العامة فضله، إنما يعرف ذلك العلماء (١).
* الاحتجاج بالقراءة الشاذة عند الشافعية:
هذه المسألة محل خلاف بين فقهاء الشافعية، فقد ذهبت طائفة من متأخري الشافعية إلى القول بحجية القراءات الشاذة، وممن صرح بهذا القول الإمام تاج الدين السبكي (٧٧١ هـ) والإمام جمال الدين الإسنوي (٧٧٢ هـ) الذي نص على أن القول بعدم الاحتجاج بالقراءة الشاذة قول مخالف لمذهب الشافعي، ولقول جمهور الصحابة، والشيخ زكريا الأنصاري (٩٢٥ هـ).
بينما ذهبت طائفة من كبار الشافعية إلى القول بعدم حجية القراءات الشاذة، وممن قال بذلك إمام الحرمين الجويني، وأبو حامد الغزالي، والآمدي، وجزم النووي بكون عدم الاحتجاج بالشاذ هو مذهب الشافعية عند شرحه لحديث عائشة ﵂ في الصلاة الوسطى، حيث قال: إن القراءة الشاذة لا يحتج بها (٢).
وأدلة من احتج من الشافعية:
١ - أن ذلك منقول عن النبي ﷺ ، ولا يلزم من انتفاء خصوص
стр. 562
قرآنيته انتفاء عموم خبريته.
٢ - أن هناك مواطن عدة احتج بها الشافعية بشواذ القراءات، من ذلك:
- قطع يمين السارق بقراءة «فاقطعوا أيمانهما».
- خمس رضعات معلومات تقتضي التحريم برواية عائشة ﵂: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ ، وهن فيما يقرأ من القرآن (١).
واستدل الحنابلة على الاحتجاج بالقراءة بالشاذ: بأنها كانت قرآنًا فهي حجة، وإن لم تكن قرآنًا فهي خبر.
* حجة القائلين بعدم حجية القراءات الشاذة:
وهم جمهور المالكية، وطائفة من الشافعية، وابن حزم الظاهري، واستدلوا بما يلي:
أن القرآن قاعدة الإسلام، وقطب الشريعة، وإليه رجوع جميع الأصول، ولا أمر في الدين أعظم منه، وكل ما يجل خطره ويعظم وقعه
стр. 563
ولا سيما في الأمور الدينية، فأصحاب الأديان يتناهون في نقله وحفظه، ولا يسوغ في اطراد الاعتياد رجوع الأمر فيه إلى نقل الآحاد، ما دامت الدواعي متوفرة، والنفوس إلى ضبط الدين مشوفة (١).
٢ - أن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعوا في زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ على ما بين الدفتين، واطرحوا ما عداه وكان ذلك عن اتفاق منهم (٢).
٣ - أن هذا الخبر إن لم يجعل قرآنًا احتمل كونه مذهبًا أو خبرًا، وما تردد بين المذهبية والخبرية فلا يجوز العمل به (٣).
والحاصل مما سبق: أن القراءة الشاذة ليست بحجة إلا أن تعضد بأدلة أخرى، كالإجماع على معناها مثل قراءة آية الكلالة «وله أخ أو أخت من أم»، أو بدليل من السنة كاحتجاج الشافعية على عدد الرضعات بحديث سالم مع أن أكثرهم لا يحتج بالقراءة الشاذة.
وكذلك الذين اعتبروا أن القراءة الشاذة حجة، احتجوا بها في مواضع، ولم يحتجوا بها في مواضع أخرى تبعًا لاعتبارات أخرى.
стр. 564
المطلب الرابع:
الحقيقة والمجاز في القرآن.
* المسألة الأولى: تعريف الحقيقة:
هي اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب (١).
قولهم (في اصطلاح التخاطب) قصدوا به إدخال الحقائق الشرعية، واللغوية، والعرفية؛ لأن العبرة بالوضع عند المتكلم باللفظ لا بالنسبة للسامع له.
* المسألة الثانية: أقسام الحقيقة:
تنقسم الحقيقة إلى أربعة أقسام:
الأول: الحقيقة اللغوية: وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له لغةً، نحو: الإنسان، الفرس، الحر، البرد، الأرض، السماء.
