← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ثانيًا: الشرط الشرط لغة بفتحتين: العلامة، والجمع أشراط، والشرط بفتحة وسكون جمع شروط، قال الفيروز آبادي: الشرط: إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه. وفي الاصطلاح: هو ما يتوقف وجود الحكم وجودًا شرعيًّا على وجوده، ويكون خارجًا عن حقيقته، ويلزم من عدمه عدم الحكم (١). فالشرط وصف يتوقف عليه وجود الحكم، وحقيقته أن عدمه يستلزم عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، ولا يتحقق الحكم بشكل شرعي إلا بوجود الشرط الذي وضعه الشارع له، كالوضوء شرط للصلاة، فلا توجد الصلاة بشكل شرعي إلا إذا وجد الوضوء، والوضوء ليس جزءًا في الصلاة، وإذا عدم الوضوء عدمت الصلاة، ولكن إذا وجد الوضوء فلا يلزم منه وجود الصلاة.

стр. 457

ومثل الحول شرط في وجوب الزكاة، فإذا عدم الحول لزم عدم وجوب الزكاة. ومثل حضور الشاهدين في عقد الزواج، فالشهادة شرط في الزواج، ولا يصح الزواج إلا بالشهادة، والشهادة ليست جزءًا في الزواج، وإذا فقدت الشهادة فسد الزواج، ولكن لا يلزم من وجود الشاهدين وجود الزواج. ومثل القدرة على التسليم شرط في صحة البيع، والإحصان شرط في سببية الزنا للرجم. تعريف آخر للشرط: هو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. • بيان محترزات التعريف: قولنا: ما يلزم من عدمه العدم: أخرج المانع؛ لأن المانع لا يلزم من عدمه شيء، كالدين في الزكاة، فقد تجب الزكاة مع انتفاء المانع لوجود الغنى، وقد لا تجب مع انتفاء المانع لعدم بلوغ المال النصاب. قولنا: ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم: أخرج السبب؛ لأن السبب يلزم من وجوده الوجود، وأخرج المانع؛ لأن المانع يلزم من وجوده العدم.

стр. 458

قولنا: لذاته: احترزنا به عن مقارنة الشرط وجود السبب، فيلزم الوجود، أو مقارنة قيام المانع، فيلزم عدم الوجود، لكن لا لذاته؛ بل لأمر آخر خارجي، وهو مقارنة السبب، أو قيام المانع. فمثلًا: تمام الحول في الزكاة يلزم من عدمه عدم وجوب الزكاة، ولا يلزم من وجوده وجوب الزكاة؛ لاحتمال عدم بلوغ النصاب، ولا يلزم عدم وجوبها لاحتمال بلوغ المال النصاب. أما إذا قارن الشرط وجود السبب، فإنه يلزم وجوب الزكاة، ولكن لا لذات الشرط، بل لوجود السبب. وإذا كان عليه دين مع تمام الحول، فإنه يلزم منه عدم وجوب الزكاة، ولكن العدم ثبت نظرًا لقيام المانع، لا لذات الشرط. وشرح التعريف وبيان حقيقته يقودنا لبيان العلاقة بين الركن والشرط، وبين الشرط والسبب. • العلاقة بين الركن والشرط (شرط الصحة) (١): الركن هو ما يتوقف عليه وجود الحكم، ويكون جزءًا في ماهيته، أما الشرط فهو ما يتوقف

стр. 459

عليه وجود الحكم، ويكون خارجًا عن حقيقته وماهيته، ويظهر من هذا أن الركن والشرط يتفقان بأن كلًّا منهما يتوقف عليه وجود الحكم، وإذا نقص الركن أو الشرط بطل أو فسد الحكم. ويختلفان بأن الركن جزء من الماهية، والشرط ليس جزءًا من الماهية، والمثال يوضح ذلك. فالركوع ركن يتوقف عليه وجود الصلاة، وهو جزء منها، وكذا السجود وقراءة الفاتحة، والقيام، والصيغة في العقد ركن، وإذا اختل الركن بطلت الصلاة أو العقد. أما الوضوء فشرط يتوقف عليه وجود الصلاة، ولكنه خارج عن الصلاة؛ لأنه يسبقها، وكذا طهارة الثوب والمكان والجسد، ومثله الشهود في عقد الزواج شرط فيه وخارج عن الزواج، وإذا فقد الشرط فقدت الصلاة وعقد الزواج. وإذا حصل خلل في الركن كان الخلل في نفس التصرف أو العقد، ولا يتحقق وجود المسبب والماهية، وكان حكمه البطلان باتفاق العلماء، أما إذا حصل خلل في شرط من الشروط كان الخلل في وصف خارج عن الحقيقة، وتكون الحقيقة والماهية موجودة، ولكن لا يترتب عليها أثرها الشرعي لانتفاء الشرط فيها، وحكمها البطلان عند جمهور العلماء كالركن، خلافًا للحنفية الذين وصفوها بالفساد الذي يترتب عليه بعض الآثار.

стр. 460

ولكن الحنفية يفرقون في أثر الفساد بين العبادات والمعاملات، فالعبادات الفاسدة لا أثر لها عندهم، ولا تسقط عن المكلف، ولا تبرأ منها الذمة، كالباطلة، ويتفقون بذلك مع الجمهور فيها، أما المعاملات الفاسدة فإنها يترتب عليها بعض الآثار عندهم، بخلاف المعاملات الباطلة فإنها لا يترتب عليها أثر شرعي. • العلاقة بين السبب والشرط: إن الشروط الشرعية تكمل السبب، وتجعل أثره يترتب عليه، وهو المسبب، وإذا وجد السبب ولم يتوفر الشرط فلا يوجد المسبب، فالسبب يلزم منه وجود المسبب عند تحقق الشرط وانتفاء المانع، وإذا لم يتحقق الشرط فلا أثر له، مثل القتل سبب لإيجاب القصاص، إذا تحقق شرطه وهو العمد العدوان، وعقد الزواج سبب لحل الاستمتاع عند تحقق الشرط، وهو حضور الشاهدين، والنصاب سبب لوجوب الزكاة عند تحقق الشرط، وهو حولان الحول، وهكذا فإنه لو صح وقوع المشروط بدون شرطه لم يكن شرطًا فيه. ويتفرع عن هذا الأصل خلاف فقهي بين المذاهب، وهو هل يوجد الحكم بوجود سببه مع عدم الشرط أو تأخره، أم لا؟، وذلك أن الحكم يتوقف على وجود السبب وتحقق الشرط، فإن وجد السبب فقط، فهل يصح أن يقع الحكم بدون الشرط أم لا يصح؟

