وعن عائشة أيضًا قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «ناوليني الخمرة من المسجد»، قالت: فقلت إني حائضٌ، فقال: «إن حيضتك ليست في يدك» (١).
٨ - الموت:
الموت تنعدم فيه الأهليتان: أهلية الوجوب، وأهلية الأداء.
لكن هل يبقى شيءٌ يطالب به الميت يمكن أداؤه عنه؟
نعم، دل الكتاب والسنة على بقاء الدَّين حقًّا يطالب به الميت لا يبرأ منه إلا بأدائه عنه، ولذا لا يقسم ميراثه ويصير إلى ورثته إلا بعد استيفاء ديونه منه، كما قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]، وكذا يصح تحمله عنه من قبل غيره فتسقط عنه به المؤاخذة، كما ثبت في السنة عن سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي ﷺ أتي بجنازةٍ ليصلي عليها، فقال: «هل عليه من دينٍ؟» قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازةٍ أخرى، فقال: «هل عليه من دينٍ؟»، قالوا: نعم، قال: «صلوا على صاحبكم»، قال أبو قتادة: علي دينه يا رسول الله، فصلى عليه (٢).
стр. 387
واختلف الفقهاء في زكاة ماله لو وجبت عليه قبل موته، ولم يخرجها، فهل يلزم الورثة إخراجها أم لا، فذهب الحنفية إلى عدم إخراجها حيث كان هو المكلف بها، وماله من بعده بعد استيفاء حقوق الخلق التي كانت عليه يعود لورثته، وذهب الشافعية إلى وجوب إخراجها عنه من ماله؛ لأن وجوبها عندهم في نفس المال، ومذهب الحنفية أصح في هذا، فإنه كان المكلف بها، وهو إما أن يكون قصد عدم الإخراج، أو التأخير فتلك خطيئةٌ لا يحتمل أثرها عنه غيره، وإما أن يكون عجز عنها، أو لم يزل وقتها حين مات موسعًا، فليس عليه فيها مؤاخذةٌ، لكن لو أخرجها الورثة كانت صدقةً نافعةً، فقد صح عن عائشة ﵂: أن رجلاً قال للنبي ﷺ : «إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم» (١).
стр. 388
* القسم الثاني: عوارض مكتسبة:
وهي المؤثرات في الأهلية التي للإنسان فيها كسبٌ واختيارٌ، ويندرج تحتها:
١ - الجهل:
الجهل في اللغة: نقيض العلم، ويطلق على السفه والخطأ، يقال جهل على غيره سفه وأخطأ.
والجهل اصطلاحًا: هو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه (١).
والجهل يأتي على ثلاثة أضرب:
- الأول: هو خلو النفس من العلم، هذا هو الأصل.
- والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.
- والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل، سواء اعتقد فيه اعتقادًا صحيحًا أو فاسدًا، كمن يترك الصلاة متعمدًا، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ [البقرة: ٦٧]، فجعل فعل الهزو جهلًا، وقال : ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦].
стр. 389
والجاهل تارة يذكر على سبيل الذم، وهو الأكثر، وتارة لا على سبيل الذم، نحو: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، أي: من لا يعرف حالهم، وليس يعني المتخصص بالجهل المذموم، والمجهل: الأمر والخصلة التي تحمل الإنسان على الاعتقاد بالشيء خلاف ما هو عليه، واستجهلت الريح الغصن: حركته، كأنها حملته على تعاطي الجهل، وذلك استعارة حسنة (١).
فالجهل في عمومه من العوارض المكتسبة وذلك لأمرين:
١ - كونه ثابتًا في حالٍ دون حالٍ كالصغر.
٢ - لأن إزالته باكتساب العلم في قدرة العبد فكان ترك تحصيل العلم منه اختيارًا بمنزلة اكتساب الجهل باختيار بقائه (٢).
• مسألة مهمة: هل يعفى عن المكلف بالجهل مع إمكان العلم أم يؤاخذ؟
الجواب: أنه يأثم بالتفريط في طلب العلم مع القدرة عليه، وذلك من حيث الجملة لا بخصوص جهله بحكمٍ معينٍ، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣].
ومن الأصوليين من فرق بين الجهل بالأحكام لمن يعيش في بلادٍ
стр. 390
إسلاميةٍ، ومن يعيش في بلادٍ غير إسلامية، وليس التفريق بظاهرٍ في الأدلة، فإن الجهل واردٌ على أي حالٍ، لكن الذي يقع في دار الإسلام، فالمعلوم من الدين بالضرورة لا يخفى، والحجة به قائمةٌ، فلو زنى رجلٌ من المسلمين وقد تربى في الإسلام وبين أهله وادعى أنه لا يعلم حرمة الزنا لما كان عذرًا يحول بينه وبين العقوبة، لأن الحجة ظاهرةٌ في مثل ذلك، وقوله محمولٌ على الكذب، إلا أن يكون في بيئةٍ ذهبت عنها معالم الدين، والأقرب في هذا أن يعود الأمر إلى أن يقدر كل ظرفٍ بما يناسبه، والعمدة فيه على بلوغ الحجة، أما الجهل ذاته فهو مانعٌ من التكليف (١).
قال القرافي: وضابط ما يعفى عنه من الجهالات الجهل الذي يتعذر الاحتراز عنه عادةً، وما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشق لم يعف عنه (٢).
ملحوظة: إعذار الجاهل من باب التخفيف لا من حيث جهله.
ولهذا قال الشافعي: لو عذر الجاهل لأجل جهله لكان الجهل خيرًا من العلم؛ إذ كان يحط عن العبد أعباء التكليف، ويريح قلبه من ضروب التعنيف، فلا حجة للعبد في جهله بالحكم بعد التبليغ
стр. 391
والتمكين (١).
فالجاهل ثابتةٌ له الأهليتان: أهلية الوجوب وأهلية الأداء، والجهل عارضٌ مطلوبٌ منه إزالته.
لكنه لو كان جاهلًا لم يكن مكلفًا، فلو جهل إنسانٌ كون الوضوء شرطًا لصحة الصلاة وكان يصلي زمانًا بغير وضوءٍ، ثم علم هذا الحكم، فإنه لا يطالب بقضاء ما صلاه بغير وضوءٍ إلا صلاةً لم يزل في وقتها.
ومن الدليل عليه الحديث المشهور عن الرجل الذي أساء في صلاته، فعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجلٌ فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ ، فرد النبي ﷺ ﵇، فقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل» ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق فما أحسن غيره فعلمني، قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر … » (٢).
