← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

والسنة، وفى لسان السلف كان يراد به الحرام. يقول ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين: وقد غلط كثيرٌ من المتأخرين من أتباع الأئمة على أئمتهم بسبب ذلك، حيث تورع الأئمة عن إطلاق لفظ التحريم، وأطلقوا لفظ الكراهة، فنفى المتأخرون التحريم عما أطلق عليه الأئمة الكراهة، ثم سهل عليهم لفظ الكراهة وخفت مؤنته عليهم فحمله بعضهم على التنزيه، وتجاوز به آخرون إلى كراهة ترك الأولى، وهذا كثيرٌ جدًّا في تصرفاتهم؛ فحصل بسببه غلطٌ عظيمٌ على الشريعة وعلى الأئمة، وقد قال الإمام أحمد في الجمع بين الأختين بملك اليمين: أكرهه، ولا أقول هو حرامٌ، ومذهبه تحريمه، وإنما تورع عن إطلاق لفظ التحريم لأجل قول عثمان. وقال أبو القاسم الخرقي فيما نقله عن أبي عبد الله: ويكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة، ومذهبه أنه لا يجوز، وقال في رواية ابنه عبد الله: لا يعجبني أكل ما ذبح للزهرة ولا الكواكب ولا الكنيسة، وكل شيءٍ ذبح لغير الله، قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]. فتأمل كيف قال: لا يعجبني. فيما نص الله سبحانه على تحريمه، واحتج هو أيضًا بتحريم الله له في كتابه، وقد نص محمد بن الحسن أن كل مكروهٍ فهو حرامٌ، إلا أنه لما لم يجد فيه نصًّا قاطعًّا لم يطلق عليه

стр. 352

لفظ الحرام؛ وروى محمدٌ أيضًا عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه إلى الحرام أقرب؛ وقد قال في «الجامع الكبير»: يكره الشرب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء، ومراده التحريم؛ وكذلك قال أبو يوسف ومحمدٌ: يكره النوم على فرش الحرير والتوسد على وسائده، ومرادهما التحريم. وقال أبو حنيفة وصاحباه: يكره أن يلبس الذكور من الصبيان الذهب والحرير، وقد صرح الأصحاب أنه حرامٌ، وقالوا: إن التحريم لما ثبت في حق الذكور، وتحريم اللبس يحرم الإلباس، كالخمر لما حرم شربها حرم سقيها، وقالوا: يكره بيع العذرة، ومرادهم التحريم؛ وقالوا: يكره الاحتكار في أقوات الآدميين والبهائم إذا أضر بهم وضيق عليهم، ومرادهم التحريم، وقالوا: يكره بيع السلاح في أيام الفتنة، ومرادهم التحريم. وقال أبو حنيفة: يكره بيع أرض مكة، ومراده التحريم عندهم؛ قالوا: ويكره اللعب بالشطرنج، وهو حرامٌ عندهم؛ قالوا: ويكره أن يجعل الرجل في عنق عبده أو غيره طوق الحديد الذي يمنعه من التحرك، وهو الغل، وهو حرامٌ؛ وهذا كثيرٌ في كلامهم جدًّا. وأما أصحاب مالكٍ فالمكروه عندهم مرتبةٌ بين الحرام والمباح، ولا يطلقون عليه اسم الجواز، ويقولون: إن أكل كل ذي نابٍ من

стр. 353

السباع مكروهٌ غير مباحٍ؛ وقد قال مالكٌ في كثيرٍ من أجوبته: أكره كذا، وهو حرامٌ، فمنها أن مالكًا نص على كراهة الشطرنج، وهذا عند أكثر أصحابه على التحريم، وحمله بعضهم على الكراهة التي هي دون التحريم. وقال الشافعي في اللعب بالشطرنج: إنه لهوٌ شبه الباطل، أكرهه ولا يتبين لي تحريمه، فقد نص على كراهته، وتوقف في تحريمه؛ فلا يجوز أن ينسب إليه وإلى مذهبه أن اللعب بها جائزٌ وأنه مباحٌ، فإنه لم يقل هذا ولا ما يدل عليه، والحق أن يقال: إنه كرهها، وتوقف في تحريمها، فأين هذا من أن يقال: إن مذهبه جواز اللعب بها وإباحته؟! وقد قال تعالى عقيب ذكر ما حرمه من المحرمات من عند قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٤] إلى قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] إلى آخر الآيات؛ ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾ [الإسراء: ٣٨] وفي الصحيح: «إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة

стр. 354

المال» (١). فالسلف كانوا يستعملون الكراهة في معناها الذي استعملت فيه في كلام الله ورسوله، ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرمٍ، وتركه أرجح من فعله، ثم حمل من حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغلط في ذلك، وأقبح غلطًا منه من حمل لفظ الكراهة أو لفظ لا ينبغي في كلام الله ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث، وقد اطرد في كلام الله ورسوله استعمال لا ينبغي في المحظور شرعًا وقدرًا وفي المستحيل الممتنع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢]، وقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١]، وقوله على لسان نبيه: «كذبني ابن آدم وما ينبغي له، وشتمني ابن آدم وما ينبغي له» (٢)، وقوله ﷺ : «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» (٣)، وقوله ﷺ في لباس الحرير: «لا ينبغي هذا للمتقين» (٤)، وأمثال ذلك (٥).

