فأحل ليلة الصيام وأباحها بنسخ الحكم الأول. ٢ - إباحة عقلية: وهى التي كانت مباحة من جهة العقل وبالنظر إلى البراءة الأصلية، مثل الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، والمقام مقام امتنان، والله تعالى لا يمتن إلا بمباح وطاهر.

стр. 319

• الفرق بين الإباحة العقلية والشرعية: الإباحة العقيلة تباح من قبل العقل، أو من جهة البراءة الأصلية؛ حيث إن الأصل براءة الذمة، فهذه هي البراءة الأصلية، وهي الإباحة العقلية. ومنه ما كان يعمل به الناس قبل نزول الشرع، ففي الربا مثلًا قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فهم كانوا يتعاملون بالربا واكتسبوا أموالًا من الربا، لكن قبل ورود التحريم كان حلالًا من جهة العقل والبراءة الأصلية؛ لذلك عفا الله عنهم. وقال تعالى أيضًا: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، فالذي جمع بين الأختين فعل شيئًا مباحًا عقلًا قبل ورود الشرع، وقبل العلم بالتحريم. • ثمرة التفريق بين الإباحة العقلية والشرعية: أن رفع الإباحة الشرعية يسمي نسخا، مثل قوله تعالي ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. كرفع إباحة الفطر في نهار رمضان لمن لزمه الصيام، وجعل الإطعام

стр. 320

بدلًا عنه هذه إباحة شرعية. وقد دل قوله تعالي «فمن شهد منكم الشهر فليصمه» على نسخ هذ الإباحة وإيجاب الصيام على من شهد الشهر. أما رفع الإباحة العقلية فلا يسمى نسخًا: مثل تحريم الربا، والخمر، والجمع بين الأختين (١). • المباح من حيث الجزء والكل: وقد قسم الشاطبي المباح بحسب الكلية والجزئية إلى أربعة أقسام، وهي: أولًا: المباح بالجزء المطلوب بالكل من جهة الوجوب، كالتمتع بالطيبات من المأكل والمشرب والمركب والملبس، فإن هذه الأمور مباحة بالجزء، ويكون المكلف بالخيار في فعلها أو تركها في بعض الأوقات أو الأحوال، أو إذا قام بها غيره من الناس، أما من حيث الجملة، فإن الأكل والشرب يجب فعلهما، وإن ترك المكلف الأكل والشرب بشكل كلي حتى أصابه الهلاك والموت أو المرض فهو آثم، ويكون تركه حرامًا، فيجب عليه الأكل والشرب، ومثله البيع والشراء، ووطء الزوجات، وممارسة وسائل الاكتساب.
следующие страницы →