الثاني: الحقيقة العرفية العامة: وهي اللفظ الذي وضع لغة لمعنى، ولكن استعمله أهل العرف العام في غير هذا المعنى، وشاع عندهم
стр. 565
استعماله فيه، مثل لفظ (دابة)، فإنه وضع لغة لكل ما يدب على وجه الأرض من إنسان أو حيوان، ولكن استعمله أهل العرف فيما له حافز فقط، كالفرس، والبغل، والحمار، وهذا النوع موجود كذلك.
الثالث: الحقيقة العرفية الخاصة: وهي أن يستعمل اللفظ في معنى عرفي خاص، وفي اصطلاح جماعة معينة، كاستعمال الرفع والنصب والحال في معانيها المعروفة عند النحاة، واستعمال العرض، والجوهر عند المتكلمين.
الرابع: الحقيقة الشرعية: وهي ألفاظ استعملها الشارع في معانٍ قد لا يستعملها العرب لها لمناسبة بينها وبين المعاني اللغوية، مثل: الصلاة، والصوم.
* المسألة الثالثة: تعريف المجاز:
وهو قسمان:
١ - المجاز اللغوي: وهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب لعلاقة وقرينة. وهذا هو المجاز اللغوي ويسمى المفرد، وأنواعه كثيرة ذكرها الزركشي في البرهان، والسيوطي في الإتقان ومثل لكل نوع (١).
стр. 566
٢ - المجاز المركب أو العقلي: وهو ما كان قائمًا على الإسناد، وهو إسناد الفعل، أو ما يقوم مقامه إلى غير ما هو له لملابسته له.
مثل قول الشاعر الصلتان العبدي:
أشاب الصغير وأفنى الكبير … كر الغداة ومر العشي
وقول المؤمن: أنبت الربيع البقل.
وقول جرير:
إذا سقط السماء بأرض قوم … رعيناه وإن كانوا غضابا
و لكن هذا استعارة، وعدها ابن قتيبة من المجاز لتوسعه في باب المجاز.
* المسألة الرابعة: أقوال العلماء في المجاز:
أ - قال فريق من العلماء بالمجاز مطلقًا، وقال الإمام الشوكانى، وهم الجمهور.
ب - وقال بعض العلماء بمنع المجاز فى القرآن وإثباته فى اللغة منهم ابن خويز من المالكية، وابن القاص من الشافعية، وداود بن على، وابنه من الظاهرية.
ج - وقال بعض العلماء بالمنع مطلقًا من القرآن واللغة، ومنهم أبو
стр. 567
إسحاق الاسفرايينى، وأبو على الفارسى (١)، وقال به ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ الشنقيطى، وغيرهم.
وذكر بعض العلماء أن هذا التقسيم فى أصله تقسيم غير صحيح.
قال ابن تيمية (هذا التقسيم إلى حقيقة ومجاز لا حقيقة له، وليس لمن فرق بينهما حد صحيح يميز به بين هذا وهذا، فعلم أن هذا التقسيم باطل، وهو تقسيم من لم يتصور ما يقول بل يتكلم بلا علم) أه (٢).
قال ابن القيم فنقول: تقسيمكم الألفاظ ومعانيها واستعمالها فيها إلى حقيقةٍ ومجازٍ، إما أن يكون عقليًّا أو شرعيًّا، أو لغويًّا أو اصطلاحيًّا، والأقسام الثلاثة الأول باطلةٌ، فإن العقل لا مدخل له في دلالة اللفظ وتخصيصه بالمعنى المدلول عليه حقيقةً كان أو مجازًا، فإن دلالة اللفظ على معناه ليست كدلالة الانكسار على الكسر والانفعال على الفعل، لو كانت عقليةً لما اختلفت باختلاف الأمم، ولما جهل أحدٌ معنى لفظٍ، والشرع لم يرد بهذا التقسيم ولا دل عليه، ولا أشار إليه، وأهل اللغة لم يصرح أحدٌ منهم بأن العرب قسمت لغاتها إلى حقيقةٍ ومجازٍ، ولا قال أحدٌ من العرب قط: هذا اللفظ حقيقةٌ وهذا مجازٌ، ولا
стр. 568
وجد فى كلام من نقل لغتهم عنهم مشافهةً ولا بواسطة ذلك، ولهذا لا يوجد في كلام الخليل وسيبويه والفراء وأبي عمرو بن العلاء والأصمعي وأمثالهم، كما لم يوجد ذلك في كلام رجلٍ واحدٍ من الصحابة ولا من التابعين ولا تابع التابعين، ولا فى كلام أحدٍ من الأئمة الأربعة.