стр. 461

ذهب بعض الفقهاء إلى مراعاة السبب ووقوع المسبب عليه دون توقفه على الشرط، وذهب آخرون إلى توقف الحكم على تحقق الشرط، مراعاة لأثر الشرط، وإن اختفاء الشرط مانع للسبب من تأثيره في وجود المسبب، وتطبيق القواعد يرجح القول الثاني، والقول الأول يعتمد على النصوص في الحديث، فجعلوا ذلك استثناء من القاعدة العامة، والأمثلة الفقهية توضح ذلك، مثل الاختلاف في جواز تعجيل الزكاة عند الحنفية والشافعية فالنصاب سبب في وجوب الزكاة، والحول شرط له، فعلى القول الأول يجوز تعجيل الزكاة قبل تحقق الشرط، وعلى القول الثاني لا يجوز تعجيل الزكاة إلا بعد حولان الحول على النصاب، ومثل تعجيل الكفارة قبل الحنث عند الشافعية، كمن حلف يمينًا على إثم مثلًا، فاليمين سبب الكفارة، والحنث شرطها، فعلى القول الأول يجوز تقديم الكفارة ثم الحنث في اليمين، واستدلوا بما رواه مسلم، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «والله، إن شاء الله، لا أحلف على يمين ثم أرى خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير»، وعلى القول الثاني: لا يجوز، ومثل العفو عن القاتل من القتيل؛ لأن الضرب المؤدي إلى الموت سبب في القصاص أو الدية، والزهوق شرط، ويجوز العفو من القتيل قبل زهوق روحه باتفاق، وتفصيل الأدلة والآراء في كتب الفقه.

стр. 462

ويتفق الشرط والسبب في حالة العدم، فإذا عدم السبب عدم المسبب، وإذا عدم الشرط عدم المشروط ويختلفان في حالة الوجود، فإذا وجد الشرط فلا يلزم منه وجود الحكم، كالوضوء لا يلزم من وجوده وجوب إقامة الصلاة، ولا يلزم من وجود الشاهدين وجود النكاح. أما السبب فيلزم من وجوده وجود الحكم، فإذا وجد الوقت وجبت الصلاة، ووجب الصيام. • أنواع الشرط: ينقسم الشرط عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، وهي: • أولًا: تقسيم الشرط باعتبار ارتباطه بالسبب أو المسبب (١): ينقسم الشرط باعتبار ارتباطه بالسبب أو المسبب إلى نوعين: ١ - الشرط المكمل للسبب: وهو الذي يكمل السبب حتى ينتج أثره في الحكم وهو المسبب، مثل حولان الحول في وجوب الزكاة في النصاب، فالنصاب سبب لوجوب الزكاة، ولا يتحقق وجود النصاب الدال على الغنى إلا بشرط حولان الحول، فالحول شرط مكمل للنصاب، والعمد والعدوان شرطان في القتل الموجب للقصاص،

стр. 463

فالقتل سبب، والقصاص مسبب، ولا يرتبط السبب والمسبب إلا إذا تحقق شرطا العمد والعدوان، والقدرة على تسليم المبيع شرط لصحة البيع الذي هو سبب ثبوت الملك، والإحصان شرط في سببية الزنا للرجم، وهكذا، وعدم هذه الشروط يفيد عدم الأسباب. ٢ - الشرط المكمل للمسبب: وهو الذي يكمل المسبب وهو الحكم، فالطهارة وستر العورة شرطان يكملان الصلاة؛ لأن عدم الشرط يستلزم عدم الحكم. • ثانيًا: تقسيم الشرط باعتبار جهة اشتراطه (١): ينقسم الشرط من حيث جهة اشتراطه إلى قسمين: ١ - الشرط الشرعي: وهو ما كان مصدر اشتراطه الشرع، مثل الشروط التي وردت في العبادات، والمعاملات، وإقامة الحدود. أنواع الشرط الشرعي: الشرط الشرعي أنواع: شرط وجوب، وشرط صحة، وشرط أداء، وشرط قبول. أ- شرط الوجوب هو: ما يصير الإنسان به مكلفًا كالنقاء من الحيض والنفاس، فإنه شرط في وجوب الصلاة، وبلوغ الدعوة إلى

стр. 464

شخص شرط في وجوب الإيمان عليه. ب- شرط الصحة هو: ما جعل وجوده سببًا في حصول الاعتداد بالفعل وصحته، فهو الشرط الذي تتخلف الصحة بتخلفه، مثل: الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة للصلاة. ج- شرط الأداء هو: حصول شرط الوجوب مع التمكن من إيقاع الفعل؛ فيخرج بذلك الغافل، والنائم، والساهي، ونحوهم، فإنهم غير مكلفين بأداء الصلاة مع وجوبها عليهم. د- شرط القبول: وهو الذى يكون سببًا في قبول الأعمال كالإسلام شرط لقبول الأعمال، وشرط القبول فقط هو الذى يعمل متقدمًا ومتأخرًا، وذلك لقول النبي ﷺ لحكيم بن حزامٍ: «أسلمت على ما سلف من خير» (١). ٢ - الشرط الجعلي: وهو ما كان مصدر اشتراطه المكلف، كما لو اشترطت المرأة تقديم معجل المهر كله، وكما لو اشترط المشتري نقل المبيع أو استلامه في مكان معين، ولا بد أن يكون الشرط الجعلي موافقًا لحكم الشرع، ومتفقًا مع مقتضى العقد أو التصرف، فإن كان منافيًا له بطل التصرف كما لو اشترطت المرأة في عقد الزواج عدم

