• مسألة: هل يتعلق القضاء بالمندوب كالواجب (١)؟
اتفق العلماء على أن الأداء والإعادة يتعلقان بالمندوب، واختلفوا في القضاء هل يتعلق بالمندوب؛ على مذهبين:
المذهب الأول: أن القضاء يتعلق بالمندوب إذا كان له وقت معين، بخلاف المندوب المطلق، فلا يتعلق به القضاء.
وهذا مذهب جمهور العلماء وهو الصحيح، وبناء عليه: فإنه إذا فات المندوب المؤقت فإنه يقضى مطلقًا، كما قال بعض العلماء: إن قضاء السنة سنة كما أن قضاء الواجب واجب، والقضاء في رتبة المقضي.
دليل ذلك: القياس على الواجب؛ إذ لا فرق بينهما من هذه الناحية، ويشملهما حد القضاء.
المذهب الثاني: أن القضاء لا يتعلق بالمندوب.
ذهب إلى ذلك الحنفية، وقالوا: يقصر القضاء على الواجب فقط؛ تنزيلًا عن درجة الواجب بسبب أن طلبه غير جازم.
واستثنى بعض علماء الحنفية من هذه القاعدة: قضاء السنة إذا كانت شديدة التأكد بشروط، فقالوا في فروعهم: إذا فات المصلي سنة
стр. 527
الصبح مع فرضها، فإنه يسن له قضاؤها، بخلاف ما إذا فاتته السنة دون الفرض فلا قضاء لها.
• مسألة: الدليل الموجب للقضاء (١):
اختلف العلماء في الدليل الموجب للقضاء هل هو أمر جديد، ودليل مبتدأ، أو هو الأمر الأول الموجب للأداء ينسحب مع الواجب، ويلازمه في الوقت وبعده على مذهبين:
المذهب الأول: أن وجوب القضاء ثابت بالأمر الأول، فالدليل الذي أوجب الأداء هو ما أوجب القضاء، ولا يحتاج إلى نص جديد، واستدلوا بالأدلة التالية:
الدليل الأول: أن الأداء قد كان واجبًا مستحقًّا على المكلف في الوقت المحدد شرعاً، وقد علمنا من قواعد الشرع بالاستقراء أن الواجب لا يسقط عن المكلف إلا بالأداء، أو بإسقاط من له الحق، أو بالعجز، ولم يوجد شيء من ذلك، وخروج الوقت ليس مما يسقط الواجب، فتبقى الذمة مشغولة بهذا الواجب، لا يزول هذا الشغل إلا بمزيل له، وهو أحد الأمور الثلاثة السابقة فقط.
стр. 528
الدليل الثاني: القياس على الدين، وبيان ذلك: أن الوقت للمأمور به كالأجل للدين، فكما أن الدين لا يسقط بترك تأديته في أجله المعين، فكذلك المأمور به إذا لم يفعل في وقته المعين، فإنه لا يسقط، بل يجب قضاؤه، ويكون ذلك مستفادًا من الأمر الأول بدلالة التضمن، لا بدلالة المطابقة.
المذهب الثاني: أن وجوب القضاء ثابت بأمر جديد، ودليل مبتدأ.
أدلة هذا المذهب:
الدليل الأول: أنه لو وجب بالأمر الأول لاقتضاه ذلك الأمر، ولكان أداءً لا قضاء.
وأجيب عنه بأن ذلك ممنوع؛ لأنه إذا فات الوقت بقي الواجب مع نقص الواجب فيه، وهو الوقت المحدد، فكان إيقاعه بعد الوقت قضاء، لا أداءً.
الدليل الثاني: قياس الزمان على المكان، وبيانه: أن الأمر لو علق بمكان معين كالأمر بالحج علق بمكان معين، وهي المناسك المعروفة، فإذا تعذر فعله بهذا المكان وتلك المناسك، فلا يجوز فعله بمكان آخر.
كذلك الأمر إذا علق بوقت معين، وتعذر فعله بهذا الوقت فإنه
стр. 529
يسقط الأمر الأول، ويحتاج إلى أمر آخر.
وأجيب عنه: بأن قياسكم الزمان على المكان قياس فاسد؛ لأنه قياس مع الفارق، حيث إنه يوجد فرق بين تعلق الأمر بزمان، وبين تعلقه بمكان من وجهين:
أولهما: أن الزمان يتعلق بعضه ببعض؛ حيث إن الزمان الثاني تابع للأول، فالواجب الذي لم يفعل في الزمان الأول؛ فإنه ينسحب هذا الوجوب إلى الزمان الثاني، ثم الثالث وهكذا ولا تبرأ ذمة المكلف منه إلا بأدائه، ولو في آخر العمر، بخلاف المكان، فإنه لا ينسحب إلى مكان آخر، وما يجوز فعله في مكان قد لا يجوز فعله في مكان آخر.
ثانيهما: أن المكان لا يفوت، فيمكن الفعل فيه، ولا يعدل إلى غيره، بخلاف الزمان، فإنه يفوت فوجب القضاء في غيره.