وهذا الشافعي وكثرة مصنفاته ومباحثه مع محمد بن الحسن وغيره لا يوجد فيها ذكر المجاز البتة، وهذه رسالته التي هي كأصول الفقه لم ينطق فيها بالمجاز في موضعٍ واحدٍ، وكلام الأئمة مدوَّنٌ بحروفه لم يحفظ عن أحدٍ منهم تقسيم اللغة إلى حقيقةٍ ومجازٍ، بل أول من عرف عنه في الإسلام أنه نطق بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى، فإنه صنف في تفسير القرآن كتابًا مختصرًا سماه "مجاز القرآن"، وليس مراده به قسيم الحقيقة، فإنه تفسيرٌ لألفاظه بما هي موضوعةٌ له، وإنما عنى بالمجاز ما يعبر به من اللفظ ويفسر به، كما سمى غيره كتابه معاني القرآن، أي: ما يعنى بألفاظه ويراد بها، كما يسمي ابن جريرٍ الطبري وغيره ذلك تأويلًا، وقد وقع في كلام أحمد شيءٌ من ذلك، فإنه قال في «الرد على الجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن» وأما قوله: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة: ١٢] فهذا من مجاز اللغة، يقول الرجل للرجل: سيجري عليك رزقك، أنا مشتغلٌ به، وفي نسخةٍ، وأما قوله: ﴿إِنَّنِي
стр. 569
مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦] فهو جائزٌ في اللغة، يقول الرجل للرجل: سأجري عليك رزقك، وسأفعل بك خيرًا.
قلت: مراد أحمد أن هذا الاستعمال مما يجوز في اللغة، أي هو من جائز اللغة لا من ممتنعاتها، ولم يرد بالمجاز أنه ليس بحقيقةٍ وأنه يصح نفيه، وهذا كما قال أبو عبيدة في تفسيره إنه مجاز القرآن، ومراد أحمد أنه يجوز في اللغة أن يقول الواحد المعظم نفسه، نحن فعلنا كذا، فهو مما يجوز في اللغة، ولم يرد أن في القرآن ألفاظًا استعملت في غير ما وضعت له، وأنها يفهم منها خلاف حقائقها، وقد تمسك بكلام أحمد هذا من ينسب إلى مذهبه أن في القرآن مجازًا كالقاضي أبي يعلى وابن عقيلٍ وابن الخطاب وغيرهم، ومنع آخرون من أصحابه ذلك، كأبي عبد الله بن حامدٍ، وأبي الحسن الجزري وأبي الفضل التميمي.
وكذلك أصحاب مالكٍ مختلفون، فكثيرٌ من متأخريهم يثبت في القرآن مجازًا، وأما المتقدمون كابن وهبٍ وأشهب وابن القاسم فلا يعرف عنهم في ذلك لفظةٌ واحدةٌ.
وقد صرح بنفي المجاز في القرآن محمد بن خويزمنداد البصري المالكي وغيره من المالكية، وصرح بنفيه داود بن عليٍ الأصبهاني وابنه أبو بكرٍ، ومنذر بن سعيدٍ البلوطي، وصنف في نفيه مصنفًا، وبعض الناس يحكي في ذلك عن أحمد روايتين.
стр. 570
وقد أنكرت طائفةٌ أن يكون في اللغة مجازٌ بالكلية، كأبي إسحاق الاسفراييني وغيره، وقوله له غورٌ لم يفهمه كثيرٌ من المتأخرين، وظنوا أن النزاع لفظيٌ، وسنذكر أن مذهبه أسد وأصح عقلًا ولغةً من مذهب أصحاب المجاز، وطائفةٌ أخرى غلت في ذلك الجانب وادَّعت أن أكثر اللغة مجازٌ، بل كلها، وهؤلاء أقبح قولًا وأبعد عن الصواب من قول من نفى المجاز بالكلية، بل من نفاه أسعد بالصواب (١).
قال ابن تيمية «وتقسيم اللغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مُبْتَدَع مُحْدَث لم ينطق به السلف» (٢).
قال ابن القيم: إذا علم أن تقسيم الألفاظ إلى حقيقةٍ ومجازٍ ليس تقسيمًا شرعيًّا ولا عقليًّا ولا لغويًّا فهو اصطلاحٌ محضٌ، وهو اصطلاحٌ حدث بعد القرون الثلاثة المفضلة بالنص، وكان منشؤه من جهة المعتزلة والجهمية ومن سلك طريقهم من المتكلمين (٣).
