← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

العزيمة تعريف العزيمة لغة: مشتقة من العزم، وهو القصد المؤكد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾: أي قصدًا بليغًا متأكدًا في العصيان. وعزائم الله: فرائضه التي أوجبها الله وأمرنا بها. وأولو العزم من الرسل: هم الذين عزموا على إمضاء أمر الله فيما عهد إليهم، وسموا بذلك لتأكد قصدهم في طلب الحق (١). واصطلاحًا هو: الحكم الثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح (٢). • شرح التعريف وبيان محترزاته: قولنا: الحكم الثابت: أخرج الحكم غير الثابت كالمنسوخ، فلا يسمى عزيمة؛ حيث إنه لم يبق مشروعًا أصلًا.

стр. 492

وهذه العبارة وهي: الحكم الثابت: عام وشامل لجميع الأحكام التكليفية؛ لأن كلًّا منها حكم ثابت. قولنا: بدليل شرعي: أخرج ما ثبت بدليل عقلي، فإن ذلك لا يستعمل فيه العزيمة. قولنا: خال عن معارض: أخرج ما ثبت بدليل شرعي، ولكنه معارض بدليل مساو، أو دليل راجح؛ لأنه إن كان المعارض مساويًا لزم الوقف، وحينئذ يجب طلب المرجح الخارجي. وإن كان المعارض راجحًا، فإنه يجب العمل بمقتضاه، وتنتفي العزيمة. قولنا: راجح: أخرج الرخصة؛ لأن الرخصة حكم ثابت على خلاف الدليل لمعارض راجح وهو العذر، فمثلًا: تحريم الميتة حكم ثابت من غير مخالفة دليل شرعي، فإذا وجدت المخمصة حصل المخالف لدليل التحريم، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾، وهو راجح على دليل التحريم، وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، وذلك لحفظ النفس، فجاز الأكل من الميتة وحصلت الرخصة؛ لأن مصلحة إحياء النفس، والمحافظة عليها مقدمة على مفسدة الميتة، وما فيها من الخبث.

стр. 493

• مسألة: في أنواع العزيمة: يدخل في العزيمة الأنواع الأربعة التالية: ١ - ما شرع ابتداءً من أول الأمر لصالح المكلفين عامة، كالعبادات والمعاملات والجنايات وجميع الأحكام التي شرعها الله تعالى لعباده لتحقيق المصالح في الدنيا والآخرة، وهذا النوع هو الغالب في الأحكام. ٢ - ما شرع من الأحكام لسبب طارئ اقتضى مشروعيته، كحرمة سب الأنداد والأوثان التي تعبد من دون الله، بسبب ما ينشأ عنها من سب المشركين لله ، فحرم الله تعالى سب الأوثان والطواغيت؛ لأنه ذريعة إلى سب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، ومثله منع استعمال لفظ «راعنا» لما يلتبس به من طعن وغمز ولمز من اليهود إلى رسول الله، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾، مع أن الأصل في معنى الكلمة الرعاية، ولكن اليهود والمنافقين كانوا يقصدون منها الرعونة لسب النبي ﷺ ، أخزاهم الله ولعنهم. ٣ - ما شرع من أحكام ناسخة لأحكام سابقة، ويصبح المنسوخ كأن لم يكن، والحكم الناسخ هو العزيمة، وهو الحكم الأصلي الذي يعتبر أنه شرع ابتداء لجميع المكلفين، مثل قوله تعالى في نسخ الاتجاه

стр. 494

إلى بيت المقدس، وتحويل الصلاة إلى الكعبة: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ومثل قوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة» (١). ٤ - الأمر المستثنى من أمر عام محكوم فيه، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فالآية الكريمة حرمت المحصنات بلفظ عام، ثم استثنت منه النساء اللاتي يملكهن الإنسان بالرق، ومثل ذلك ما سبق بيانه في المباح من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فقد حرم الله تعالى على الزوج أن يأخذ شيئًا مما دفعه إلى زوجته، ثم استثنت الآية الكريمة حال عدم الوفاق، وعدم تحقيق أغراض الزواج وانتفاء موضوعه، واحتمال انتهاك حرمات الله فيه، فأباح أخذ المال من الزوجة في سبيل إطلاق يدها، وفسخ عقد الزواج بينهما، وهو الخلع، فيكون عزيمة (٢).

стр. 495

الرخصة الرخصة لغة: مشتقة من الرخص، وهو: اليسر والسهولة، يقال: رخص لنا الشرع في كذا. إذا يسره وسهله علينا، وهو أيضًا مشتق من اللين والمسامحة (١). واصطلاحًا هي: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر (٢). • شرح التعريف وبيان محترزاته: قولنا: الحكم: جنس يشمل العزيمة والرخصة. قولنا: الثابت: يوضح أنه لا بد من دليل على الرخصة، فإن لم تثبت الرخصة بدليل لم يجز الإقدام عليها والعمل بها، وإلا لزم ترك العمل بالدليل السالم عن المعارض، وهذا باطل. قولنا: على خلاف الدليل: يشمل الدليل الخاص، وهو ما يقتضي

стр. 496

الحرمة والوجوب والندب، كما يشمل الدليل العام كدليل الأصل في نحو قولهم: الأصل كذا. والأصل من الأدلة الشرعية. وهذه العبارة -على خلاف الدليل- أخرجت أمورًا هي: الأول: العزيمة؛ لأنها على وفق الدليل، لا على خلافه. الثاني: الأحكام الثابتة على وفق الدليل مثل إباحة الأكل والشرب والنوم، حيث إنه لم يوجد دليل على منع هذه الأشياء حتى تكون إباحتها ثابتة على خلافه، فلا تكون رخصة، وإن وجد فيها نوع من اليسر والسهولة. الثالث: الحكم الثابت بدليل ناسخ لحكم ثبت بمنسوخ؛ لأن المنسوخ لا يسمى دليلًا مثل: إيجاب ثبات الواحد من المسلمين أمام اثنين من الكفار في الحرب، فإنه ثبت بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، وهذا الدليل ناسخ لوجوب ثبات الواحد أمام العشرة، فإيجاب ثبات الواحد أمام الاثنين لا يعتبر رخصة؛ لأنه لم يثبت على خلاف الدليل. الرابع: الحكم الثابت بدليل راجح في مقابلة حكم ثبت بمرجوح، فإن المرجوح لا يسمى دليلًا، وحينئذ فالحكم الثابت بالدليل الراجح لا يسمى رخصة؛ لأنه لم يثبت على خلاف الدليل.