стр. 465

المعاشرة، أو اشترط البائع تقييد ملكية المشتري، ولذا تتفاوت درجات الشرط الجعلي: أ- إما أن يكون مكملًا لحكمة الشرع، ومتفقًا مع مقتضى العقد، ومحققًا للغاية منه، كاشتراط الكفالة أو الرهن في الدين المؤجل، وهذا القسم متفق على صحته. ب- وإما أن يكون الشرط الجعلي مخالفًا لمقتضى العقد، ومتعارضًا معه، وغير ملائم لمقصود المشروط فيه، ولا مكملًا لحكمته، كأن يشترط الزوج عدم الإنفاق على زوجته، أو أن يشترط البائع عدم انتفاع المشتري بالعين، وهذا القسم متفق على بطلانه وإلغائه. ج- وإما أن يكون شرطًا زائدًا على مقتضى العقد، وهو الذي يقترن فيزيد من التزامات أحد الطرفين، أو يقوي هذه الالتزامات، وحكم هذا النوع مختلف فيه بين المذاهب اختلافًا واسعًا، فقد أجاز هذا الاشتراط وتوسع به المذهب الحنبلي والمالكي، وضيق فيه المذهب الحنفي والشافعي.

стр. 466

• ثالثًا: تقسيم الشرط باعتبار إدراك الرابطة مع المشروط (١): ينقسم الشرط من جهة إدراك الرابطة والعلاقة بينه وبين المشروط إلى أربعة أنواع: ١ - الشرط الشرعي: وهو الشرط الذي تكون العلاقة فيه بين الشرط والمشروط ناتجة عن حكم الشرع، كالوضوء للصلاة. ٢ - الشرط العقلي: وهو الشرط الذي تكون العلاقة فيه بين الشرط والمشروط ناتجة عن حكم العقل، مثل ترك ضد الواجب لحصوله، كترك الأكل شرط لصحة الصلاة، ومثل اشتراط الحياة للعلم، فإذا انتفت الحياة انتفى العلم، ولا يلزم من وجود الحياة وجود العلم، ومثل الفهم في التكليف. ٣ - الشرط العادي: وهو ما تكون العلاقة بينه وبين مشروطه ناتجة عن حكم العادة والعرف، كغسل جزء من الرأس لإتمام غسل الوجه، ومثل الغذاء للحيوان أي لحياته، وملاصقة النار للجسم في الإحراق، ومقابلة الرائي للمرئي. ٤ - الشرط اللغوي: وذلك في صيغ التعليق، مثل: إنها طالق إن خرجت من البيت، وهذا النوع له حكم السبب.

стр. 467

والشرط اللغوي يلزم منه وجود المشروط، وإذا عدم عدم المشروط. تنبيه: إن أدى الاشتغال بالشرط إلى ضياع المشروط سقط الشرط ولا يكون الإنسان مكلفًا به، يقول ابن تيمية: الإجماع على أن مجرد الاشتغال بالشرط لا يبيح تأخير الصلاة عن وقتها، فإنه لو دخل الوقت وأمكنه أن يطلب الماء وهولا يجده إلا بعد الوقت لم يجز له التأخير بالاتفاق (١).

стр. 468

ثالثًا: المانع المانع لغة هو: الحائل بين الشيئين، يقال: منعه الأمر، ومنعته منه، فهو ممنوع أي: محروم، والمانع: اسم فاعل من المنع ضد الإعطاء. ثانيًا: المانع في الاصطلاح هو: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته (١). • شرح التعريف وبيان محترزاته: قولنا: ما يلزم من وجوده العدم: أخرج السبب؛ لأن السبب يلزم من وجوده وجود الحكم، وأخرج الشرط؛ لأن الشرط لا يلزم من وجوده وجود ولا عدم -كما سبق بيانه-. وقولنا: ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم: أخرج الشرط أيضًا؛ لأن الشرط يلزم من عدمه عدم الحكم. وقولنا: لذاته: للاحتراز عن مقارنة عدم المانع لوجود سبب آخر،

стр. 469

فإنه يلزم الوجود، ولكن لا لعدم المانع، وإنما لوجود السبب الآخر، مثل: المرتد القاتل لولده، فإن هذا يقتل بالردة، وإن لم يقتل قصاصًا؛ لأن المانع إنما منع أحد السببين فقط وهو القصاص، وقد حصل القتل بسبب آخر، وهو الردة (١). وقيل في تعريفه: هو وصف ظاهر منضبط يستلزم وجوده عدم الحكم أو عدم السبب (٢). مثاله: اختلاف الدين والقتل في الميراث، فإذا وجدت الزوجية أو القرابة، وهما سببان للإرث، فلا يتم الميراث إلا إذا انتفى المانع، وهو اختلاف الدين أو القتل والأبوة مانع من القصاص، فإذا وجد القتل وهو سبب للقصاص، وتحقق الشرط وهو العمد والعدوان، فلا ينفذ القصاص إلا إذا انتفى المانع، فإن وجد فلا قصاص. • العلاقة بين السبب والشرط والمانع: من التعريف والشرح تظهر العلاقة بين السبب والشرط من جهة وبين المانع من جهة أخرى. فالمانع يوجد مع وجود السبب وتوفر الشرط، ويمنع ترتب