والقول بالمجاز فى القرآن من الخطورة بمكان حيث إن أهل المجاز بإجماعهم يقولون: إن كل مجاز يجوز نفيه كقولك رأيت أسدًا وتقصد رجلًا شجاعًا فيجوز أن تقول ما رأيت أسدًا، ولكن رجل شجاع، وهذا
стр. 571
يسرى على القرآن (على حد قولهم)، فلو قلنا بالمجاز فيه لقلنا إنه يجوز نفي أشياء فى القرآن أثبتها الله.
فبما أن كل مجاز يجوز نفيه، وأن القرآن لا يجوز نفي شاء فيه ينتج أنه لا شيء من القرآن مجاز.
قال الشنقيطي: فإنا لما رأينا جل أهل هذا الزمان يقولون بجواز المجاز في القرآن، ولم ينتبهوا لأن هذا المنزل للتعبد والإعجاز كله حقائق وليس فيه مجاز، وأن القول فيه بالمجاز ذريعة لنفي كثير من صفات الكمال والجلال، وأن نفي ما ثبت في كتاب أو سنة لاشك في أنه محال أردنا أن نبين في هذه الرسالة ما يفهم منه الحاذق الذائق أن القرآن كله حقائق، وكيف يمكن أن يكون شيء منه غير حقيقة، وكل كلمة منه بغاية الكمال جديرة حقيقة؟! (١).
وقال: فإن قالوا: هذا الذي نسميه مجازًا وتسمونه أسلوبًا آخر من أساليب اللغة يجوز نفيه على قولكم، كما جاز نفيه على قولنا. فيلزم المحذور قولكم كما لزم قولنا.
فالجواب: أنه على قولنا بكونه حقيقة لا يجوز نفيه. فإن قولنا: رأيت أسدًا يرمي -مثلًا- لا نسلم جواز نفيه؛ لأن هذا الأسد المقيد
стр. 572
بكونه يرمي ليس حقيقة الحيوان المفترس حتى تقولوا: هو ليس بأسد. فلو قلتم: هو ليس بأسد. قلنا: نحن ما زعمنا أنه حقيقة الأسد المتبادر عند الإطلاق حتى تكذبونا، وإنما قلنا بأنه أسد يرمي، وهو كذلك هو أسد يرمي (١).
قال ابن القيم ﵀:
الوجه السادس عشر: أن يقال: ما تعنون بصحة النفي، نفي المسمى عند الإطلاق، أم المسمى عند التقييد، أم القدر المشترك، أم أمرًا رابعًا؟ فإن أردتم الأول كان حاصله أن اللفظ له دلالتان، دلالة عند الإطلاق، ودلالة عند التقييد؛ بل المقيد مستعمل في موضوعه، وكل منهما منفي عن الآخر. وإن أردتم الثاني لم يصح نفيه فإن المفهوم منه هو المعنى المقيد فكيف يصح نفيه؟ وإن أردتم القدر المشترك بين ما سميتموه حقيقة ومجازًا لم يصح نفيه أيضًا. وإن أردتم أمرًا رابعًا فبينوه لنا لنحكم عليه بصحة النفي، أو عدمها. وهذا ظاهر جدًا لا جواب عنه كما ترى (٢).
стр. 573
* بعض المسائل التى ادعى فيها المجاز ومناقشتها:
المسألة الأولى: قال تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧]، قالوا: الإرادة هى الميل القلبى، وهل للجدار قلب حتى يكون له إرادة؟ فدل على أن الإرادة هنا مجاز.
والإشكال يكون إما بتوسعة أبواب ضيقة أو بتضييق أبواب واسعة، فهم عرَّفوا الإرادة بالميل القلبى وهذا فى حق الإنسان فضيقوا بابًا واسعًا.
قال الشيخ الشنقيطى: أن قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] لا مانع من حمله على حقيقة الإرادة المعروفة في اللغة، لأن الله يعلم للجمادات ما لا نعلمه لها كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] الآية.
وقد ثبت في "صحيح البخاري" حنين الجذع الذي كان يخطب عليه ﷺ .
وثبت في "صحيح مسلم" أنه ﷺ قال: «إني أعرف حجرًا كان يسلم عليَّ في مكة».
وأمثال هذا كثيرةٌ جدًّا، فلا مانع من أن يعلم الله من ذلك الجدار إرادة الانقضاض.