стр. 497

قولنا: لعذر: أي المشقة الشاملة للضرورة والحاجة، فالعذر يشمل الاضطرار من أكل الميتة ونحوها، ويشمل أحكام السفر والمرض ونحوه، وكذلك بعض أنواع العقود من السلم، والمساقاة، والإجارة، والقراض، والعرايا، ونحو ذلك مما يخالف القياس والقواعد المقررة (١). • مسألة: هل الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي أم الحكم الوضعي؟ اختلف العلماء في اعتبارهما داخلين في الحكم الوضعي أم لا على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الفعل المحكوم فيه، وهو رأي بعض العلماء كابن الحاجب، والرازي، وقالوا: إن الفعل الذي يجوز للمكلف الإتيان به إما أن يكون عزيمة أو رخصة. القول الثاني: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم التكليفي، وهو رأي بعض العلماء، كصدر الشريعة، وابن السبكي، والإسنوي، وابن عبد الشكور. ونظروا إلى الرخصة والعزيمة كصفة للأحكام التكليفية،

стр. 498

فالواجب، أو المندوب، أو المكروه، أو الحرام، أو المباح، إما أن يكون عزيمة ومطلوبًا، وإما أن يكون رخصة ومُخيَّرًا فيه؛ ولذا كانت العزيمة والرخصة تابعة للحكم التكليفي. القول الثالث: أن الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم الوضعي، وهو رأي الغزالي، والآمدي، والشاطبي، وذلك أن الأصل في جميع الأحكام أن تكون عزيمة، ولا تنتقل من العزيمة إلى الرخصة إلا لسبب، وهو الضرورة في إباحة المحظور، أو طروء العذر كسبب للتخفيف بترك الواجب، أو دفع الحرج عن الناس كسبب صحيح في بعض عقود المعاملات بينهم، فارتبطت العزيمة بفقدان السبب الشرعي المبيح، وارتبطت الرخصة بوجود السبب المبيح لها، فالرخصة في الحقيقة عبارة عن وضع الشارع وصفًا من الأوصاف سببًا في التخفيف، والعزيمة عبارة عن اعتبار مجاري العادات سببًا للجري على الأحكام الأصلية، فكانت الرخصة من أقسام الحكم الوضعي، وهذا القول أخذ به كثير من العلماء (١).

стр. 499

• بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة لفظي يرجع إلى النظر إلى كل من الرخصة والعزيمة، فاختلف الفريقان بحسب هذا النظر. فمن نظر إلى أن كلًّا من الرخصة والعزيمة متصفة بالوجوب، أو الندب، أو الإباحة، وأنه يوجد في العزيمة معنى الاقتضاء، ويوجد في الرخصة معنى التخيير، فإنه عدهما من الأحكام التكليفية. ومن نظر إلى أن الرخصة في الحقيقة هي وضع الشارع وصفًا معينًا سببًا في التخفيف، وأن العزيمة في الحقيقة هي جعل الشارع الأحوال العادية للمكلفين سببًا لبقاء الأحكام الأصلية واستمرارها في حقهم، فإنه عدهما من الأحكام الوضعية؛ لأنه اعتبر السبب، والسبب من الأحكام الوضعية. فاختلفت أنظار كل من الفريقين لاختلاف المنظور إليه، فكان هذا الخلاف خلافًا لفظيًّا (١).

стр. 500

• مسألة: أقسام الرخصة: الرخصة تنقسم إلى عدة أقسام هي كما يلي: القسم الأول: رخصة واجبة، أي: يجب الأخذ بالرخصة، فإن امتنع عن ذلك، ثم مات، أو لحقه ضرر، فإنه يأثم بذلك، ومن أمثلة ذلك: ١ - أكل الميتة للمضطر، وقلنا ذلك؛ لأنه حكم ثابت على خلاف الدليل وهو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ لعذر، وهو الاضطرار. ٢ - شرب الخمر لمن غص بلقمة، وخشي على نفسه الهلاك، ولم يجد ما يسيغها إلا به، وقلنا ذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء]. وجه الدلالة: أنه لو لم يدفع هذه الغصة بجرعة من الخمر، ثم مات، لكان قاتلًا لنفسه، لذلك يجب عليه شرب الخمر لإساغة هذه اللقمة؛ إبقاء لحياته. ٣ - التيمم للمريض، أو الذي به جراحة مع القدرة على استعمال الماء، وقلنا ذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؛ حيث إن المريض، أو من به جراحة لو استعمل الماء لكان مؤديًا بنفسه إلى التهلكة؛ لأنه يحتمل احتمالًا راجحًا أن المرض يتزايد، والجراحة تتسع باستعماله لهذا الماء، فلذلك أوجبنا

стр. 501

عليه التيمم إبقاء على نفسه. القسم الثاني: رخصة مندوبة، أي: إن أخذ بتلك الرخصة فله أجر، وإن لم يفعل فلا وزر عليه. ومن أمثلة ذلك: ١ - قصر الصلاة الرباعية للمسافر عند البعض، لقوله ﷺ : «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (١). ٢ - الإبراد في صلاة الظهر في شدة الحر، فإنه رخصة مندوبة وقلنا ذلك؛ لورود الأمر به مع ذكر العلة، وهي: أن شدة الحر من فيح جهنم، حيث قال ﷺ : «أبردوا فإن شدة الحر من فيح جهنم» (٢). القسم الثالث: رخصة مباحة، ومن أمثلة ذلك: ١ - العرايا، وهي: بيع الرطب على رؤوس النخل بقدر كيله من التمر خرصًا فيما دون خمسة أوسق، فالقياس: عدم جواز مثل هذا البيع؛ لما فيه من الجهالة والغرر، ولكن رخص الشارع في العرايا (٣) للحاجة إليها.