стр. 355

• ملحوظة: بعد استقرار المصطلحات لا يجوز استخدام لفظ المكروه بمعنى المحرم؛ لأن هذا سيحدث لبسًا. ٣ - اختلف العلماء في المكروه، هل هو منهيٌّ عنه أم لا؟ كما اختلفوا في المندوب هل هو مأمور به أم لا؟ والجمهور على أن المكروه منهي عنه حقيقة، خلافًا للحنفية، كما أن المندوب مأمور به، والأدلة واحدة، والخلاف واحد، وقد سبق الكلام عنه في المندوب. ٤ - إن الحنفية يقسمون المكروه إلى قسمين: مكروه تحريمي، ومكروه تنزيهي. والمكروه التحريمي: هو ما طلب الشارع تركه طلبًا جازمًا بدليل ظني، مثل لبس الحرير والذهب على الرجال الثابت بحديث رسول الله ﷺ : «هذان حرام على رجال أمتي حلٌّ لإناثهم» (١)، والبيع على بيع

стр. 356

الآخر، والخطبة على خطبة غيره (١)، وحكمه أنه إلى الحرام أقرب، وهو قسم من الحرام عند الإمام أبي حنيفة والإمام أبي يوسف، وإن أطلق عليه لفظ المكروه، ويأخذ أحكام الحرام تقريبًا من تحريم الفعل وطلب الترك واستحقاق العقاب على الفعل، ولكن لا يكفر جاحده. والمكروه التنزيهي: هو ما طلب الشارع تركه طلبًا غير جازم، وحكمه مثل حكم المكروه المذكور عند الجمهور سابقًا، وأن فاعله يخالف الأولى، مثل الوضوء من سؤر سباع الطير. ٥ - قسم بعض الشافعية المكروه إلى قسمين، بحسب الدليل في النهي، فإن كان النهي غير الجازم مخصوصًا بأمر معين فهو مكروه، مثل قوله ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» (٢)، وإن كان النهي غير الجازم غير مخصوص بأمر معين فيكون فعله خلاف الأولى، كالنهي عن ترك المندوبات، وإفطار المسافر في رمضان (٣).

стр. 357

• خاتمة الحكم التكليفي: وإلى هنا ننتهي من الحكم التكليفي، وأنه يقسم عند الجمهور إلى خمسة أقسام وهي: الواجب، والمندوب، والمباح، والحرام، والمكروه، وزاد الحنفية قسمين: وهما: الفرض، والمكروه تحريمًا، فصار المجموع عندهم سبعة أقسام. وهذه الأحكام التكليفية تتعلق بأفعال المكلف، فقد يكون الفعل واجبًا كالصلاة، وقد يكون مندوبًا كالنوافل، وقد يكون مباحًا كالبيع والأكل، وقد يكون مكروهًا مثل كثرة الكلام، وقد يكون محرمًا كالسرقة والقتل. وقد تتعلق هذه الأحكام بفعل واحد، وتعتريه الأحكام الخمسة كلها أو بعضها بحسب الظروف والأحوال التي تحيط به، كالزواج يكون واجبًا على المكلف إذا استطاع تكاليف الزواج وتأكد من نفسه الوقوع في الحرام، إذا لم يتزوج، ويكون مندوبًا في الأحوال العادية مع القدرة على الباءة، ويكون محرمًا إذا تأكد من نفسه ظلم زوجته وعدم قيامه بحقوقها، ويكون مكروهًا إذا خاف أو ظن ذلك، ويكون مباحًا إذا تساوت المحاسن والمفاسد، مثل الزواج، فكثير من أفعال المكلفين تعتريها الأحكام الخمسة أو بعضها بحسب القرائن المحيطة بها، كما أن الأحكام تختلف من حيث الجزئية والكلية، وسبق بيان ذلك في المندوب والمباح.

стр. 358

الأهلية وعوارضها • تعريف الأهلية: لغةً: الصلاحية، تقول: فلانٌ أهلٌ لكذا. أي صالحٌ ومستوجبٌ له، وتقول: أهلته لكذا. إذا جعلته صالحًا له. واصطلاحًا: نوعان (١): ١ - أهلية وجوبٍ: وهي صلاحية الإنسان لأن تثبت له الحقوق، وتجب عليه الواجبات. ويعبر عن هذه الأهلية بالذمة، فكل إنسانٍ له ذمةٌ تتعلق بها حقوقٌ وواجباتٌ. وتثبت هذه الأهلية للإنسان بمجرد الحياة، فكل إنسانٍ حيٍّ له أهلية وجوبٍ.

стр. 359

قيل: أصل هذه الأهلية مستفادٌ من العهد الأول الذي أخذه الله تعالى على بني آدم، كما قال : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ذلك أن الذمة هي العهد، والعهد الثابت للإنسان بمجرد إنسانيته هو هذا العهد. أما تسميتها ذمة فقيل: لأن نقض العهد يوجب الذم، فسمي العهد بما يؤول إليه نقضه. ٢ - أهلية أداءٍ: وهي صلاحية الإنسان للمطالبة بالأداء بأن تكون تصرفاته معتدًّا بها، وهذه الأهلية تثبت للإنسان ببلوغه سن التمييز. • الأهلية كاملة وناقصة: أهلية الإنسان تختلف كمالًا ونقصًا بحسب كماله أو نقصه في الحياة والعقل، ويمكن إدراكها من خلال أدوار الإنسان، وهي كالتالي: ١ - الجنين: هو موصوفٌ بالحياة، وهو نفسٌ، وإن لم يستقل بعد عن أمه، يدل عليه حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قضى في امرأتين من هذيلٍ اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجرٍ، فأصاب بطنها وهي حاملٌ، فقتلت ولدها الذي في بطنها، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقضى أن دية ما في بطنها غرةٌ عبدٌ أو أمةٌ، فقال ولي المرأة التي