стр. 574
ويجاب عن هذه الآية -أيضًا- بما قدمنا من أنه لا مانع من كون العرب تستعمل الإرادة عند الإطلاق في معناها المشهور، وتستعملها في الميل عند دلالة القرينة على ذلك. وكلا الاستعمالين حقيقةٌ في محله. وكثيرًا ما تستعمل العرب الإرداة في مشارفة الأمر، أي قرب وقوعه كقرب الجدار من الانقضاض سمي إرادة.
وكقول الراعي:
في مهمهٍ قلقت بها هاماتها … قلق الفؤوس إذا أردن نضولًا
يعني بقوله: "أردن": تحركن مشرفاتٍ على النضول وهو السقوط.
وكقول الآخر:
يريد الرمح صدر أبي براء … ويعدل عن دماء بني عقيل
فقوله: "يريد الرمح صدر أبي براءٍ"، أي: يميل إليه، وأمثال هذا كثيرةٌ في اللغة العربية (١).
قال ابن تيمية: لفظ الإرادة قد استعمل فى الميل الذى يكون معه شعور وهو ميل الحى، وفى الميل الذى لا شعور له وهو ميل الجماد،
стр. 575
وهو مشهور فى اللغة يقال هذه الأرض تريد أن تُحرَث (١).
المسألة الثانية: قال تعالى ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، فقالوا ليس للذل جناح إذًا إطلاق الجناح وإضافته للذل هذا مجاز.
قال الشنقيطى: الجناح هنا مستعمل في حقيقته؛ لأن الجناح يطلق لغة حقيقة على يد الإنسان وعضده وإبطه، قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ [القصص: ٣٢].
والخفض مستعمل في معناه الحقيقي الذي هو ضد الرفع؛ لأن مريد البطش يرفع جناحيه، ومظهر الذل والتواضع يخفض جناحيه، فالأمر بخفض الجناح للوالدين كناية عن لين الجانب لهما، والتواضع لهما، كما قال لنبيه ﷺ : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ [الشعراء: ٢١٥].
وإطلاق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع ولين الجانب أسلوب معروف، ومنه قول الشاعر:
وأنت الشهير بخفض الجناح … فلا تك في رفعه أجدلا
وأما إضافة الجناح إلى الذل فلا تستلزم المجاز كما يظنه كثير؛ لأن
стр. 576
الإضافة فيه كالإضافة في قولك حاتم الجود، فيكون المعنى: واخفض لهما الجناح الذليل من الرحمة، أو الذلول على قراءة الذل بالكسر.
وما يذكر عن أبي تمام من أنه لما قال:
لا تسقني ماء الملام فإنني … صبٌّ قد استعذبت ماء بكائي
جاءه رجل فقال له: صب لي في هذا الإناء شيئًا من ماء الملام، فقال له: إن أتيتني بريشةٍ من جناح الذل صببت لك شيئًا من ماء الملام، فلا حجة فيه؛ لأن الآية لا يراد بها أن للذل جناحًا، وإنما يراد بها خفض الجناح المتصف بالذل للوالدين من الرحمة بهما، وغاية ما في ذلك إضافة الموصوف إلى صفته كحاتم الجود. ونظيره في القرآن الإضافة في قوله: ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠]، و ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] يعني مطر حجارة السجيل الموصوف بسوء من وقع عليه. وعذاب أهل النار الموصوف بسوء من وقع عليه، والمسوغ لإضافة خصوص الجناح إلى الذل مع أن الذل من صفة الإنسان لا من صفة خصوص الجناح: أن خفض الجناح كني به عن ذل الإنسان وتواضعه، ولين جانبه لوالديه رحمة بهما، وإسناد صفات الذات لبعض أجزائها من أساليب اللغة العربية كإسناد الكذب والخطيئة إلى الناصية في قوله: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ [العلق: ١٦].
وكإسناد الخشوع والعمل والنصب إلى الوجوه في قوله: ﴿وُجُوهٌ
стр. 577
يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ [الغاشية: ٢ - ٣].
وأمثال ذلك كثير في القرآن، وفي كلام العرب، وهذا هو الظاهر في معنى الآية، ويدل له كلام السلف من المفسرين (١).
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل: ١١٢].
قالوا المجاز فى أمرين هما أن الجوع والخوف ليسا لباسًا، وأن الجوع والخوف لا يذاقان، فقالوا الذوق هو وجود طعم الشيء فى الفم، واللباس هو ما يلبس على البدن.