الدليل الثالث: قياس ما بعد الوقت على ما قبل الوقت. وبيانه: أنه كما أنه لا يجب الفعل قبل الوقت؛ لعدم تناول الأمر إياه، كذلك أن ما بعد الوقت لم يتناوله الأمر، فلا يجب فيه الفعل، ويحتاج إلى أمر جديد.
ويجاب عنه بأن هذا القياس قياس غير صحيح؛ لأن الكلام في الواجب، ولا وجوب قبل الوقت.
стр. 530
بيان نوع الخلاف:
الخلاف في هذه المسألة معنوي له ثمرة وفائدة، وهي جواز الاستدلال بالأوامر في أداء العبادة على قضائها بناء على المذهب الأول، وعدم جواز ذلك بناء على المذهب الثاني.
ومن وجب عليه صوم يوم بعينه لأجل نذره فلم يصمه، أو أفسده هل يجب عليه القضاء أو لا؟
فبناء على المذهب الأول -وهو أن القضاء بالأمر الأول- فإنه يجب القضاء بذلك الأمر.
وبناء على المذهب الثاني -وهو أن القضاء يحتاج إلى أمر جديد- فإنه لا يجب عليه القضاء؛ لأنه لا يوجد أمر جديد.
وأيضا من ترك الصلاة عمدًا حتى خرج وقتها، فإنه يلزمه قضاؤها بالأمر الأول.
واختلف أصحاب المذهب الثاني على قولين:
القول الأول: أنه لا قضاء عليه؛ لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد، ولا يوجد أمر.
القول الثاني: أنه يلزمه قضاء تلك الصلاة بعد خروج وقتها، لورود
стр. 531
الأمر الجديد، وهو قوله ﷺ : «فدين الله أحق أن يقضى» (١).
وبعضهم قال: يجب عليه القضاء بأمر جديد وهو: القياس على النائم والناسي، لورود الأمر بوجوب القضاء عليهما.
• رابعًا: التعجيل:
التعجيل لغة: استعجلت فلانًا: حثثته. وعجلته: سبقته. والعجالة: ما تعجل من شيءٍ (٢).
التعجيل اصطلاحا" ما فعل قبل وقته مرة واحدة لدليل شرعي (٣).
مثال: جمع النبي ﷺ بين الصلوات جمع تقديم (٤).
وليس منه «لا تزال أمتى بخير ما عجلوا الفطر» (٥)؛ حيث إن التعجيل نوعان: تعجيل يراد به فعل العمل قبل وقته، وتعجيل يراد به فعل العمل في أول وقته كقوله ﵊: «لا تزال أمتى بخير ما عجلوا الفطر» أي عجلوه عند أول وقته مباشرة، ومثال ذلك كان عليه الصلاة السلام إذا رأى الناس قد اجتمعوا لصلاة العشاء عجل بها أي
стр. 532
قام بها في أول وقتها، فالتعجيل قد يراد به أول الوقت، أو قبل الوقت لحكم شرعي كجمع التقديم.
ملحوظة: من العبادات ما يتحقق فيها الأداء والقضاء مثل صلاة الظهر، ويوجد أحكام بها الأداء فقط مثل ركعتي الجمعة، فلو فاتت تصلى ظهرًا.
وتوجد عبادات توصف بالقضاء فقط، مثل صيام الحائض.
وتوجد عبادات لا توصف بالأداء ولا بالقضاء، مثل النوافل المطلقة التي ليس لها وقت معين لا تدخل تحت الأداء ولا القضاء (١).
стр. 533
جامع المسائل والقواعد
في علم الأصول والمقاصد
المجلد الثاني
أدلة الأحكام
تأليف
عبد الفتاح بن محمد بن مصيلحي
стр. 534
أدلة الأحكام
وفيه مقدمة، واثنا عشر فصلًا
• الفصل الأول: الكتاب.
• الفصل الثاني: السنة.
• الفصل الثالث: الإجماع.
• الفصل الرابع: القياس.
• الفصل الخامس: الاستصحاب.
• الفصل السادس: شرع من قبلنا.
• الفصل السابع: قول الصحابي.
• الفصل الثامن: المصالح المرسلة.
• الفصل التاسع: سد الذرائع.
• الفصل العاشر: العرف.
• الفصل الحادي عشر: الاستقراء.
• الفصل الثاني عشر: الاستحسان.
стр. 535
المقدمة
стр. 536
تعريف أدلة الأحكام
* تعريف الأدلة:
الأدلة لغة جمع دليل، وهو فعيل بمعنى فاعل، من الدلالة: وهي فهم أمر من أمر، أو كون أمر بحيث يفهم منه أمر فهم أو لم يفهم، وهي مثلثة الدال والفتح أفصح (١). والدليل: هو المرشد إلى المطلوب؛ لأنه علامة عليه (٢).
اصطلاحًا: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري (٣). والمطلوب الخبري: هو الحكم الشرعي.