стр. 502

٢ - السلم وهو: اسم لعقد يوجب الملك في الثمن عاجلًا، وفي المثمن آجلًا، فالقياس: عدم جواز ذلك؛ لأنه بيع معدوم، وبيع المعدوم منهي عنه؛ لما فيه من الجهالة والغرر، ولكن رخص الشارع في السلم لحاجة الناس إليه. ٣ - الإجارة، وهي: تمليك المنافع بعوض، والأصل: عدم جواز الإجارة؛ لما فيها من الغرر والجهالة، ولكن رخص الشارع في الإجارة لحاجة الناس. ٤ - التلفظ بكلمة الكفر لمن أكره على ذلك وقلبه مطمئن بالإيمان، فإن هذا يعتبر من الرخص المباحة؛ حيث إن الدليل على وجوب الإيمان قائم، وحرمة التلفظ بالكفر قائمة، وإنما أبيح التلفظ بكلمة الكفر حالة الإكراه فقط مراعاة لحق نفسه؛ حيث يفوت ذلك الحق عند الامتناع صورة ومعنى بتخريب بدنه، وإزهاق روحه، ثم إن إجراء كلمة الكفر على اللسان لا يوجب خللًا في الإسلام؛ لأن بقاء الإسلام ببقاء العقيدة، وأنها لا تفوت بهذا. لكن لو صبر وامتنع عن التلفظ بكلمة الكفر فإنه يكون آخذًا بالعزيمة، وهو أفضل؛ حيث إنه إذا صبر، وبذل نفسه في دين الله، وقُتِل وهو صابر محتسب فإن فعله هذا أفضل وأولى. ٥ - رؤية الطبيب لعورة الرجل أو المرأة عند الحاجة.

стр. 503

فالدليل قائم على تحريم النظر إلى عورة المرأة والرجل، ولكن إذا احتاج أي واحد منهما إلى طبيب لمعالجة، أو ولادة، فقد أبيح ذلك رخصة، رفعًا للضرر الذي يلحقهما إذا لم يتم معالجتهما. ٦ - الجمع بين الصلاتين في السفر، فهذا من الرخص المباحة؛ لأن النبي ﷺ جمع في سفره إلى تبوك بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء جميعًا. ٧ - تعجيل الزكاة قبل تمام الحول؛ حيث رخص الرسول ﷺ للعباس ﵁ في تعجيل الزكاة قبل أن تحل. ٨ - النظر إلى المخطوبة؛ حيث ثبت أن النبي ﷺ قال للمغيرة بن شعبة -لما علم أنه خطب امرأة-: «انظر إليها، فإنه أجدر أن يؤدم بينكما» (١).

стр. 504

القسم الرابع: رخصة خلاف الأولى، أي: أن ترك الأخذ بالرخصة أولى وأفضل من فعلها، ومن أمثلة ذلك: ١ - الإفطار في رمضان للمسافر الذي لا يشق عليه الصيام ولا يتضرر به، وقلنا: إنه رخصة خلاف الأولى؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ولما روي عن أنس، وعثمان بن أبي العاص الثقفي ﵄ أنهما قالا: «الصوم في السفر أفضل لمن قدر عليه» (١). ٢ - التلفظ بكلمة الكفر لمن أكره عليه قد سبق أن ذلك خلاف الأولى؛ لأن الأولى والأفضل عدم التلفظ بكلمة الكفر (٢). • مسألة: أيهما أفضل الرخصة أو العزيمة؟ لقد اختلف العلماء في ذلك على مذهبين: المذهب الأول: أن الأفضل الأخذ بالعزيمة وترجيحها. أدلة أصحاب هذا المذهب: الدليل الأول: أن العزيمة هي الأصل المقطوع به، الذي لا يختلف

стр. 505

فيه، أما الرخصة فسببها ظني، وهو: المشقة؛ وحيث إن مقدار المشقة الذي ثبت الترخص من أجلها غير منضبط؛ لأنها تتفاوت بحسب الأشخاص والأحوال. الدليل الثاني: أن العزيمة عامة وشاملة لجميع المكلفين، أما الرخصة فهي خاصة لبعض المكلفين؛ حيث إنها ترجع إلى حالة جزئية بحسب بعض المكلفين، ممن له عذر، أو بحسب بعض الأحوال والأوقات. الدليل الثالث: أن الأخذ بالرخص قد يصبح ذريعة ووسيلة إلى انحلال العزائم في التعبد، بخلاف الأخذ بالعزائم، فإنه يعود على الثبات في التعبد والأخذ بالحزم في الأمور. المذهب الثاني: أن الأفضل الأخذ بالرخصة. أدلة أصحاب هذا المذهب: الدليل الأول: أن الرخصة مقطوع بها، أما وجود الظن في سببها فلا يؤثر؛ لأن الشارع أوجب العمل بالظن كما أوجب العمل بالقطع. الدليل الثاني: أن النصوص الدالة على رفع الحرج عن هذه الأمة قد بلغت درجة القطع، مثل قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وثبت أن

