على الحاكم، وكذلك أخذ جزء من مهر المرأة، فإنه حرام لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ [النساء: ٢٠]، أما إذا استمر الشقاق بين الزوجين فيباح للرجل أن يأخذ من مال زوجته ما تفتدي به نفسها في الخلع كما سبق، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
٣ - قسم ثبت فساده وضرره، ولكن الله تعالى عفا عن صاحبه، فصار فعله مباحًا، فلا يذم على تركه، ولا يثاب على فعله، ويعرف عند الفقهاء بمرتبة العفو.
والأمثلة على ذلك كثيرة، كارتكاب المحرمات قبل الإسلام، مثل الزواج من المحارم، والزواج من زوجة الآباء، والجمع بين الأختين، ثم جاء الشرع السماوي فحرم هذه الأفعال، ونص على العفو عنها فيما سبق، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾ [النساء: ٢٢]، وأكد هذا العفو رسول الله ﷺ بقوله: «الإسلام يجب ما قبله» (١)،
стр. 317
ومثله ما كان شائعًا في أول الإسلام ولم يحرم، واستمر المسلمون على فعله، ثم نص الشرع على تحريمه، كالخمر، وتعدد الزوجات فوق الأربع، وبعض بيوع الجاهلية، وغيرها مما حرمته الشريعة، فكانت قبل التحريم مباحة لا يعاقب فاعلها.
وهذا القسم يعتبر من المباح تبعًا لا أصالة.
واعتبر بعض الفقهاء هذا القسم مرتبة مستقلة عن الأحكام الخمسة، وأنها مرتبة بين الحلال والحرام؛ لأن المباح هو ما تساوى طرفاه في النفع والضرر، وهذا القسم ثبت ضرره أكثر من نفعه قطعًا لتحريم الشارع له، ولكن الله تعالى عفا عنه، ولم يعذب صاحبه كشارب الخمر مثلًا، واستدل الفقهاء على قولهم بما ورد من النصوص التي تدل على هذه المرتبة المستقلة مثل قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، وما ثبت من العفو عن الخطأ والنسيان والاستكراه، وأن رسول الله ﷺ كان يكره كثرة السؤال فيما لم ينزل فيه حكم بناء على البراءة الأصلية، والأمثلة كثيرة على الأمور المعفو عنها، كالرخص أيضًا، والترجيح بين الدليلين عن التعارض وعدم إمكان الجمع، وما سكت الشارع عنه.
ويمكن أن تدخل هذه الأمور تحت حكم المباح الذي لا يؤاخذ
стр. 318
الله فاعله، ويعفو عنه، لما ورد فيها من العفو وعدم المؤاخذة، وأن الفاعل لا يثاب ولا يعاقب على الفعل، وإن كان ضرره أكثر من نفعه، ولكن قد تحيط به ظروف وقرائن وحالات تجعل الضرر متساويًا مع النفع، أو تجعل النفع أكثر من الضرر كأكل لحم الميتة في المخمصة، وشرب الخمر عند خوف الهلاك (١).
• مسألة: أنواع الإباحة باعتبار مصدرها:
١ - إباحة شرعية: وهى الثابتة بدليل شرعي، مثل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهذه الصور غالبًا تكون في باب النسخ أي أن الشرع يحرم شيئًا، ثم بعد ذلك يبيحه ويحله، فليلة الصيام كان الرفث فيها غير مباح، ثم جاء قوله تعالى في الآية السابقة فأحل ليلة الصيام وأباحها بنسخ الحكم الأول.
٢ - إباحة عقلية: وهى التي كانت مباحة من جهة العقل وبالنظر إلى البراءة الأصلية، مثل الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، والمقام مقام امتنان، والله تعالى لا يمتن إلا بمباح وطاهر.
стр. 319
• الفرق بين الإباحة العقلية والشرعية:
الإباحة العقيلة تباح من قبل العقل، أو من جهة البراءة الأصلية؛ حيث إن الأصل براءة الذمة، فهذه هي البراءة الأصلية، وهي الإباحة العقلية.
ومنه ما كان يعمل به الناس قبل نزول الشرع، ففي الربا مثلًا قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فهم كانوا يتعاملون بالربا واكتسبوا أموالًا من الربا، لكن قبل ورود التحريم كان حلالًا من جهة العقل والبراءة الأصلية؛ لذلك عفا الله عنهم.
وقال تعالى أيضًا: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، فالذي جمع بين الأختين فعل شيئًا مباحًا عقلًا قبل ورود الشرع، وقبل العلم بالتحريم.
• ثمرة التفريق بين الإباحة العقلية والشرعية:
أن رفع الإباحة الشرعية يسمي نسخا، مثل قوله تعالي ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
كرفع إباحة الفطر في نهار رمضان لمن لزمه الصيام، وجعل الإطعام
стр. 320
بدلًا عنه هذه إباحة شرعية.
وقد دل قوله تعالي «فمن شهد منكم الشهر فليصمه» على نسخ هذ الإباحة وإيجاب الصيام على من شهد الشهر.
أما رفع الإباحة العقلية فلا يسمى نسخًا: مثل تحريم الربا، والخمر، والجمع بين الأختين (١).