وموضع الشاهد منه: أن هذا الرجل كان يصلي صلاةً غير صحيحةٍ، وهو لا يعلم حتى علمه النبي ﷺ كيف يصلي، ولم يأمره النبي ﷺ أن يعيد شيئًا من الصلوات التي صلاها على تلك الصفة إلا الصلاة الباقي
стр. 392
وقتها.
• أقسام الجهل:
- قسم بعض العلماء الجهل إلى أنواعٍ هي:
الأول: الجهل الذي يكون من مكابرة العقل وترك البرهان القاطع وهو جهل الكافر، لا يكون عذرًا بحالٍ، بل يؤاخذ به في الدنيا والآخرة.
الثاني: الجهل الذي يكون عن مكابرة العقل وترك الحجة الجلية أيضًا، لكن المكابرة فيه أقل منها في الأول؛ لكون هذا الجهل ناشئًا عن شبهةٍ منسوبةٍ إلى الكتاب أو السنة. وهذا الجهل للفرق الضالة من أهل الأهواء، وهذا الجهل لا يكون عذرًا، ولا نتركهم على جهلهم، فإن لنا أن نأخذهم بالحجة لقبولهم التدين بالإسلام.
الثالث: جهلٌ نشأ عن اجتهادٍ ودليلٍ شرعيٍّ لكن فيما لا يجوز فيه الاجتهاد بأن يخالف الكتاب أو السنة المشهورة أو الإجماع.
وحكمه: أنه وإن كان عذرًا في حق الإثم، لكن لا يكون عذرًا في الحكم حتى لا ينفذ القضاء به.
الرابع: جهلٌ نشأ عن اجتهادٍ فيه مساغٌ كالمجتهدات، وهو عذرٌ وينفذ القضاء على حسبه.
الخامس: جهلٌ نشأ عن شبهةٍ وخطأٍ كمن وطئ أجنبيةً يظن أنها
стр. 393
زوجته، وهذا عذرٌ يسقط الحد.
السادس: جهلٌ لزمه ضرورةً بعذرٍ، وهو أيضًا عذرٌ يسقط به الحد، كجهل المسلم في دار الحرب أحكام الإسلام، فلا يحد بالشرب (١).
ملحوظة: المقصود هنا الجهل بالحكم لا بما يترتب عليه.
مثال: إنسان سرق ولم يعلم بحرمة السرقة لا تقطع يده، وليس عليه إثم، وآخر سرق ويعلم أن السرقة حرام، ولا يعلم أن السارق تقطع يده فهذا تقطع يده؛ لأنه علم الحكم أي التحريم، ولا يلزم أن يعلم المترتب.
ففي الحديث: جاء رجل للنبي ﷺ ، فقال للنبي ﷺ : احكم بيننا بكتاب الله، قال: إن ابني كان عسيفًا عند هذا وزنا بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة، فسألت أهل العلم، فقالوا: إن على ابني جلد مئة وتغريب عام، وعلى امرأة هذا الرجم. فهم لم يعلموا الحد بدليل فدية الرجل لابنه وسؤالهم أهل العلم، فقال النبي ﷺ : «والذى نفسى بيده لأقضين بينكم بكتاب الله، على ابنك جلد مئة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى
стр. 394
امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» (١).
• مسألة: الجهل عذرٌ في المنهيات في حقوق الله تعالي:
- الجهل عذرٌ في حق الله تعالى في المنهيات دون المأمورات، والأصل فيه حديث معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة، ولم يؤمر بالإعادة لجهله بالنهي (٢). وحديث يعلى بن أمية: حيث أمر ﷺ أعرابيًّا بنزع الجبة التي عليها أثر الخلوق وهو محرمٌ، ولم يأمره بالفدية لجهله (٣).
واحتج به الشافعي على أن من وطئ في الإحرام جاهلًا فلا فدية عليه. والفرق بينهما من جهة المعنى أن المقصود من المأمورات إقامة مصالحها. وذلك لا يحصل إلا بفعلها، والمنهيات مزجورٌ عنها بسبب مفاسدها امتحانًا للمكلف بالانكفاف عنها، وذلك إنما يكون بالتعمد لارتكابها، ومع الجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي، فعذر بالجهل فيه.
أما في حقوق الآدميين فقد لا يعذر، كما لو ضرب مريضًا جهل مرضه ضربًا يقتل المريض يجب القصاص في الأصح. بخلاف ما لو
стр. 395
حبس من به جوعٌ وعطشٌ، ولم يعلم بحاله مدةً لا يموت فيها الشبعان عند الحبس فلا قصاص.
وكأن الفرق أن أمارات المرض لا تخفى بخلاف الجوع (١).
٢ - الخطأ:
وهو ما قابل التعمد، وهو عارضٌ لا ينافي الأهليتين: أهلية الوجوب وأهلية الأداء، لكنه عذرٌ في إسقاط الإثم واللوم.
قال الله : ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٥].
فما يقع من الخطأ في حق الله تعالى فهو معفوٌّ عنه مغفورٌ لصاحبه، ومن ذلك خطأ المفتي في فتواه باجتهاده، وخطأ المجتهد في القبلة.
أما في حقوق العباد فإن وقع التعدي خطأً، كما في القتل الخطأ مثلًا فإنه مع سقوط الإثم عنه، لكنه لا تسقط المطالبة جملةً، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].
أما إن أجرى شيئًا من العقود كالبيع والنكاح والطلاق، فالجمهور
стр. 396
على إبطال تلك التصرفات لانتفاء القصد، وخالفهم الحنفية فصححوها، والأصل مع مذهب الجمهور.
٣ - الهزل:
وهو أن لا يراد باللفظ معناه، وهو ضد الجد.
والهازل من يتكلم بالشيء، وهو يدرك معناه، لكنه لا يريد ذلك المعنى، ولا يختاره، ولا يرضاه.
إذن فالهزل لا ينافي الأهليتين: أهلية الوجوب، وأهلية الأداء، لكن هل يترتب عليه أثرٌ؟
• التصرفات القولية التي تقترن بالهزل ثلاثة أنواعٍ:
[١] الإخبارات:
وهي الإقرارات كأن يقول: لفلانٍ علي كذا، أو هذا المال لي، أو أنا قتلت فلانًا، فهذه إقراراتٌ فاسدةٌ لا يترتب عليها شيءٌ؛ لأنها كذبٌ.