стр. 506

النبي ﷺ لم يخيَّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما (١)، فالشارع الحكيم قد قصد السهولة واليسر على المكلفين مما يدل على أن الأخذ بالرخصة مقدم على الأخذ بالعزيمة. الدليل الثالث: أن ترك الترخص مع وجود السبب قد يؤدي إلى الانقطاع عن العمل والسآمة والملل، والتنفير عن الدخول في العبادة وترك الدوام عليها؛ وقد حذر الرسول ﷺ من ترك الترخص في نصوص كثيرة منها: قوله ﷺ : «خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لن يمل حتى تملوا» (٢)، ونهى رسول الله ﷺ عن الوصال، وعن الصيام في السفر. هذه أهم أدلة الفريقين. بيان القول الراجح: والراجح -والله أعلم-: أنه لا تفضل الرخصة على العزيمة، ولا العزيمة على الرخصة؛ وذلك لأن سبب الرخصة وهو العذر -من مشقة وحاجة وضرورة- لا ضابط له معين واضح جلي يتساوى فيه جميع المكلفين، فالعذر من مشقة وحاجة وضرورة أمر إضافي نسبي،

стр. 507

لا أصلي، فكل مكلف فقيه نفسه في الأخذ بها ما لم يجد مانعًا شرعيًّا يمنعه عن الأخذ بها، وهو داخل تحت قاعدة: المشقة تجلب التيسير، فالمشقة والكلفة التي يجدها المكلف عن الإتيان بالحكم الشرعي الأصلي تكون سببًا شرعيًّا للتخفيف والتسهيل. وهو أيضًا داخل في معنى قاعدة: إذا ضاق الأمر اتسع. قال ابن أبي هريرة: وضعت الأشياء في الأصول على أنها إذا ضاقت اتسعت، وإذا اتسعت ضاقت. فالحركة القليلة في الصلاة لما اضطر إليها المكلف ويجد مشقة في تركها قد سومح فيها، والحركة الكثيرة فيها لما لم تكن به حاجة لم يسامح بها. وقلنا: إن كل مكلف يعتبر فقيه نفسه، هذا من حيث الجملة، فالعذر من مشقة، أو ضرورة، أو حاجة تختلف بحسب الأزمان والأعمال، وقوة العزائم وضعفها، وليس كل الناس في تحمل المشاق على حد سواء، فمثلًا: لو أصاب زيدًا من المكلفين مرض قد يتحمله دون حاجته إلى الأخذ بالترخيص، بينما لو أصاب نفس المرض عمرًا فقد لا يتحمله، فتكون الرخصة مشروعة بالنسبة لعمرو دون زيد، وكذلك من كان من المضطرين معتادًا على الصبر على الجوع، ولا تختل حالته بسببه، فإنه لا يرخص له في أكل الميتة، بخلاف الشخص الذي لا يستطيع الصبر على الجوع، فهذا يرخص له في أكل الميتة؛ لأنه يخشى

стр. 508

عليه من الهلاك، أو إلحاق ضرر به. فعرفنا أن سبب الرخصة وهو العذر من مشقة وضرر وحاجة ليس له ضابط معين، بل هو أمر إضافي بالنسبة إلى كل مخاطب، فهو راجع إلى تقدير المشقة والحرج الذي يحصل للمكلف وإلى اجتهاده في ذلك بحسب طاقته الخاصة. ثم إنه ينبغي للمكلف أن يحتاط في اجتناب الرخص على حسب الإمكان، بحيث لا يفعل شيئاً مُرَخَّصًا فيه إلا بعد التأكد التام أنه محتاج إليها. أما تتبع الرخص لغرض التخفيف والتهرب عن كامل التكاليف؛ فهذا غير جائز. قال ابن حزم (١): وطبقة أخرى، وهم قوم بلغت بهم رقة الدين، وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم مقلدين له، غير طالبين ما أوجبه النص عن الله تعالى وعن رسوله ﷺ (٢).

стр. 509

إطلاقات الرخصة: أطلق الأصوليون الرخصة مجازًا بثلاثة إطلاقات بالإضافة إلى معناها الحقيقي، وهي: ١ - ما استثني من أصل كلي يقتضي المنع مطلقًا دون توقف على عذر، وهو ما يقال له عند البعض إنه مشروع على خلاف القياس، كالسلم والإجارة والقرض والمساقاة والاستصناع، فالقياس عندهم يمنع ويحرم هذه العقود، وشرعت استحسانًا، ويطلق عليها العلماء أنها رخصة، لما تتضمن في مشروعيتها من تسهيل، وترخيص، وتيسير، ورفع للحرج عن الناس، ولما جاء في الحديث: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الإنسان ما ليس عنده، ورخص في السلم (١).

стр. 510

٢ - نسخ الأحكام التكليفية الغليظة التي شدد الله بها على الأمم السابقة، كالقتل لصحة التوبة، والصلاة في مكان العبادة فقط، وقطع الثوب إذا أصابته نجاسة، وغير ذلك مما نسخ في شريعتنا، ودل على النسخ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ٣ - الأحكام التي جاءت توسعة على العباد، كالتمتع بالمباحات، والاستفادة من الملذات، وأكل الطيبات، فإنها رخصة مجازًا، لما يظهر فيها من معارضة قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢]. فهذه الأنواع تسمى رخصة تجاوزًا أو تسامحًا، ولا تدخل في معنى الرخصة الذي اصطلح عليه علماء الأصول، وتضاف إلى النوعين

стр. 511

اللذين نص عليهما علماء الحنفية، وقالوا: إنهما رخصة مجازًا، فجميع هذه الحالات لا تكون رخصة حقيقية (١). تنبيهات: ١ - يقول بعض العلماء: إن العزيمة سميت عزيمة بالنسبة للرخصة ليس في ذاتها، فالمسألة كي تكون من باب الرخصة والعزيمة يجب أن يكون لها حكمان حكم مثقل، وحكم مخفف، فالمثقل يكون عزيمة، والمخفف يكون رخصة مثل الصيام، فصيام رمضان بالنسبة للمسافر الصحيح، فيه عزيمة ورخصة، فلو صام أخذ بالعزيمة، ولو أفطر أخذ برخصة الإفطار حال السفر. ٢ - قيل إن العزيمة والرخصةلا بد أن يكون في استطاعة المكلف فعل الحكمين، فلو فعل المثقل أخذ بالعزيمة، ولو فعل المخفف أخذ بالرخصة، أما لو لم يستطع أن يفعل إلا حكمًا واحدًا فقط، فهذا ليس من باب العزيمة والرخصة، بل هو باب الاضطرار. ومن هنا يظهر الفرق بين الرخصة والاضطرار عند من يفرق بينهما: فالرخصة تفعل مع إمكان فعل العزيمة، وإن كان مع المشقة

