← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

والمذبوح صيدٌ (١). قال السيوطي: وقد رأيت الإكراه يساوي النسيان، فإن المواضع المذكورة، إما من باب ترك المأمور، فلا يسقط تداركه، ولا يحصل الثواب المرتب عليه، وإما من باب الإتلاف، فيسقط الحكم المرتب عليه، وتسقط العقوبة المتعلقة به، إلا القتل على الأظهر (٢). أثر الإكراه عند الحنابلة: - يختلف أثر الإكراه عند الحنابلة باختلاف المكرَه عليه: أ - فالتصرفات القولية تقع باطلةً مع الإكراه إلا النكاح، فإنه يكون صحيحًا مع الإكراه، قياسًا للمكره على الهازل، وإنما لم يقع الطلاق مع الإكراه للحديث الشريف لا طلاق في إغلاقٍ (٣)، والإكراه من الإغلاق (٤).

стр. 422

ب - ومن أكره على الكفر لا يعتبر مرتدًا، ومتى زال عنه الإكراه أمر بإظهار إسلامه، والأفضل لمن أكره على الكفر أن يصبر (١)، وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن، فأسلم لم يثبت له حكم الإسلام، حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعًا. أما من يجوز إكراهه على الإسلام كالمرتد، فإنه إذا أكره فأسلم حكم بإسلامه ظاهرًا (٢). ج - والإكراه يسقط الحدود عن المكرَه، لأنه شبهةٌ، والحدود تدرأ بالشبهات (٣). د - وإذا أكرَه رجلٌ آخرَ على قتل شخصٍ فقتله، وجب القصاص على المكرِه والمكرَه جميعًا، وإن صار الأمر إلى الدية وجبت عليهما، وإن أحب ولي المقتول قتل أحدهما، وأخذ نصف الدية من الآخر أو العفو فله ذلك (٤). ويعتبر القتل هنا مانعًا من الميراث بالنسبة للمكرِه والمكرَه (٥).

стр. 423

والقصاص عندهم لا يجب على المكرِه والمكرَه، إلا إذا كان المطلوب قتله شخصًا ثالثًا غيرهما. فإن كان المطلوب قتله هو المكرِه «بالكسر» فإنه يكون هدرًا، ولا قصاص ولا دية في المختار عندهم. وأما إن كان المطلوب قتله هو المكرَه «بالفتح»، فلا يتحقق الإكراه في هذه الحالة، ولا دية ولا قصاص عند بعضهم (١). إلا إذا كان التهديد بقتلٍ أشنع فعليه أن يختار أهون الميتتين في إحدى الروايتين (٢). مسألة: أثر إكراه الصبي على قتل غيره: - إذا كان المكرَه على القتل صبيًّا، فإنه يعتبر آلةً في يد المكرِه عند الحنفية، فلا قصاص ولا دية، وإنما القصاص على المكرِه «بالكسر» (٣). وذهب المالكية إلى وجوب القصاص على المكرِه «بالكسر» ونصف الدية على عاقلة الصبي (٤).

стр. 424

وذهب الشافعية إلى التفرقة بين الصبي المميز، وغير المميز. فإن كان غير مميزٍ، اعتبر آلةً عندهم، ولا شيء عليه، ويجب القصاص على المكرِه. وإن كان مميزًا، فيجب نصف الدية على عاقلته، والقصاص على المكرِه «بالكسر» (١). وذهب الحنابلة إلى أن الصبي غير المميز إذا أُكرِه على قتل غيره فلا قصاص عليه، والقصاص على المكرِه «بالكسر». وفي قولٍ: لا يجب القصاص، لا عليه ولا على من أكرهه، لأن عمد الصبي خطأٌ، والمكرِه «بالكسر» شريك المخطئ، ولا قصاص على شريك مخطئٍ، أما إذا كان الصبي مميزًا فلا يجب القصاص على المكرِه «بالكسر» ولا يجب على الصبي المميز (٢).

стр. 425

* أقسام فعل المكلف الذي تعلق به خطاب الله تعالى: وهو ينقسم إلى أربعة أقسام (١): • القسم الأول: الحق الخالص لله تعالى. وهو فعل المكلف الذي هو حق خالص لله تعالى، وهذا القسم لا يحق للإنسان أن يتنازل عنه، أو يصالح عنه، ولا يحتاج في إثباته إلى دعوى، ولا يقبل العفو والإسقاط، ويسقط بالشبهة عند إثبات الحدود. وحق الله هو ما يتعلق به النفع العام، وهو يشمل المصلحة العامة الدنيوية والمصلحة الأخروية، ولا يختص بأحد، ويكون فيه دفع الاعتداء عن المجتمع كالجهاد مثلًا، ونسب إلى الله تعالى للتعظيم والتشريف، لكثرة نفعه وعظيم خطره؛ لأنه تعالى تنزه عن الانتفاع بشيء، ومثل حرمة الزنا فإنه يتعلق به عموم النفع من سلامة النسب من الاشتباه، وصيانة الأولاد عن الضياع. وهذا القسم ثمانية أنواع، وهي: ١ - عبادات خالصة لا يشوبها معنى للمؤونة والعقوبة، كالإيمان والصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد، وهذه العبادات يلزم فيها النية.

стр. 426

٢ - عبادات فيها معنى المؤونة، كصدقة الفطر عند الحنفية، فإنها مشتملة على معنى العبادة لكونها صدقة، وأنها طهرة للصائم، ويشترط فيها النية، ويتعلق وجوبها بالوقت، وفيها معنى المؤونة لعدم اشتراط كمال الأهلية في وجوبها، فتجب على الصبي والمجنون، ومعنى المؤونة: الثقل والكلفة. ٣ - مؤونة فيها معنى العبادة، كالعشر ونصف العشر فيما تنبته الأرض، والمؤونة فيه أن سببه الأرض النامية، ومؤونة الشيء سبب بقائه، وبما أنه يصرف في مصارف الزكاة فيتحقق فيه معنى العبادة، وبما أن الأرض أصل، والنماء تابع، فكانت المؤونة أصلًا والعبادة تبعًا. ٤ - مؤونة فيها معنى العقوبة، كالخراج فباعتبار تعلقه بالأرض فهو مؤونة، وباعتبار الاشتغال بالزراعة من أهل الذمة والإعراض عن الجهاد فهو عقوبة. ٥ - عقوبة كاملة، كحد الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والتعزيرات، وحد البغاة، وقطع الطريق، وهذه العقوبات واجبة بطريق العقوبة، ويؤديها الإمام، وهي عقوبة كاملة؛ لأنها وجبت بجنايات كاملة. ٦ - عقوبة قاصرة، كحرمان القاتل من ميراث المقتول، فالحرمان من الميراث عقوبة مالية، ولكنها قاصرة بالنسبة للعقوبة البدنية.