والأحكام الشرعية إنما تعرف بالأدلة التي أقامها الشرع لترشد المكلفين إليها وتدلهم عليها، وتسمى هذه الأدلة بأصول الأحكام، أو المصادر الشرعية للأحكام، أو أدلة الأحكام، فهي أسماء مترادفة
стр. 537
والمعنى واحد.
وقد يطلق الدليل في اللغة بمعنى الدال، وهو الناصب للدليل.
والمراد بالنظر: الفكر (١) الموصل إلى علم أو ظن، ووصف بكونه صحيحًا؛ ليخرج النظر الفاسد المخالف لمقتضى العقل السليم، أو الفطرة المستقيمة، أو اللغة، أو الشرع، وذهب بعضهم إلى التفريق بين ما يفيد القطع فيسمى دليلًا، وما يفيد الظن فيسمى أمارة، ولا مشاحة في الاصطلاح (٢).
مسألة: الحكم الشرعي: هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا (٣).
فالحكم الشرعي هنا يشمل الحكم التكليفي والحكم الوضعي،
стр. 538
وكلاهما يطلب له الدليل فكما تبحث للوجوب، أو للندب، أو للتحريم، أو للكراهة، أو للإباحة عن دليل يدل عليه، كذلك تبحث للسبب، والعلة، والشرط، والمانع عن دليل؛ لأن كل هذا من الدين، ومبناه على الدليل، قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
стр. 539
الفصل الأول:
القرآن الكريم
стр. 540
القرآن الكريم
والكلام في هذا الفصل في عدة مطالب
• الأول: تعريف القرآن الكريم.
• الثاني: شروط قبول القراءة القرآنية.
• الثالث: حكم القراءة الشاذة.
• الرابع: الحقيقة والمجاز.
• الخامس: المحكم والمتشابه.
• السادس: دلالة القرآن على الأحكام.
стр. 541
المطلب الأول:
تعريف القرآن الكريم
هو كلام الله المنزل على محمد ﷺ ، المعجز، المتعبد بتلاوته، المنقول إلينا نقلًا متواترًا.
قوله: «كلام الله» أي تكلم به حقيقة، ومما يدل على أنه كلام حقيقي بصوت وحرف:
١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، فصرح بأن ما سمعه المشرك المستجير كلام الله وليس كلامًا نفسيًا أو مخلوقًا كما يقول أهل البدع.
قال الشيخ السعدي في تفسيره: وفي هذا حجة صريحة لمذهب أهل السنة والجماعة، القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق؛ لأنه تعالى هو المتكلم به، وأضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها، وبطلان مذهب المعتزلة ومن أخذ بقولهم: أن القرآن مخلوق (١).
стр. 542
٢ - قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤].
قال الحافظ ابن كثير: وهذا تشريف لموسى ﵇ بهذه الصفة؛ ولهذا يقال له: الكليم، وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن سليمان المالكي، حدثنا مسبح بن حاتم، حدثنا عبد الجبار بن عبد الله قال: جاء رجل إلى أبي بكر بن عياش فقال: سمعت رجلًا يقرأ: ﴿وكلم اللهَ موسى تكليمًا﴾، فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر، قرأت على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن على علي بن أبي طالب، وقرأ علي بن أبي طالب على رسول الله ﷺ : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] (١).
وإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش ﵀ على من قرأ كذلك؛ لأنه حرف لفظ القرآن ومعناه، وكان هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن يكون الله كلم موسى ﵇، أو يكلم أحدًا من خلقه، كما رويناه عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ: ﴿وكلم اللهَ موسى تكليمًا﴾، فقال له: يا ابن اللخناء، فكيف تصنع بقوله تعالى:
стр. 543
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، يعني: أن هذا لا يحتمل التحريف ولا التأويل (١).
٣ - قول النبي ﷺ : «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» (٢).
ولو كانت كلمات الله مخلوقة لكانت استعاذة النبي ﷺ استعاذةً بمخلوق وحاشاه ﷺ .
قال الإمام البغوي: وفي هذا الحديث وفي أمثاله مما جاء فيه الاستعاذة بكلمات الله دليل على أن كلام الله غير مخلوق؛ لأن النبي ﷺ استعاذ به، كما استعاذ بالله، فقال ﷺ : «أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك ربي أن يحضرون»، وقال: «أعوذ برب الفلق»، وقال: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، واستعاذ بصفاته، كما جاء في دعاء المشتكي قال: «أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد»، ولم يكن النبي ﷺ يستعيذ بمخلوق من مخلوق.
وبلغني عن أحمد بن حنبل ﵀ أنه كان يستدل بقوله: «أعوذ
стр. 544
بكلمات التامات»، على أن القرآن غير مخلوق؛ لأنه ما من مخلوق إلا وفيه نقص.
وقيل: كلمات الله في هذا الحديث: القرآن. وروي عن عكرمة أنه قال: صلى ابن عباس على جنازة، فقال رجل من القوم: اللهم رب القرآن العظيم اغفر له. فقال ابن عباس: لا تقل مثل هذا، إن القرآن منه بدأ وإليه يعود (١).
ثم ذكر أقوال السلف في أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق (٢).