стр. 360

غرمت: كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل، فقال النبي ﷺ : «إنما هذا من إخوان الكهان» (١). فهذا الحديث فيه اعتبار حياة الجنين شرعًا، لكن النبي ﷺ لم يجعل ديته دية المولود، بل نقصت عن ذلك، وذلك لأجل عدم انفصاله واستقلاله. لهذا فأهليته أهلية وجوبٍ ناقصةٌ يجب له لا عليه، ومن فروع هذه الأهلية: استحقاقه الميراث والوصية. ٢ - الطفل غير المميز: ليس للتمييز سنٌّ محددٌ في الشرع، إنما هو أمرٌ تقديريٌّ يعود إلى ما غلب عليه من التفريق بين المنافع والمضار وإدراك الخطأ والصواب، ويمكن أن يجعل له ضابطٌ بفهم الطفل للاستئذان قبل الدخول في الساعات الثلاث التي قال الله تعالى فيها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨]، وكذلك بتمييز الطفل بين ما هو عورةٌ، وما ليس بعورةٍ، فإن الله تعالى ذكر فيمن استثناهم فيمن تبدي

стр. 361

المرأة بحضرتهم زينتها الأطفال الذين لم يميزوا بقوله: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]. والأهلية الثابتة للطفل الذي لم يميز أهلية وجوبٍ كاملةٌ، تجب له الحقوق وعليه، أما وجوب الحقوق فإذا صحت للجنين فله أولى، فتثبت حقوقه في الميراث، والوصية، وغير ذلك، وأما الوجوب عليه فليس على معنى أنه مطالبٌ بها، فإنه ليس عليه أهلية أداءٍ، وإنما تجب عليه حقوقٌ يؤديها عنه وليه، كوجوب الزكاة في ماله، فإن على وليه أن يخرج من ماله الزكاة، ولو أتلف شيئًا وجب الضمان في ماله يؤديه عنه وليه، لكنه لا يؤاخذ في نفسه ولا يوصف بالتقصير لفقدانه شرط التكليف. عن عبد الله بن عباسٍ ﵄ قال: رفعت امرأةٌ صبيًّا لها فقالت: ألهذا حجٌّ؟ قال: ««نعم، ولك أجرٌ» (١)، فهذا فيه صحة حج الصبي، وجمهور العلماء على أن ذلك في حقه تطوعٌ، لا يسقط به فرضه لعدم التكليف، ووجه اعتبار حجه لما يعانيه وليه من حمله وأداء المناسك به.

стр. 362

٣ - الطفل المميز الذي لم يبلغ: تثبت له أهلية وجوبٍ كاملةٍ، فهو أولى بهذا الحكم من غير المميز، وتقدم أنها ثابتةٌ له. وكذلك تثبت له أهلية أداءٍ ناقصةٍ بسبب نقصان عقله، يصح منه الإيمان وجميع العبادات، ولا يجب عليه ذلك، فهو غير مؤاخذٍ بالإخلال لكنه مأجورٌ على الامتثال، كما تقدم في حديث الحج، وأمر الأولاد بالصلاة ونحوها من العبادات من جهة الأولياء قبل أن يبلغوا الحلم ليس لوجوب ذلك عليهم، إنما لتأديبهم وتمرينهم، فقد تقدم الحديث الصحيح في رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم (١). وأما تصرفاته المالية فهي على ثلاثة أنواعٍ: [١] ما فيه منفعةٌ خالصةٌ للطفل، كالهبة والصدقة له، فلو قبلها فقبوله صحيحٌ معتبرٌ، بناءًا على الأصل في مراعاة منفعته. [٢] ما فيه ضررٌ خالصٌ له، فتصرفه فيه غير معتبرٍ، كأن يهب من ماله، فهو ليس أهلًا للتصرف في المال لقصور العقل، وقد قال الله تعالى لولي مال اليتيم: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].

стр. 363

[٣] ما تردد بين المنفعة والضرر، كمزاولة البيع والشراء من قبل الطفل، فاحتمال الربح والخسارة واردٌ فيها، فهذا النوع من العقود صحيحٌ منه إذا أذن الولي، فإذنه يجبر النقص في أهلية الأداء عند الصبي. ٤ - البالغ العاقل: هذا سن الاكتمال الذي تثبت فيه الأهليتان: أهلية الوجوب، وأهلية الأداء كاملتين، فهو صالحٌ لجميع التكاليف الشرعية، ومسؤولٌ عن جميع تصرفاته. عوارض الأهلية (١): الأهلية الكاملة قد يعتريها ما يزيلها أو ينقصها أو يؤثر فيها بتغيير بعض الأحكام. وتسمى تلك المؤثرات بعوارض الأهلية. وتنقسم إلى قسمين: * القسم الأول: عوارض كونية: وهي المؤثرات في الأهلية الخارجة عن إرادة الإنسان وتصرفه، ويندرج تحتها:

стр. 364

١ - الجنون: وهو اختلال العقل بحيث يمنع من صدور الأفعال والأقوال على نهج العقل إلا نادرًا. لا يمنع أهلية الوجوب، لأنها تثبت بمجرد الحياة، فله أهلية وجوبٍ كاملةٌ، لكن ليس له أهلية أداءٍ، فهي منعدمةٌ في حقه لزوال العقل. وتقدم فيه قول النبي ﷺ : «رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ» (١). ٢ - العته: وهو اختلالٌ في العقل يصير به صاحبه مختلطًا، يشبه حاله أحيانًا حال العقلاء، وأحيانًا حال المجانين. فهذا له حالان: الإلحاق بالمجنون حين تغلب عليه أوصافه، وبالعاقل حين تغلب عليه أوصافه، لكنه لا يكون له منزلة العاقل البالغ من أجل ما يعتريه من وصف المجانين، فلذا: تثبت له أهلية وجوبٍ كاملةٌ، وتنعدم في حقه أهلية الأداء عندما يلحق بالمجنون، وتثبت له أهلية أداءٍ ناقصةٌ حين يلحق بالعقلاء.