стр. 427

٧ - حقوق دائرة بين الأمرين: العقوبة، والعبادة، كالكفارات ففي أدائها معنى العبادة؛ لأنها تؤدى بالصوم والتحرير والإطعام، ويؤديها المكلف طوعًا، وبما أنها لا تجب إلا بسبب فعل ممنوع شرعًا ارتكبه المكلف فهي عقوبة. ٨ - حق قائم بنفسه، من غير أن يتعلق بذمة المكلف شيء، ويؤديه بطريق الطاعة، مثل خمس الغنائم والمعادن والكنوز. • القسم الثاني: الحق الخالص للعبد. وهو فعل المكلف الذي يتعلق به الحق الخالص للعباد، وحق العبد ما تتعلق به مصلحة خاصة دنيوية، كحرمة ماله، ويستباح بإباحة صاحبه، ويشترط في خصومته وإثباته رفع الدعوى، ويجوز لصاحبه أن يتنازل عنه، وأن يصالح عنه، وأن يسقط حقه، وأن يعفو عن غريمه، ولا تؤثر فيه الشبهة. والمقصود من الحق الخالص للعباد هو الحفاظ على مصالح العباد الخاصة، مثل بدل المتلفات، وملك المبيع والثمن، وحق الشفعة، وحبس العين المرهونة للمرتهن، وغير ذلك من الحقوق المالية.

стр. 428

• القسم الثالث: ما اجتمع فيه الحقان، وحق الله غالب فيه. وهو فعل المكلف الذي اجتمع فيه حق الله تعالى وحق العبد، ولكن حق الله غالب فيه، مثل حد القذف عند الحنفية، فقد شرعه الله تعالى لرفع عار الزنا عن المقذوف، وللزجر للقاذف، وهذا حق العبد، كما شرعه الله تعالى لصيانة أعراض الناس، وإبعاد الفساد عن المجتمع، وحفظ اللسان، والأخلاق الاجتماعية، وهذا حق الله تعالى. ويرى الشافعية والحنابلة والمشهور عند المالكية: أن حد القذف حق خالص للآدمي المقذوف كالقصاص. • القسم الرابع: ما اجتمع فيه الحقان، وحق العبد غالب. وهو فعل المكلف الذي اجتمع فيه حق الله تعالى وحق العبد، ولكن حق العبد فيه غالب، كالقصاص وعقوبات الدماء كلها، سواء كانت قصاصًا أم ديات، فإن فيها حق الله تعالى، في صيانة الدماء وحفظ المجتمع، وفيها حق العبد؛ لأن القصاص يحقق مصلحة أولياء القتيل، ويمنع الانتقام والحقد من قلوبهم، فكان حق العبد غالبًا. ويرى بعض الأصوليين أن كل حكم شرعي يجمع بين حق الله وهو جهة التعبد، وحق العبد وهو جهة المصلحة المالية أو المنفعة الشخصية، ويرون أنه لا يوجد حق خالص لله تعالى، كما لا يوجد حق خالص للعبد، وكل حق يبدو أنه خالص لله تعالى، فإنه يحقق منافع

стр. 429

ظاهرة وملموسة للعبد من ناحية المصلحة له في الدنيا، والثواب والأجر والدرجات العليا في الآخرة، وكل حكم يبدو عليه أنه حق خالص للعبد، فإن الله تعالى له حق فيه، بأن تطبق أحكام الله تعالى فيه وتنفذ شريعته، ويلتزم المرء فيه حدود الله تعالى، ويرتع في حظيرته، ولأن حق العبد إنما يثبت كونه حقًّا له بإثبات الشرع له، وليس بكونه مستحقًّا لذلك بحكم الأصل (١).

стр. 430

الفصل الرابع الأحكام الوضعية الوضع لغة: الإسقاط، والترك، والافتراء، والولادة، وغير ذلك، يقال: وضع عنه دينه أي أسقطه، ووضعت الشيء بين يديه أي تركته هناك، ووضع الرجل الحديث أي افتراه وكذبه، ووضعت الحامل ولدها أي ولدته (١). واصطلاحًا: هو الأمارة الشرعية التي يثبت عندها الحكم أو ينتفي (٢). * أقسام الأحكام الوضعية: ينقسم الحكم الوضعي بحسب طبيعة ارتباط الحكم التكليفي به إلى خمسة أقسام، وهي: السبب، والشرط، والمانع، والصحيح ويقابله الفاسد أو الباطل، والعزيمة ويقابلها الرخصة - عند من جعل الرخصة والعزيمة من الأحكام الوضعية-.

стр. 431

بيان ذلك: أن الشيء يقتضي أن يكون سببًا لشيء آخر، أو شرطًا له، أو مانعًا، أو مسوغًا لرخصة بدل العزيمة، أو صحيحًا، أو غير صحيح، فكل منها حكم ثبت بخطاب الوضع. واتفق العلماء على اعتبار السبب والشرط والمانع من أقسام الحكم الوضعي. واختلفوا في الصحة والفساد أو البطلان، والرخصة والعزيمة. وهذا الوصف إما أن يسبق الحكم التكليفي كالأنواع الثلاثة الأولى، وإما أن يكون لاحقًا وأثرًا للحكم التكليفي كالنوعين الأخيرين. * الحكمة من خطاب الوضع: وتتجلى الحكمة من وجود الحكم الوضعي مع مبدأ صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، وذلك أنه يتعذر معرفة حكم الله تعالى في كل الأحوال، كما تتعذر معرفة حكم الله تعالى في كل الوقائع والمسائل بعد انقطاع الوحي، فاقتضت حكمة الله تعالى أن يعرِّف الناس على أحكامه بربطها بأمور محسوسة تقتضي معرفة الأحكام الشرعية، كربط الحكم بالعلة، وربط الحكم بالسبب، وذلك حتى لا تتعطل الوقائع عن الأحكام.