• المباح من حيث الجزء والكل:
وقد قسم الشاطبي المباح بحسب الكلية والجزئية إلى أربعة أقسام، وهي:
أولًا: المباح بالجزء المطلوب بالكل من جهة الوجوب، كالتمتع بالطيبات من المأكل والمشرب والمركب والملبس، فإن هذه الأمور مباحة بالجزء، ويكون المكلف بالخيار في فعلها أو تركها في بعض الأوقات أو الأحوال، أو إذا قام بها غيره من الناس، أما من حيث الجملة، فإن الأكل والشرب يجب فعلهما، وإن ترك المكلف الأكل والشرب بشكل كلي حتى أصابه الهلاك والموت أو المرض فهو آثم، ويكون تركه حرامًا، فيجب عليه الأكل والشرب، ومثله البيع والشراء، ووطء الزوجات، وممارسة وسائل الاكتساب.
стр. 321
ثانيًا: المباح بالجزء المطلوب بالكل على جهة الندب، كالتمتع بالأكل والشرب بما فوق الحاجة، فهذه الأشياء مباحة بالجزء، ويخير المكلف بين فعلها وتركها في بعض الأحوال أو الأزمان، لكنها مندوبة بالكل بحيث لو تركها المكلف لكان تركه مكروهًا لمخالفة طلب الشارع لها طلبًا غير جازم، مثل قوله ﷺ : «إن الله يحب أن يرى نعمته على عبده» (١)، وقوله ﷺ : «إن الله جميل يحب الجمال» (٢)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢].
ثالثًا: المباح بالجزء المحرم بالكل، كالمباحات التي تقدح المداومة عليها في العدالة، كالتمتع باللذائذ، والمجازفة في الكلام، واعتياد الحلف، وشتم الأولاد، فإنها مباحة في الأصل، ولكن الإكثار منها والاعتياد عليها يصبح حرامًا، ومثله الأكل فوق الشبع مما يؤدي إلى التخمة والمرض.
стр. 322
رابعًا: المباح بالجزء المكروه بالكل، كالتنزه في البساتين، وسماع تغريد الحمام واللعب به، فإنها مباحة بالجزء في أصلها إذا فعلها المكلف مرة أو مرتين في يوم ما، ولكن الاستمرار عليها، وقضاء الأوقات فيها، وجعلها عادة للمرء يترتب عليها بعض الضرر بمخالفة محاسن العادات، فتصبح مكروهة (١).
قال الشاطبي: إن المباح بحسب الكلية والجزئية يتجاذبها الأحكام البواقي، فالمباح يكون مباحًا بالجزء مطلوبًا بالكل على جهة الندب أو الوجوب، ومباحًا بالجزء منهيًّا عنه بالكل على جهة الكراهة أو المنع (٢).
• مسألة: ما هو الجائز؟
الجائز لغةً: العابر.
واصطلاحًا: يطلق على ما لا يمتنع شرعًا، فيعم غير الحرام، مباحًا كان أو واجبًا، أو مندوبًا أو مكروهًا.
ويطلق الجائز أيضًا على ما استوى فيه الأمران شرعًا كمباحٍ، وعلى ما استوى فيه الأمران عقلًا، كفعل صغيرٍ، ويطلق الجائز أيضًا على
стр. 323
مشكوكٍ فيه فيهما أي في الشرع والعقل بالاعتبارين (١).
تتمة:
يطلق المباح شرعًا فيعم: الواجب، والمندوب، والمكروه.
ويطلق الحلال فيعم: الواجب، والمندوب، والمكروه، والمباح.
ودليل ذلك قوله تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس ٥٩].
لكن إطلاق المباح على ما استوى طرفاه هو الأصل بمعنى أن لفظ المباح في الأصل في استعمال الأصوليين والفقهاء أنه ما استوى طرفاه، واعلم أن التداخل هذا للتوسع فقط، أما في تحرير المسائل فيراعى ما استقرت عليه المصطلحات عند الأصوليين.
فائدة: المباحات تنقلب عبادات بالنيات الصالحات، عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك» (٢).
стр. 324
قال النووي «ويتضمن ذلك أن الإنسان إذا فعل شيئًا أصله على الإباحة وقصد به وجه الله فإنه يثاب عليه، وذلك كالأكل بنية التقوي على طاعة الله، والنوم للاستراحة ليقوم إلى العبادة نشيطًا» (١).
مثل: الأكل والشرب، والنوم، والجماع، والنفقة علي النفس والأهل، والتنزه المباح، والمزاح المباح، وبهذا تحول حياتك كلها عبادة لله تعالى.
стр. 325
رابعًا: الحرام
• تعريف الحرام:
الحرام لغةً: المنع، قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] أي: حرمناه رضاعهن ومنعناه منهن؛ إذ لم يكن حينئذٍ مكلفًا، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾ [الأعراف: ٥٠] (١).
واصطلاحًا: ما طلب الشارع تركه على وجه الحتم والإلزام (٢).
• شرح التعريف، وبيان محترزاته:
ما: اسم موصول، صفة لفعل المكلف.
طلب الشارع تركه: أي: الابتعاد عنه وعدم القيام به، ويدخل فيه الحرام والمكروه؛ لأن الشارع طلب تركهما، ويخرج من التعريف المباح والمندوب والواجب لعدم طلب تركها من الشارع.
стр. 326
على وجه الحتم والإلزام: فيخرج المكروه، ويبقى الحرام.
التعريف بالثمرة: هو ما يثاب تاركه امتثالًا، وفاعله متوعد بالعقاب.
يثاب تاركه امتثالًا: لأن وجود الثواب وعدمه في ترك المحرم راجع إلى وجود شرط الثواب وعدمه وهو النية «الامتثال»، إذا وجدت النية حينئذ ترتب الثواب، وان انتفت صح ترك المحرم، ولكن لا ثواب.