стр. 470

المسبب على سببه، فالشارع أخبرنا بوجوب الأحكام عند وجود السبب، والشرط، وانتفاء المانع، وعدم وجوب الأحكام أو عدم وجودها عند انتفاء السبب، والشرط، أو وجود المانع. فالمانع عكس الشرط؛ لأنه يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم، والشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، والمانع عكس السبب أيضًا، لأنه يلزم من وجود السبب وجود المسبب، ومن عدمه عدمه، أما المانع فيلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم (١). ملحوظة: قد يلتبس الشرط مع عدم المانع؛ لأن كلًّا منهما يتوقف عليه وجود الحكم، ولذلك اعتبر بعض العلماء من شروط الصلاة: ترك المناهي من الكلام والطعام وغيرهما، ولكن الإمام النووي ﵀ حقق ذلك، وقال: إنها ليست شروطًا للصلاة، وإنما سميت بذلك مجازًا، وإنما هي مبطلات؛ لأن الشرط وصف وجودي وعدم المانع وصف عدمي. الفرق بينهما -على تقدير التغاير-: أن الشرط لا بد أن يكون وصفًا وجوديًّا. وأما عدم المانع فعدميٌّ، ويظهر أثر ذلك في التغاير: إن عدم

стр. 471

المانع يكتفى فيه بالأصل، والشرط لا بد من تحققه، فإذا شك في شيءٍ يرجع لهذا الأصل. ولذلك عدت الطهارة شرطًا؛ لأن الشك فيها مع تيقن ضدها المستصحب يمنع انعقاد الصلاة (١). • أنواع المانع (٢): ينقسم المانع عدة أقسام باعتبارات مختلفة: • أولًا: أنواع المانع باعتبار تأثيره على الحكم والسبب: ينقسم المانع في الأصول من حيث تأثيره على الحكم والسبب إلى نوعين: ١ - مانع للحكم لحكمة تقتضي نقيض الحكم: كالأبوة في القصاص، فإنها منعت القصاص مع وجود السبب وهو القتل، وتحقق الشرط وهو العمد والعدوان، ولكن وجد مانع الأبوة فيمنع القصاص، والحكمة أن الأب سبب وجود الابن، وهذا يقتضي ألا يصير الابن سببًا لموت الأب، ومثل ذلك القتل يمنع الإرث.

стр. 472

وهذا النوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أ- المانع الذي لا يجتمع مع الحكم التكليفي، وهو الذي يزيل العقل كالنوم أو الجنون أو الإغماء، فإنها تمنع الخطاب التكليفي، وتكون مانعة للحكم. ب- المانع الذي يجتمع مع أهلية التكليف، لكن المانع يرفع التكليف مع إمكان اجتماعه، كالحيض والنفاس والجنابة مانعة للصلاة، كما أن الحيض والنفاس مانعان للصيام. ج- المانع الذي يرفع اللزوم في التكليف، ويحوله من طلب حتمي إلى التخيير، كالمرض المانع من فريضة الجمعة، وإن صلى صحت صلاته، والأنوثة المانعة من صلاة الجمعة، وإن صلت صحت صلاتها. ٢ - المانع للسبب لحكمة تخل بحكمة السبب: كالدين في الزكاة، فهو مانع أبطل سبب وجوب الزكاة، وهو ملك النصاب؛ لأن مال المدين أصبح كأنه ليس ملكه، لوجود حق الدائنين؛ ولأن دفع الدين وإبراء الذمة أولى من مساعدة الفقراء والمساكين، وهذا عند الحنفية والجمهور، خلافًا للشافعية في الجديد. يقول الآمدي: والمانع منقسم إلى مانع الحكم ومانع السبب، أما

стр. 473

مانع الحكم: فهو كل وصف وجودي ظاهر منضبط مستلزم لحكمة مقتضاها بقاء نقيض حكم المسبب، مع بقاء السبب، كالأبوة في باب القصاص مع القتل العمد والعدوان. وأما مانع السبب: فهو كل وصف يخل وجوده بحكمة السبب يقينًا، كالدين في باب الزكاة مع ملك النصاب (١). • ثانيًا: أنواع المانع باعتبار مصدره: ١ - إما أن يكون سماويًّا: كالجنون والعته والنوم. ٢ - وإما أن يكون مكتسبًا: كالسكر فإنه مانع للتكليف، والقتل فإنه مانع من الإرث. • ثالثًا: أنواع المانع باعتبار تأثيره في الحكم: ينقسم المانع باعتبار تأثيره في الحكم إلى ثلاثة أنواع: ١ - ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره. مثل: الحيض والنفاس يمنعان الابتداء في الصلاة والدوام فيها. ٢ - ما يمنع من الابتداء دون الدوام. مثل: الإحرام للنكاح، فالإحرام يمنع من حدوث نكاح جديد،

стр. 474

ولكن لا يمنع دوام النكاح القديم. وكذلك الإسلام بالنسبة للسبي يمنع من الابتداء، ولكنه لا يمنع من الدوام فيه، فلو أسلم بعد أن صار مملوكًا فلا ينقطع عنه الرق. ٣ - ما يمنع من الدوام دون الابتداء. مثل: الطلاق للنكاح، فالطلاق يمنع دوام النكاح القديم، ولكنه لا يمنع من ابتداء نكاح آخر (١). فائدة: الفرق بين الابتداء والدوام في الأحكام: قال ابن القيم: وأين أحكام الابتداء من الدوام وقد فرق النص والإجماع والقياس بينهما؟ فلا تؤخذ أحكام الدوام من أحكام الابتداء ولا أحكام الابتداء من أحكام الدوام في عامة مسائل الشريعة؛ فالإحرام ينافي ابتداء النكاح والطيب دون استدامتهما، والنكاح ينافي قيام العدة والردة دون استدامتها، والحدث ينافي ابتداء المسح على الخفين دون استدامته، وزوال خوف العنت ينافي ابتداء النكاح على الأمة دون استدامته عند الجمهور، والذهول عن نية العبادة ينافي ابتداءها دون استدامتها، وفقد الكفاءة ينافي لزوم النكاح في الابتداء دون الدوام،