стр. 432

ومن جهة ثانية فلا يشترط للحكم الوضعي التكليف والعلم والقدرة، فلا يشترط فيمن يتعلق به الحكم الوضعي أن يكون مكلَّفًا، كما لا يشترط فيه العلم به، والقدرة عليه، إلا في حالتين: الأولى: سبب العقوبة كالقصاص والحدود، فيشترط لترتب العقوبة أن يكون الفاعل مكلَّفًا وعالمًا وقادرًا على الفعل، فلا تجب العقوبة على المخطئ والمكرَه والمجنون والصغير. والثانية: نقل الملك كالبيع، والهبة، والوصية، فيشترط فيها العلم والقدرة، والحكمة من ذلك أن الشرع رتب العقوبة ونقل الملك بحسب قانون العدل بين الناس والرفق بهم، وعدم تكليفهم بالمشاق أو بما لا يطاق (١). * الفرق بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية: ١ - الحكم التكليفي فيه طلب الفعل، أو طلب الترك، أو التخيير بين الفعل والترك، أما الحكم الوضعي فليس فيه طلب أو تخيير، وإنما يفيد الارتباط بين أمرين ليكون أحدهما سببًا للآخر، أو مانعًا، أو شرطًا.

стр. 433

٢ - الحكم التكليفي مقصود بذاته في الخطاب، ليقوم المكلف بالفعل أو الترك أو التخيير، أما الحكم الوضعي فلا يقصد من المكلف مباشرة، وإنما وضعه الشرع ليرتب عليه الأحكام التكليفية، مثل ملك النصاب سبب للزكاة، وحولان الحول شرط لها، والقتل مانع من الميراث. ٣ - إن الحكم التكليفي يتعلق بالمكلف، وهو البالغ العاقل الذي يتوجه إليه الخطاب، ويقع عليه التكليف، أما الحكم الوضعي فإنه يتعلق بالإنسان سواء أكان مكلفًا أم لا، كالصبي والمجنون، فقال الفقهاء بصحة بيع الصبي عند الحنفية، وأنه يضمن ما يتلفه إذا كان سببًا بالاتفاق، وقد يكون الحكم متعلقًا بفعل المكلف كالطهارة للصلاة، وقد لا يتعلق بفعل المكلف، وإنما يتعلق بما ارتبط به فعل المكلف كالدلوك، وقد يتعلق بغير الإنسان. ٤ - الحكم التكليفي يكون في مقدور المكلف فعله أو تركه؛ لأن التكليف لا يصح أن يكون فيه حرج ومشقة، أو مما يستحيل على المكلف القيام به، مثل صيغ العقود والتصرفات والجرائم، فإذا باشر المكلف عقدًا أو تصرفًا ترتب عليه حكمه، أما الحكم الوضعي فقد يكون في مقدور المكلف مثل صيغة العقد وإحضار الشاهدين في النكاح، وقد يكون ليس في مقدور المكلف مثل دلوك الشمس وحولان

стр. 434

الحول وبلوغ الحلم (١). ٥ - أن الحكم التكليفي توصف به الأفعال التي هي من كسب العبد، وما ليس من كسبه لا يكون مكلفًا به، فكل فعل يقع من غير كسب من العبد لا يقال: إنه حرام عليه ويستحق عليه العقوبة، ولا يقال: إنه واجب أو مندوب في حقه فلا ينال عليه ثوابًا، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وهذا لا يتعارض مع حديث: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا» (٢)، وذلك لأن التسبب كسب، فما وقع نتيجة لفعله فله أجره وعليه وزره. وأما الحكم الوضعي فلا يشترط أن يكون من كسب العبد، فقد يكون من كسبه ككثير من الشروط التي تشترط لصحة العبادة، وقد لا يكون من كسبه كالأسباب والشروط والموانع الخارجة عن كسبه، فلو أرضعت زوجته طفلة حرمت عليه مع أنه لم يفعل شيئًا؛ لأن الرضاع سبب لانتشار المحرمية مع أنه ليس من كسبه (٣).

стр. 435

• مسألة: في بيان أنه قد يجتمع خطاب التكليف مع خطاب الوضع، وقد ينفرد خطاب الوضع عن خطاب التكليف فمن أمثلة اجتماعهما: الزنا، إذ له حكمان: حكم تكليفي باعتبار أنه حرام، وحكم وضعي باعتبار أنه سبب للحد. وكذا السرقة من جهة أنها محرمة هي خطاب تكليف، ومن جهة أنها سبب للقطع هي خطاب وضع. فكل ما وجد فيه أحد أحكام التكليف الخمسة، وكان من جهة أخرى ناشئًا عن سبب، أو متوقفًا على شرط، أو غير ذلك من متعلقات خطاب الوضع، فهو مما يجتمع فيه الأمران، فالإيمان واجب وهو سبب لعصمة الدم والمال، والإحرام واجب عند بعض العلماء وهو مانع من فعل المحظورات فيه. ومن أمثلة انفراد خطاب الوضع: زوال الشمس، وحلول شهر رمضان، وحولان الحول في الزكاة، فهذه الأمور هي أوقات محددة لا قدرة للمكلف على تحصيلها، فإنها من خطاب الوضع، وليست من خطاب التكليف؛ إذ ليس فيها أمر، ولا نهي، ولا إذن، أما ما يترتب على هذه الأشياء من أداء الصلاة والصوم والزكاة، فإنه شيء آخر غيرها، ولا يتصور انفراد الحكم التكليفي؛ لأنه لا تكليف إلا وله سبب، أو شرط، أو مانع.