متوعد بالعقاب: لأن التوعد بالعقاب لا يلزم منه وجود العقاب، فقد يستحق الشيء ولا يأخذه، ولم نجزم بالعقاب؛ لأن فاعل المحرم قد لا يعاقب، فقد يغفر الله له قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٧].
• مسألة: هل كل من ترك الحرام يثاب؟
الجواب: فيه تفصيل لأن ترك الحرام له عدة صور وهي:
١ - ترك الحرام الذي لم يخطر بباله فهذا لا يستحق تاركه ثوابًا ولا عقابًا.
٢ - ترك الحرام الذي هم بفعله خوفًا من الله فهذا يثاب على تركه.
٣ - ترك الحرام لمانع منعه من الفعل مع همه وعزمه على فعله، فهذا تاركه متوعد بالعقاب.
стр. 327
التعريف بالضد: هو ضد الواجب.
التعريف بالمثال: كشرب الخمر، والزنا، والسرقة، والربا.
• مرادفات الحرام (١):
من مرادفات الحرام: المحظور، والمعصية، والذنب، والممنوع، والقبيح، والسيئة، والفاحشة، والإثم، والمزجور عنه، والمتوعد عليه.
• الأساليب التي تفيد التحريم (٢):
الأساليب التي تفيد التحريم في الكتاب الكريم والسنة الشريفة كثيرة، أهمها:
١ - أن يرد الخطاب صريحًا بلفظ التحريم، وما يشتق منه.
مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، ومثل قوله ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه» (٣).
стр. 328
٢ - نفي الحل، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله ﷺ : «لا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ» (١).
٣ - صيغة النهي، وهي أنواعٌ تعود جملتها إلى:
[١] لفظ النهي الصريح، كقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠].
[٢] صيغة الزجر، كحديث أبي الزبير قال: سألت جابرًا -يعني ابن عبد الله- عن ثمن الكلب والسنور؟ قال: زجر النبي ﷺ عن ذلك (٢).
[٣] صيغة الأمر بالانتهاء، كقوله تعالى للنصارى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، وقوله ﷺ : «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» (٣).
[٤] صيغة الفعل المضارع المقترن ب «لا» الناهية، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وقوله ﷺ : «لا يبع بعضكم على بيع
стр. 329
بعضٍ» (١).
[٥] صيغة «لا ينبغي»، كقوله ﷺ في الحرير: «لا ينبغي هذا للمتقين» (٢).
[٦] صيغة الأمر بالترك بغير صيغة النهي الصريحة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول الله، وماهن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات، … » (٣).
٤ - ما رتب على فعله عقوبةٌ، أو وعيدٌ دنيويٌّ، أو أخرويٌّ، فهو دليلٌ على تحريمه، فمن صوره:
[١] عقوبة الحدود، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
стр. 330
[٢] التهديد بالعقاب، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، وقوله ﷺ : «لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين» (١)، وقوله ﷺ : «لكل غادرٍ لواءٌ يعرف به يوم القيامة» (٢).
[٣] ترتيب اللعنة على الفعل، وهي نوعٌ من العقوبة، وفيه نصوصٌ كثيرةٌ في الكتاب والسنة.
٥ - وصف الفعل بأنه من الذنوب، أو وصفه بأنه كبيرةٌ، ونحو ذلك، كقوله ﷺ : «ما من ذنبٍ أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مثل البغي، وقطيعة الرحم» (٣)، وعن أنسٍ ﵁ قال: سئل النبي ﷺ عن الكبائر؟ قال:
стр. 331
«الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور» (١).
٦ - وصف الفعل بالعدوان، أو الظلم، أو الإساءة، أو الفسق، أو نحو ذلك، كحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء، وتعدى، وظلم» (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
٧ - تشبيه الفاعل بالبهائم، أو الشياطين، أو الكفرة، أو الخاسرين، أو نحوهم، كقوله ﷺ : «ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه» (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وقوله ﷺ : «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في
стр. 332
الآخرة» (١).
٨ - تسمية الفعل باسم شيءٍ آخر محرمٍ معلوم الحرمة، كوصف الفعل بأنه زنا أو سرقة أو شركٌ، أو غير ذلك، ومن ذلك قوله ﷺ : «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق» (٢)، وقوله ﷺ : «أسوأ الناس سرقةً الذي يسرق صلاته» قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق صلاته؟ قال: «لا يتم ركوعها ولا سجودها» (٣).
• أقسام الحرام (٤):
التحريم لم يأت في شريعة الإسلام إلا لشيءٍ كانت مفسدته خالصةً أو غالبةً، وجميع المحرمات لا تخلو من أن تكون على واحدٍ من الوصفين، وهذه قاعدةٌ عظيمةٌ في الفقه لإدراك ما يمكن أن يلحق بالحرام بحسب رجحان جانب المفسدة، أو فقدان المصلحة.
والمفسدة في المحرم تكون في ذات الشيء المحرم، أو يكون المحرم سببًا فيها، وعليه فالمحرمات قسمان:
стр. 333
١ - محرمٌ لذاته «محرم في أصله»:
وهو ما حرمه الشارع ابتداء وأصالة، مثل أكل الميتة والدم والخنزير، ولعب الميسر، وشرب الخمر، والزنا، وقتل النفس، وأكل أموال الناس بالباطل، وزواج المحارم.
ويكون المحرم لذاته غير مشروع أصلًا؛ لأن منشأ الحرمة فيه عين المحل أو ذات الفعل، فهذه حرمت لذواتها، ومفاسدها خالصةٌ أو راجحةٌ، ويترتب على فعلها الإثم والعقاب، وبطلان كونها أسبابًا شرعيةً لثبوت شيءٍ من الأحكام، فالزنا مثلًا لا يثبت به النسب، ولا يأخذ أحكام الزواج الصحيح، والسرقة لا تثبت الملكية للمال المسروق، وهكذا.