стр. 365

وفيه قوله ﷺ في بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في رفع القلم: «وعن المعتوه حتى يعقل» (١). * أثر الجنون في العبادات البدنية: - في الوضوء والتيمم: - أجمع الفقهاء على أن الجنون قليلًا كان أو كثيرًا ناقضٌ للوضوء (٢). كما صرحوا بأن كل ما يبطل الوضوء يبطل التيمم أيضًا (٣). - أثر الجنون في سقوط الصلاة: لا خلاف بين الفقهاء في أن المجنون غير مكلفٍ بأداء الصلاة في حال جنونه، فلا تجب الصلاة على مجنونٍ لا يفيق؛ لأن أهلية الأداء تفوت بزوال العقل (٤)، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعًا:

стр. 366

«رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل». أثر الجنون في الصوم: - اتفق الأئمة على أن الجنون مسقطٌ للصوم إذا كان مطبقًا، وذلك بأن يمتد إلى أن يستغرق شهر رمضان؛ لأنه لم يشهد الشهر، وهو السبب لوجوب الصوم، ولذا فلا يجب الصوم على المجنون. أثر الجنون في الحج: الجنون كما سبق من عوارض الأهلية، فالمجنون لا يتأتى منه أداء أفعال الحج، وكذلك لو وقف بعرفة وهو مجنونٌ ولم يفق حتى خرج منها لم يجزئه. - أثر الجنون في الزكاة: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه تجب الزكاة في مال المجنون ويخرجها الولي من ماله، فإن لم يخرج، أخرج المجنون بعد الإفاقة زكاة ما مضى، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من ولي يتيمًا له مالٌ، فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة»، وروي موقوفًا على عمر ﵁، وإنما تأكله الصدقة بإخراجها، وإنما يجوز للولي إخراجها

стр. 367

إذا كانت واجبةً؛ لأنه ليس له أن يتبرع بمال اليتيم؛ ولأن الشارع جعل ملك النصاب سببًا في الزكاة، والنصاب موجودٌ، والخطاب بإخراجها يتعلق بالولي، والمجنون والصبي سواءٌ في هذا الحكم. - أثر الجنون في التصرفات القولية: أجمع الفقهاء على أن الجنون كالإغماء والنوم، بل هو أشد منهما في فوات الاختيار، وتبطل عبارات المغمى عليه والنائم في التصرفات القولية، كالطلاق، والإسلام، والردة، والبيع والشراء، وغيرها من التصرفات القولية، فبطلانها بالجنون أولى؛ لأن المجنون عديم العقل والتمييز والأهلية، واستدلوا لذلك بقوله ﵊: رفع القلم عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل (١)، ومثل ذلك كل تصرفٍ قوليٍّ لما فيه من الضرر (٢). - أثر الجنون في عقود المعاوضة: لا خلاف بين الفقهاء في أن كل تصرفٍ قوليٍّ يصدر في حال الجنون فهو باطلٌ، فالمجنون لا تصح عقوده لرجحان جانب الضرر

стр. 368

نظرًا إلى سفهه، وقلة مبالاته، وعدم قصده المصالح (١). - أثر الجنون في التبرعات: - سبق بيان أن التصرفات القولية لا تصح من المجنون؛ لأنه بالجنون تسلب الولايات، واعتبار الأقوال، فلا تصح هبته ولا صدقته، ولا وقفه، ولا وصيته، وما إلى ذلك؛ لأن التصرفات يشترط فيها كمال العقل، والمجنون مسلوب العقل أو مختله، وعديم التمييز والأهلية، وهذا بإجماع الفقهاء. - أثر الجنون في الولاية: لا خلاف بين جمهور الفقهاء في أن الجنون يزيل الولاية؛ لعدم تمييزه؛ ولأن الولاية إنما ثبتت نظرًا للمولى عليه عند عجزه عن النظر لنفسه، ومن لا عقل له لا يمكنه النظر، وأيضًا المجنون لا يلي نفسه، فلا يلي غيره بالأولى. ٣ - النسيان: والنسيان لا ينافي الأهليتين: أهلية الوجوب وأهلية الأداء، لبقاء تمام العقل ولكنه عذرٌ في إسقاط الإثم والمؤاخذة الأخروية لما وقع

стр. 369

بسببه من الأفعال أو التصرفات، أما المطالبة بالأداء فثابتةٌ عليه لا تسقط بالنسيان إلا فيما استثناه الشرع من ذلك. وهذه ثلاثة أمثلةٍ: [١] رجلٌ نسي صلاةً، فلا يعذر بتركها بعد التذكر، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «من نسي صلاةً فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» (١). [٢] رجلٌ استودع أمانةً فتركها في موضعٍ نسيانًا فذهبت عليه، وجب عليه الضمان، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، وهذا من حقوق العباد، وحقوق العباد لهم، وهم أصحاب الحق فيها مطالبةً وإسقاطًا. [٣] رجلٌ نسي فأكل أو شرب وهو صائمٌ، فليتم صومه فأكله وشربه صدقةٌ من ربه ﵎ عليه، وهذا حقه سبحانه، فأسقط المطالبة به عند النسيان، كما قال النبي ﷺ : «إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه» (٢). الأحكام المترتبة على النسيان: يترتب على النسيان أحكامٌ في الدنيا

стр. 370

وفي الآخرة. * أولًا: الحكم الأخروي: - اتفق العلماء على أن النسيان مسقطٌ للإثم مطلقًا لقوله تعالى: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، وقول الرسول ﷺ : إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (١). ولأن النسيان من باب ترك الحقيقة بدلالة محل الكلام؛ لأن عين الخطأ وأخويه غير مرفوعٍ، فالمراد حكمها وهو نوعان: أخرويٌّ، وهو المأثم، ودنيويٌّ وهو الفساد، والحكمان مختلفان، فصار بعد كونه مجازًا مشتركًا لا يعم، فإذا ثبت الأخروي إجماعًا لم يثبت الآخر (٢). * ثانيًا: الحكم الدنيوي: - إن وقع النسيان في ترك مأمورٍ لم يسقط، بل يجب تداركه ولا يحصل الثواب المترتب عليه لعدم الائتمار. وإن وقع النسيان في فعلٍ منهيٍّ عنه ليس من باب الإتلاف فلا شيء فيه، أما إن وقع في فعلٍ منهيٍّ عنه فيه إتلافٌ لم يسقط الضمان، فإن وقع في فعلٍ منهيٍّ عنه يوجب