стр. 436

وبذلك يكون خطاب الوضع أعم من خطاب التكليف، إذ لا يوجد تكليف إلا ومعه وضع، دون العكس، بينما قد يوجد خطاب الوضع حيث لا تكليف، وذلك مثل الأمثلة السابقة، ولزوم قيمة المتلفات، وأروش الجنايات، والزكاة على الصبي والمجنون (١).

стр. 437

أولًا: السبب • تعريف السبب: السبب في اللغة: عبارة عما يمكن التوصل به إلى مقصود ما، ومنه سمي الطريق سببًا، وسمي الحبل سببًا (١). وقيل للطريق: سببٌ؛ لأنه بسلوكه تصل إلى الموضع الذي تريده؛ قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥] أي: طريقاً، وأسباب السموات: أبوابها؛ قال تعالى مخبرًا عن فرعون: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]. وقد تطلق الأسباب على الحوادث؛ قال زهيرٌ: ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ولو نال أسباب السماء بسلم وقد يطلق السبب على العلم؛ قال : ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾ [الكهف: ٨٤] أي علمًا.

стр. 438

وفي الاصطلاح: هو الوصف الظاهر المنضبط الذي دل الدليل السمعي على كونه معرفًا لحكم شرعي (١). • شرح التعريف: الوصف: هو المعنى. الظاهر: المعلوم وهو ضد الخفي، مثل علوق النطفة بالرحم، فإنها وإن كانت وصفًا لكنه خفي، بخلاف إذا استهل المولود فصياحه عند الولادة علامة ظاهرة منضبطة علي استقرار حياته؛ فتصلح لأن تكون سببًا للميراث. المنضبط: هو المحدد بأن لا يختلف باختلاف الأشخاص، أو الأحوال، بخلاف الحكمة فهي الباعث على شرع الأحكام لمصلحة العباد من جلب نفع أو دفع ضرر. والدليل السمعي: هو ما كان في الكتاب والسنة، وكونه معرِّفًا لحكم شرعي أي علامة على الحكم الشرعي من غير تأثير فيه. فالسبب: هو المعنى الظاهر المعلوم المحدَّد الذي ثبت بالكتاب والسنة أنه علامة على وجود الحكم، أو هو ما ارتبط به غيره وجودًا وعدمًا.

стр. 439

مثاله: جعل الزنا سببًا لوجوب الحد؛ لأن الزنا لا يوجب الحد بذاته، وإنما بجعل الشارع له، وزوال الشمس سبب في وجوب الظهر، وغروب الشمس سبب في وجوب المغرب، وطلوع الفجر سبب في وجوب الصبح. ويعرف السبب بإضافة الحكم إليه كحد الزنا، فالحد حكم شرعي أضيف إلى الزنا، فعرفنا أن الزنا هو السبب، مثل صلاة المغرب، فالصلاة حكم شرعي أضيف إلى المغرب، فعرفنا أن الغروب هو السبب (١). • تعريف آخر للسبب: هو ما يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم لذاته (٢). • شرح التعريف وبيان محترزاته: قولنا: ما يلزم من وجوده الوجود: أخرج الشرط؛ لأن الشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، كالطهارة فإنها شرط لصحة الصلاة، ولكن قد توجد الطهارة ومع ذلك لا يلزم صحة الصلاة؛ لاحتمال عدم دخول الوقت.

стр. 440

وخرج بهذه العبارة أيضًا المانع؛ لأن المانع يلزم من وجوده العدم. وخرج المانع أيضًا من قولنا: ويلزم من عدمه العدم؛ لأن المانع يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، مثل الدين يلزم من وجوده عدم الزكاة، ولكن لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، فلو لم يكن على المسلم دين فلا يلزم من ذلك وجوب الزكاة عليه؛ لاحتمال فقره مع عدم الدين، ولا يلزم عدم وجوب الزكاة؛ لاحتمال أن يكون عنده نصاب قد حال عليه الحول فتلزمه الزكاة. وقولنا: لذاته: أي لذات السبب، وأخرجنا به ما لو قارن السبب فقدان شرط، أو وجود مانع مثل أن يملك النصاب، لكن لم يدر عليه الحول، فهنا لا تجب عليه الزكاة، لا لأن ذات السبب لم يتوفر؛ بل توفر ووجد، ولكن انتفى الشرط وهو حولان الحول، كذلك لو ملك النصاب، وحال عليه الحول، لكن عليه دين، فهذا لا تجب عليه الزكاة مع توفر السبب. فهنا لا يلزم من وجود السبب وجود الحكم، ولكن لا لذاته، بل لأمر خارج عنه، وهو انتفاء الشرط، أو وجود مانع (١).

стр. 441

* أنواع السبب: • ينقسم السبب عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، أهمها: أولًا: أنواع السبب من حيث موضوعه: ينقسم السبب باعتبار موضوعه إلى قسمين (١): ١ - السبب الوقتي: وهو ما لا يعرف له حكمة باعثة في تعريفه للحكم، كالزوال سبب وقتي لوجوب الظهر؛ لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فإن الوقت سبب محض وعلامة على وجوب الصلاة، ورؤية هلال رمضان سبب وقتي لوجوب الصيام؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ٢ - السبب المعنوي: وهو ما يعرف له حكمة باعثة في تعريفه للحكم الشرعي، كالإسكار سبب معنوي لتحريم الخمر؛ لقوله ﷺ : «كل مسكر حرام» (٢)، وملك النصاب سبب معنوي لوجوب الزكاة، وكذا السرقة، والزنا، وقطع الطريق، والقتل أسباب للعقوبات. وتظهر فائدة التقسيم في جواز القياس في القسم الثاني، وعدم جوازه

стр. 442

في القسم الأول. • ثانيًا: أنواع السبب باعتبار علاقته بالمكلف (١): ينقسم السبب باعتبار قدرة المكلف على القيام به، وعدم قدرته إلى قسمين: ١ - السبب الذي هو من فعل المكلف ومقدور له: كالبيع، فهو سبب لملك المبيع والثمن، والقتل العمد سبب لوجوب القصاص، وعقد الزواج سبب لإباحة الاستمتاع بين الزوجين، وعقد الإجارة سبب لحل الانتفاع بالعين، وهذا النوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام، هي: أ- سبب مأمور به شرعًا: ويجب على المكلف فعله، أو يندب له القيام به، كالنكاح، فهو سبب للتوارث، ومأمور به. ب- سبب منهي عنه: كالسرقة سبب للحد، والسرقة منهي عنها. ج- سبب مأذون به ومباح فعله للمكلف، كجعل الذبح سببًا لحل الحيوان المذبوح، والذبح مباح. والسبب الذي يكون من فعل المكلف ويكون قادرًا عليه له صفتان: «ا» صفة التكليف؛ لأنه مقدور عليه ومطلوب من الشارع فعله