стр. 475

وحصول الغنى ينافي جواز الأخذ من الزكاة ابتداءً ولا ينافيه دوامًا. وحصول الحجر بالسفه والجنون ينافي ابتداء العقد من المحجور عليه ولا ينافي دوامه، وطريان ما يمنع الشهادة من الفسق والكفر والعداوة بعد الحكم بها لا يمنع العمل بها على الدوام ويمنعه في الابتداء، وأضعاف أضعاف ذلك من الأحكام التي يفرق فيها بين الابتداء والدوام؛ فيحتاج في ابتدائها إلى ما لا يحتاج إليه في دوامها، وذلك لقوة الدوام وثبوته واستقرار حكمه، وأيضًا فهو مستصحبٌ بالأصل، وأيضًا فالدافع أسهل من الرافع، وأيضًا فأحكام التبع يثبت فيها ما لا يثبت في المتبوعات، والمستدام تابعٌ لأصله الثابت؛ فلو لم يكن في المسألة نصٌّ لكان القياس يقتضي صحة ما ورد به النص، فكيف وقد توارد عليه النص والقياس (١)؟! • رابعًا: أنواع المانع عند الحنفية: قسم الحنفية المانع إلى خمسة أنواع وهي (٢): ١ - ما يمنع انعقاد السبب، مثل انتفاء المحلية في البيع، فإنه مانع له كبيع الحر.

стр. 476

٢ - ما يمنع تمام السبب في حق غير العاقد، كبيع الفضولي، فالسبب وهو البيع قد تم في حق العاقد، ولا يستطيع إبطاله، ولم يتم العقد في حق المالك لعدم ولاية العاقد عليه، فهو بالخيار بين إجازته أو إبطاله. ٣ - ما يمنع ابتداء الحكم، كخيار الشرط للبائع، فالعقد منعقد في حقهما، ولكن الخيار منع ملكية المبيع للمشتري. ٤ - ما يمنع تمام الحكم، كخيار الرؤية، فالملك ثبت بالعقد، ولكن لا يتم إلا بعد الرؤية، ويحق لصاحب الخيار أن يفسخ العقد بإرادته. ٥ - ما يمنع لزوم الحكم، كخيار العيب، فالملك ثابت وتام، وللمشتري ولاية التصرف في المبيع، ولكن العيب مانع من لزوم العقد، فالعقد غير لازم، وللمشتري طلب فسخ العقد (١).

стр. 477

رابعًا: الصحيح الصحة لغة: خلاف السقم، وهي: عبارة عن السلامة وعدم الاختلال، فيقال: صح فلان من علته. أي: أصبح لا سقم فيه (١). والحكم الصحيح في الاصطلاح الأصولي: ما ترتبت عليه آثاره الشرعية من براءة الذمة، وسقوط المطالبة في العبادات، ونفاذ العقد في العقود والتصرفات (٢). هل الصحة والبطلان من الحكم الوضعي؟ انقسم العلماء في وصف الصحة والفساد والبطلان، وهل تدخل في الحكم الوضعي أم في الحكم التكليفي؟ على أربعة أقوال: ١ - قال ابن الحاجب: إن الصحة والبطلان أو الحكم بهما أمر عقلي، فالفعل إما أن يكون مسقطًا للقضاء، أو يكون موافقًا أمر

стр. 478

الشارع، فالفعل صحيح بحكم العقل، وإما أن لا يسقط القضاء، أو لا يوافق أمر الشرع فهو باطل وفاسد بحكم العقل (١). ٢ - وقال بعض العلماء: إن الصحة أو الفساد صفة للفعل وليس للحكم، وتدخل في المحكوم فيه، وليس في الحكم، وإنها أوصاف ترد على الأحكام الشرعية سواء كانت تكليفية أو كانت وضعية. ٣ - قال جماعة: الصحة والفساد من الحكم التكليفي، فالصحيح هو المباح، والباطل والفاسد هو المحرم. ٤ - وقال أكثر العلماء: إنهما من خطاب الوضع، بمعنى أنه حكم بتعلق شيء بشيء تعلقًا زائدًا على التعلق الذي لا بد منه في كل حكم، فالشارع حكم بتعلق الصحة بهذا الفعل، وحكم بتعلق الفساد أو البطلان بذلك. والراجح أن الصحة والفساد من خطاب الوضع، وأن الصحة والفساد في المعاملات من أحكام الوضع باتفاق؛ لأن المعاملات لا تستتبع ثمراتها المطلوبة إلا بتوقيف من الشارع، وأن ترتب المقصود من العقد يدل على أنه صحيح، وعدم ترتبه عليه يدل على الفساد، فالصحة موافقة الفعل لأمر الشارع على وجه، والفساد عدم موافقة

стр. 479

الفعل لأمر الشارع. وينحصر الخلاف في الصحة والفساد المتعلقين بالعبادات لاختلاف الغاية منها، يقول الكمال بن الهمام: إن ترتب الأمر على الفعل حكم وضعي، ويعني معرفة كون العبادة مسقطة للقضاء أم لا (١). • مسألة: متى يكون الشيء صحيحًا؟ الجواب: يكون الشيء صحيحًا إذا تمت أركانه، وشروطه، وانتفت موانعه، فإن فقد ركن أو شرط من الشروط أو وجد مانع من الموانع امتنعت الصحة. فإذا حصل السبب، وتوفر الشرط، وانتفى المانع، ترتبت الآثار الشرعية على الفعل، كما إذا أدى المكلف فعلًا من الأفعال، مستكملًا أركانه وشروطه ترتب الأثر الذي وضعه الشارع عليه، كسقوط الواجب وإبراء الذمة في العبادات، وترتب المسبب على السبب، وإقامة المشروط على الشرط، وتحقق الآثار في المعاملات والعقود.