[٢] الاعتقادات:
وتقع على ما يتكلم به الهازل، ولا يقال لم يرد حقيقتها، مثالها: لو تكلم إنسانٌ بكلمة الكفر هازلًا، وقال: ما قصدت ولا أردت أخذ بها، وعدت ردةً عن الإسلام، لما في هزله من الاستخفاف بدين الإسلام.
قال الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ
стр. 397
قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
[٣] الإنشاءات:
وهي العقود، وهي نوعان:
النوع الأول: تنفذ مع الهزل، وتقع صحيحةً، وهي التي وردت في قوله ﷺ : «ثلاثٌ جدهن جدٌّ، وهزلهن جدٌّ: الطلاق، والنكاح، والرجعة» (١)، ولعل المعنى في إمضاء هذه العقود حتى مع الهزل أنها لا تخلو من حق الله تعالى فيها، فيكون الهزل بها من اتخاذ آيات الله هزوًا، وقد قال تعالى في صدد بيان أحكام الطلاق: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١].
النوع الثاني: لا تنفذ مع الهزل ولا تقع، وهي سائر أنواع العقود كالبيع والإجارة، وغير ذلك، فلو قال إنسانٌ لآخر: بعتك كذا. هازلًا فلا يصح البيع لانتفاء التراضي بانتفاء قصد الهازل، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ
стр. 398
تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
٤ - السكر:
وهو زوال العقل بسبب تعاطي الخمرة ونحوها، بحيث لا يدري السكران ماذا يصدر منه من تصرفاتٍ حال سكره.
فالأصل أنه بزوال العقل يصبح غير مطالبٍ بالأداء في حال السكر، أي: تنعدم في حقه أهلية الأداء.
لكن الفقهاء اختلفوا في نتائج تصرفاته إذا سكر بطريقٍ محرمٍ لا خطأ، فشدَّد الجمهور عليه نظرًا لارتكابه الحرام بشربه الخمر، وذهب طائفةٌ من الفقهاء وهو قولٌ للحنابلة إلى عدم الاعتداد بأي تصرفٍ قوليٍّ له، فلا يصح منه بيعٌ ولا نكاحٌ ولا طلاقٌ ولا إقرارٌ، ولا شيءٌ؛ نظرًا لفقده شرط التكليف الذي هو العقل وانتفاء الاختيار.
وأما الحقوق المتعلقة بالبشر، فإنه لو أتلف شيئًا للغير ضمن.
ولكن لو قتل فهل يقتل؟ الجمهور قالوا: نعم، وذهبت طائفةٌ إلى عدم قتله منهم الظاهرية؛ لانتفاء وصف العمد، وإنما يجب القصاص في العمد.
وقول من قال: لا يعتد بتصرفاته هو المتوافق مع الأدلة والأصول الشرعية، ولا يصح أن يعاقب بغير حد الخمرة، فإذا تعدى على غيره
стр. 399
بغير القتل فإنه يحتمل حق الغير كما يحتمله المجنون في ماله، أما القصاص فقد تخلف ركنٌ فيه وهو العمد؛ فلا يصح.
وعليه: فلا ينبغي التفريق بين الآثار المترتبة على تصرف السكران بطريقٍ مباحٍ كمن شرب الخمر وهو لا يعلم، أو بطريقٍ محرمٍ، ولا يحل أن نزيد في عقوبته على ما جاءت به الشريعة. والله أعلم.
٥ - الإكراه:
الإكراه لغة: مصدره أكره يكره، والكريهة: الشدة في الحرب، والكُره: خلاف المحبة والرضا، وأكرهته على كذا: حملته عليه كرهًا (١).
وفي الاصطلاح: عرفه البزدوي بأنه: حمل الغير على أمرٍ يمتنع عنه بتخويفٍ يقدر الحامل على إيقاعه، ويصير الغير خائفًا به (٢).
وهو معدِمٌ للرضى لا للاختيار؛ لأن الفعل يصدر عن المكره باختياره، لكنه قد يفسد الاختيار بأن يجعله مستندًا إلى اختيارٍ آخر، وقد لا يفسده بأن يبقى الفاعل مستقلًّا في قصده.
стр. 400
هذا، والإكراه سواءٌ أكان ملجئًا أم غير ملجئٍ كما قال الحنفية - أو إكراهًا بحقٍّ أو بغير حقٍّ - كما قال الشافعية - لا يؤثر في أهلية الوجوب لبقاء الذمة، ولا يؤثر في أهلية الأداء لبقاء العقل والبلوغ، إلا أنهم عدوه من العوارض؛ لأنه يفسد الاختيار، ويجعل المكرَه - بفتح الراء - في بعض صوره آلةً للمكرِه - بكسر الراء -.
شرائط الإكراه:
الشريطة الأولى:
-قدرة المكرِه «بالكسر» على إيقاع ما هدد به، لكونه متغلبًا ذا سطوةٍ وبطشٍ - وإن لم يكن سلطانًا ولا أميرًا - ذلك أن تهديد غير القادر لا اعتبار له (١).
الشريطة الثانية:
- خوف المكرَه «بفتح الراء» من إيقاع ما هدد به، ولا خلاف بين الفقهاء في تحقق الإكراه إذا كان المخوف عاجلًا، فإن كان آجلًا، فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة والأذرعي من الشافعية إلى تحقق الإكراه مع التأجيل، وذهب جماهير الشافعية إلى أن الإكراه لا يتحقق
стр. 401
مع التأجيل، ولو إلى الغد.
والمقصود بخوف الإيقاع غلبة الظن، ذلك أن غلبة الظن معتبرةٌ عند عدم الأدلة، وتعذر التوصل إلى الحقيقة (١).
الشريطة الثالثة:
- أن يكون ما هدد به قتلًا أو إتلاف عضوٍ، ولو بإذهاب قوته مع بقائه كإذهاب البصر، أو القدرة على البطش، أو المشي مع بقاء أعضائها، أو غيرهما مما يوجب غمًّا يعدم الرضا، ومنه تهديد المرأة بالزنا، والرجل باللواط.
أما التهديد بالإجاعة، فيتراوح بين هذا وذاك، فلا يصير ملجئًا إلا إذا بلغ الجوع بالمكرَه «بالفتح» حد خوف الهلاك (٢).