وقال الشيخ ابن عثيمين: وكلمات الله تشمل كلماته الكونية والشرعية، فأما الكونية فهي التي ذكرها الله في قوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]، كذلك الكلمات الشرعية وهي الوحي (٣).
وكلمات الله: تشمل جميع الكتب المنزلة من عنده تعالى، كالتوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، قال تعالى في شأن التوراة: ﴿قَالَ يَامُوسَى
стр. 545
إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥].
وقوله: «المنزل على محمد ﷺ » خرج به الكتب المنزلة على الرسل قبل نبينا ﷺ .
وقوله: «المتعبد بتلاوته» خرج به الأحاديث القدسية؛ لأن التعبد بتلاوته معناه الأمر بتلاوته في الصلاة وغيرها على وجه العبادة.
وقوله: «المنقول إلينا متواترًا» خرج به ما سوى القرآن من منسوخ التلاوة، والقراءات الشاذة فلا تسمى قرآنًا.
стр. 546
المطلب الثاني:
شروط قبول القراءة القرآنية
قال الإمام ابن الجزري في طيبة النشر في القراءات العشر:
فكل ما وافق وجهًا نحوي … وكان للرسم احتمالًا يحوي
وصح إسنادًا هو القرآن … فهذه الثلاثة الأركان
وحيثما يختل ركن أثبت … شذوذه لو أنه في السبعة
قال النويري ﵀ في شرح الطيبة: وأيضا فإن الوصف الأعظم في ثبوت القرآن هو التواتر، والناظم تركه واعتبر صحة سنده فقط، وهذا قول شاذ، ثم قال: وقوله: وصح إسنادًا. ظاهره أن القرآن يكتفى في ثبوته مع الشرطين المتقدمين بصحة السند فقط، ولا يحتاج إلى تواتر، وهذا قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم، كما ستراه -إن شاء الله-.
ولقد ضل بسبب هذا القول قوم فصاروا يقرؤون أحرفًا لا يصح لها سند أصلًا، ويقولون: التواتر ليس بشرط، وإذا طولبوا بسند صحيح لا يستطيعون ذلك، ولا بد لهذه المسألة من بعض بسط فأقول: إن القرآن عند الجمهور من أئمة المذاهب الأربعة -منهم الغزالي وصدر الشريعة
стр. 547
وموفق الدين المقدسي وابن مفلح والطوفي-: هو ما نقل بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا.
وقال غيرهم: هو الكلام المنزل على رسول الله ﷺ للإعجاز بسورة منه. وكل من قال بهذا الحد اشترط التواتر، كما قال ابن الحاجب ﵀، للقطع بأن العادة تقضى بالتواتر في تفاصيل مثله.
والقائلون بالأول لم يحتاجوا للعادة؛ لأن التواتر عندهم جزء من الحد، فلا يتصور ماهية القرآن إلا به، وحينئذ فلا بد من حصول التواتر عند أئمة المذاهب الأربعة، ولم يخالف منهم أحد فيما علمت بعد الفحص الزائد، وصرح به جماعات لا يحصون، كابن عبد البر، وابن عطية، وابن تيمية، والتونسي في تفسيره، والنووي، والسبكي، والإسنوي، والأذرعي، والزركشي، والدميري، وغيرهم ﵏، وأما القراء فأجمعوا في أول الزمان على ذلك، وكذلك في آخره، ولم يخالف من المتأخرين إلا أبو محمد مكي، وتبعه بعض المتأخرين (١).
قلت: ومما يدل على ذلك أيضًا ورود قراءات في الصحيح ولم يقرأ بها أحد من القراء العشر، وهي عندهم من الشاذ لعدم تواترها، من ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه عن إبراهيم النخعي قال: قدم أصحاب
стр. 548
عبد الله على أبي الدرداء، فطلبهم، فوجدهم، فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبد الله؟، قال: كلنا، قال: فأيكم أحفظ؟ فأشاروا إلى علقمة، قال: كيف سمعته يقرأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ [الليل: ١]، قال علقمة: والذكر والأنثى. قال: أشهد أني سمعت النبي ﷺ يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدوني على أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ [الليل: ٣] والله لا أتابعهم (١).
قال النويري ﵀: فصل: إذا تقرر ما تقدم؛ علم أن الشاذ عند الجمهور هو ما ليس بمتواتر، وعند مكي ومن وافقه هو ما خالف الرسم أو العربية، ونقل ولو بثقة عن ثقة، أو وافقهما ونقل بغير ثقة، أو بثقة لكن لم يشتهر (٢).
قال الإمام العلامة برهان الدين الجعبري في شرح الشاطبية: ضابط كل قراءة تواتر نقلها، ووافقت العربية مطلقًا، ورسم المصحف ولو تقديرًا، فهي من الأحرف السبعة، وما لا تجتمع فيه فشاذ.
وقال في قول الشاطبي:
ومهما تصلها مع أواخر سورة ...............
стр. 549
وإذا تواترت القراءة علم كونها من الأحرف السبعة.