стр. 480

• مسألة: هل هناك تلازم بين الصحة والثواب؟ الجواب: لا تلازم بينهما، ولكن إذا كان الشيء صحيحًا تبرأ به الذمة. فالصحيح من العبادات ما برئت به الذمة وسقط به الطلب. وقد يكون العمل صحيحًا غير مقبول: مثال: قال النبي ﷺ : «العبد الآبق لا تقبل له صلاة» (١)، أو قوله ﵊: «من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل منه صلاة أربعين ليلة» (٢). فمعنى أن تكون العبادة مقبولة أي تبرأ بها الذمة، ويثاب فاعلها عليها، ونفي القبول ينفي إبراء الذمة وينفي الثواب، ولا يخرج شيء من ذلك إلا بدليل. وهنا قوله ﵊: «العبد الآبق لا تقبل صلاته»، فالأصل أن معنى «لا تقبل» أي لم تبرأ بها ذمته، ولا ثواب عليها، لكن المراد هنا نفي الأجر دون إبراء الذمة، قال ابن الصلاح: فصلاة العبد الآبق صحيحة غير مقبولة، فيظهر أثر عدم القبول في عدم الثواب، ويظهر أثر

стр. 481

الصحة في سقوط القضاء، ولا يعاقب عقوبة تارك الصلاة (١). وقوله: «من أتى عرافًا فسألة عن شيء لم تقبل منه صلاة أربعين يومًا»، فمعنى «لم تقبل» أي لا ثواب عليها، ولكنها برئت بها ذمته، فالأصل أن نفي القبول هو نفي إبراء الذمة ونفي الثواب، ولكن أتى الإجماع على إبراء الذمة، ولا يلزمه القضاء. قال الإمام النووي: وأما عدم قبول صلاته فمعناه: أنه لاثواب له فيها وإن كانت مجزئةً في سقوط الفرض عنه ولايحتاج معها إلى إعادةٍ، ونظير هذه الصلاة في الأرض المغصوبة مجزئة مسقطة للقضاء ولكن لاثواب فيها كذا قاله جمهور أصحابنا، قالوا فصلاة الفرض وغيرها من الواجبات إذا أتي بها على وجهها الكامل ترتب عليها شيئان سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب، فإذا أداها في أرضٍ مغصوبة حصل الأول دون الثاني، ولابد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لايلزم من أتى العراف إعادة صلوات أربعين ليلةً فوجب تأويله، والله أعلم (٢).

стр. 482

ضابط المسألة: قال ابن العراقي: ظهر لي في الأحاديث التي نفي فيها القبول، ولم تنتف معه الصحة - كصلاة شارب الخمر ونحوه- أنا ننظر فيما نفي، فإن قارنت ذلك الفعل معصيةٌ - كحديث شارب الخمر ونحوه-؛ انتفى القبول أي الثواب؛ لأن إثم المعصية أحبطه، وإن لم تقارنه معصيةٌ، كحديث: «لا صلاة إلا بطهورٍ» (١)، ونحوه، فانتفاء القبول سببه انتفاء الشرط، وهو الطهارة ونحوها، ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط (٢).

стр. 483

خامسًا: الباطل الباطل لغة: من بطل الشيء إذا فسد وسقط حكمه، ويتعدى بالهمزة فيقال: أبطله، وبطل: ذهب ضياعًا وخسرانًا (١). الباطل في الاصطلاح: تجرد التصرف الشرعي عن اعتباره، وآثاره في نظر الشرع (٢). فالباطل: هو الذي لا يترتب على فعله الآثار الشرعية، فإن كان واجبًا فلا يسقط عنه، ولا تبرأ ذمته، وإن كان سببًا فلا يترتب حكمه، وإن كان شرطًا فلا يوجد المشروط. • هل الفاسد والباطل مترادفان؟ اختلف في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أنهما مترادفان. ذهب إلى ذلك الجمهور، وهو الصحيح؛ لأن الباطل لغة بمعنى الفاسد والساقط، فوجب عدم التفريق بينهما في الشرع؛ حملًا للمقتضيات الشرعية على مقتضياتها اللغوية؛

стр. 484

لأن الأصل عدم التغيير. وعلى هذا: فتعريف الباطل هو نفس تعريف الفاسد السابق الذكر، فهما اسمان لمسمى واحد، ولفظان مترادفان، فكل فاسد باطل، وكل باطل فاسد. المذهب الثاني: التفصيل، وهو ما ذهب إليه الحنفية. أما في باب العبادات فإن الفاسد والباطل مترادفان. وأما في باب المعاملات، فإنه يوجد عندهم فرق بين الباطل والفاسد. فهم أثبتوا فرقًا بين الباطل والفاسد في المعاملات، حيث رتبوا على العقود الفاسدة بعض الآثار الشرعية، وجعلوا الفاسد مرتبة متوسطة بين الصحيح والباطل، فهو قسم ثالث مغاير عندهم للصحيح والباطل، فقالوا: الصحيح هو ما كان مشروعًا بأصله ووصفه جميعًا. أي: ما استجمع أركانه وشروطه، بحيث يكون معتبرًا شرعًا كالبيع الصحيح. قالوا: والباطل هو ما لم يكن مشروعًا بأصله، ولا بوصفه. أي: ما كان فائت المعنى من كل وجه مع وجود الصورة، وذلك إما لانعدام معنى التصرف كبيع الدم والميتة، وإما لانعدام أهلية التصرف كما في بيع الصبي والمجنون.

стр. 485

قالوا: والفاسد ما كان مشروعًا بأصله غير مشروع بوصفه، كبيع الدرهم بالدرهمين، فإنه مشروع بأصله من حيث إنه بيع ولا خلل في ركنه، ولا في محله، ولكنه غير مشروع بوصفه، وهو الفضل؛ لأنه زيادة في غير مقابل، فكان فاسدًا، لا باطلًا، لملازمته للزيادة، وهي غير مشروعة، ولكن لو حذفت تلك الزيادة لصح البيع، ولم يحتج إلى عقد جديد. دليل هذا المذهب: العلة التي جعلت الحنفية يفرقون بين الفاسد والباطل في باب المعاملات خاصة هي: أنه لما كان المقصود من العبادات هو التعبد فقط، وهو لا يكون إلا بالامتثال والطاعة، فإن المخالفة فيها تكون مفوتة للمقصود، فلا يظهر وجه للتفرقة بين باطل وفاسد فيها، فذمة المكلف لا تبرأ بصلاة فاسدة، كما لا تبرأ بصلاة باطلة. أما المعاملات فإنه لما كان المقصود منها هو مصالح العباد الدنيوية، فإن المجال مفتوح فيها، وتحققها في نفسها ممكن حتى مع وجود خلل في وصفها، فلا تنعدم بالكلية إلا إذا كان الخلل فيها راجعًا إلى الحقيقة والماهية. فجعلوا الباطل فيما إذا كان الخلل فيه راجعًا إلى أركان العقد، أو إلى العاقدين، أو إلى محل العقد، كما في بيع الملاقيح -وهي ما في