стр. 443

لجلب المنافع ودفع المضار، ويدخل في الحكم التكليفي. «ب» صفة الوضع؛ لأن الشارع رتب عليه أحكامًا أخرى، ويدخل في الحكم الوضعي، كالنكاح سبب للتوارث وحل الاستمتاع من جهة، ومندوب إليه من جهة أخرى، وذبح الحيوان سبب لحل الانتفاع، وهو مباح، والقتل سبب للقصاص، وهو حرام، والزنا سبب للحد، وهو حرام. ٢ - السبب الذي ليس من فعل المكلف، ولا يقدر عليه، كالزوال فهو سبب لوجوب صلاة الظهر، والقرابة سبب للإرث والولاية، والموت سبب لنقل ملكية التركة إلى الوارث، وهذه الأسباب ليست من فعل المكلف، ولا يقدر عليها. وهذا النوع قد يكون سببًا لحكم تكليفي كالزوال، وقد يكون سببًا لحكم وضعي كالموت، فهو سبب لنقل الملك إلى الورثة. وإن الشارع الذي وضع السبب قصد منه المسبب؛ لأن الأسباب ليست مقصودة لذاتها، وإنما شرعت لما ينشأ عنها من مسببات؛ ولأن الأحكام الشرعية إنما شرعت لجلب المصالح أو درء المفاسد، فتصبح الأحكام كذلك أسبابًا لهذه النتائج وهذه المسببات.

стр. 444

• ثالثًا: أنواع السبب باعتبار المشروعية (١): ينقسم السبب باعتبار المشروعية وعدمها إلى نوعين: ١ - السبب المشروع: وهو كل ما أدى إلى مصلحة في نظر الشارع، وإن اقترن به أو تضمن مفسدة بحسب الظاهر، كالجهاد سبب لنشر الدعوة وحماية العقيدة وتبليغ الرسالة، وإن أدى إلى مفسدة كإتلاف المال، وتعريض الأنفس للقتل. ملحوظة: إذا ظهر أحيانًا، أو نتج عن السبب المشروع بعض المفاسد فإنها ليست ناشئة عن السبب المشروع، وإنما تنتج عن أمر آخر مرافق له. ٢ - السبب غير المشروع: وهو ما يؤدي إلى المفسدة في نظر الشارع، وإن اقترن به أو تضمن مصلحة بحسب الظاهر كالنكاح الفاسد والتبني، فإنها أسباب غير مشروعة؛ لأنها تؤدي إلى مفاسد كثيرة تضر بالفرد والمجتمع، وإن لم تظهر فورًا، فإن العاقل المتبصر يدرك خطرها في المستقبل. وإن ما يظهر للمرء أحيانًا من مصالح، أو ما ينتج من منافع عن السبب الفاسد، فلا يكون من ذات السبب الممنوع، وإنما هو من أمر

стр. 445

آخر. يقول الشاطبي: والمقصود أن الأسباب المشروعة لا تكون أسبابًا للمفاسد، والأسباب الممنوعة لا تكون أسبابًا للمصالح؛ إذ لا يصح ذلك بحال (١). • رابعًا: أنواع السبب باعتبار تأثيره في الحكم: ينقسم السبب باعتبار تأثيره في الحكم وعدمه إلى نوعين (٢): ١ - السبب المؤثر في الحكم: ويسمى علة، وهو ما يكون بينه وبين الحكم مناسبة يدركها العقل، وحكمة باعثة لتشريعه، كالإسكار فهو سبب مؤثر في الحكم، وهو علة التحريم، والسفر سبب لجواز الإفطار، وهو علة الإفطار في رمضان، والعلة هي الوصف المنضبط الذي جُعِل مناطًا لحكم يناسبه. ٢ - السبب غير المؤثر في الحكم: وهو الذي لا يكون بينه وبين الحكم مناسبة معلومة، مثل الوقت سبب لوجوب الصلاة، وهذا يتطلب منا بيان الصلة بين العلة والسبب.

стр. 446

العلاقة بين العلة والسبب (١): العلة أو السبب أمارة على وجود الحكم، كالإسكار في الخمر أمارة على التحريم، والسفر في رمضان أمارة على جواز الإفطار، ولذا قال بعض علماء الأصول: إنهما بمعنى واحد، وقال آخرون: إنهما متغايران، وخصوا العلة بالأمارة المؤثرة التي تظهر فيها المناسبة بينها وبين الحكم، وخصوا السبب بالأمارة غير المؤثرة في الحكم. وقال أكثر العلماء: إن السبب أعم من العلة مطلقًا، فكل علة سبب ولا عكس، وإن السبب يشمل الأسباب التي في المعاملات والعقوبات، ويشمل العلة التي تدرس في القياس، والفرق بينهما أن الصفة التي يرتبط بها الحكم إن كانت لا يدرك تأثيرها في الحكم بالعقل، ولا تكون من صنع المكلف، كالوقت للصلاة المكتوبة، فتسمى باسم السبب، أما إذا أدرك العقل تأثير الوصف بالحكم فيسمى علة، ويسمى سببًا أيضًا، فالسبب يشمل القسمين، وهو أعم من العلة كما قدمنا. وقيل: إن السبب لا يتخلف أبدًا والعلة قد تتخلف أحيانًا، فمثلًا القتل حكم تكليفي، وحكم وضعي، فهو حكم تكليفي حيث يحرم