وقال أبو القاسم الصفراوي في نهاية الإعلان: اعلم أن هذه السبعة أحرف، والقراءات المشهورة نقلت تواترًا، وهى التي جمعها عثمان في المصاحف، وبعث بها إلى الأمصار، وأسقط ما لم يقع الاتفاق على نقله، ولم ينقل تواترًا، وكان ذلك بإجماع من الصحابة (١).
وذكر ابن عادل الحنبلي في اللباب: أن من المتفق عليه عند العلماء وأرباب النظر: أن القرآن الكريم لا تجوز الرواية فيه بالمعنى، بل أجمعوا على وجوب روايته لفظة لفظة، وعلى أسلوبه وترتيبه، ولهذا كان تواتره اللفظي لا يشك فيه أدنى عاقل، أو صاحب حس (٢).
قال العلامة الشنقيطي: وكتاب الله هو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا، ولا خلاف بين العلماء في قراءة السبعة: نافع المدني، وابن كثير المكي، وابن عامر الشامي، وأبي عمرو البصري، وعاصم، وحمزة، والكسائي الكوفيين، وكذلك على الصحيح قراءة الثلاثة: أبي جعفر وخلف ويعقوب (٣).
стр. 550
قال في المراقي:
مثل الثلاثة ورجح النظر … تواترًا لها لدى من قد غبر
تواتر السبع عليه أجمعوا … ولم يكن في الوحي حشو يقع
* فصل: في حصر المتواتر في العشر.
أجمع الأصوليون والفقهاء على أنه لم يتواتر شيء مما زاد على القراءات العشرة، وكذلك أجمع عليه القراء أيضًا إلا من لا يعتد بخلافه.
قال الإمام العلامة شمس الدين ابن الجزري ﵀ في آخر الباب الثاني من منجده: فالذي وصل إلينا متواترًا صحيحًا أو مقطوعًا به قراءة الأئمة العشرة ورواتهم المشهورين، هذا الذى تحرر من أقوال العلماء، وعليه الناس اليوم بالشام والعراق ومصر.
وقال في أوله أيضًا بعد أن قرر شروط القراءة: والذى جمع في زماننا الأركان الثلاثة هو قراءة الأئمة العشرة التي أجمع الناس على تلقيها، ثم عددهم.
وقال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح: فما لم يوجد فيه ذلك كما عدا السبع أو ما عدا العشر، يشير إلى التواتر وما معه.
وقال العلامة تاج الدين السبكي ﵀: والصحيح أن الشاذ: ما وراء العشر، ومقابله أنه: ما وراء السبع (١).
стр. 551
المطلب الثالث:
حكم الاحتجاج بالقراءات الشاذة:
وفيه مسألتان:
* المسألة الأولى: حكم القراءة بها:
لا تجوز القراءة بالشاذ في الصلاة وكذلك خارجها معتقدًا قرآنيتها، أما تعلمها وتعليمها لما فيها من المعاني والأحكام مع بيان شذوذها فجائز.
قال العلامة النويري ﵀ (١): اعلم أن الذي استقرت عليه المذاهب وآراء العلماء أنه إن قرأ بها غير معتقد أنها قرآن، ولا موهم أحدًا ذلك، بل لما فيها من الأحكام الشرعية عند من يحتج بها أو الأحكام الأدبية، فلا كلام في جواز قراءتها، وعلى هذا يحمل حال كل من قرأ بها من المتقدمين، وكذلك أيضًا يجوز تدوينها في الكتب والتكلم على ما فيها، وإن قرأها باعتقاد قرآنيتها أو بإيهام قرآنيتها حرم ذلك.
стр. 552
ونقل ابن عبد البر في تمهيده إجماع المسلمين عليه (١) ولفظه: وأجمع العلماء أن ما في مصحف عثمان بن عفان وهو الذي بأيدي المسلمين اليوم في أقطار الأرض حيث كانوا، هو القرآن المحفوظ الذي لا يجوز لأحد أن يتجاوزه، ولا تحل الصلاة لمسلم إلا بما فيه، وإن كل ما روي من القراءات في الآثار عن النبي ﷺ ، أو عن أبي، أو عمر بن الخطاب، أو عائشة، أو ابن مسعود، أو ابن عباس، أو غيرهم من الصحابة مما يخالف مصحف عثمان المذكور لا يقطع بشيء من ذلك على الله ، ولكن ذلك في الأحكام يجري في العمل مجرى خبر الواحد.
وإنما حل مصحف عثمان ﵁ هذا المحل لإجماع الصحابة وسائر الأمة عليه، ولم يجمعوا على ما سواه، وبالله التوفيق.
وقال الشيخ محيي الدين النووي ﵀: ولا تجوز القراءة في الصلاة ولا في غيرها بالقراءات الشاذة؛ لأنها ليست قراءة، لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وكل واحدة ثابتة بالتواتر، هذا هو الصواب الذي لا معدل عنه، ومن قال غيره فغالط أو جاهل.
أما الشاذة فليست متواترة، فلو خالف وقرأ بالشاذ أنكر عليه، سواء
стр. 553
قرأ بها في الصلاة أوغيرها، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشاذ (١).
ونقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا تجوز القراءة بالشاذ، وأنه لا يصلى خلف من يقرأ بها (٢).
وقال الإمام فخر الدين في تفسيره: اتفقوا على أنه لا يجوز في الصلاة القراءة بالوجوه الشاذة (٣).
وقال أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه: وهو ممنوع من القراءة بما زاد على العشر منع تحريم لا منع كراهة في الصلاة وخارجها، عرف المعنى أم لا، ويجب على كل أحد إنكاره، ومن أصر عليه وجب منعه وتأثيمه وتعزيره بالحبس وغيره، وعلى المتمكن من ذلك ألا يهمله (٤).
وقال السبكي في جمع الجوامع: وتحريم القراءة بالشاذ، والصحيح أنه ما وراء العشرة (٥).
стр. 554
* المسألة الثانية: في حكم الاحتجاج بالقراءات الشاذة.
من المعلوم أن القراءات كلها سواء في الاحتجاج بها للاتفاق على قرآنيتها، وأنه يحتج بأي قراءة منها على الأحكام الفقهية واللغوية والعقائدية على حد سواء.
أما الاحتجاج بالقراءات الشاذة ففيه قولان:
الأول: أنها حجة، وهو منسوب للإمام أبي حنيفة، وأحمد، وأكثر أصحابهم، وحكاه البويطي عن الشافعي، وهو اختيار ابن قدامة في الروضة.
ودليل هذا القول: أن هذه القراءات نقلت عن الرسول ﷺ بسند صحيح، فهي لا تخلو إما أن تكون قرآنًا أو سنة، وعلى كلا الاحتمالين فهي حجة.
الثاني: أنها ليست حجة، وهذا المشهور عن الشافعي ﵀، وهو مذهب المالكية والظاهرية.
ودليل هذا القول: أن الصحابي نقلها على أنها قرآن، لا على أنها سنة، وهي لا يمكن أن تكون قرآنًا؛ لأن القرآن متواتر، وهي غير متواترة، ولأن الظاهر أنها تفسير من الصحابي نفسه، ومذهب الصحابي ليس بحجة عند الشافعي.
стр. 555
ونسب الآمدي القول بأنها ليست بحجة إلى الشافعي، وكذا ادعى الإبياري في شرح البرهان أنه المشهور من مذهب مالك، والشافعي، وتبعه ابن الحاجب، وكذلك قال النووي في شرح مسلم: مذهبنا أن القراءة الشاذة لا يحتج بها، ولا يكون لها حكم الخبر عن رسول الله ﷺ (١).
من الفروع التي بنيت على هذا الأصل:
١ - وجوب التتابع في صيام كفارة اليمين:
فمن أوجبه استدل بقراءة ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) كالحنفية والحنابلة، ومن لم يوجبه لم يستدل بهذه القراءة كالشافعية والمالكية في الأظهر.
٢ - المراد بالصلاة الوسطى في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ورد في قراءة عائشة: «والصلاة الوسطى وصلاة العصر» (٢).
فمن احتج بالقراءة الآحادية احتج بهذه القراءة على أن الصلاة الوسطى ليست صلاة العصر لعطفها بالواو على الصلاة الوسطى،
стр. 556
والعطف يقتضي المغايرة.
ومن لم يحتج بالقراءة الآحادية لم يحتج بهذه القراءة، وربما ذهب إلى أنها صلاة العصر أو غيرها بأدلة أخرى.
٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ورد فيها قراءة شاذة غير متواترة «في قبل عدتهن» (١)، وقرأ الجماعة «لعدتهن»، واللام في قراءة الجماعة تحتمل معنيين:
الأول: أن تكون بمعنى (في)، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٩].
الثاني: أنها على بابها، وهو الاختصاص، والمعنى: طلقوهن مستقبلات عدتهن، ومعنى القراءة الشاذة: فطلقوهن في الوقت الذي تستقبل فيه العدة. واستدل بهذه القراءة الشافعية على تفسير لفظ (قروء) الوارد في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقد اختلف الفقهاء في المراد بلفظ (قروء) على قولين:
الأول: أنه الحيض، وهو قول الأحناف والحنابلة.
الثاني: أنه الأطهار وهو قول الشافعية والمالكية.
стр. 557
ويعود سبب اختلافهم إلى الإجمال بسبب الاشتراك في الاسم في لفظ (قروء) بين الطهر والحيض، واستدل الشافعية على صحة ما ذهبوا إليه بما روي عن أبي الزبير أنه سمع ابن عمر يذكر طلاق امرأته حائضًا، وقال النبي ﷺ : «فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك»، وقرأ النبي ﷺ : «إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن» (١)، قال النووي: «في قبل عدتهن» هذه قراءة ابن عباس وابن عمر، وهي شاذة لا تثبت قرآنًا بالإجماع، ولا يكون لها حكم خبر الواحد عندنا، وعند محققي الأصوليين (٢).