стр. 371

عقوبةً كان النسيان شبهةً في إسقاطها (١). ٤ - النوم والإغماء: النائم والمغمى عليه ساقطةٌ عنهما أهلية الأداء في حال النوم والإغماء، ومطالبان بها لما فاتهما بسبب تلك الحال بعد زوال هذا العارض بالانتباه والاستيقاظ، فالشريعة رفعت في الحقيقة الإثم واللوم في التفويت أو الخطأ يقعان في حال النوم والإغماء. فعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس في النوم تفريطٌ، إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاةٌ حتى يدخل وقت الأخرى» (٢)، وتقدم في حديث رفع القلم: «وعن النائم حتى يستيقظ» (٣). أما المطالبة بالفائت، واحتمال نتيجة الخطأ بعد زوال هذ العذر فهي ثابتةٌ. فعن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: قال نبي الله ﷺ : «من نسي صلاةً

стр. 372

أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (١)، وفي روايةٍ: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤]» (٢). ولو فعل النائم أو المغمى عليه خطأً فيما هو من حقوق العباد، كأن انقلب على إنسانٍ فقتله، فإنه يحتمل نتيجة الخطأ لا نتيجة العمد، لعدم القصد يقينًا. ومن الفقهاء من شبه «المغمى عليه» بالمجنون، فلم يلزمه بشيء بعد الإفاقة، ومنهم من فرق بين ما إذا كان الوقت طويلًا أو قصيرًا. أثر الإغماء في الأهلية: - الإغماء لا يؤثر في أهلية الوجوب لأن مناطها الإنسانية، أما أهلية الأداء فإنه ينافيها، لأن مدارها العقل، وهو مغلوبٌ على عقله. • أثر الإغماء في العبادات البدنية: - في الوضوء والتيمم: أجمع الفقهاء على أن الإغماء ناقضٌ للوضوء قياسًا على النوم، بل

стр. 373

هو أولى، لأن النائم إذا أوقظ استيقظ بخلاف المغمى عليه. ونص الفقهاء على أن كل ما يبطل الوضوء يبطل التيمم (١). - أثر الإغماء في سقوط الصلاة: ذهب المالكية والشافعية، وهو قولٌ عند الحنابلة، إلى أن المغمى عليه لا يلزمه قضاء الصلاة إلا أن يفيق في جزءٍ من وقتها. وقد يشهد لهذا ما ورد عن عاصم قال: أغمي على أنس بن مالك، فلم يقض صلاته (٢). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن أغمي عليه خمس صلواتٍ قضاها، وإن زادت سقط فرض القضاء في الكل، لأن ذلك يدخل في التكرار فأسقط القضاء كالجنون، وقال محمدٌ: يسقط القضاء إذا صارت الصلوات ستًّا ودخل في السابعة، لأن ذلك هو الذي يحصل به التكرار. لكن أبا حنيفة وأبا يوسف أقاما الوقت مقام الصلوات تيسيرًا فتعتبر الزيادة بالساعات. وقد يشهد لذلك ما رواه نافع: أن ابن عمر أغمي عليه؛ فذهب عقله، فلم يقض الصلاة، وفي رواية: أن ابن عمر أغمي عليه شهرًا، فلم

стр. 374

يقض ما فاته، وصلى يومه الذي أفاق فيه (١). وذهب الحنابلة في المشهور عندهم إلى أن المغمى عليه يقضي جميع الصلوات التي كانت في حال إغمائه، مستدلين بما روي أن عمارًا غشي عليه أيامًا لا يصلي، ثم استفاق بعد ثلاثٍ، فقال «أي عمارٌ»: هل صليت؟ فقالوا: ما صليت منذ ثلاثٍ، فقال: أعطوني وضوءًا فتوضأ ثم صلى تلك الليلة (٢). وروى أبو مجلزٍ أن سمرة بن جندبٍ قال: المغمى عليه يترك الصلاة يصلي مع كل صلاةٍ صلاةً مثلها قال: قال عمران: زعم، ولكن ليصلهن جميعًا (٣)، وروى الأثرم هذين

стр. 375

الحديثين في سننه وهذا فعل الصحابة وقولهم، ولا يعرف لهم مخالفٌ فكان إجماعًا. ولأن الإغماء لا يسقط فرض الصيام، ولا يؤثر في استحقاق الولاية على المغمى عليه فأشبه النوم (١)، ولكن سبق بيان أن بعض الصحابة خالفوا هذا كأنس وابن عمر فالإجماع منتقض. - أثر الإغماء في الصيام: أجمع الفقهاء على أن الإغماء لا يسقط قضاء الصيام، فلو أغمي على شخصٍ جميع الشهر، ثم أفاق بعد مضيه يلزمه القضاء إن تحقق ذلك، وهو نادرٌ، والنادر لا حكم له، إلا عند الحسن البصري فإنه يقول: سبب وجوب الأداء لم يتحقق في حقه لزوال عقله بالإغماء، ووجوب القضاء يبتني على وجوب الأداء. واستدل فقهاء المذاهب بأن الإغماء عذرٌ في تأخير الصوم إلى زواله لا في إسقاطه، لأن سقوطه يكون بزوال الأهلية أو بالحرج، ولا تزول الأهلية به ولا يتحقق الحرج به، لأن الحرج إنما يتحقق فيما يكثر وجوده، وامتداده في حق الصوم نادرٌ، لأنه مانعٌ من الأكل والشرب.