٢ - محرمٌ لغيره «محرم بوصفه»:
وهو مباحٌ في الأصل، أو مشروعٌ لخلوه من المفسدة، أو رجحان مصلحته، لكنه في ظرف معينٍ كان سببًا لمفسدةٍ راجحةٍ، فتعتريه الحرمة في تلك الحال.
مثل: البيع والشراء، فإنه مباحٌ مشروعٌ، إلا أنه يحرم عند سماع النداء الأول للجمعة، لما يقع بمزوالته حينئذٍ من تفويت الجمعة، والرجل يخطب امرأةً أجنبيةً ليتزوجها حلالٌ مباحٌ، لكنه يحرم إذا علم
стр. 334
أن مسلمًا غيره قد تقدم لخطبتها حتى ينصرف عنها أو تنصرف عنه، وإنما كانت الحرمة العارضة لما يسبب ذلك من العداوة بين المسلمين بسبب ما يقع من الإيذاء، ومثله أن يبيع على بيع أخيه، وكذلك الصلاة مشروعةٌ في كل وقتٍ إلا في ساعاتٍ منعت الشريعة من الصلاة فيها دفعًا لمشابهة الكفار؛ حيث يسجدون للشمس عند طلوعها وغروبها.
وينظر العلماء إلى المحرم لغيره من جهتين:
فمن جهة أصله فهو مشروع لعدم وجود المفسدة والمضرة فيه، ومن جهة ما اقترن به فهو حرام لما يترتب عليه من مفسدة ومضرة، وهو أمر خارجي عن المحل أو الفعل، ولذا فقد اختلفت آراء الأئمة في حكم كل مسألة من المسائل السابقة، وانقسموا في تكييف المحرم لغيره إلى قسمين كل منهما يرجح أحد الجانبين على الآخر، وظهر قولان:
القول الأول: أن التعاقد على المحرم لغيره يكون فاسدًا لا باطلًا، وهو رأي الحنفية، الذين يفرقون بين البطلان والفساد، وأن الفساد مرتبة بين البطلان والصحة، وأن العقد الفاسد منعقد، ولكنه غير صحيح، وأنه يجب فسخه، فإن نفذ ترتبت آثاره عليه، ويكون المال خبيثًا.
القول الثاني: أن العقد على المحرم لغيره باطل كالعقد على المحرم
стр. 335
لذاته، وأنه لا فرق بين الفساد والبطلان، وهما مرتبة واحدة، وهو رأي جمهور الأئمة، قال الآمدي: مذهب الشافعي أن المحرم بوصفه مضاد لوجوب أصله، أي: أن التحريم للوصف كالتحريم للأصل تمامًا.
ونتيجة للاختلاف السابق اختلفت الأنظار في حكم كل مسألة محرمة لغيرها، ففرق الحنفية بين الصفة الجوهرية التي يتعلق بها التحريم لغيره، ويكون العقد فاسدًا كالربا، وبين الصفة العارضة التي يتعلق بها التحريم لغيره، ويكون حكمها الكراهة فقط، أي: التحريمية، كالبيع وقت أذان الجمعة.
وفرق الشافعية بين المحرم لغيره لوصف فيه كالصلاة بدون طهارة، وحكمها البطلان، وبين التحريم لأمر خارج عن المحل، وحكمه الصحة مثل الطلاق في زمن الحيض، فهو صحيح لصرف التحريم إلى أمر خارج عن الطلاق، وهو ما يفضي إليه من تطويل العدة، وكذا الصلاة في الأوقات والأماكن المنهي عنها.
وهذا الاختلاف يرجع إلى مقتضى النهي، وهو ما سنبينه -إن شاء الله- في المجلد الثالث، الفصل الثاني: النهي.
وينتج عن تقسيم الحرام إلى حرام لذاته وحرام لغيره، جواز استباحة المحرم في بعض الحالات، فالمحرم لذاته يباح بهدف الحفاظ على الضروريات، وهي حفظ الدين، والمال، والنفس، والعقل،
стр. 336
والعرض، فيباح الخمر للحفاظ على الحياة عند التهلكة، ويرخص بالكفر ظاهرًا للحفاظ على النفس عند الإكراه بالقتل، وهكذا.
أما المحرم لغيره، فإنه يباح من أجل الحفاظ على الضروريات السابقة، ومن أجل الحفاظ على الحاجيات، وهي التي يؤدي تركها إلى مشقة بالغة على المكلف، مثل كشف العورة، فتباح للحفاظ على الحياة أحيانًا، وتباح للطبيب من أجل الاستشفاء من الأمراض، وتخفيف الألم عن المريض (١).
• أقسام المحرم باعتبار التعيين والتخيير.
المحرم ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: محرم معين، وهو غالب المحرمات التي نهى عنها الشارع، ورتب على فاعلها العقوبة، كالعبودية لغير الله، وتحريم قتل النفس، وعقوق الوالدين.
القسم الثاني: محرم مخير، وهو أن يحرم الشارع أحد الأمرين فقط، فإذا فعل أحدهما أصبح الآخر محرمًا، وأن المكلف له أن يفعل عدة أشياء إلا واحدًا منها، وهذا القسم محصور وقليل جدًّا، وله عدة أمثلة:
١ - أن يقول رجل لزوجاته: إحداكن طالق. فتحرم واحدة منهن،
стр. 337
فإذا عاشر الزوج ثلاثًا فالرابعة محرمة، كما يجوز أن يعين إحداهن للطلاق أيضًا.