ثم الذي يوجب غمًّا يعدم الرضا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال: فليس الأشراف كالأراذل، ولا الضعاف كالأقوياء، ولا تفويت المال اليسير كتفويت المال الكثير، والنظر في ذلك مفوضٌ إلى
стр. 402
الحاكم، يقدر لكل واقعةٍ قدرها (١).
الشريطة الرابعة:
- أن يكون المكرَه ممتنعًا عن الفعل المكرَه عليه لولا الإكراه، إما لحق نفسه - كما في إكراهه على بيع ماله -، وإما لحق شخصٍ آخر، وإما لحق الشرع - كما في إكراهه ظلمًا على إتلاف مال شخصٍ آخر، أو نفس هذا الشخص، أو الدلالة عليه لذلك (٢).
أو على ارتكاب موجب حدٍّ في خالص حق الله، كالزنا وشرب الخمر (٣).
الشريطة الخامسة:
- أن يكون محل الفعل المكره عليه متعينًا. وهذا عند الشافعية
стр. 403
وبعض الحنابلة على إطلاقه. وفي حكم المتعين عند الحنفية ومن وافقهم من الحنابلة - ما لو خير بين أمورٍ معينةٍ (١).
فالإكراه على طلاق إحدى هاتين المرأتين، أو قتل أحد هذين الرجلين، فعند الحنفية والمالكية، ومعهم موافقون من الشافعية والحنابلة، يتحقق الإكراه برغم هذا التخيير.
وعند جماهير الشافعية، وقلةٍ من الحنابلة لا يتحقق؛ لأن له مندوحةً عن طلاق كلٍّ بطلاق الأخرى، وكذا في القتل، نتيجة عدم تعيين المحل (٢).
الشريطة السادسة:
ألا يكون للمكرَه مندوحةٌ عن الفعل المكرَه عليه، فإن كانت له مندوحةٌ عنه، ثم فعله لا يكون مكرَهًا عليه، وعلى هذا لو خير المكرَه بين أمرين فإن الحكم يختلف تبعًا لتساوي هذين الأمرين أو تفاوتهما من حيث الحرمة والحل، وتفصيل الكلام في ذلك كما يلي:
إن الأمرين المخير بينهما إما أن يكون كل واحدٍ منهما محرمًا لا يرخص فيه، ولا يباح أصلًا، كما لو وقع التخيير بين الزنا والقتل.
стр. 404
أو يكون كل واحدٍ منهما محرمًا يرخص فيه عند الضرورة، كما لو وقع التخيير بين الكفر وإتلاف مال الغير.
أو يكون كل واحدٍ منهما محرمًا يباح عند الضرورة، كما لو وقع التخيير بين أكل الميتة وشرب الخمر.
أو يكون كل واحدٍ منهما مباحًا أصالةً أو للحاجة، كما لو وقع التخيير بين طلاق امرأته وبيع شيءٍ من ماله، أو بين جمع المسافر الصلاة في الحج وفطره في نهار رمضان.
ففي هذه الصور الأربع التي يكون الأمران المخير بينهما متساويين في الحرمة أو الحل، يترتب حكم الإكراه على فعل أي واحدٍ من الأمرين المخير بينهما، وقد خالف في هذا أكثر الشافعية وبعض الحنابلة، فنفوا حصول الإكراه في هذه الصور.
- وإن تفاوت الأمران المخير بينهما، فإن كان أحدهما محرمًا لا يرخص فيه ولا يباح بحالٍ كالزنا والقتل، فإنه لا يكون مندوحةً، ويكون الإكراه واقعًا على المقابل له، سواءٌ أكان هذا المقابل محرمًا يرخص فيه عند الضرورة، كالكفر وإتلاف مال الغير، أم محرمًا يباح عند الضرورة، كأكل الميتة وشرب الخمر، أم مباحًا أصالةً أو للحاجة، كبيع شيءٍ معينٍ من مال المكره، والإفطار في نهار رمضان.
стр. 405
وتكون هذه الأفعال مندوحةً مع المحرم الذي لا يرخص فيه ولا يباح بحالٍ، أما هو فإنه لا تكون مندوحةً لواحدٍ منها، ففي الصور الثلاثة المذكورة آنفًا، وهي ما لو وقع التخيير بين الزنا أو القتل وبين الكفر أو إتلاف مال الغير، أو وقع التخيير بين الزنا أو القتل، وبين أكل الميتة أو شرب الخمر، أو وقع التخيير بين الزنا أو القتل وبين بيع شيءٍ معينٍ من المال، فإن الزنى أو القتل لا يكون مكرهًا عليه، فمن فعل واحدًا منهما كان فعله صادرًا عن طواعيةٍ لا إكراهٍ، فيترتب عليه أثره إذا كان الإكراه ملجئًا حتى يتحقق الإذن في فعل المندوحة، وكان الفاعل عالمًا بالإذن له في فعل المندوحة عند الإكراه.
- وإن كان أحد الأمرين المخير بينهما محرمًا يرخص فيه عند الضرورة، والمقابل له محرمًا يباح عند الضرورة، كما لو وقع التخيير بين الكفر أو إتلاف مال الغير، وبين أكل الميتة أو شرب الخمر، فإنهما يكونان في حكم الأمرين المتساويين في الإباحة، فلا يكون أحدهما مندوحةً عن فعل الآخر، ويكون الإكراه واقعًا على فعل كل واحدٍ من الأمرين المخير بينهما، متى كان بأمرٍ متلفٍ للنفس أو لأحد الأعضاء.
- وإن كان أحد الأمرين محرمًا يرخص فيه أو يباح عند الضرورة، والمقابل له مباحًا أصالةً أو للحاجة، كما لو وقع التخيير بين الكفر أو شرب الخمر، وبين بيع شيءٍ من مال المكره أو الفطر في نهار رمضان،
стр. 406
فإن المباح في هذه الحالة يكون مندوحةً عن الفعل المحرم الذي يرخص فيه أو يباح عند الضرورة، وعلى هذا يظل على تحريمه، سواءٌ كان الإكراه بمتلفٍ للنفس أو العضو أو بغير متلفٍ لأحدهما، لأن الإكراه بغير المتلف لا يزيل الحظر عند الحنفية مطلقًا. والإكراه بمتلفٍ - وإن كان يزيل الحظر - إلا أن إزالته له بطريق الاضطرار، ولا اضطرار مع وجود المقابل المباح (١).
* تقسيم الإكراه:
ينقسم الإكراه إلى: إكراهٍ بحقٍّ، وإكراهٍ بغير حقٍّ. والإكراه بغير حقٍّ ينقسم إلى إكراهٍ ملجئٍ، وإكراهٍ غير ملجئٍ.