قال الشافعي: فأخبر رسول الله ﷺ عن الله أن العدة الطهر دون الحيض، وقرأ (فطلقوهن لقبل عدتهن).
عن مجاهد أن رجلًا قال لابن عباس: رجل طلق امرأته مئة. فقال: عصيت ربك وبانت منك امرأتك، لم تتق الله فيجعل لك مخرجًا، من يتق الله يجعل له مخرجًا، قال الله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن) (٣).
стр. 558
* مسالك المحتجين بالقراءات الشاذة:
١ - مذهب الحنفية:
إن ضابط الشاذ المحتج به عند جمهرة الحنفية هو ما لم يتواتر، وإن اشتهر بالقرن الثاني أو الثالث، وقد يطلق عندهم على خبر الواحد، غير أنهم في الأحكام لا يعملون إلا بما اشتهر من هذا النوع لا بما نقل آحادًا.
فقد قسم الحنفية الأخبار إلى: متواتر، ومشهور، وآحاد.
ومعلوم أن بعضًا من القراءات الشاذة فيها زيادة على النص القطعي القرآني، والزيادة عندهم تعتبر نسخًا إن كانت توجب تغيير الحكم المزيد عليه في المستقبل.
ونسخ القطعي عندهم لا يتم إلا بما تواتر أو اشتهر.
وكذلك لا يجوز عندهم تقييد مطلق القرآن في حادثة واحدة، وفي حكم واحد إلا بالخبر المتواتر المشهور، لهذا اشترط الحنفية: اشتهار شاذ القراءات ليعمل به عندهم. ومن ثم فإنهم أوجبوا التتابع في كفارة اليمين، ولم يوجبوه في قضاء رمضان؛ لأن قراءة ابن مسعود في الأولى مشهورة عندهم بخلاف قراءة أبي بن كعب في الثانية، وهي زيادة (متتابعات).
стр. 559
وقد احتج الحنفية على الأخذ بالقراءات الشاذة بدليلين:
أ- القراءات الشاذة قرآن نسخت تلاوته.
والتلاوة عبادة يتقرب بها إلى الباري ، وتوقيع الحكم في الخارج عبادة كذلك، والانفكاك بينهما بين، فلا تلازم إذن بين جواز التلاوة وحكم المدلول، فإن جواز التلاوة حكم، وحكم المدلول حكم آخر، فيجوز أن يبقى أحدهما ويرتفع الآخر، ومثال ذلك آية الرجم، وقراءة (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم).
ومن الفروع المبنية على القول بالقراءات الشاذة عدد الرضعات المحرمة:
ذهب الشافعي إلى أن عدد الرضعات المحرمة خمس رضعات، عن عائشة قالت: كان فيما أنزل من القرآن: «عشر رضعات معلومات يحرمن»، ثم نسخن ب «خمس معلومات»، فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن» (١).
قال الدميري: وأورد في شرح مسلم: أن هذا لا حجة فيه؛ لأن القرآن لا يثبت بخبر الواحد، ولم يجب عنه، وأجاب عنه إلكيا الطبري بأن القرآن كلام الله، وإن لم يثبت بخبر الواحد لكن يثبت حكمه والعمل
стр. 560
به، والأحسن الاستدلال بحديث سالم، «فأرضعته خمس رضعات» (١) فإن فيه تخصيص الرضعات بخمس، وهو محل ضرورة فلو حصل ما دونه لذكره (٢).
ب- القراءات الشاذة خبر وقع تفسيرًا:
أي كون هذا الشاذ ورد عن النبي ﷺ خبرًا، وبيانًا لشيء، فظنه الناقل قرآنًا، فإذا بطل كونه قرآنًا، تعين أن يكون خبرًا.
وهذا المحمل الحنفي هو الذي ارتضاه كثير من العلماء؛ إذ جعلوا ما أتى من الأحرف الشاذة هو من قبيل التفسير، وإن اختلفوا في كونها خبرًا أو مذهبًا للراوي إذا لم يصرح بالسماع.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام بعد ذكره عددًا مما شذ من القراءات، حيث قال: فهذه الحروف وأشباه لها كثيرة قد صارت مفسرة للقرآن، وقد كان يرى مثل هذا عن بعض التابعين في التفسير فيستحسن ذلك، فكيف إذا روي عن لباب أصحاب محمد ﷺ ، ثم صار في نفس القراءة؟! فهو الآن أكثر من التفسير وأقوى، وأدنى ما يستنبط من علم هذه الحروف معرفة صحة التأويل، على أنها من العلم الذي لا تعرف
стр. 561
العامة فضله، إنما يعرف ذلك العلماء (١).
* الاحتجاج بالقراءة الشاذة عند الشافعية:
هذه المسألة محل خلاف بين فقهاء الشافعية، فقد ذهبت طائفة من متأخري الشافعية إلى القول بحجية القراءات الشاذة، وممن صرح بهذا القول الإمام تاج الدين السبكي (٧٧١ هـ) والإمام جمال الدين الإسنوي (٧٧٢ هـ) الذي نص على أن القول بعدم الاحتجاج بالقراءة الشاذة قول مخالف لمذهب الشافعي، ولقول جمهور الصحابة، والشيخ زكريا الأنصاري (٩٢٥ هـ).