стр. 486

بطون الحوامل من الأجنة- وكما في بيع المضامين -وهي ما في أصلاب الفحول من الماء- فإن بيع الحمل وحده، أو الماء وهو في صلب الفحل غير مشروع البتة، وليس امتناعه لأمر عارض، فكان باطلًا لذلك. وجعلوا الفاسد فيما إذا كان الخلل فيه راجعًا إلى أوصاف العقد الخارجية، لا إلى أركانه وذلك كما في بيع الدرهم بالدرهمين. حيث إن الدراهم في ذاتها قابلة للبيع، وإنما امتنع هذا البيع، نظرًا لاشتمال أحد الجانبين فيه بالزيادة، فهو مشروع من حيث إنه بيع، وممنوع من حيث انعقاد الربا، ولذلك قالوا: لو حذفنا تلك الزيادة وهي الدرهم لصح البيع. الجواب عن التفريق بين الباطل والفاسد: يجاب عن ذلك بجوابين: الجواب الأول: أنا لا نسلم تفسير الحنفية للفاسد، وهو: ما كان مشروعًا بأصله غير مشروع بوصفه؛ لأن كل ممنوع بوصفه، فهو بلا شك ممنوع بأصله، حيث إنه لا يثمر، ولا يترتب عليه آثار. فإذا كان الفاسد لا يثمر، والباطل لا يثمر أيضًا فهما متساويان ولا فرق بينهما.

стр. 487

الجواب الثاني: أن هذا التفريق بين الفاسد والباطل غير مسلم من جهة النقل، وبيان ذلك: أن مقتضى هذا التفريق هو أن يكون الفاسد هو الموجود على نوع من الخلل، والباطل هو الذي لا تثبت حقيقته بوجه، وقد سمى الله تعالى الشيء الذي لا تثبت حقيقته بوجه فاسدًا، حيث قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، فسمى السموات والأرض فاسدة على تقدير الشريك ووجوده، ودليل التمانع يقتضي أن العالم على تقدير الشريك ووجوده يستحيل وجوده لحصول التمانع، لا أنه يكون موجودًا على نوع من الخلل، فقد سمى الله تعالى هذا الشيء الذي لا تثبت حقيقته بوجه فاسدًا. فالذي لا تثبت حقيقته بوجه يطلق على الفاسد والباطل فلم يكن على هذا بينهما فرق (١). • أساس الاختلاف في الفساد والبطلان: يرجع الاختلاف في الحكم غير الصحيح وتقسيمه إلى فاسد وباطل، وظهور مرتبة الفساد والبطلان عند الحنفية خلافًا للجمهور، لسببين رئيسيين: الأول: مقتضى النهي. فقال الجمهور: الأصل أن النهي يقتضي

стр. 488

البطلان والفساد، سواء ورد على ذات الأمر وحقيقته أو ورد على وصف فيه. وقال الحنفية: إذا ورد نهي الشارع على ذات الشيء وحقيقته فهو باطل، وإن ورد النهي على وصف في الشيء مع مشروعية الأصل فالنهي يفيد الفساد؛ ولذا عرفوا الفاسد بأنه مشروع بأصله لا بوصفه، فالربا بيع مع زيادة ومنفعة لأحد العاقدين، والبيع مشروع، والنهي ورد على الوصف الزائد، فكان البيع مع الربا فاسدًا لا باطلًا. الثاني: الفرق بين الركن والشرط. وقد سبق الكلام عن الفرق بين الركن والشرط، وأن الركن والشرط يتوقف عليهما الشيء، ولكن الركن داخل في الماهية، والشرط خارج عن الماهية، فإذا اختل الركن فالعقد باطل باتفاق العلماء، وإن اختل الشرط فقال الجمهور: العقد باطل وفاسد بمعنى واحد. وقال الحنفية: العقد فاسد لكون الخلل في وصف خارج عن الشيء (١). ملحوظة: فرق بعض العلماء من غير الحنفية بين الباطل والفاسد في مسائل: قال الزركشي: اعلم أن أصحابنا فرقوا بين الفاسد والباطل في

стр. 489

مواضع: أولها، وثانيها: الخلع والكتابة، فالباطل منهما ما كان على غير عوضٍ مقصودٍ كالميتة، أو رجع إلى خللٍ في العاقد كالصغر والسفه، والفاسد خلافه، وحكم الباطل أن لا يترتب عليه مالٌ، والفاسد يترتب عليه العتق والطلاق، ويرجع الزوج بالمهر، والسيد بالقيمة. وثالثها: الحج يبطل بالردة ويفسد بالجماع. وحكم الباطل أنه لا يجب قضاؤه ولا يمضي بخلاف الفاسد. ومنها: لو نكح بلا وليٍّ فهو فاسدٌ يوجب مهر المثل لا الحد، ولو نكح السفيه بلا إذنٍ فباطلٌ لا يترتب عليه شيءٌ. وقال الإمام أبو الحسن السبكي: عندي أن أصحابنا لم يوافقوا الحنفية في هذا التفريق أصلًا؛ لأن الحنفية يثبتون بيعًا فاسدًا يترتب عليه مع القبض أحكامٌ شرعيةٌ، ونحن لا نقول ذلك، وإنما العقود لها صورٌ لغةً وعرفًا من عاقدٍ ومعقودٍ عليه وصيغةٍ، ولها شروطٌ شرعيةٌ فإن وجدت كلها فهو الصحيح، وإن فقد العاقد أو المعقود عليه أو الصيغة أو ما يقوم مقامها فلا عقد أصلًا، ولا يحنث به إذا حلف لا يبيع ونسميه بيعًا باطلًا مجازًا، وإن وجدت وقارنها مفسدٌ من عدم شرطٍ ونحوه، فهو فاسدٌ، وعندنا هو باطلٌ خلافًا لهم.