• أولًا: الإكراه بحقٍّ:
تعريفه: هو الإكراه المشروع، أي الذي لا ظلم فيه ولا إثم (٢).
وهو ما توافر فيه أمران:
الأول: أن يحق للمكرِه التهديد بما هدد به.
الثاني: أن يكون المكرَه عليه مما يحق للمكرِه الإلزام به. وعلى هذا
стр. 407
فإكراه المرتد على الإسلام إكراهٌ بحقٍّ، حيث توافر فيه الأمران، وكذلك إكراه المدين القادر على وفاء الدين، وإكراه المولي على الرجوع إلى زوجته أو طلاقها إذا مضت مدة الإيلاء (١).
• أثر هذا الإكراه:
والعلماء عادةً يقولون: إن الإكراه بحقٍّ، لا ينافي الطوع الشرعي، وإلا لم تكن له فائدةٌ، ويجعلون من أمثلته إكراه العنين على الفرقة، ومن عليه النفقة على الإنفاق، والمدين والمحتكر على البيع، وكذلك من له أرضٌ بجوار المسجد أو المقبرة أو الطريق يحتاج إليها من أجل التوسيع، ومن معه طعامٌ يحتاجه مضطرٌ (٢).
• ثانيًا: الإكراه بغير حقٍ:
تعريفه: هو الإكراه ظلمًا، أو الإكراه المحرم، لتحريم وسيلته، أو لتحريم المطلوب به. ومنه إكراه المفلس على بيع ما يترك له (٣).
• الإكراه الملجئ، والإكراه غير الملجئ:
- تقسيم الإكراه إلى ملجئٍ وغير ملجئٍ يتفرد به الحنفية.
стр. 408
فالإكراه الملجئ عندهم هو الذي يكون بالتهديد بإتلاف النفس أو عضوٍ منها، أو بإتلاف جميع المال، أو بقتل من يهم الإنسان أمره.
وحكم هذا النوع أنه يعدم الرضا ويفسد الاختيار ولا يعدمه. أما إعدامه للرضا، فلأن الرضا هو الرغبة في الشيء والارتياح إليه، وهذا لا يكون مع أي إكراهٍ.
وأما إفساده للاختيار دون إعدامه، فلأن الاختيار هو: القصد إلى فعل الشيء أو تركه بترجيحٍ من الفاعل، وهذا المعنى لا يزول بالإكراه، فالمكرَه يوقع الفعل بقصده إليه، إلا أن هذا القصد تارةً يكون صحيحًا سليمًا، إذا كان منبعثًا عن رغبةٍ في العمل، وتارةً يكون فاسدًا، إذا كان ارتكابًا لأخف الضررين، وذلك كمن أُكرِه على أحد أمرين كلاهما شرٌّ، ففعل أقلهما ضررًا به، فإن اختياره لما فعله لا يكون اختيارًا صحيحًا، بل اختيارًا فاسدًا.
والإكراه غير الملجئ: هو الذي يكون بما لا يفوت النفس أو بعض الأعضاء، كالحبس لمدةٍ قصيرةٍ، والضرب الذي لا يخشى منه القتل أو تلف بعض الأعضاء.
وحكم هذا النوع أنه يعدم الرضا، ولكن لا يفسد الاختيار، وذلك لعدم اضطرار المكرَه إلى الإتيان بما أُكرِه عليه، لتمكنه من الصبر على
стр. 409
تحمل ما هدد به بخلاف النوع الأول (١).
- أما غير الحنفية فلم يقسموا الإكراه إلى ملجئٍ وغير ملجئٍ كما فعل الحنفية، ولكنهم تكلموا عما يتحقق به الإكراه وما لا يتحقق، ومما قرروه في هذا الموضوع يؤخذ أنهم جميعًا يقولون بما سماه الحنفية إكراهًا ملجئًا، أما ما يسمى بالإكراه غير الملجئ فإنهم يختلفون فيه، فعلى إحدى الروايتين عن الشافعي وأحمد يعتبر إكراهًا، وعلى الرواية الأخرى لا يعتبر إكراهًا.
أما عند المالكية فإنه لا يعتبر إكراهًا بالنسبة لبعض المكرَه عليه، ويعتبر إكراهًا بالنسبة للبعض الآخر، فمن المكرَه عليه الذي لا يعتبر الإكراه غير الملجئ إكراهًا فيه: الكفر بالقول أو الفعل، والمعصية التي تعلق بها حقٌّ لمخلوقٍ، كالقتل أو القطع، والزنا بامرأةٍ مكرَهةٍ أو لها زوجٌ، وسب نبيٍّ أو ملكٍ أو صحابيٍّ، أو قذفٍ لمسلمٍ.
ومن المكرَه عليه الذي يعتبر الإكراه غير الملجئ إكراهًا فيه: شرب الخمر، وأكل الميتة، والطلاق والأيمان والبيع وسائر العقود والحلول
стр. 410
والآثار (١).
• أثر الإكراه:
- هذا الأثر موضع خلافٍ بين الحنفية وغير الحنفية، على النحو الآتي:
أثر الإكراه عند الحنفية:
- يختلف أثر الإكراه عند الحنفية باختلاف القول أو الفعل الذي يقع الإكراه عليه، فإن كان المكرَه عليه من الإقرارات، كان أثر الإكراه إبطال الإقرار وإلغاءه، سواءٌ كان الإكراه ملجئًا أم غير ملجئٍ. فمن أكره على الاعتراف بمالٍ أو زواجٍ أو طلاقٍ كان اعترافه باطلًا، ولا يعتد به شرعًا، لأن الإقرار إنما جعل حجةً في حق المقر باعتبار ترجح جانب الصدق فيه على جانب الكذب، ولا يتحقق هذا الترجيح مع الإكراه، إذ هو قرينةٌ قويةٌ على أن المقر لا يقصد بإقراره الصدق فيما أقر به، وإنما يقصد دفع الضرر الذي هدد به عن نفسه.
وإن كان المكرَه عليه من العقود والتصرفات الشرعية كالبيع والإجارة والرهن ونحوها كان أثر الإكراه فيها إفسادها لا إبطالها،
стр. 411
فيترتب عليها ما يترتب على العقد الفاسد، حسب ما هو مقررٌ في المذهب أنه ينقلب صحيحًا لازمًا بإجازة المكرَه، وكذلك لو قبض المكرَه الثمن، أو سلم المبيع طوعًا، يترتب عليه صحة البيع ولزومه (١).