٢ - النهي عن الجمع بين الأختين في وقت واحد، فالشريعة أجازت الزواج بكل منهما، لكن إذا تزوج إحدى الأختين حرمت عليه الأخرى، ما لم يطلق الأولى أو تموت، وكذلك الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمتها.
٣ - نص القرآن الكريم والسنة الشريفة على التخيير في التحريم بين الأم وبنتها، فكل منهما يجوز الزواج منها، ولكن إذا تزوج من إحداهما حرمت عليه الأخرى.
٤ - كان العرب يعددون الزوجات بدون حد، وجاء الإسلام وبعضهم عنده عشر زوجات، فقال رسول الله ﷺ لبعض أصحابه: «أمسك أربعًا وطلق سائرهن» (١)، فتعدد الزوجات زيادة على الأربع زوجات حرام، ولكن لم يعين الشارع المحرمة منهن، وترك الخيار للزوج (٢).
стр. 338
• مسألة: هل يجتمع الإيجاب والتحريم في أمر واحد؟ أو هل يكون الفعل واجبًا وحرامًا معًا؟
الجواب: إن الواجب والحرام ضدان، والضدان لا يجتمعان في الأمر الواحد باتفاق العقلاء، ولكن اختلفوا في المقصود من الواحد الذي يعتبر محلًّا للواجب والحرام، ويتعلق به الإيجاب والتحريم، ويتفرع الكلام حسب الحالات الأربع التالية:
الحالة الأولى: إذا كان الفعل واحدًا بالجنس فيجوز أن يتعلق به الواجب والحرام، أو ينقسم إلى واجب وحرام، وتكون القسمة بحسب الأوصاف والإضافات، كالسجود لله تعالى، والسجود للصنم، فالسجود الأول واجب، والسجود الثاني حرام، ولا تناقض بينهما في تعلق الإيجاب والتحريم في السجود، كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧]، فلا يلزم من تحريم أحد السجودين تحريم الآخر، ولا من وجوب الثاني وجوب الأول، للتغاير بالشخصية بين السجود لله، والسجود للصنم.
الحالة الثانية: إذا كان الواحد متعلقًا بشخص واحد، وليس له إلا جهة واحدة فلا يجوز وجوب الفعل وحرمته في آن واحد؛ لأنه مستحيل، لأن الطلب يتضمن جواز الفعل، وهو يناقض طلب الترك، فيكون تكليفًا بالمحال، ومعنى هذا أن الفعل يجوز تركه، ولا يجوز
стр. 339
تركه في آن واحد كوجوب الصلاة على زيد المكلف الصحيح، وحرمة الصلاة عليه في وقت واحد.
الحالة الثالثة: إذا تعددت الجهة التي يتعلق بها الخطاب، وكانت الجهتان متلازمتين؛ فلا يجتمع الفعل وطلب الترك، لأن الجهتين المتلازمتين ترجعان إلى جهة واحدة، كصوم يوم النحر نذرًا، ففيه مطلق الصوم، والصوم في ذلك اليوم، والمطلق في ضمن المقيد، ومثل الصلاة في الوقت المكروه مكروهة، فلا يثاب عليها، وبالتالي فالصوم باطل، والصلاة باطلة عند بعض العلماء، وقال الحنفية: الصلاة والصوم فاسدان؛ لأن التحريم ورد لأمر عارض، بينما الصلاة والصوم مشروعان بأصلهما، فالصلاة والصوم منعقدان عندهم مع الفساد، وقال بعض الشافعية بصحة الصلاة والصوم لصرف النهي فيهما عن الصلاة والصوم إلى أمر خارج منهما.
الحالة الرابعة: إذا تعددت الجهة، وكانت الجهتان غير متلازمتين، كالصلاة في الأرض المغصوبة، فهنا اختلف العلماء في اجتماع الوجوب والحرمة في هذا الفعل على قولين:
القول الأول: جواز تعلق الطلب مع تعلق النهي في فعل المكلف، ويصح التكليف به، وهو رأي الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية وأحمد في قول؛ لأن النهي لأمر خارج عن ذات الفعل، فلا
стр. 340
يقتضي الفساد، فالصلاة والغصب جهتان منفكتان ولا تلازم بينهما، لإمكان وجود أحدهما دون الآخر، ولتغاير الفعل المحكوم عليه باعتبار اختلاف الجهتين من الغصب والصلاة، فتكون الصلاة في الأرض المغصوبة واجبة بالنظر إلى جهة الصلاة، ومحرمة بالنظر إلى جهة الغصب، ويقيسون ذلك على الأمر لشخص بالخياطة وعدم السفر، فإذا خاط وسافر فهو مطيع في الخياطة عاص في السفر قطعًا، ولأن التغاير بين الشيئين إما أن يكون بتعدد النوع تارة كالإنسان والفرس، وإما بتعدد الشخص تارة كزيد وعمرو، وإما أن يكون باختلاف الصفات في الموضوع الواحد كهذا المثال.
واحتجوا أيضًا بإجماع السلف على عدم أمر الظالمين عند التوبة بقضاء الصلوات المؤداة في الدور المغصوبة، وعدم نهي الظالمين عن الصلاة في الأراضي المغصوبة.
القول الثاني: عدم تعلق الطلب والنهي في أمر واحد ولو تعددت جهته، وهو مذهب الإمام أحمد وأكثر المتكلمين والظاهرية.