стр. 447

القتل، وهو حكم وضعي؛ لأنه علامة على القصاص، فيقولون القتل علة للقصاص فكل من قتل عمدًا عدوانًا فعليه القصاص، ولكن أحيانًا يتخلف الحكم كما في حق الوالد القاتل لولده، فالوالد لا يقتل في مقابل ولده، فكل قاتل في حقه القصاص، ولكن قد يتخلف القصاص أحيانًا، وعليه يكون القتل علة وليس سببًا. • خامسًا: أنواع السبب باعتبار نوع المسبَّب (١): ينقسم السبب باعتبار نوع المسبَّب الذي يدل عليه، واختلاف أثره عليه إلى قسمين: ١ - السبب لحكم تكليفي، كالوقت الذي جعله الشارع سببًا لإيجاب الصلاة في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، وظهور الهلال سبب لإيجاب الصوم في قوله ﷺ : «صوموا لرؤيته .... » (٢). ٢ - سبب لإثبات ملك أو حل، أو إزالة الملك والحل، كالبيع سبب لإثبات الملك، والعتق سبب لإزالة الملك، وعقد الزواج سبب لحل المتعة بين الزوجين، والطلاق سبب لإزالة حل المتعة، وهكذا.

стр. 448

• سادسًا: أنواع السبب باعتبار مصدر العلاقة بينه وبين المسبَّب (١): ينقسم السبب باعتبار مصدر الرابطة والعلاقة بينه وبين المسبَّب إلى ثلاثة أنواع: ١ - السبب الشرعي: وهو السبب الذي تكون العلاقة والرابطة بينه وبين المسبَّب ناتجة عن حكم شرعي، كالوقت بالنسبة لوجوب الصلاة، فإنه سبب له بحكم الشرع. ٢ - السبب العقلي: وهو السبب الذي تكون العلاقة والرابطة بينه وبين المسبَّب ناتجة عن حكم العقل، ولم تثبت عن طريق شرعي، كالنظر بالنسبة للعلم، فإنه سبب لاكتساب العلم، وهذا يعرفه العقل، ووجود النقيض سبب في انعدام نقيضه، فالعقل يدرك ذلك. ٣ - السبب العادي: وهو السبب الذي تكون العلاقة والرابطة بينه وبين المسبَّب ناتجة عن حكم العادة والعرف، مثل حز الرقبة بالنسبة للقتل أو الذبح، والسفر للحج. وهذا التقسيم لإخراج السبب العقلي والعادي من الحكم الوضعي، وأنه يقتصر على السبب الشرعي.

стр. 449

حكم السبب (١): تبين أن حقيقة السبب هي أنه يلزم من وجود السبب وجود المسبب، ومن عدمه عدم الحكم، فإذا وجد السبب سواء قام به المكلف وكان من فعله، أو كان من غير فعله، وتوافرت الشروط الموضوعة للسبب والمسبب، وانتفت موانع الحكم، ترتب على السبب مسببه حتمًا، سواء أكان المسبب حكمًا تكليفيًّا، أو كان إثبات ملك أو حل أو إزالتهما، وسواء أقصد المكلف ترتب المسبب على فعله أم لم يرد، وسواء قصد إلى المسبب أم لم يقصد؛ لأن ترتب المسبب على السبب من وضع الشارع، ولا دخل للمكلف به، ولا عبرة بقصده؛ ولأن السبب لا يؤثر بنفسه في المسبب، كما سبق عند جمهور العلماء، بل يترتب المسبب على السبب، ولو قصد المكلف مثلًا عدم ترتبه عليه. والأمثلة توضح ذلك: فمن اشترى سلعة ثبت له الملك والانتفاع، سواء أقصد ذلك أم لم يقصد، والموت والقرابة سببان للميراث ولو لم يرض الوارث أو المتوفى ذلك، وتدخل التركة في ملك الوارث جبرًا عنه، ولا يحق له أن

стр. 450

يرفض التركة، أو أن يمتنع عن قبول الميراث، ومن تزوج وجب عليه المهر ونفقة الزوجة، ولو تزوجها على أن لا مهر عليه ولا نفقة، وهكذا. ويعرج الشاطبي ﵀ في حكم السبب لبيان صلته بالعقيدة وسلوك المسلم في الحياة، ويعرض بحثًا جميلًا وطويلًا نقتبس منه ما يلي: إن الفاعل للسبب عالمًا بأن المسبب ليس إليه إذا وكله إلى فاعله، وصرف نظره عنه كان أقرب إلى الإخلاص، والتفويض والتوكل على الله تعالى، والصبر على الدخول في الأسباب المأمور بها، والخروج عن الأسباب المحظورة، والشكر، وغير ذلك. ثم يقول: إن تارك النظر في المسبب أعلى مرتبة، وأزكى عملًا، إذا كان عاملًا في العبادات، وأوفر أجرًا في العادات؛ لأنه عامل على إسقاط حظه، بخلاف من كان ملتفتًا إلى المسببات؛ فإنه عامل على الالتفات إلى الحظوظ، لأن نتائج الأعمال راجعة إلى العباد مع أنها خلق لله (١). وينتقل الإمام الشاطبي ليبين النتائج المترتبة على السبب في المعاملات والعقوبات مع بيان العدالة الإلهية فيها، فيقول: ومن ههنا إذا وقع خلل

стр. 451

في المسبب نظر الفقهاء إلى التسبب: هل كان على تمامه أم لا؟ فإن كان على تمامه؛ لم يقع على المتسبب لوم، وإن لم يكن على تمامه؛ رجع اللوم والمؤاخذة عليه، ألا ترى أنهم يضمنون الطبيب والحجَّام والطباخ وغيره من الصناع إذا ثبت التفريط من أحدهم؛ إما بكونه غر من نفسه وليس بصانع، وإما بتفريط، بخلاف ما إذا لم يفرط؛ فإنه لا ضمان عليه لأن الغلط في المسببات أو وقوعها على غير وزان التسبب قليل؛ فلا يؤاخذ، بخلاف ما إذا لم يبذل الجهد؛ فإن الغلط فيها كثير؛ فلا بد من المؤاخذة (١). والمثال على ذلك أيضًا: الضرب المفضي إلى الموت أو القطع، فإنه سبب للقصاص، فإن كان كاملًا كان الجزاء قصاصًا بالنفس، وإن كان ناقصًا كان الجزاء قصاصًا فيما دون النفس، أو دية أو حكومة عدل أو أرش. وإن سبب السبب ينزل منزلة السبب، كالإعتاق في الكفارة، فإنها سبب لبراءة الذمة، والإعتاق يتوقف على اللفظ والصيغة، فالصيغة