وحجتهم في ذلك أن الإكراه عندهم لا يعدم الاختيار الذي هو ترجيح فعل الشيء على تركه أو العكس، وإنما يعدم الرضا الذي هو الارتياح إلى الشيء والرغبة فيه، والرضا ليس ركنًا من أركان هذه التصرفات، ولا شرطًا من شروط انعقادها، وإنما هو شرطٌ من شروط صحتها، إذن فقد ترتب على فقدانه فساد العقد لا بطلانه. ولكنهم استثنوا من ذلك بعض التصرفات، فقالوا بصحتهما مع الإكراه، ولو كان ملجئًا، ومن هذه التصرفات: الزواج والطلاق ومراجعة الزوجة والنذر واليمين.
وعللوا هذا بأن الشارع اعتبر اللفظ في هذه التصرفات - عند القصد إليه - قائمًا مقام إرادة معناه، فإذا وجد اللفظ ترتب عليه أثره الشرعي، وإن لم يكن لقائله قصدٌ إلى معناه، كما في الهازل، فإن الشارع اعتبر هذه التصرفات صحيحةً إذا صدرت منه، مع انعدام قصده إليها، وعدم
стр. 412
رضاه بما يترتب عليها من الآثار.
وإن كان المكرَه عليه من الأفعال، كالإكراه على قتل من لا يحل قتله، أو إتلاف مالٍ لغيره أو شرب الخمر وما أشبه ذلك، فالحكم فيها يختلف باختلاف نوع الإكراه والفعل المكرَه عليه.
- فإن كان الإكراه غير ملجئٍ - وهو الذي يكون بما لا يفوت النفس، أو بعض الأعضاء كالحبس لمدةٍ قصيرةٍ، أو أخذ المال اليسير، ونحو ذلك - فلا يحل الإقدام على الفعل. وإذا أقدم المكرَه «بالفتح» على الفعل بناءًا على هذا الإكراه كانت المسئولية عليه وحده، لا على من أكرهه.
- وإن كان الإكراه ملجئًا - وهو الذي يكون بالقتل أو تفويت بعض الأعضاء أو العمل المهين لذي الجاه - فالأفعال بالنسبة إليه أربعة أنواعٍ:
أ - أفعالٌ أباحها الشارع أصالةً دون إكراهٍ كالأكل والشرب، فإنه إذا أكره على ارتكابها وجب على المكرَه «بالفتح» أن يرتكب أخف الضررين (١).
ب - أفعالٌ أباح الشارع إتيانها عند الضرورة، كشرب الخمر وأكل
стр. 413
لحم الميتة أو الخنزير، وغير ذلك من كل ما حرم لحق الله لا لحق الآدمي، (١) فالعقل مع الشرع يوجبان ارتكاب أخف الضررين.
فهذه يباح للمكرَه فعلها، بل يجب عليه الإتيان بها، إذا ترتب على امتناعه قتل نفسه أو تلف عضوٍ من أعضائه، لأن الله تعالى أباحها عند الضرورة بقوله عز من قائلٍ: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة].
ولا شك أن الإكراه الملجئ من الضرورة التي رفع الله الإثم فيها. فيباح الفعل عند تحققها، وتناول المباح دفعًا للهلاك عن النفس أو بعض أجزائها - واجبٌ، فلا يجوز تركه، ولو شرب الخمر مكرَهًا لم يحد، لأنه لا جناية حينئذٍ، والحد إنما شرع زجرًا عن الجنايات.
ج - أفعالٌ رخص الشارع في فعلها عند الضرورة، إلا أنه لو صبر المكرَه على تحمل الأذى، ولم يفعلها حتى مات، كان مثابًا من الله تعالى، وذلك كالكفر بالله تعالى أو الاستخفاف بالدين، فإذا أكره الإنسان على الإتيان بشيءٍ من ذلك جاز له الفعل متى كان قلبه مطمئنًا
стр. 414
بالإيمان، لقول الله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل].
ومن السنة: ما ورد أن عمار بن ياسرٍ أخذه المشركون، فلم يتركوه حتى سب النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخيرٍ، فلما أتى النبي ﵊ قال: ما وراءك؟ قال: شرٌّ يا رسول الله، ما تُرِكتُ حتى نلتُ منك، وذكرتُ آلهتهم بخيرٍ، قال ﷺ : فكيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًا بالإيمان، قال ﷺ : فإن عادوا فعد (١). وقد ألحق علماء المذهب بهذا النوع الإكراه على إفساد صوم رمضان، أو ترك الصلاة المفروضة، أو إتلاف مال الغير، فإن المكرَه لو صبر وتحمل الأذى، ولم يفعل ما أُكرِه عليه كان مثابًا، وإن فعل شيئًا منها فلا إثم عليه، وكان الضمان في صورة الإتلاف على الحامل عليه لا على الفاعل، لأن فعل الإتلاف يمكن أن ينسب إلى الحامل بجعل الفاعل آلةً له، فيثبت الضمان عليه.
د - أفعالٌ لا يحل للمكرَه الإقدام عليها بحالٍ من الأحوال، كقتل نفس بغير حقٍّ، أو قطع عضوٍ من أعضائها، أو الضرب الذي يؤدي إلى الهلاك، فهذه الأفعال لا يجوز للمكرَه الإقدام عليها، ولو كان في امتناعه عنها ضياع نفسه، لأن نفس الغير معصومةٌ كنفس المكرَه، ولا
стр. 415
يجوز للإنسان أن يدفع الضرر عن نفسه بإيقاعه على غيره، فإن فعل كان آثمًا، ووجب عقاب الحامل له على هذا الفعل باتفاق علماء المذهب، والخلاف بينهم إنما هو في نوع هذا العقاب.
فأبو حنيفة ومحمدٌ يقولان: إنه القصاص، لأن القتل يمكن أن ينسب إلى الحامل بجعل الفاعل آلةً له، والقصاص إنما يكون على القاتل لا على آلة القتل.
وأبو يوسف يقول: إنه الدية، لأن القصاص لا يثبت إلا بالجناية الكاملة، ولم توجد الجناية الكاملة بالنسبة لكلٍّ من الحامل والمكرَه.
وهذا القتل يقوم مانعًا من الإرث بالنسبة للمكرِه «بالكسر» إذا كان المكرَه «بالفتح» مكلفًا. أما إذا كان غير مكلفٍ كالصبي أو المجنون فلا يكون مانعًا. وهذا عند أبي حنيفة ومحمدٍ، أما أبو يوسف فلا يحرم ولو كان المكرَه مكلفًا.