стр. 376

وحياة الإنسان شهرًا بدون الأكل والشرب لا يتحقق إلا نادرًا فلا يصلح لبناء الحكم عليه. - ومن نوى الصوم من الليل فأغمي عليه قبل طلوع الفجر فلم يفق حتى غربت الشمس، فقد قال الشافعية والحنابلة: لا يصح صومه لأن الصوم هو الإمساك مع النية. قال النبي ﷺ : يقول الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي (١) فأضاف ترك الطعام والشراب إليه. فإذا كان مغمًى عليه فلا يضاف الإمساك إليه فلم يجزه. وقال أبوحنيفة: يصح صومه لأن النية قد صحت وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم كالنوم (٢). ومن أغمي عليه بعد أن نوى الصيام وأفاق لحظةً في النهار أجزأه الصوم، أي لحظةٍ كانت، اكتفاءً بالنية مع الإفاقة في جزءٍ، لأن الإغماء في الاستيلاء على العقل فوق النوم ودون الجنون. فلو قيل: إن المستغرق منه لا يضر لألحق الأقوى بالأضعف. ولو قيل: إن اللحظة منه تضر كالجنون لألحق الأضعف بالأقوى فتوسط بين الأمرين.

стр. 377

وقيل: إن الإفاقة في أي لحظةٍ كافيةٌ. وفي قولٍ ثانٍ للشافعية: إن الإغماء يضر مطلقًا قل أو كثر (١). د - أثره في الحج: الإغماء كما تقدم من عوارض الأهلية. فالمغمى عليه لا يتأتى منه أداء أفعال الحج، ولكن هل يصح إحرام الغير عنه بدون إذنٍ منه؟ وهل إذا أناب أحدًا تقبل الإنابة؟ قال المالكية والشافعية والحنابلة: إن المغمى عليه لا يحرم عنه غيره، لأنه ليس بزائل العقل وبرؤه مرجوٌّ على القرب. ولو أيس من برئه بأن زاد إغماؤه على ثلاثة أيامٍ فعند الشافعية يحرم الولي عنه في المعتمد، وقاسوا ذلك على أنه ليس لأحدٍ أن يتصرف في ماله وإن لم يبرأ. ومن يرجى برؤه ليس لأحدٍ أن ينوب عنه، وإن فعل لم يجزئه عند الشافعية والحنابلة، لأنه يرجو القدرة على الحج بنفسه، فلم يكن له الاستنابة ولا تجزئه إن وقعت، وفارق الميئوس من برئه، لأنه عاجزٌ على الإطلاق آيسٌ من القدرة على الأصل فأشبه الميت (٢).

стр. 378

وعند أبي حنيفة أن من أغمي عليه فأهل عنه رفقاؤه جاز. وقال الصاحبان (١): لا يجوز. ولو أمر إنسانًا بأن يحرم عنه إذا أغمي عليه، أو نام فأحرم المأمور عنه صح بإجماع الحنفية، حتى إذا أفاق أو استيقظ وأتى بأفعال الحج جاز. استدل الصاحبان على الأول بأنه لم يحرم بنفسه ولا أذن لغيره به؛ وهذا لأنه لم يصرح بالإذن، والدلالة تقف على العلم وجواز الإذن به لا يعرفه كثيرٌ من الفقهاء فكيف يعرفه العوام؟ بخلاف ما لو أمر غيره بذلك صريحًا. ولأبي حنيفة أنه لما عاقد رفقاءه عقد الرفقة فقد استعان بكل واحدٍ منهم فيما يعجز عن مباشرته بنفسه، والإحرام هو المقصود بهذا السفر، فكان الإذن به ثابتًا دلالةً، والعلم ثابتٌ نظرًا إلى الدليل، والحكم يدار عليه (٢). وعند المالكية أنه لا يصح الإحرام عن المغمى عليه ولو خيف فوات الحج، لأنه مظنة عدم الطول ثم إن أفاق في زمنٍ يدرك الوقوف فيه أحرم وأدرك، ولا دم عليه في عدم إحرامه من الميقات.

стр. 379

- أما بالنسبة للوقوف بعرفة، فالكل مجمعٌ على أنه لو أفاق المغمى عليه في زمن الوقوف ولو لحظةً أجزأه. وإن لم يفق من إغمائه إلا بعد الوقوف فمذهب المالكية والحنابلة إلى أنه فاته الحج في ذلك العام، ولا عبرة بإحرام أصحابه عنه ووقوفهم في عرفة، وللشافعية قولان في إجزاء وقوف المغمى عليه أو عدمه. والحنفية يكتفون بالكينونة في محل الوقوف وزمنه مع سبق الإحرام، فوقوف المغمى عليه مجزئٌ. أما أثر الإغماء على باقي أعمال الحج فيراجع في كتب الفرع. أثر الإغماء على الزكاة: المغمى عليه بالغٌ عاقلٌ فتجب في ماله الزكاة، فإذا أغمي عليه بعد وجوبها فلا يتأتى منه الأداء، وعليه إذا أفاق قضاؤها ولو امتد به الإغماء؛ إذ امتداده نادرٌ والنادر لا حكم له. * أثر الإغماء في التصرفات القولية: ذهب الفقهاء إلى أن الإغماء كالنوم بل أشد منه في فوت الاختيار، لأن النوم يمكن إزالته بالتنبيه بخلاف الإغماء. وتبطل عبادات النائم في الطلاق والإسلام والردة والبيع والشراء. فبطلانها بالإغماء أولى. واستدلوا على عدم وقوع طلاق المغمى عليه بأحاديث، منها قوله