стр. 512

كالصيام للمسافر، أما الضرورة فيفعل الحكم المخفف عند العجز عن فعل الحكم المثقل، كأكل الميتة عند العجز عن المذكاة. • تقسيم الحكم باعتبار متعلقه: وينقسم الحكم باعتبار متعلقه إلى: الأداء، والإعادة، والقضاء، والتعجيل: فبعض العلماء جعل تلك الأمور تقسيمًا للحكم باعتبار متعلقه، وهو الفعل؛ لأن هذه الأمور أقسام للفعل الذي تعلق به الحكم. وجعلها البعض متعلقة بالسبب حيث إن دخول الوقت سبب للأداء، وخروجه سبب للقضاء، وبطلان الفعل سبب للإعادة، والحاجة سبب لتعجيله. إذا علمت ذلك فاعلم أن العبادة إما أن يكون لها وقت معين أو لا. أما العبادة التي لم يعين الشارع لها وقتًا، فإما أن يكون لها سبب أو لا. فالعبادة التي لم يعين الشارع لها وقتًا، والتي لها سبب كسجود التلاوة سببها قراءة آية السجدة. والتي لا سبب لها، كفعل بعض الأذكار المطلقة، فهذه العبادة لا توصف بأداء ولا بقضاء.

стр. 513

وأما العبادة التي عين الشارع لها وقتًا محددًا، فهي إما أن تقع قبل وقتها المقدر شرعًا، أو في وقتها، أو بعد وقتها. فإن وقعت قبل وقتها المقدر شرعًا، حيث جوزه الشرع فهو التعجيل. أما العبادة التي تقع في وقتها المقدر شرعًا دون أن تسبق بأداء مختل فهو الأداء. وأما العبادة التي تقع في وقتها المقدر شرعًا، ولكن سبقت بأداء مختل فهو الإعادة. وإن فعلت العبادة بعد وقتها المقدر شرعًا فهو القضاء. * وإليك بيان حقيقة كل واحد من تلك الأقسام: • أولًا: الأداء: تعريفه لغة: الاسم من أدي يؤدي وهو بمعني الإيصال (١). وفي الاصطلاح: ما فعل أولًا في وقته المقدر له شرعًا (٢).

стр. 514

شرح التعريف وبيان محترزاته: قولنا: ما فعل: جنس يشملها كلها: الأداء، والإعادة، والقضاء، والتعجيل. قولنا: أولًا: أخرج الإعادة؛ لأنها تفعل ثانيًا لخلل في الأول. قولنا: في وقته المقدر له: أخرج أمورًا: أولها: القضاء؛ حيث إنه يفعل بعد الوقت المقدر. ثانيهما: ما لم يقدر له وقت كالنوافل المطلقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا يوصف ذلك بأداء، ولا قضاء، ولا إعادة، ولا تعجيل. ثالثها: أخرج التعجيل لأنه قبل الوقت. قولنا: شرعًا: أي يجب أن يكون التعيين والتحديد صادرًا من الشارع، وخرج بهذا القيد ما فعل في وقته المقدر له عقلًا، كما لو قضى الدين عند المطالبة به، فإنه فعل في وقته المقدر له، وهو ما يتسع له، ولكن هذا التقدير ليس بالشرع، بل بالعقل، وكذلك الزكاة لو قدر الإمام شهرًا معينًا مثلًا لإخراجها فيه، فهو توقيت عقلي لا شرعي. تعريف آخر للأداء: هو إيقاع العبادة في وقتها المقدر لها شرعًا مع كونها لم تسبق بأداء مختل.

стр. 515

فقولنا: في وقتها المقدر لها شرعًا: أخرج القضاء لأنه بعد الوقت، والتعجيل لأنه قبل الوقت. وقولنا: مع كونها لم تسبق بأداء مختل: أخرج الإعادة فإنها تقع في الوقت إلا أنها سبقت بأداء مختل الإجزاء «كمن صلى بدون ركن»، أو مختل في الكمال «كصلاة المنفرد». سؤال: هل يشترط وقوع جميع الفعل في وقته المحدد حتى يكون أداء؟ جوابه: لا يشترط هذا دائمًا، بل أحيانًا لو وقع بعضه في وقته المقدر شرعًا، كركعة من الصلاة مثلًا، فالصحيح أن الجميع أداء؛ لورود النص بذلك، ولأن الركعة من الصلاة مشتملة على معظم وغالب ما بعدها، فهو تكرار لها، فيكون تابعًا لها. أما إذا أدرك أقل من الركعة، فالكل يكون قضاء عند الجمهور، كما ذكره النووي في «روضة الطالبين». وبعض العلماء يقول: إنه إذا أدرك تكبيرة الإحرام قبل أن يخرج الوقت، فإن الصلاة تكون أداء، وهذا رأي الحنفية، وبعض الحنابلة (١).

стр. 516

فائدة: هل الواجب المطلق وذو الشبهين يوصف بالأداء؟ العبادة إما أن يكون لها وقت معين أي: مضبوط بنفسه محدود الطرفين أم لا، فإن لم يكن لها وقت معين فلا توصف بالأداء ولا بالقضاء سواء كان لها سبب كالتحية وسجود التلاوة وإنكار المنكر وامتثال الأمر. إذا قلنا: إنه على الفور، أو لم يكن كالصلاة المطلقة والأذكار، وقد توصف بالإعادة كمن أتى بذات السبب على نوع من الخلل فتداركها (١). فائدة: الأداء لا يستقر في الذمة لتعينه بوقته بخلاف القضاء فإنه يستقر فيها لأنه غير معين بوقت. • ثانيًا: الإعادة: الإعادة لغة: الاسم من أعاد يعيد، والعود أصل لما يفعل ثانيا (٢). واصطلاحًا: ما فعل ثانيًا في وقت الأداء لخلل في الأول (٣). شرح التعريف وبيان محترزاته: قولنا: ما فعل: جنس يشمل الأداء، والإعادة، والقضاء، والتعجيل.