стр. 452

سبب الإعتاق، والإعتاق سبب لبراءة الذمة، فيكون سبب السبب كالسبب؛ لأن الحكم يتوقف عليه (١). • مسألة: في إطلاقات السبب عند الفقهاء: علم الأصول لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدًا له، ومحققًا للاجتهاد فيه، وإذا كان كذلك، فالتوقع أن يكون الفقهاء تابعين للأصوليين في اعتبار حقيقة السبب، لكن الواقع من الفقهاء غير ذلك، فهم في كتب الفروع يطلقون لفظ السبب على عدة أمور قد تبدو مخالفة لما اصطلح عليه الأصوليون في مفهوم السبب، لذلك أتيت بهذه المسألة تنبيهًا على ذلك فأقول: إن الفقهاء يطلقون لفظ السبب على أربعة إطلاقات، هي كما يلي: الإطلاق الأول: أنهم يطلقونه في مقابل المباشرة، فأطلق الفقهاء السبب على ما يقابل المباشرة. قالوا: إذا اجتمع المتسبب والمباشر؛ غلبت المباشرة، ووجب الضمان على المباشر، وانقطع حكم التسبب، فقالوا: لو حفر زيد بئرًا، ثم جاء عمرو ودفع محمدًا في البئر، فتردى فيها، فهلك محمد، فإن الحافر -وهو زيد- صاحب سبب، والمردِّي -وهو عمرو- صاحب

стр. 453

علة؛ لأن الهلاك بالتردية لا بالحفر، ولكن وقع ذلك عند وجود البئر فسموا الحافر سببًا، والدافع مباشرًا، ومن أمثلته أيضًا: لو ألقاه من شاهقٍ فتلقاه آخر بسيفٍ فقده، فالضمان على المتلقي بالسيف. ولو ألقاه في ماءٍ مغرقٍ فتلقاه حوتٌ فابتلعه، فالضمان على الملقي، لعدم قبول الحوت الضمان، وكذا لو ألقاه في زبية أسدٍ فقتله. وكمن قدم طعام شخص إلى آخر فأكله، فالمقدم متسبب، والآكل مباشر. والقاعدة عند الفقهاء: تقديم المباشر في الضمان، فإن تعذر تضمينه لموت، أو فلس ضمن المتسبب ولا يخلو تضمينه من خلاف (١). الإطلاق الثاني: أنهم يطلقونه على علة العلة؛ حيث سموا الرمي سببًا للقتل من جهة أنه سبب للعلة، فكان على التحقيق علة العلة؛ لأنه علة للإصابة، والإصابة علة لزهوق النفس، ولكن لما حصل الموت بالإصابة المتوسطة بين الرمي والزهوق لا بالرمي كان الرمي شبيهًا بالسبب في وضع اللسان وهو ما كان مفضيًا إلى الشيء، وطريقًا إليه فسموه سببًا لذلك. وحكم هذا السبب حكم العلة من كل وجه، فيضاف أثر الفعل إليه؛

стр. 454

لأنه لما أضيفت العلة إليه كان بمنزلتها، ولهذا سمي علة العلة، ويسميه الحنفية السبب في معنى العلة. الإطلاق الثالث: أنهم يطلقونه على العلة الشرعية بدون شرطها كملك النصاب دون حولان الحول، فإن ملك النصاب سبب في وجوب الزكاة، لكنه لا بد من حولان الحول في وجوبها، فيطلق السبب على ملك النصاب دون حولان الحول مع أنه لا بد منهما في الوجوب. وكذا اليمين دون الحنث فإنها سبب في وجوب الكفارة، لكنه لابد من الحنث في وجوب الكفارة، فيطلق السبب على اليمين دون الحنث مع أنه لا بد منهما في الوجوب. ويراد بهذا السبب ما تحسن إضافة الحكم إليه كما يقال: نصاب الزكاة، وكفارة اليمين. ويسميه الحنفية بالسبب المجازي. الإطلاق الرابع: أطلقوه على العلة الشرعية الكاملة التي توجب الحكم، وهي المجموع المركب من مقتضي الحكم -وهو المعنى الطالب له- وشرطه، وانتفاء المانع، ووجود الأهل -وهو المخاطبة-، ووجود المحل -وهو ما يتعلق به الحكم- فالسبب -على هذا- بمعنى العلة يقال: سبب الحكم كذا. والمراد بذلك علته.

стр. 455

ووجه إطلاق السبب على العلة الشرعية الكاملة: أن العلة في معنى العلامة المظهرة للحكم؛ إذ إنها لا توجب الحكم لذاتها، بل بإيجاب الله تعالى لها؛ فأشبهت السبب من هذه الناحية. والخلاصة: أن الإطلاق الأول المراد به إيجاد الشرط؛ لأن حفر البئر شرط لوقوع الهلاك، لكونه إزالة للمانع، إذ لولا الحفر لاستمسكت الأرض ولم يقع الهلاك، فيكون المراد بالمباشرة هنا إيجاد العلة، وبالتسبب إيجاد الشرط، وهكذا. أما الإطلاقات الثلاثة الباقية فهي تنتظم في سلك العلة؛ فالرمي علة العلة؛ لكونه علة للإصابة، والإصابة علة للزهوق، والنصاب بدون الحول علة، ولكن تخلف شرطها، والإطلاق الرابع أطلقوه على العلة الكاملة (١).

стр. 456

ثانيًا: الشرط الشرط لغة بفتحتين: العلامة، والجمع أشراط، والشرط بفتحة وسكون جمع شروط، قال الفيروز آبادي: الشرط: إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه. وفي الاصطلاح: هو ما يتوقف وجود الحكم وجودًا شرعيًّا على وجوده، ويكون خارجًا عن حقيقته، ويلزم من عدمه عدم الحكم (١). فالشرط وصف يتوقف عليه وجود الحكم، وحقيقته أن عدمه يستلزم عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، ولا يتحقق الحكم بشكل شرعي إلا بوجود الشرط الذي وضعه الشارع له، كالوضوء شرط للصلاة، فلا توجد الصلاة بشكل شرعي إلا إذا وجد الوضوء، والوضوء ليس جزءًا في الصلاة، وإذا عدم الوضوء عدمت الصلاة، ولكن إذا وجد الوضوء فلا يلزم منه وجود الصلاة.