وقالوا: إن الصلاة لا تصح في الأرض المغصوبة، ولا يسقط الواجب عندها؛ لأن الصلاة استمرار ومكث في الأرض المغصوبة، وهذا منهي عنه، والمنهي عنه يستحيل أن يكون واجبًا، وإن إقامة الصلاة في المكان المغصوب ليست الإقامة المأمور بها في الصلاة، وإن
стр. 341
الفعل الصادر من المكلف واحد، فلا يكون مثابًا عليه ومعاقبًا عليه في آن واحد (١).
• مسألة: تزاحم المحرمات (٢):
معنى تزاحم المحرمات: أنه قد يتزاحم محرمان في حق شخص واحد في وقت واحد، ولا بد من فعل واحد منها، فيلزمه أن يفعل الأدنى.
مثال: حديث الأعرابى لما بال في المسجد وقام الصحابة وزجروه، فقال النبي ﷺ : «لا تزرموه وأريقوا على بوله سجلًا من ماء» (٣)، ففعل الأعرابي حرام تعارض مع محرمات أخرى منها إيذاء المسلم؛ لأنه إن قطع بوله قد يتضرر بحبسه، ومنها زيادة الحرام لأنه كان لا يعلم أن البول في المسجد حرام فزَجْرُهم إياه قد يؤدى إلى نفوره، فيؤدى ذلك إلى زيادة النجاسة في المسجد، وذلك زيادة في الحرام، فالنبي ﷺ أذن في فعل المحرم الأدنى تجنبًا لمحرمات أكبر.
وهذه القاعدة أصل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
стр. 342
فلو أدى النهي عن المنكر لمفسدة أعظم يحرم النهي عن المنكر حينها.
مثال آخر: امرأة أسلمت في دار الكفر، ولا ضرورة لها في البقاء، ولزمها أن تهاجر إلى بلاد الإسلام، فإنها تسافر ولو بغير محرم، فبقاؤها في بلاد الكفر حرام، والسفر بغير محرم حرام، فتقدم الأدنى، وتسافر بلا محرم.
ومن أمثلة ذلك: فعل موسى ﵇ والخضر، فخرق الخضر للسفينة إتلاف للمال، وهو محرم، ولكنه رأى أن هناك محرمًا أكبر وهو ضياع السفينة يقينًا لقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩]، وكلمة "كل" من صيغ العموم، والتقدير أنه يأخذ كل سفينة سليمة غصبًا، وهذا أمر يقيني، فأتلف الخضر بعض المال من باب تزاحم المحرمات كي لا يضيع المال كله.
وقد يدخل في ذلك مسألة الختان: فإنه يفعل مع أن فيه إيلامًا للجسد، وهو محرم فدل ذلك على وجود محرم أعلى منه ترك هذا من أجل ذاك، ففي الرجل قد يكون الختان للحفاظ عليه من الضرر المترتب على بقاء بعض البول في مجرى البول، كذلك طهارة البدن، وفي الأنثى قد يكون لتعديل الشهوة؛ إذ زيادتها يؤدي إلى انتشار
стр. 343
الفواحش في المجتمع، ففعل المحرم لا يكون إلا من أجل ترك محرم أعلى منه.
* مسألةٌ: هل يقال: هذا أحرم من هذا؟
يصح ذلك باعتبار كثرة الثواب، أو كثرة الزواجر، لا بالنسبة إلى نفس الطلب.
وقد اتفق العلماء على أن الزنى بالأم أشد من الزنى بالأجنبية،
وكذلك الزنى في المسجد آثم من الزنى في الكنيسة.
وقد رد بعض المحققين شدة التحريم فيه إلى أنه فعل حرامين، والكلام لم يقع إلا في محلٍّ واحدٍ (١).
• مسألة: ترك الواجب أعظم من فعل الحرام في الجملة:
قيل: ترك الواجب في الشريعة بل وفي العقل أعظم من فعل الحرام لوجوهٍ:
الأول: أن أداء الواجب مقصودٌ لنفسه، وترك المحرم مقصودٌ لغيره؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فبين أن ما في الصلاة
стр. 344
من ذكر الله أكبر مما فيها من النهي عن الفحشاء.
الثاني: أن أعظم الحسنات هو الإيمان بالله وهو أداء واجبٍ، وترك هذا الواجب كفرٌ (١).
стр. 345
خامسًا: المكروه
المكروه: اسم مفعول من كره بمعنى أبغض، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾: يعني أبغضهم، فهو إذن في اللغة: المبغض سواء كان عينًا أو وصفًا أو عملًا، فأي شيء تبغضه فهو مكروه عندك (١).
واصطلاحًا: هو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم (٢).
شرح التعريف، وبيان محترزاته:
- ما: اسم موصول صفة لفعل المكلف.
- طلب الشارع تركه: أي: الابتعاد عنه وعدم القيام به، ويدخل فيه الحرام والمكروه؛ لأن الشارع طلب تركهما، ويخرج من التعريف المباح والمندوب والواجب لعدم طلب تركها من الشارع.
стр. 346
- طلبًا غير جازم: فيخرج الحرام، ويبقى المكروه.
التعريف بالثمرة: ما يثاب تاركه امثالًا وفاعله غير معاقب.
التعريف بالضد: هو ضد المندوب، قال صاحب نظم الورقات:
وضابط المكروه عكس ما ندب … كذلك الحرام عكس ما يجب
التعريف بالمثال: كالأكل متكئًا.
فائدة: المكروه يكون مكروهًا بأصل الوضع، أو بعد صرفه بدليل.