стр. 380

ﷺ : رفع القلم عن ثلاثةٍ، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل (١)، وقد أجمعوا على أن الرجل إذا طلق في حال نومه لا طلاق له، والمغمى عليه أشد حالًا من النائم. وقال الإمام أحمد في المغمى عليه إذا طلق فلما أفاق علم أنه كان مغمًى عليه وهو ذاكرٌ لذلك قال: إذا كان ذاكرًا لذلك فليس هو مغمًى عليه، يجوز طلاقه (٢)، ومثل ما ذكر كل تصرفٍ قوليٍّ. * أثر الإغماء في عقود المعاوضة: كل تصرفٍ قوليٍّ يصدر في حال الإغماء فهو باطلٌ، لكن إذا تم التصرف في حال الصحة ثم طرأ الإغماء لا ينفسخ لتمامه في حالٍ تصح فيها (٣). ولا تصح وصية المغمى عليه في حالة الإغماء المؤقت، ولا المغمى عليه الذي يئس من إفاقته (٤).

стр. 381

* أثر الإغماء في التبرعات: - سبق بيان أن التصرفات القولية كلها لا تصح من المغمى عليه، فلا تصح هبته ولا صدقته ولا وقفه وما إلى ذلك، لأن المغمى عليه مغلوب العقل فلا يتوفر فيه شرط صحة التصرف، وهذا بإجماع الفقهاء، ولأن التصرفات يشترط فيها كمال العقل؛ والمغمى عليه ليس كذلك. * أثر الإغماء في الجنايات: - تقدم أن الإغماء عارضٌ وقتيٌّ تسقط فيه المؤاخذة وفهم الخطاب، فإن حالة المغمى عليه هي سترٌ للعقل ينشأ عنه فقدٌ للوعي وفقدٌ للاختيار، لذلك كان سببًا من أسباب عدم المؤاخذة بالنسبة لحقوق الله تعالى حسب البيان السابق. أما بالنسبة لحقوق العباد فإنها لا تسقط. فإذا وقعت منه جرائم أخذ بها. فإذا انقلب النائم على غيره فمات فإنه يعامل معاملة المخطئ وتجب الدية، وإذا أتلف مال إنسانٍ وهو مغمًى عليه وجب عليه ضمان ما أتلف. ٥ - الصغر: وهو من عوارض الأهلية لقوله ﷺ " رفع القلم عن ثلاثة … وعن الصبى حتى يحتلم "؛ وعلى ذلك فالصبى المميز غير مكلف؛ لأننا

стр. 382

لاندرى متى ميز، ومتى فهم الخطاب، ولما كان التمييز علامة غير منضبطة لم يعلق بها الشارع التكليف، وإنما علقه بالمنضبط وهو البلوغ، ورفع القلم يكون فى الترك للمأمورات، وفعل المنهيات، أما فعل المأمورات فهو مجزي بها فلو فعل مأمورًا به له فيه أجر، بدليل أن امرأة رفعت للنبى ﷺ صبيًّا صغيرًا فى الحج، وقالت يارسول الله «ألهذا حج» قال " نعم ولك أجر " (١). ويعرف البلوغ بأحد أمور: - الاحتلام وهو الأصل (٢). - الحيض فى حق الأنثى (٣). - وقيل قد يعرف البلوغ بالسن وهو عند الجمهور خمس عشرة

стр. 383

سنة (١). - الإنبات، وقال به جمع من العلماء (٢). ٦ - المرض: المريض ثابتةٌ في حقه الأهليتان: أهلية الوجوب، وأهلية الأداء، لكن للمريض تأثيرٌ في بعض الأحكام يسببها هذا العارض، فلذا تسقط عنه المطالبة بما يعجز عنه من حقوق الله تعالى، كعجزه عن القيام في الصلاة، وجواز الفطر من رمضان، وغير ذلك. أما عقوده وتصرفاته، فإنها صحيحةٌ جميعًا، فإن له تمام العقل وكمال الأهلية، فبيعه ونكاحه وطلاقه، وغير ذلك من عقوده صحيحٌ

стр. 384

نافذٌ. لكن اختلف الفقهاء في نكاحه وطلاقه في مرض الموت، فأما النكاح فأبطله بعضهم، وصححه الجمهور، وعلة من أبطله أنه قصد به الإضرار بالورثة بإدخال وارثٍ جديدٍ عليهم، وقول الجمهور هو الموافق للأصل، وأما طلاقه إذا كان بائنًا فصحيحٌ ماضٍ عندهم، لكنهم اختلفوا في توريث المطلقة منه، فجمهورهم على أنها ترث منه، وطائفةٌ منهم الشافعي أنها لا ترث منه. وصح أن عبد الرحمن بن عوفٍ طلق امرأته البتة وهو مريضٌ، فورثها عثمان ﵁ بعد انقضاء عدتها (١). وليس في إبطال الحقوق بهذه التصرفات شيءٌ في الكتاب والسنة، وما دام المريض كامل الأهلية فتصرفه صحيحٌ معتبرٌ، وتصحيحه يعني تصحيح ما يترتب عليه.

стр. 385

٧ - الحيض والنفاس: هما من العوارض الكونية المختصة بالنساء، وهما لا ينافيان أهلية الوجوب ولا أهلية الأداء، لكن يحولان بين المرأة وبين الصلاة، والصوم، والطواف بالبيت في وقت وقوعهما من المرأة، وتبقى المطالبة بقضاء الصوم والإتيان بطواف الإفاضة دون طواف الوداع، على تفصيلٍ يعرف في كتب الفقه، أما سائر العبادات فلا يحول بين المرأة وبينها عارض الحيض أو النفاس على التحقيق. عن معاذة العدوية قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحروريةٌ أنت؟ قلت: لست بحروريةٍ، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (١). وعن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل علي النبي ﷺ وأنا أبكي، فقال: «ما يبكيك؟»، قلت: لوددت والله أني لم أحج العام، قال: «لعلك نفست» قلت: نعم، قال: «فإن ذلك شيءٌ كتبه الله على بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (٢).