стр. 517

قولنا: ثانيًا: أخرج الأداء؛ لأنه يفعل أولًا. قولنا: في وقت الأداء: أخرج القضاء؛ لأنه يفعل بعد خروج الوقت، والتعجبل لأنه يفعل قبل الوقت. قولنا: لخلل في الأول: أخرج ما يفعل ثانيًا، لكن بدون خلل في الأول كالمنفرد إذا صلى مرة ثانية مع الجماعة، فإن صلاته الأولى ليس فيها خلل، فلا توصف الثانية بالإعادة شرعًا، بل هي أداء كالأولى. وعلى هذا فالإعادة قسم من الأداء، وليست قسيمًا له؛ لأن الأداء في الحقيقة اسم لما يقع في الوقت المحدد شرعًا مطلقًا، سواء كان سابقًا أو مسبوقًا، أو منفردًا، فإن سبق بأداء مختل سمي إعادة، وعلى ذلك فكل إعادة أداء، دون العكس (١). • ثالثًا: القضاء: القضاء لغة: الفصل في الحكم والأداء، وإتقان الشيء، وانقطاعه وإتمامه (٢) (٣).

стр. 518

القضاء اصطلاحًا: ما فعل بعد خروج وقته المحدد شرعًا مطلقًا (١). شرح التعريف وبيان محترزاته: قولنا: ما فعل بعد خروج وقته المحدد شرعًا: أخرج الأداء، والإعادة؛ لأنهما يفعلان في وقتهما المحدد شرعًا كما سبق، والتعجيل لأنه قبل الوقت. قولنا: مطلقًا: فيه بيان أن اسم القضاء مخصوص بفعل العبادة بعد فوات وقته المحدد له شرعًا مطلقًا، أي: سواء كان فوات الوقت لعذر، أو لغير عذر، فإنه لا فرق في تأخير الواجب عن وقت الأداء بين أن

стр. 519

يكون التأخير بعذر أو لغير عذر، وسواء كان التأخير مع التمكن من الفعل كالمسافر والمريض يستطيع الصوم مع السفر والمرض، أو كان مع عدم التمكن من فعله، إما لمانع شرعي كما في الحيض والنفاس، لعدم صحة الفعل شرعًا، أو لمانع عقلي كنوم، أو سهو، أو إغماء، فإنه لا يمكن عقلًا أداء الصلاة من النائم والساهي، والمغمى عليه؛ لأنها تفتقر إلى النية والقصد، وذلك محال مع وجود النوم والإغماء والسهو. فائدة: القضاء لفظ متسع يأتي في اللغة بمعني الأداء فيكون من معانيه الإتمام. قال ابن عادل الحنبلي: اعلم أن «قضى» إذا علق بفعل النفس، فالمراد منه الإتمام والفراغ؛ كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقوله ﵇: «وما فاتكم فاقضوا»، ويقال للحاكم عند فصل الخصومة، قضى بينهما (١). قال الفيومي:

стр. 520

«ق ض ي»: قضيت بين الخصمين وعليهما حكمت، وقضيت وطري بلغته ونلته، وقضيت الحاجة كذلك، وقضيت الحج والدين أديته قال تعالى ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] أي أديتموها، فالقضاء هنا بمعنى الأداء كما في قوله تعالى ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] أي أديتموها، واستعمل العلماء القضاء في العبادة التي تفعل خارج وقتها المحدود شرعًا، والأداء إذا فعلت في الوقت المحدود، وهو مخالفٌ للوضع اللغوي لكنه اصطلاحٌ للتمييز بين الوقتين (١). قال شيخ الإسلام: ونظير هذا لفظ " القضاء " فإنه في كلام الله وكلام الرسول المراد به إتمام العبادة، وإن كان ذلك في وقتها، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ ثم اصطلح طائفةٌ من الفقهاء فجعلوا لفظ " القضاء " مختصًّا بفعلها في غير وقتها، ولفظ " الأداء " مختصًّا بما يفعل في الوقت، وهذا التفريق لا يعرف قط في كلام الرسول ثم يقولون قد يستعمل لفظ القضاء في الأداء، فيجعلون اللغة التي نزل القرآن بها

стр. 521

من النادر. ولهذا يتنازعون في مراد النبي ﷺ "فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا "، وفي لفظٍ: " فأتموا " فيظنون أن بين اللفظين خلافًا، وليس الأمر كذلك؛ بل قوله: " فاقضوا " كقوله: " فأتموا " لم يرد بأحدهما الفعل بعد الوقت، بل لا يوجد في كلام الشارع أمرٌ بالعبادة في غير وقتها لكن الوقت وقتان: وقتٌ عامٌّ ووقتٌ خاصٌّ لأهل الأعذار: كالنائم والناسي إذا صليا بعد الاستيقاظ والذكر فإنما صليا في الوقت الذي أمر الله به، فإن هذا ليس وقتًا في حق غيرهما. ومن أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله أن ينشأ الرجل على اصطلاحٍ حادثٍ، فيريد أن يفسر كلام الله بذلك الاصطلاح، ويحمله على تلك اللغة التي اعتادها (١). • مسألة: إذا حاضت المرأة، أو سافر مكلف، أو مرض آخر في رمضان فأفطروا، فلما انقضى رمضان صاموا الأيام التي أفطروها، فهل يسمى فعلهم هذا قضاء أو أداء (٢). اختلف العلماء في ذلك على مذاهب: المذهب الأول: أنه يسمى قضاء، وذهب إلى هذا جمهور العلماء، وهو الصحيح؛ لأمرين:

стр. 522

أولهما: إجماع العلماء (١) على أنه إذا صام المسافر والمريض والحائض بعد زوال عذرهم، فإنه تجب عليهم نية القضاء، لا نية الأداء، وأي شيء وجبت فيه نية القضاء فهو قضاء؛ لأنه لو كان أداء لما جاز أن ينووا القضاء؛ لأنهم -حينئذ- ينوون غير الواجب عليهم. ثانيهما: أنه روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة (٢). وجه الدلالة: أن عائشة سمت فعل الصوم -بعد انتهاء الشهر، وبعد زوال الحيض- قضاء، فلو كان أداءً لما سمته باسم القضاء، والآمر هو النبي ﷺ ، وإذا اشتهر بهذه التسمية فلا يمكن أن يطلق عليه بأنه أداء. المذهب الثاني: أن الحائض إذا فاتها أيام من رمضان، فإنه يجب عليها أن تصومها بعد رمضان، وصيامها هذا لا يسمى قضاء، وإنما يسمى أداءً. دليل هذا المذهب: أنه لا يجب على الحائض صيام رمضان حال حيضها، بل إن

стр. 523

صومها وهي في تلك الحال حرام، ومعلوم أن فعل الحرام معصية، ولا يمكن أن تؤمر أن تفعل ما تعصي في فعله، ولو ماتت قبل أن تتمكن من صيام تلك الأيام التي تركتها لا تكون عاصية بالإجماع (١). فلما لم تتمكن الحائض من أن توقع الصيام في وقته المقدر شرعا للعذر -وهو الحيض- فإن فعلها فيما بعد هو نفس الأداء الذي لم تتمكن من فعله، وعلى هذا فلا يمكن أن يسمى قضاء. ويجاب عنه بما ورد عن عائشة ﵂ من أنها سمت فعل الصوم بعد انتهاء رمضان قضاء. أما عدم وجوب الأداء أثناء الحيض فلأن التكليف تشريف، وعبادة لله ، ويمتنع ذلك مع حالتها المستقذرة تلك، والشيء الذي لم يجب هو الأداء، أما جعل ذلك في الذمة، فهو واجب لاشك فيه. أما عدم العصيان إذا تركت الصيام حال الحيض وماتت: فهذا مرجعه إلى كونها غير مكلفة بفعل الصيام أداء للعذر، وهو الحيض، فإذا زال رجع إليها التكليف، لكن تبقى ذمتها مشغولة حتى تفعل ما وجب عليها قضاء.

стр. 524

المذهب الثالث: أن المسافر والمريض لا يلزمهما الصوم في شهر رمضان، وإذا كان الصيام في الشهر لا يلزمهما، ولا يجب عليهما حال السفر وحال المرض، ثم فعلا الصيام بعد رمضان سمي ذلك الفعل أداء، وليس بقضاء. ومستند عدم وجوب الصيام على المسافر قوله ﷺ : «ليس من البر الصيام في السفر». ومستند عدم وجوب الصيام على المريض: وجود المشقة التي تحصل له عند صومه، والمشقة تجلب التيسير. وكذا أجمع العلماء (١) على أن من أخر رمضان لسفر أو لمرض من غير تفريط، ثم مات بعد ذلك، وقبل القضاء، فإنه لا يكون عاصيًا لتأخيره. ويجاب عنه بأن العلماء قد أجمعوا على أنه إذا صام المسافر والمريض بعد زوال عذرهما، فإنه تجب عليهما نية القضاء؛ لا نية الأداء، وما وجبت فيه نية القضاء فهو قضاء، ولو كان أداء كما يقول أصحاب هذا المذهب لما نووا القضاء؛ لأن حقيقة الأداء غير حقيقة القضاء، ولأنه يلزم من ذلك أنهم ينوون غير الواجب عليهم.

стр. 525

أما عدم لزوم الصوم أثناء العذر وهو السفر والمرض، فقد ثبت نظرًا لحالتهما، فلا يطلب أداء الصوم وهما في حالتهما تلك، لكن تبقى ذمتهما مشغولة بالواجب فلا تبرأ إلا بالقضاء؛ لخروج وقت الأداء. أما عدم العصيان لما تركا الصيام حال السفر والمرض، فهذا مرجعه إلى أنهما غير مكلفين بفعل الصيام أداءً؛ لعذر السفر والمرض، وهو من باب الرخص والتيسير ورفع الحرج عن الأمة، لكن تبقى ذمتهما مشغولة حتى يفعلا ما وجب عليهما قضاء. بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ حيث إن أصحاب المذاهب اتفقوا على أن الحائض والمريض والمسافر إذا أفطروا في نهار رمضان لعذر الحيض والمرض والسفر، فإنه يجب عليهم صيام تلك الأيام التي تركوها بعد انتهاء شهر رمضان، ولكن اختلفوا في تسمية هذا الفعل، فالجمهور يسمونه قضاء؛ لانطباق حقيقة القضاء عليه، وأصحاب المذهبين الأخيرين يسمونه أداء، فصار الخلاف في التسمية والتعبير فقط.