أما بالنسبة للمكرَه «بالفتح» فلا يحرم باتفاق الحنفية (١).
ومن هذا النوع أيضًا: الزنا، فإنه لا يرخص فيه مع الإكراه، كما لا يرخص فيه حالة الاختيار، لأن حرمة الزنا لا ترتفع بحالٍ من الأحوال، فإذا فعله إنسانٌ تحت تأثير الإكراه كان آثمًا، ولكن لا يجب عليه الحد،
стр. 416
لأن الإكراه يعتبر شبهةً، والحدود تدرأ بالشبهات.
وقد أورد البابرتي من الحنفية ضابطًا لأثر الإكراه، نصه:
الإكراه الملجئ معتبرٌ شرعًا، سواءٌ أكان على القول أم الفعل. والإكراه غير الملجئ إن كان على فعلٍ فليس بمعتبرٍ، ويجعل كأن المكره فعل ذلك الفعل بغير إكراهٍ. وإن كان على قولٍ، فإن كان قولًا يستوي فيه الجد والهزل فكذلك، وإلا فهو معتبرٌ (١).
أثر الإكراه عند المالكية:
- يختلف أثر الإكراه عندهم باختلاف المكرَه عليه:
أ - فإن كان المكرَه عليه عقدًا أو حلًّا أو إقرارًا أو يمينًا لم يلزم المكرَه شيءٌ، ويكون الإكراه في ذلك بالتخويف بقتلٍ أو ضربٍ مؤلمٍ أو سجنٍ أو قيدٍ أو صفعٍ لذي مروءةٍ على ملإٍ من الناس. وإن أجاز المكرَه «بالفتح» شيئًا مما أكره عليه - غير النكاح - طائعًا بعد زوال الإكراه لزم على الأحسن، وأما النكاح فلا تصح إجازته.
ب - وإن كان الإكراه على الكفر بأي صورةٍ من صوره، أو قذف المسلم بالزنا، أو الزنا بامرأةٍ طائعةٍ خليةٍ «غير متزوجةٍ»، فلا يحل له الإقدام على شيءٍ من هذه الأشياء إلا في حالة التهديد بالقتل، لا فيما
стр. 417
دونه من قطعٍ أو سجنٍ ونحوه، فإن فعل ذلك اعتبر مرتدًا، ويحد في قذف المسلم، وفي الزنا.
ج - وإن كان الإكراه على قتل مسلمٍ، أو قطع عضوٍ منه، أو على زنًا بمكرهةٍ، أو بامرأةٍ لها زوجٌ، فلا يجوز الإقدام على شيءٍ من ذلك ولو أُكرِه بالقتل. فإن قتل يقتص منه، ويعتبر القتل هنا مانعًا للقاتل من ميراث المقتول، لأنه شريكٌ في الفعل، وكذلك المكرِه «بالكسر» يقتص منه أيضًا ويمنع من الميراث. وإنما يجب القصاص عندهم على المكرِه والمكرَه، إذا كان المطلوب قتله شخصًا ثالثًا غيرهما.
فإن كان المطلوب قتله هو المكرِه «بالكسر» كما لو قال للذي قتله: اقتلني وإلا قتلتك فقتله، فلا قصاص عندهم وتجب الدية، لمكان الشبهة من ناحيةٍ، وبناءً على أن الدية تثبت للوارث ابتداءً لا ميراثًا.
وأما إن كان المطلوب قتله هو المكرَه «بالفتح»، فالأصل أنه لا يتحقق الإكراه في هذه الحالة، ولا قصاص فيه ولا دية، إلا إذا كان التهديد بقتلٍ أشنع، كالإحراق بالنار، وبتر الأعضاء حتى الموت، فإن المكرَه «بالفتح» يختار أهون الميتتين، جزم به اللقاني (١)، وإن زنى
стр. 418
يحد (١).
د - وأما لو أكره على فعل معصيةٍ - غير الكفر - لا حقَّ فيها لمخلوقٍ كشرب خمرٍ وأكله ميتةً، أو إبطال عبادةٍ كصلاةٍ وصومٍ، أو على تركها فيتحقق الإكراه بأية وسيلةٍ من قتلٍ أو غيره. ويترتب عليه في الصوم القضاء دون الكفارة. وفي الصلاة يكون الإكراه بمنزلة المرض المسقط لبعض أركانها، ولا يسقط وجوبها. وفي شرب الخمر لا يقام الحد.
وألحق سحنونٌ بهذا النوع الزنا بامرأةٍ طائعةٍ لا زوج لها، خلافًا للمذهب (٢).
ويضيف المالكية أن القطع في السرقة يسقط بالإكراه مطلقًا، ولو كان بضربٍ أو سجنٍ لأنه شبهةٌ تدرأ الحد (٣).
стр. 419
أثر الإكراه عند الشافعية:
- يختلف أثر الإكراه عندهم باختلاف المكرَه عليه.
أ - الإكراه بالقول:
إذا كان المكرَه عليه عقدًا أو حلًّا أو أي تصرفٍ قوليٍ أو فعليٍ، فإنه لا يصح عملًا بعموم الحديث الصحيح" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "؛ إذ المقصود ليس رفع ما وقع لمكان الاستحالة، وإنما رفع حكمه، ما لم يدل دليلٌ على خلاف ذلك، فيخصص هذا العموم في موضع دلالته. وبمقتضى أدلة التخصيص يقرر الشافعية أنه لا أثر لقول المكرَه «بالفتح» إلا في الصلاة فتبطل به (١)، وعلى هذا فيباح للمكرَه «بالفتح» التلفظ بكلمة الكفر، ولا يجب، بل الأفضل الامتناع مصابرةً على الدين واقتداءً بالسلف.
والإكراه في شهادة الزور التي تفضي إلى القتل أو الزنا، وفي الإكراه بالحكم الباطل الذي يفضي إلى القتل أو الزنا، فلا يرتفع الإثم عن شاهد الزور، ولا عن الحاكم الباطل، وحكمهما في هذه الحالة من حيث الضمان حكم المكرِه «بالكسر» (٢).