стр. 457

ومثل الحول شرط في وجوب الزكاة، فإذا عدم الحول لزم عدم وجوب الزكاة. ومثل حضور الشاهدين في عقد الزواج، فالشهادة شرط في الزواج، ولا يصح الزواج إلا بالشهادة، والشهادة ليست جزءًا في الزواج، وإذا فقدت الشهادة فسد الزواج، ولكن لا يلزم من وجود الشاهدين وجود الزواج. ومثل القدرة على التسليم شرط في صحة البيع، والإحصان شرط في سببية الزنا للرجم. تعريف آخر للشرط: هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. • بيان محترزات التعريف: قولنا: ما يلزم من عدمه العدم: أخرج المانع؛ لأن المانع لا يلزم من عدمه شيء، كالدين في الزكاة، فقد تجب الزكاة مع انتفاء المانع لوجود الغنى، وقد لا تجب مع انتفاء المانع لعدم بلوغ المال النصاب. قولنا: ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم: أخرج السبب؛ لأن السبب يلزم من وجوده الوجود، وأخرج المانع؛ لأن المانع يلزم من وجوده العدم.

стр. 458

قولنا: لذاته: احترزنا به عن مقارنة الشرط وجود السبب، فيلزم الوجود، أو مقارنة قيام المانع، فيلزم عدم الوجود، لكن لا لذاته؛ بل لأمر آخر خارجي، وهو مقارنة السبب، أو قيام المانع. فمثلًا: تمام الحول في الزكاة يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة، ولا يلزم من وجوده وجوب الزكاة؛ لاحتمال عدم بلوغ النصاب، ولا يلزم عدم وجوبها لاحتمال بلوغ المال النصاب. أما إذا قارن الشرط وجود السبب، فإنه يلزم وجوب الزكاة، ولكن لا لذات الشرط، بل لوجود السبب. وإذا كان عليه دين مع تمام الحول، فإنه يلزم منه عدم وجوب الزكاة، ولكن العدم ثبت نظرًا لقيام المانع، لا لذات الشرط. وشرح التعريف وبيان حقيقته يقودنا لبيان العلاقة بين الركن والشرط، وبين الشرط والسبب. • العلاقة بين الركن والشرط (شرط الصحة) (١): الركن هو ما يتوقف عليه وجود الحكم، ويكون جزءًا في ماهيته، أما الشرط فهو ما يتوقف

стр. 459

عليه وجود الحكم، ويكون خارجًا عن حقيقته وماهيته، ويظهر من هذا أن الركن والشرط يتفقان بأن كلًّا منهما يتوقف عليه وجود الحكم، وإذا نقص الركن أو الشرط بطل أو فسد الحكم. ويختلفان بأن الركن جزء من الماهية، والشرط ليس جزءًا من الماهية، والمثال يوضح ذلك. فالركوع ركن يتوقف عليه وجود الصلاة، وهو جزء منها، وكذا السجود وقراءة الفاتحة، والقيام، والصيغة في العقد ركن، وإذا اختل الركن بطلت الصلاة أو العقد. أما الوضوء فشرط يتوقف عليه وجود الصلاة، ولكنه خارج عن الصلاة؛ لأنه يسبقها، وكذا طهارة الثوب والمكان والجسد، ومثله الشهود في عقد الزواج شرط فيه وخارج عن الزواج، وإذا فقد الشرط فقدت الصلاة وعقد الزواج. وإذا حصل خلل في الركن كان الخلل في نفس التصرف أو العقد، ولا يتحقق وجود المسبب والماهية، وكان حكمه البطلان باتفاق العلماء، أما إذا حصل خلل في شرط من الشروط كان الخلل في وصف خارج عن الحقيقة، وتكون الحقيقة والماهية موجودة، ولكن لا يترتب عليها أثرها الشرعي لانتفاء الشرط فيها، وحكمها البطلان عند جمهور العلماء كالركن، خلافًا للحنفية الذين وصفوها بالفساد الذي يترتب عليه بعض الآثار.

стр. 460

ولكن الحنفية يفرقون في أثر الفساد بين العبادات والمعاملات، فالعبادات الفاسدة لا أثر لها عندهم، ولا تسقط عن المكلف، ولا تبرأ منها الذمة، كالباطلة، ويتفقون بذلك مع الجمهور فيها، أما المعاملات الفاسدة فإنها يترتب عليها بعض الآثار عندهم، بخلاف المعاملات الباطلة فإنها لا يترتب عليها أثر شرعي. • العلاقة بين السبب والشرط: إن الشروط الشرعية تكمل السبب، وتجعل أثره يترتب عليه، وهو المسبب، وإذا وجد السبب ولم يتوفر الشرط فلا يوجد المسبب، فالسبب يلزم منه وجود المسبب عند تحقق الشرط وانتفاء المانع، وإذا لم يتحقق الشرط فلا أثر له، مثل القتل سبب لإيجاب القصاص، إذا تحقق شرطه وهو العمد العدوان، وعقد الزواج سبب لحل الاستمتاع عند تحقق الشرط، وهو حضور الشاهدين، والنصاب سبب لوجوب الزكاة عند تحقق الشرط، وهو حولان الحول، وهكذا فإنه لو صح وقوع المشروط بدون شرطه لم يكن شرطًا فيه. ويتفرع عن هذا الأصل خلاف فقهي بين المذاهب، وهو هل يوجد الحكم بوجود سببه مع عدم الشرط أو تأخره، أم لا؟، وذلك أن الحكم يتوقف على وجود السبب وتحقق الشرط، فإن وجد السبب فقط، فهل يصح أن يقع الحكم بدون الشرط أم لا يصح؟
следующие страницы →