قال ابن تيمية: فمن الناس من يقول الذوق حقيقة فى ذوق الفم، واللباس ما يلبس على البدن وليس كذلك، قال الخليل: الذوق فى اللغة هو وجود طعم الشيء، والاستعمال يدل على ذلك قال تعالى ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]، فلفظ الذوق يستعمل فى كل ما يحس به، ويجد ألمه ولذته (٢).
стр. 578
قال ﷺ «حتى تذوقى عسيلته» (١)، وليس ذلك بالفم.
وقال (ابن تيمية) ولفظ اللباس يستعمل فى كل ما يغشى الإنسان ويلتبس به قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾ [النبأ: ١٠]، وقال: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٢).
стр. 579
المطلب الخامس:
المحكم والمتشابه
المحكم: اسم مفعول من أحكم الأمر أي أتقنه، والحكيم المتقن للأمور.
وحكم الرجل يحكم حكمًا: إذا بلغ النهاية في معناه مدحًا لازمًا. وأحكمت الشيء فاستحكم: صار محكمًا، واحتكم الأمر واستحكم: وثق.
وحكم الشيء وأحكمه: كلاهما: منعه من الفساد (١).
والمتشابه: من الشبه، والشبيه: المثل. والجمع أشباه، وأشبه الشيء الشيء: ماثله.
والمشتبهات من الأمور: المشكلات، والمتشابهات: المتماثلات، ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، أي
стр. 580
يشبه بعضه بعضًا في الجودة والحسن (١).
قال الواحدي: واعلم أن القرآن كله محكم من وجه على معنى أنه حق ثابت، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، ومتشابه من وجه وهو أنه يشبه بعضه بعضًا في الحسن، ويصدق بعضه بعضًا، وهو قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] (٢).
قال الشنقيطي ﵀: اعلم أن بعض الآيات دل على كون القرآن كله محكمًا، كقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] الآية، وغيرها من الآيات، وبعضها دل على كونه كله متشابهًا، وهو قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] الآية، وبعضها دل على أن منه محكمًا ومنه متشابهًا، وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] ولا معارضة بين الآيات؛ لأن معنى كونه كله محكمًا هو اتصاف جميعه بالإحكام الذي هو الإتقان، لأن جميعه في غاية الإتقان في ألفاظه ومعانيه، أحكامه عدل وأخباره صدق، وهو في غاية الفصاحة والإعجاز والسلامة من جميع العيوب، ومعنى كونه كله متشابهًا أن آياته يشبه بعضها بعضًا في
стр. 581
الإعجاز والصدق والعدل والسلامة من جميع العيوب (١).
قلت: هذا باعتبار أن القرآن كله محكم كالآيات التي وصفته بذلك، أو أن كله متشابه كما وصفته آيات أخرى.
أما تقسيم القرآن آيات محكمات وأخر متشابهات، كما في آية آل عمران؛ فهذا يفيد التغاير في المعنى، وعلى ذلك اختلفوا في تفسير المحكم والمتشابه.
قال الماوردي في تفسيره: اختلف المفسرون في تأويله على سبعة أقاويل:
أحدها: أن المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ. قاله ابن عباس، وابن مسعود.
والثاني: أن المحكم ما أحكم الله بيان حلاله وحرامه فلم تشتبه معانيه. قاله مجاهد.
والثالث: أن المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهًا واحدًا، والمتشابه ما احتمل أوجهًا. قاله الشافعي، ومحمد بن جعفر بن الزبير.
والرابع: أن المحكم الذي لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه الذي
стр. 582
تكررت ألفاظه. قاله ابن زيد.
والخامس: أن المحكم الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه القصص والأمثال.
والسادس: أن المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج عيسى ونحوه، وهذا قول جابر بن عبد الله.
والسابع: أن المحكم ما قام بنفسه ولم يحتج إلى استدلال.
ويحتمل ثامنًا: أن المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة، والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة، كأعداد الصلوات، واختصاص الصيام بشهر رمضان دون شعبان. وإنما جعله محكمًا ومتشابهًا استدعاء للنظر من غير اتكال على الخبر (١).
وقال الشوكاني في تعريف المحكم والمتشابه: فقيل المحكم ما له دلالة واضحة، والمتشابه ما له دلالة غير واضحة، فيدخل في المتشابه المجمل والمشترك (٢).
стр. 583
قلت: لكنه على هذا المعنى لا يذم من يبحث عن تفسيره، والمراد منه من الآيات الأخرى أو من الأدلة الأخرى.