стр. 490

ووافقونا على البطلان إذا كان الفساد لصفة المعقود عليه كبيع الملاقيح. ونحن لا نرتب على الفاسد شيئًا من الأحكام الشرعية (١). تنبيه: قال أبو العباس ابن تيمية: لم يرد في لفظ الكتاب والسنة الصحة والفساد، بل الحق والباطل، وإنما الصحة اصطلاح الفقهاء. ثم علق الزركشي بقوله: وورد لفظ الإجزاء كثيرًا، وهو قريبٌ من الصحة، ثم إن الجمهور لم يسمحوا بإطلاق الفاسد، وإنما قالوا: هي صلاةٌ صحيحةٌ أو شبيهةٌ بها، كإمساك رمضان (٢).

стр. 491

العزيمة تعريف العزيمة لغة: مشتقة من العزم، وهو القصد المؤكد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾: أي قصدًا بليغًا متأكدًا في العصيان. وعزائم الله: فرائضه التي أوجبها الله وأمرنا بها. وأولو العزم من الرسل: هم الذين عزموا على إمضاء أمر الله فيما عهد إليهم، وسموا بذلك لتأكد قصدهم في طلب الحق (١). واصطلاحًا هو: الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح (٢). • شرح التعريف وبيان محترزاته: قولنا: الحكم الثابت: أخرج الحكم غير الثابت كالمنسوخ، فلا يسمى عزيمة؛ حيث إنه لم يبق مشروعًا أصلًا.

стр. 492

وهذه العبارة وهي: الحكم الثابت: عام وشامل لجميع الأحكام التكليفية؛ لأن كلًّا منها حكم ثابت. قولنا: بدليل شرعي: أخرج ما ثبت بدليل عقلي، فإن ذلك لا يستعمل فيه العزيمة. قولنا: خال عن معارض: أخرج ما ثبت بدليل شرعي، ولكنه معارض بدليل مساو، أو دليل راجح؛ لأنه إن كان المعارض مساويًا لزم الوقف، وحينئذ يجب طلب المرجح الخارجي. وإن كان المعارض راجحًا، فإنه يجب العمل بمقتضاه، وتنتفي العزيمة. قولنا: راجح: أخرج الرخصة؛ لأن الرخصة حكم ثابت على خلاف الدليل لمعارض راجح وهو العذر، فمثلًا: تحريم الميتة حكم ثابت من غير مخالفة دليل شرعي، فإذا وجدت المخمصة حصل المخالف لدليل التحريم، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾، وهو راجح على دليل التحريم، وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، وذلك لحفظ النفس، فجاز الأكل من الميتة وحصلت الرخصة؛ لأن مصلحة إحياء النفس، والمحافظة عليها مقدمة على مفسدة الميتة، وما فيها من الخبث.

стр. 493

• مسألة: في أنواع العزيمة: يدخل في العزيمة الأنواع الأربعة التالية: ١ - ما شرع ابتداءً من أول الأمر لصالح المكلفين عامة، كالعبادات والمعاملات والجنايات وجميع الأحكام التي شرعها الله تعالى لعباده لتحقيق المصالح في الدنيا والآخرة، وهذا النوع هو الغالب في الأحكام. ٢ - ما شرع من الأحكام لسبب طارئ اقتضى مشروعيته، كحرمة سب الأنداد والأوثان التي تعبد من دون الله، بسبب ما ينشأ عنها من سب المشركين لله ، فحرم الله تعالى سب الأوثان والطواغيت؛ لأنه ذريعة إلى سب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، ومثله منع استعمال لفظ «راعنا» لما يلتبس به من طعن وغمز ولمز من اليهود إلى رسول الله، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾، مع أن الأصل في معنى الكلمة الرعاية، ولكن اليهود والمنافقين كانوا يقصدون منها الرعونة لسب النبي ﷺ ، أخزاهم الله ولعنهم. ٣ - ما شرع من أحكام ناسخة لأحكام سابقة، ويصبح المنسوخ كأن لم يكن، والحكم الناسخ هو العزيمة، وهو الحكم الأصلي الذي يعتبر أنه شرع ابتداء لجميع المكلفين، مثل قوله تعالى في نسخ الاتجاه

стр. 494

إلى بيت المقدس، وتحويل الصلاة إلى الكعبة: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ومثل قوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة» (١). ٤ - الأمر المستثنى من أمر عام محكوم فيه، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فالآية الكريمة حرمت المحصنات بلفظ عام، ثم استثنت منه النساء اللاتي يملكهن الإنسان بالرق، ومثل ذلك ما سبق بيانه في المباح من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فقد حرم الله تعالى على الزوج أن يأخذ شيئًا مما دفعه إلى زوجته، ثم استثنت الآية الكريمة حال عدم الوفاق، وعدم تحقيق أغراض الزواج وانتفاء موضوعه، واحتمال انتهاك حرمات الله فيه، فأباح أخذ المال من الزوجة في سبيل إطلاق يدها، وفسخ عقد الزواج بينهما، وهو الخلع، فيكون عزيمة (٢).

стр. 495

الرخصة الرخصة لغة: مشتقة من الرخص، وهو: اليسر والسهولة، يقال: رخص لنا الشرع في كذا. إذا يسره وسهله علينا، وهو أيضًا مشتق من اللين والمسامحة (١). واصطلاحًا هي: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر (٢). • شرح التعريف وبيان محترزاته: قولنا: الحكم: جنس يشمل العزيمة والرخصة. قولنا: الثابت: يوضح أنه لا بد من دليل على الرخصة، فإن لم تثبت الرخصة بدليل لم يجز الإقدام عليها والعمل بها، وإلا لزم ترك العمل بالدليل السالم عن المعارض، وهذا باطل. قولنا: على خلاف الدليل: يشمل الدليل الخاص، وهو ما يقتضي
следующие страницы →