стр. 386

وعن عائشة أيضًا قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «ناوليني الخمرة من المسجد»، قالت: فقلت إني حائضٌ، فقال: «إن حيضتك ليست في يدك» (١). ٨ - الموت: الموت تنعدم فيه الأهليتان: أهلية الوجوب، وأهلية الأداء. لكن هل يبقى شيءٌ يطالب به الميت يمكن أداؤه عنه؟ نعم، دل الكتاب والسنة على بقاء الدَّين حقًّا يطالب به الميت لا يبرأ منه إلا بأدائه عنه، ولذا لا يقسم ميراثه ويصير إلى ورثته إلا بعد استيفاء ديونه منه، كما قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، وكذا يصح تحمله عنه من قبل غيره فتسقط عنه به المؤاخذة، كما ثبت في السنة عن سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي ﷺ أتي بجنازةٍ ليصلي عليها، فقال: «هل عليه من دينٍ؟» قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازةٍ أخرى، فقال: «هل عليه من دينٍ؟»، قالوا: نعم، قال: «صلوا على صاحبكم»، قال أبو قتادة: علي دينه يا رسول الله، فصلى عليه (٢).

стр. 387

واختلف الفقهاء في زكاة ماله لو وجبت عليه قبل موته، ولم يخرجها، فهل يلزم الورثة إخراجها أم لا، فذهب الحنفية إلى عدم إخراجها حيث كان هو المكلف بها، وماله من بعده بعد استيفاء حقوق الخلق التي كانت عليه يعود لورثته، وذهب الشافعية إلى وجوب إخراجها عنه من ماله؛ لأن وجوبها عندهم في نفس المال، ومذهب الحنفية أصح في هذا، فإنه كان المكلف بها، وهو إما أن يكون قصد عدم الإخراج، أو التأخير فتلك خطيئةٌ لا يحتمل أثرها عنه غيره، وإما أن يكون عجز عنها، أو لم يزل وقتها حين مات موسعًا، فليس عليه فيها مؤاخذةٌ، لكن لو أخرجها الورثة كانت صدقةً نافعةً، فقد صح عن عائشة ﵂: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : «إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم» (١).

стр. 388

* القسم الثاني: عوارض مكتسبة: وهي المؤثرات في الأهلية التي للإنسان فيها كسبٌ واختيارٌ، ويندرج تحتها: ١ - الجهل: الجهل في اللغة: نقيض العلم، ويطلق على السفه والخطأ، يقال جهل على غيره سفه وأخطأ. والجهل اصطلاحًا: هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه (١). والجهل يأتي على ثلاثة أضرب: - الأول: هو خلو النفس من العلم، هذا هو الأصل. - والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه. - والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل، سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا أو فاسدًا، كمن يترك الصلاة متعمدًا، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ [البقرة: ٦٧]، فجعل فعل الهزو جهلًا، وقال : ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦].

стр. 389

والجاهل تارة يذكر على سبيل الذم، وهو الأكثر، وتارة لا على سبيل الذم، نحو: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، أي: من لا يعرف حالهم، وليس يعني المتخصص بالجهل المذموم، والمجهل: الأمر والخصلة التي تحمل الإنسان على الاعتقاد بالشيء خلاف ما هو عليه، واستجهلت الريح الغصن: حركته، كأنها حملته على تعاطي الجهل، وذلك استعارة حسنة (١). فالجهل في عمومه من العوارض المكتسبة وذلك لأمرين: ١ - كونه ثابتًا في حالٍ دون حالٍ كالصغر. ٢ - لأن إزالته باكتساب العلم في قدرة العبد فكان ترك تحصيل العلم منه اختيارًا بمنزلة اكتساب الجهل باختيار بقائه (٢). • مسألة مهمة: هل يعفى عن المكلف بالجهل مع إمكان العلم أم يؤاخذ؟ الجواب: أنه يأثم بالتفريط في طلب العلم مع القدرة عليه، وذلك من حيث الجملة لا بخصوص جهله بحكمٍ معينٍ، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]. ومن الأصوليين من فرق بين الجهل بالأحكام لمن يعيش في بلادٍ

стр. 390

إسلاميةٍ، ومن يعيش في بلادٍ غير إسلامية، وليس التفريق بظاهرٍ في الأدلة، فإن الجهل واردٌ على أي حالٍ، لكن الذي يقع في دار الإسلام، فالمعلوم من الدين بالضرورة لا يخفى، والحجة به قائمةٌ، فلو زنى رجلٌ من المسلمين وقد تربى في الإسلام وبين أهله وادعى أنه لا يعلم حرمة الزنا لما كان عذرًا يحول بينه وبين العقوبة، لأن الحجة ظاهرةٌ في مثل ذلك، وقوله محمولٌ على الكذب، إلا أن يكون في بيئةٍ ذهبت عنها معالم الدين، والأقرب في هذا أن يعود الأمر إلى أن يقدر كل ظرفٍ بما يناسبه، والعمدة فيه على بلوغ الحجة، أما الجهل ذاته فهو مانعٌ من التكليف (١). قال القرافي: وضابط ما يعفى عنه من الجهالات الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادةً، وما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشق لم يعف عنه (٢). ملحوظة: إعذار الجاهل من باب التخفيف لا من حيث جهله. ولهذا قال الشافعي: لو عذر الجاهل لأجل جهله لكان الجهل خيرًا من العلم؛ إذ كان يحط عن العبد أعباء التكليف، ويريح قلبه من ضروب التعنيف، فلا حجة للعبد في جهله بالحكم بعد التبليغ
следующие страницы →