بأصل الوضع أي لم يأت بلفظ النهي كالأخذ بالشمال والإعطاء بها لكن فهمت الكراهة من السياق، أو بعد صرفه بدليل أي يأتي بلفظ النهي، ولفظ النهي يفيد التحريم، فلو أريد به المكروه فلابد معه من صارف كالشرب قائمًا - عند من قال بكراهيته - نُهِي عنه، ثم ورد فعله عن النبي ﷺ .
* قواعد الصرف في المكروه:
١ - الصرف بيان.
٢ - معنى الصرف: أن النهى أول ما نزل كان مكروهًا علمنا ذلك بالصارف، أما إذا كان محرمًا ثم انتقل إلى المكروه كان ذلك نسخًا.
٣ - الصرف يعمل في الأزمنة المتزاحمة بخلاف النسخ الذي يعمل في الأزمنة المتلاحقة، وعمله في الأزمنة المتزاحمة كي لا
стр. 347
يتأخر عن وقت الحاجة للبيان.
ملحوظة:
المكروه قد يطلق ويراد به الحرام، وقد يراد به ترك ما مصلحته راجحةٌ، وإن لم يكن منهيًّا عنه كترك المندوبات، وقد يراد به ما نهي عنه نهي تنزيهٍ لا تحريمٍ، كالصلاة في الأوقات والأماكن المخصوصة، وقد يراد به ما في القلب منه حزازةٌ، وإن كان غالب الظن حله كأكل لحم الضبع.
وعلى هذا فمن نظر إلى الاعتبار الأول حده بحد الحرام.
ومن نظر إلى الاعتبار الثاني حده بترك الأولى.
ومن نظر إلى الاعتبار الثالث حده بالمنهي الذي لا ذم على فعله.
ومن نظر إلى الاعتبار الرابع حده بأنه الذي فيه شبهةٌ وترددٌ (١).
* الأساليب التي تدل على الكراهة:
تعرف الكراهة في الأحكام الشرعية باستعمالاتٍ تدل عليها، ترجع إلى ثلاثة أنواعٍ:
١ - لفظ الكراهة، كما في حديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال
стр. 348
النبي ﷺ : «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» (١).
ومنها: حديث المهاجر بن قنفذٍ ﵁: أنه أتى النبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: «إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهرٍ أو قال: على طهارةٍ» (٢)، مع ما ثبت عنه ﷺ أنه كان يذكر الله على كل أحيانه (٣).
٢ - صيغة النهي التي قام برهانٌ على صرفها عن التحريم، وذلك كحديث عبد الله بن عباسٍ ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الشفاء في ثلاثةٍ: في شرطة محجمٍ، أو شربة عسلٍ، أو كيَّةٍ بنارٍ، وأنا أنهى عن الكي» (٤)، فهذا النهي للكراهة لا للتحريم، ومما دل عليه: حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن كان في شيءٍ من أدويتكم خيرٌ ففي شربة عسلٍ، أو شرطة محجمٍ، أو لذعةٍ من نارٍ، وما
стр. 349
أحب أن أكتوي» (١)، فهذا إذنٌ لهم في التداوي بالثلاث المذكورات، مع كراهة الكي.
ومن ذلك حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن أكل الثوم (٢)، وهذا النهي ليس للتحريم بأدلةٍ عديدةٍ منها:
حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعامٍ أكل منه وبعث بفضله إليَّ، وإنه بعث إليَّ يومًا بفضلةٍ لم يأكل منها؛ لأن فيها ثومًا، فسألته: أحرامٌ هو؟ قال: «لا، ولكني أكرهه من أجل ريحه» (٣) قال: فإني أكره ما كرهت، وفي روايةٍ: وكان النبي ﷺ يؤتى، والمقصود أنه كان يأتيه الملك.
١ - التروك النبوية التي قصد بها التشريع لا التي جرت بمقتضى الطبع البشري، وهذا يقابل ما يفيده الفعل النبوي من الاستحباب، فكذلك يفيد الترك الكراهة (٤)، وذلك كتركه للأذان في صلاة العيدين مع أمره بالأذان في شبيهها كالجمعة.
стр. 350
* مسألة: هل تتفاوت الكراهة؟
نعم تتفاوت مراتب الكراهة فهي ترتقي بارتقاء المفسدة حتي تكون أعلى مراتب المكروه بأدني مراتب التحريم.
قال القرافي: اعلم أن الأوامر تتبع المصالح كما أن النواهي تتبع المفاسد، والمصلحة إن كانت في أدنى الرتب كان المرتب عليها الندب، وإن كانت في أعلى الرتب كان المرتب عليها الوجوب، ثم إن المصلحة تترقى، ويرتقي الندب بارتقائها حتى يكون أعلى مراتب الندب يلي أدنى مراتب الوجوب، وكذلك نقول في المفسدة التقسيم بجملته، وترتقي الكراهة بارتقاء المفسدة حتى يكون أعلى مراتب المكروه يلي أدنى مراتب التحريم.
* مسائل مهمة:
١ - الصحابة ﵃ ما كانوا يفرقون بين الواجب والمندوب، والمحرم والمكروه من ناحية العمل، ولكنهم كانوا يفرقون من الناحية النظرية والاعتقادية فقط، وذلك لشدة عزيمتهم، فقد لا تجد في كلامهم أن النبي ﷺ أوجب هذا، وندب هذا، أو حرم هذا، وكره هذا، ولكن تجد في كلامهم أمر رسول الله ﷺ ، أو نهى رسول الله ﷺ .