وبناء على هذا الاختلاف: اختلفوا في نوع الواو في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].
- فمن فسر المتشابه بأنه مما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة وطلوع الشمس من مغربها، أو ما كان من الأحكام تعبديًّا محضًا؛ قال: إن الواو استئنافية، والراسخون مبتدأ خبره جملة «يقولون آمنا به»، والوقف تام على قوله: «إلا الله»، ويكون التأويل هنا هو حقيقة ما يؤول إليه الشيء في المستقبل، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] الآية.
- ومن فسر المتشابه بما يعلمه الراسخون في العلم دون غيرهم، كالأحكام التي تحتاج إلى نظر واستدلال، وما كان من الآيات ما يحتمل أوجهًا أو الآيات التي ظاهرها التعارض؛ فإنه قال: إن الواو عاطفة وقال بذلك ابن عباس. وروى ابن أبي نجيح عن ابن عباس أنه قال: أنا ممن يعلم تأويله (١).
стр. 584
قال ابن جزى: وكلا القولين مرويٌ عن ابن عباس، والقول الأول قول أبي بكر الصديق وعائشة، وعروة بن الزبير، وهو أرجح.
وقال ابن عطية: المتشابه نوعان؛ نوع انفرد الله بعلمه، ونوع يمكن وصول الخلق إليه. فيكون الراسخون ابتداءً بالنظر إلى الأول، وعطفًا بالنظر إلى الثاني (١).
وصف الله الآيات المحكمات بأنهن أم الكتاب.
قال الماوردي فيه وجهان:
أحدها: أصل الكتاب.
والثاني: معلوم الكتاب، وفيه تأويلان:
أحدهما: أنه أراد الآي التي فيها الفرائض والحدود.
والثاني: أنه أراد فواتح السور التي يستخرج منها القرآن.
ويحتمل ثالثًا: أن يريد به أنه معقول المعاني؛ لأنه يتفرع عنه ما شاركه في معناه، كالأم لحدوثها عنه، فلذلك سماه أم الكتاب (٢).
стр. 585
وقال ابن جزى: «هن أم الكتاب» أي عمدة ما فيه ومعظمه (١).
وقال الألوسي: أي أصله والعمدة فيه يرد إليها غيرها، والعرب تسمي كل جامع يكون مرجعًا أمًّا (٢).
لذلك سميت الفاتحة أم الكتاب؛ لأنها جمعت مقاصد القرآن.
ومن ذلك تعلم أن معظم آيات القرآن من قبيل المحكم الواضح المعنى، إما بنفسه، وإما بانضمام آيات أخرى إليه.
* حكم العمل بالمحكم والمتشابه:
حكم العمل بالمحكم: وجوب العمل به.
وأما المتشابه فعلى اختلاف معناه يكون حكم العمل به:
- فإن قلنا: إنه المنسوخ، فلا يعمل به.
- وإن قلنا: إنه ما اشتبه بين الحلال والحرام، فالأولى تركه؛ لقوله ﷺ : «الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه … » الحديث (٣).
стр. 586
وإن قلنا: إن المتشابه ما احتمل أوجهًا كالمشترك، فلا بد من الاجتهاد لتعيين المراد إن لم يمكن الجمع بين هذه الأوجه.
وعندئذ يطلب الترجيح من الآيات المحكمات، أو الأدلة الأخرى كالسنة واللغة، وهذا معنى رد المتشابه إلى المحكم.
وقد تختلف أنظار العلماء في تعيين المراد ليبقى الاجتهاد، مثال: المراد ب «القرء» فهذا من المشترك اللفظي، فيطلق على الطهر ويطلق على الحيض، فعلى الأول مالك والشافعي، وعلى الثاني أبو حنيفة وأحمد.
فمن قال: المراد به في العدة الأطهار؛ استدل بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]: أي في زمان عدتهن.
ومعلوم أن الطلاق يكون في الطهر، لا في الحيض بالإجماع.
واستدلوا بحديث ابن عمر في تطليقه امرأته وهي حائض (١).
стр. 587
المطلب السادس:
دلالة القرآن على الأحكام.
* أولًا: من حيث القطعي والظني:
لا شك أن القرآن كله بقراءاته المتواترة قطعي الثبوت لوصوله إلينا بطريق التواتر المفيد للعلم اليقيني بصحة المنقول، وذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، إلا أن دلالته على الأحكام قد تكون قطعية، وقد تكون ظنية.