стр. 420
ب - الإكراه بالفعل:
لا أثر للإكراه بالفعل عند الشافعية إلا فيما يأتي:
(١) الفعل المضمن كالقتل أو إتلاف المال أو الغصب، فعلى المكرَه (بالفتح) القصاص أو الضمان، وقرار الضمان على المكرِه (بالكسر)، وإن قيل: لا رجوع له على المكرِه (بالكسر) بما غرم في إتلاف المال، لأنه افتدى بالإتلاف نفسه عن الضرر. قال القليوبي في مسألة القتل: فيقتل هو - المكرَه - (بالفتح) ومن أكرهه.
(٢) الزنا وما إليه: يأثم المكرَه (بالفتح) بالزنا، ويسقط الحد للشبهة، ويترتب على وطء الشبهة حكمه.
(٣) الرضاع: فيترتب عليه التحريم المؤبد في المناكحات وما ألحق بها.
(٤) كل فعلٍ يترتب عليه بطلان الصلاة، كالتحول عن القبلة، والعمل الكثير، وترك قيام القادر في الفريضة، والحدث، فتبطل الصلاة بما تقدم برغم الإكراه عليه.
(٥) ذبح الحيوان: تحل ذبيحة المكرَه (بالفتح) الذي تحل ذبيحته، كالمسلم والكتابي ولو كان المكرِه (بالكسر) مجوسيًّا، أو محرمًا
стр. 421
والمذبوح صيدٌ (١).
قال السيوطي: وقد رأيت الإكراه يساوي النسيان، فإن المواضع المذكورة، إما من باب ترك المأمور، فلا يسقط تداركه، ولا يحصل الثواب المرتب عليه، وإما من باب الإتلاف، فيسقط الحكم المرتب عليه، وتسقط العقوبة المتعلقة به، إلا القتل على الأظهر (٢).
أثر الإكراه عند الحنابلة:
- يختلف أثر الإكراه عند الحنابلة باختلاف المكرَه عليه:
أ - فالتصرفات القولية تقع باطلةً مع الإكراه إلا النكاح، فإنه يكون صحيحًا مع الإكراه، قياسًا للمكره على الهازل، وإنما لم يقع الطلاق مع الإكراه للحديث الشريف لا طلاق في إغلاقٍ (٣)، والإكراه من الإغلاق (٤).
стр. 422
ب - ومن أكره على الكفر لا يعتبر مرتدًا، ومتى زال عنه الإكراه أمر بإظهار إسلامه، والأفضل لمن أكره على الكفر أن يصبر (١)، وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن، فأسلم لم يثبت له حكم الإسلام، حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعًا.
أما من يجوز إكراهه على الإسلام كالمرتد، فإنه إذا أكره فأسلم حكم بإسلامه ظاهرًا (٢).
ج - والإكراه يسقط الحدود عن المكرَه، لأنه شبهةٌ، والحدود تدرأ بالشبهات (٣).
د - وإذا أكرَه رجلٌ آخرَ على قتل شخصٍ فقتله، وجب القصاص على المكرِه والمكرَه جميعًا، وإن صار الأمر إلى الدية وجبت عليهما، وإن أحب ولي المقتول قتل أحدهما، وأخذ نصف الدية من الآخر أو العفو فله ذلك (٤). ويعتبر القتل هنا مانعًا من الميراث بالنسبة للمكرِه والمكرَه (٥).
стр. 423
والقصاص عندهم لا يجب على المكرِه والمكرَه، إلا إذا كان المطلوب قتله شخصًا ثالثًا غيرهما.
فإن كان المطلوب قتله هو المكرِه «بالكسر» فإنه يكون هدرًا، ولا قصاص ولا دية في المختار عندهم.
وأما إن كان المطلوب قتله هو المكرَه «بالفتح»، فلا يتحقق الإكراه في هذه الحالة، ولا دية ولا قصاص عند بعضهم (١). إلا إذا كان التهديد بقتلٍ أشنع فعليه أن يختار أهون الميتتين في إحدى الروايتين (٢).
مسألة: أثر إكراه الصبي على قتل غيره:
- إذا كان المكرَه على القتل صبيًّا، فإنه يعتبر آلةً في يد المكرِه عند الحنفية، فلا قصاص ولا دية، وإنما القصاص على المكرِه «بالكسر» (٣).
وذهب المالكية إلى وجوب القصاص على المكرِه «بالكسر» ونصف الدية على عاقلة الصبي (٤).
стр. 424
وذهب الشافعية إلى التفرقة بين الصبي المميز، وغير المميز.
فإن كان غير مميزٍ، اعتبر آلةً عندهم، ولا شيء عليه، ويجب القصاص على المكرِه.
وإن كان مميزًا، فيجب نصف الدية على عاقلته، والقصاص على المكرِه «بالكسر» (١).
وذهب الحنابلة إلى أن الصبي غير المميز إذا أُكرِه على قتل غيره فلا قصاص عليه، والقصاص على المكرِه «بالكسر». وفي قولٍ: لا يجب القصاص، لا عليه ولا على من أكرهه، لأن عمد الصبي خطأٌ، والمكرِه «بالكسر» شريك المخطئ، ولا قصاص على شريك مخطئٍ، أما إذا كان الصبي مميزًا فلا يجب القصاص على المكرِه «بالكسر» ولا يجب على الصبي المميز (٢).
стр. 425
* أقسام فعل المكلف الذي تعلق به خطاب الله تعالى:
وهو ينقسم إلى أربعة أقسام (١):
• القسم الأول: الحق الخالص لله تعالى.
وهو فعل المكلف الذي هو حق خالص لله تعالى، وهذا القسم لا يحق للإنسان أن يتنازل عنه، أو يصالح عنه، ولا يحتاج في إثباته إلى دعوى، ولا يقبل العفو والإسقاط، ويسقط بالشبهة عند إثبات الحدود.
وحق الله هو ما يتعلق به النفع العام، وهو يشمل المصلحة العامة الدنيوية والمصلحة الأخروية، ولا يختص بأحد، ويكون فيه دفع الاعتداء عن المجتمع كالجهاد مثلًا، ونسب إلى الله تعالى للتعظيم والتشريف، لكثرة نفعه وعظيم خطره؛ لأنه تعالى تنزه عن الانتفاع بشيء، ومثل حرمة الزنا فإنه يتعلق به عموم النفع من سلامة النسب من الاشتباه، وصيانة الأولاد عن الضياع.
وهذا القسم ثمانية أنواع، وهي:
١ - عبادات خالصة لا يشوبها معنى للمؤونة والعقوبة، كالإيمان والصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد، وهذه العبادات يلزم فيها النية.