بينما ذهبت طائفة من كبار الشافعية إلى القول بعدم حجية القراءات الشاذة، وممن قال بذلك إمام الحرمين الجويني، وأبو حامد الغزالي، والآمدي، وجزم النووي بكون عدم الاحتجاج بالشاذ هو مذهب الشافعية عند شرحه لحديث عائشة ﵂ في الصلاة الوسطى، حيث قال: إن القراءة الشاذة لا يحتج بها (٢).
وأدلة من احتج من الشافعية:
١ - أن ذلك منقول عن النبي ﷺ ، ولا يلزم من انتفاء خصوص
стр. 562
قرآنيته انتفاء عموم خبريته.
٢ - أن هناك مواطن عدة احتج بها الشافعية بشواذ القراءات، من ذلك:
- قطع يمين السارق بقراءة «فاقطعوا أيمانهما».
- خمس رضعات معلومات تقتضي التحريم برواية عائشة ﵂: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ ، وهن فيما يقرأ من القرآن (١).
واستدل الحنابلة على الاحتجاج بالقراءة بالشاذ: بأنها كانت قرآنًا فهي حجة، وإن لم تكن قرآنًا فهي خبر.
* حجة القائلين بعدم حجية القراءات الشاذة:
وهم جمهور المالكية، وطائفة من الشافعية، وابن حزم الظاهري، واستدلوا بما يلي:
أن القرآن قاعدة الإسلام، وقطب الشريعة، وإليه رجوع جميع الأصول، ولا أمر في الدين أعظم منه، وكل ما يجل خطره ويعظم وقعه
стр. 563
ولا سيما في الأمور الدينية، فأصحاب الأديان يتناهون في نقله وحفظه، ولا يسوغ في اطراد الاعتياد رجوع الأمر فيه إلى نقل الآحاد، ما دامت الدواعي متوفرة، والنفوس إلى ضبط الدين مشوفة (١).
٢ - أن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعوا في زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ على ما بين الدفتين، واطرحوا ما عداه وكان ذلك عن اتفاق منهم (٢).
٣ - أن هذا الخبر إن لم يجعل قرآنًا احتمل كونه مذهبًا أو خبرًا، وما تردد بين المذهبية والخبرية فلا يجوز العمل به (٣).
والحاصل مما سبق: أن القراءة الشاذة ليست بحجة إلا أن تعضد بأدلة أخرى، كالإجماع على معناها مثل قراءة آية الكلالة «وله أخ أو أخت من أم»، أو بدليل من السنة كاحتجاج الشافعية على عدد الرضعات بحديث سالم مع أن أكثرهم لا يحتج بالقراءة الشاذة.
وكذلك الذين اعتبروا أن القراءة الشاذة حجة، احتجوا بها في مواضع، ولم يحتجوا بها في مواضع أخرى تبعًا لاعتبارات أخرى.
стр. 564
المطلب الرابع:
الحقيقة والمجاز في القرآن.
* المسألة الأولى: تعريف الحقيقة:
هي اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب (١).
قولهم (في اصطلاح التخاطب) قصدوا به إدخال الحقائق الشرعية، واللغوية، والعرفية؛ لأن العبرة بالوضع عند المتكلم باللفظ لا بالنسبة للسامع له.
* المسألة الثانية: أقسام الحقيقة:
تنقسم الحقيقة إلى أربعة أقسام:
الأول: الحقيقة اللغوية: وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له لغةً، نحو: الإنسان، الفرس، الحر، البرد، الأرض، السماء.
الثاني: الحقيقة العرفية العامة: وهي اللفظ الذي وضع لغة لمعنى، ولكن استعمله أهل العرف العام في غير هذا المعنى، وشاع عندهم
стр. 565
استعماله فيه، مثل لفظ (دابة)، فإنه وضع لغة لكل ما يدب على وجه الأرض من إنسان أو حيوان، ولكن استعمله أهل العرف فيما له حافز فقط، كالفرس، والبغل، والحمار، وهذا النوع موجود كذلك.
الثالث: الحقيقة العرفية الخاصة: وهي أن يستعمل اللفظ في معنى عرفي خاص، وفي اصطلاح جماعة معينة، كاستعمال الرفع والنصب والحال في معانيها المعروفة عند النحاة، واستعمال العرض، والجوهر عند المتكلمين.
الرابع: الحقيقة الشرعية: وهي ألفاظ استعملها الشارع في معانٍ قد لا يستعملها العرب لها لمناسبة بينها وبين المعاني اللغوية، مثل: الصلاة، والصوم.
* المسألة الثالثة: تعريف المجاز:
وهو قسمان:
١ - المجاز اللغوي: وهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب لعلاقة وقرينة. وهذا هو المجاز اللغوي ويسمى المفرد، وأنواعه كثيرة ذكرها الزركشي في البرهان، والسيوطي في الإتقان ومثل لكل نوع (١).