стр. 526

• مسألة: هل يتعلق القضاء بالمندوب كالواجب (١)؟ اتفق العلماء على أن الأداء والإعادة يتعلقان بالمندوب، واختلفوا في القضاء هل يتعلق بالمندوب؛ على مذهبين: المذهب الأول: أن القضاء يتعلق بالمندوب إذا كان له وقت معين، بخلاف المندوب المطلق، فلا يتعلق به القضاء. وهذا مذهب جمهور العلماء وهو الصحيح، وبناء عليه: فإنه إذا فات المندوب المؤقت فإنه يقضى مطلقًا، كما قال بعض العلماء: إن قضاء السنة سنة كما أن قضاء الواجب واجب، والقضاء في رتبة المقضي. دليل ذلك: القياس على الواجب؛ إذ لا فرق بينهما من هذه الناحية، ويشملهما حد القضاء. المذهب الثاني: أن القضاء لا يتعلق بالمندوب. ذهب إلى ذلك الحنفية، وقالوا: يقصر القضاء على الواجب فقط؛ تنزيلًا عن درجة الواجب بسبب أن طلبه غير جازم. واستثنى بعض علماء الحنفية من هذه القاعدة: قضاء السنة إذا كانت شديدة التأكد بشروط، فقالوا في فروعهم: إذا فات المصلي سنة

стр. 527

الصبح مع فرضها، فإنه يسن له قضاؤها، بخلاف ما إذا فاتته السنة دون الفرض فلا قضاء لها. • مسألة: الدليل الموجب للقضاء (١): اختلف العلماء في الدليل الموجب للقضاء هل هو أمر جديد، ودليل مبتدأ، أو هو الأمر الأول الموجب للأداء ينسحب مع الواجب، ويلازمه في الوقت وبعده على مذهبين: المذهب الأول: أن وجوب القضاء ثابت بالأمر الأول، فالدليل الذي أوجب الأداء هو ما أوجب القضاء، ولا يحتاج إلى نص جديد، واستدلوا بالأدلة التالية: الدليل الأول: أن الأداء قد كان واجبًا مستحقًّا على المكلف في الوقت المحدد شرعاً، وقد علمنا من قواعد الشرع بالاستقراء أن الواجب لا يسقط عن المكلف إلا بالأداء، أو بإسقاط من له الحق، أو بالعجز، ولم يوجد شيء من ذلك، وخروج الوقت ليس مما يسقط الواجب، فتبقى الذمة مشغولة بهذا الواجب، لا يزول هذا الشغل إلا بمزيل له، وهو أحد الأمور الثلاثة السابقة فقط.

стр. 528

الدليل الثاني: القياس على الدين، وبيان ذلك: أن الوقت للمأمور به كالأجل للدين، فكما أن الدين لا يسقط بترك تأديته في أجله المعين، فكذلك المأمور به إذا لم يفعل في وقته المعين، فإنه لا يسقط، بل يجب قضاؤه، ويكون ذلك مستفادًا من الأمر الأول بدلالة التضمن، لا بدلالة المطابقة. المذهب الثاني: أن وجوب القضاء ثابت بأمر جديد، ودليل مبتدأ. أدلة هذا المذهب: الدليل الأول: أنه لو وجب بالأمر الأول لاقتضاه ذلك الأمر، ولكان أداءً لا قضاء. وأجيب عنه بأن ذلك ممنوع؛ لأنه إذا فات الوقت بقي الواجب مع نقص الواجب فيه، وهو الوقت المحدد، فكان إيقاعه بعد الوقت قضاء، لا أداءً. الدليل الثاني: قياس الزمان على المكان، وبيانه: أن الأمر لو علق بمكان معين كالأمر بالحج علق بمكان معين، وهي المناسك المعروفة، فإذا تعذر فعله بهذا المكان وتلك المناسك، فلا يجوز فعله بمكان آخر. كذلك الأمر إذا علق بوقت معين، وتعذر فعله بهذا الوقت فإنه

стр. 529

يسقط الأمر الأول، ويحتاج إلى أمر آخر. وأجيب عنه: بأن قياسكم الزمان على المكان قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، حيث إنه يوجد فرق بين تعلق الأمر بزمان، وبين تعلقه بمكان من وجهين: أولهما: أن الزمان يتعلق بعضه ببعض؛ حيث إن الزمان الثاني تابع للأول، فالواجب الذي لم يفعل في الزمان الأول؛ فإنه ينسحب هذا الوجوب إلى الزمان الثاني، ثم الثالث وهكذا ولا تبرأ ذمة المكلف منه إلا بأدائه، ولو في آخر العمر، بخلاف المكان، فإنه لا ينسحب إلى مكان آخر، وما يجوز فعله في مكان قد لا يجوز فعله في مكان آخر. ثانيهما: أن المكان لا يفوت، فيمكن الفعل فيه، ولا يعدل إلى غيره، بخلاف الزمان، فإنه يفوت فوجب القضاء في غيره. الدليل الثالث: قياس ما بعد الوقت على ما قبل الوقت. وبيانه: أنه كما أنه لا يجب الفعل قبل الوقت؛ لعدم تناول الأمر إياه، كذلك أن ما بعد الوقت لم يتناوله الأمر، فلا يجب فيه الفعل، ويحتاج إلى أمر جديد. ويجاب عنه بأن هذا القياس قياس غير صحيح؛ لأن الكلام في الواجب، ولا وجوب قبل الوقت.

стр. 530

بيان نوع الخلاف: الخلاف في هذه المسألة معنوي له ثمرة وفائدة، وهي جواز الاستدلال بالأوامر في أداء العبادة على قضائها بناء على المذهب الأول، وعدم جواز ذلك بناء على المذهب الثاني. ومن وجب عليه صوم يوم بعينه لأجل نذره فلم يصمه، أو أفسده هل يجب عليه القضاء أو لا؟ فبناء على المذهب الأول -وهو أن القضاء بالأمر الأول- فإنه يجب القضاء بذلك الأمر. وبناء على المذهب الثاني -وهو أن القضاء يحتاج إلى أمر جديد- فإنه لا يجب عليه القضاء؛ لأنه لا يوجد أمر جديد. وأيضا من ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها، فإنه يلزمه قضاؤها بالأمر الأول. واختلف أصحاب المذهب الثاني على قولين: القول الأول: أنه لا قضاء عليه؛ لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد، ولا يوجد أمر. القول الثاني: أنه يلزمه قضاء تلك الصلاة بعد خروج وقتها، لورود
следующие страницы →