٢ - المكروه في الغالب كان إذا أطلق في الشرع أي في الكتاب
стр. 351
والسنة، وفى لسان السلف كان يراد به الحرام.
يقول ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين: وقد غلط كثيرٌ من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك، حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة، فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم فحمله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثيرٌ جدًّا في تصرفاتهم؛ فحصل بسببه غلطٌ عظيمٌ على الشريعة وعلى الأئمة، وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهه، ولا أقول هو حرامٌ، ومذهبه تحريمه، وإنما تورع عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول عثمان.
وقال أبو القاسم الخرقي فيما نقله عن أبي عبد الله: ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة، ومذهبه أنه لا يجوز، وقال في رواية ابنه عبد الله: لا يعجبني أكل ما ذبح للزهرة ولا الكواكب ولا الكنيسة، وكل شيءٍ ذبح لغير الله، قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣].
فتأمل كيف قال: لا يعجبني. فيما نص الله سبحانه على تحريمه، واحتج هو أيضًا بتحريم الله له في كتابه، وقد نص محمد بن الحسن أن كل مكروهٍ فهو حرامٌ، إلا أنه لما لم يجد فيه نصًّا قاطعًّا لم يطلق عليه
стр. 352
لفظ الحرام؛ وروى محمدٌ أيضًا عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب؛ وقد قال في «الجامع الكبير»: يكره الشرب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء، ومراده التحريم؛ وكذلك قال أبو يوسف ومحمدٌ: يكره النوم على فرش الحرير والتوسد على وسائده، ومرادهما التحريم.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: يكره أن يلبس الذكور من الصبيان الذهب والحرير، وقد صرح الأصحاب أنه حرامٌ، وقالوا: إن التحريم لما ثبت في حق الذكور، وتحريم اللبس يحرم الإلباس، كالخمر لما حرم شربها حرم سقيها، وقالوا: يكره بيع العذرة، ومرادهم التحريم؛ وقالوا: يكره الاحتكار في أقوات الآدميين والبهائم إذا أضر بهم وضيق عليهم، ومرادهم التحريم، وقالوا: يكره بيع السلاح في أيام الفتنة، ومرادهم التحريم.
وقال أبو حنيفة: يكره بيع أرض مكة، ومراده التحريم عندهم؛ قالوا: ويكره اللعب بالشطرنج، وهو حرامٌ عندهم؛ قالوا: ويكره أن يجعل الرجل في عنق عبده أو غيره طوق الحديد الذي يمنعه من التحرك، وهو الغل، وهو حرامٌ؛ وهذا كثيرٌ في كلامهم جدًّا.
وأما أصحاب مالكٍ فالمكروه عندهم مرتبةٌ بين الحرام والمباح، ولا يطلقون عليه اسم الجواز، ويقولون: إن أكل كل ذي نابٍ من
стр. 353
السباع مكروهٌ غير مباحٍ؛ وقد قال مالكٌ في كثيرٍ من أجوبته: أكره كذا، وهو حرامٌ، فمنها أن مالكًا نص على كراهة الشطرنج، وهذا عند أكثر أصحابه على التحريم، وحمله بعضهم على الكراهة التي هي دون التحريم.
وقال الشافعي في اللعب بالشطرنج: إنه لهوٌ شبه الباطل، أكرهه ولا يتبين لي تحريمه، فقد نص على كراهته، وتوقف في تحريمه؛ فلا يجوز أن ينسب إليه وإلى مذهبه أن اللعب بها جائزٌ وأنه مباحٌ، فإنه لم يقل هذا ولا ما يدل عليه، والحق أن يقال: إنه كرهها، وتوقف في تحريمها، فأين هذا من أن يقال: إن مذهبه جواز اللعب بها وإباحته؟!
وقد قال تعالى عقيب ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٤] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] إلى آخر الآيات؛ ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء: ٣٨] وفي الصحيح: «إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة
стр. 354
المال» (١).
فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرمٍ، وتركه أرجح من فعله، ثم حمل من حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغلط في ذلك، وأقبح غلطًا منه من حمل لفظ الكراهة أو لفظ لا ينبغي في كلام الله ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث، وقد اطرد في كلام الله ورسوله استعمال لا ينبغي في المحظور شرعًا وقدرًا وفي المستحيل الممتنع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢]، وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١]، وقوله على لسان نبيه: «كذبني ابن آدم وما ينبغي له، وشتمني ابن آدم وما ينبغي له» (٢)، وقوله ﷺ : «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» (٣)، وقوله ﷺ في لباس الحرير: «لا ينبغي هذا للمتقين» (٤)، وأمثال ذلك (٥).
стр. 355
• ملحوظة:
بعد استقرار المصطلحات لا يجوز استخدام لفظ المكروه بمعنى المحرم؛ لأن هذا سيحدث لبسًا.
٣ - اختلف العلماء في المكروه، هل هو منهيٌّ عنه أم لا؟ كما اختلفوا في المندوب هل هو مأمور به أم لا؟
والجمهور على أن المكروه منهي عنه حقيقة، خلافًا للحنفية، كما أن المندوب مأمور به، والأدلة واحدة، والخلاف واحد، وقد سبق الكلام عنه في المندوب.
٤ - إن الحنفية يقسمون المكروه إلى قسمين: مكروه تحريمي، ومكروه تنزيهي.
والمكروه التحريمي: هو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليل ظني، مثل لبس الحرير والذهب على الرجال الثابت بحديث رسول الله ﷺ : «هذان حرام على رجال أمتي حلٌّ لإناثهم» (١)، والبيع على بيع