أولًا: تكون الدلالة قطعية إذا كان اللفظ لا يحتمل إلا معنى واحدًا فقط، أو يحتمل تأويلًا لكن وقع الإجماع على معنى من المعاني.
فالأول: كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ
стр. 588
يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، وكقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
فالنصف والربع والمائة كلها قطعية الدلالة على مدلولها، ولا يحتمل أي واحد منها إلا معنى واحد فقط هو المذكور في الآية.
ومثال الثاني قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، فالأخ والأخت هنا يحتمل كونهما شقيقين أو لأب أو لأم، لكن وقع الإجماع على أن المراد بهما هنا الأخ والأخت لأم.
فانتقل النص من الظني إلى القطعي.
ثانيًا: تكون الدلالة ظنية: إذا كان اللفظ يحتمل أكثر من معنى، فتكون دلالة اللفظ على الحكم دلالة ظنية، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
فلفظ «قروء» يحتمل أن يراد به الأطهار كما قال الشافعي وغيره، ويحتمل أن يراد به الحيضات كما قال أبو حنيفة ومن معه.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾
стр. 589
[المائدة: ٣٨]، فاليد لفظ مشترك لليمنى واليسرى، وتحتمل كلًّا منهما، كما يحتمل أن يراد منها الأصابع إلى الرسغ أو إلى المرفق أو إلى الإبط، فجاءت السنة وبينت ذلك؛ فهذا النص الذي يدل على عدة معانٍ، أو يحتمل أكثر من معنى تكون دلالته على المعنى ظنية.
وهنا سؤال وهو: لماذا لم تأت آيات القرآن كلها قطعية الدلالة، ويرتفع النزاع والاختلاف بين العلماء؟
والجواب عن ذلك:
١ - قال الإمام الغزالي ﵀: ولو شاء الله لجاءت الشريعة قواطع، ولكن جاءت كما ترى ليتفاوت الناس في مراتبهم حين يؤمرون أن يشدوا الرحال إلى اتباع النبي ﷺ .
٢ - فتح باب الاجتهاد أمام العلماء، وفتح باب التنافس للوصول إلى المراد، فمن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.
قال ابن قتيبة في باب المتشابه: وأما قولهم: ماذا أراد بإنزال المتشابه من أراد بالقرآن لعباده الهدى والتبيان؟
فالجواب عنه: أن القرآن نزل بألفاظ العرب ومعانيها ومذاهبها في الإيجاز والاختصار، والإطالة والتوكيد، والإشارة إلى الشيء،
стр. 590
وإغماض بعض المعاني، حتى لا يظهر عليه إلا اللقن، وإظهار بعضها وضرب الأمثال لما خفي، لو كان القرآن كله ظاهرًا مكشوفًا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل؛ لبطل التفاضل بين الناس وسقطت المحنة وماتت الخواطر، ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة، وقالوا: عيب الغنى أنه يورث البله، وفضيلة الفقر أنه يبعث الحيلة (١).
ومعنى اللقن: مصدر لقن الشيء يلقنه لقنًا وتلقينًا، والتلقين كالتفهيم، وغلام لقين: سريع الفهم. والمعنى: أي لا يطلع على معاني القرآن وما فيه من أسرار إلا من أوتي فهمًا سليمًا وذهنًا صافيًا.
٣ - التوسعة على الأمة بتنوع المذاهب الفقهية المبنية على الاجتهاد الصحيح، وفي هذا تيسير على الناس بخلاف حمل الناس على مذهب واحد قد لا يناسب الجميع.
٤ - بيان فضل وأهمية السنة، وأنها مبينة للكتاب شارحة له مفصلة لمجملاته؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل: ٦٤].
стр. 591
* ثانيًا: من حيث الإجمال والبيان:
١ - أحكام القرآن منها ما هو مفصل ومبين كآيات المواريث، وعدد الجلدات في الزنا والقذف، وكيفية اللعان بين الزوجين، وغير ذلك.
٢ - ومنها ما جاء مجملًا، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فبين النبي ﷺ كيفية الصلاة بقوله وفعله، وبين مواقيتها وعدد ركعاتها إلى غير ذلك. وبين شروط وجوب الزكاة والأصناف الزكوية، ومقدار الأنصبة والقدر الواجب فيها إلى غير ذلك.
- ومنها الربا، فقد جاء النهي عنه مجملًا في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ [البقرة: ٢٧٨].
لكن ما هي الأصناف الربوية وكيف تباع؟ بين النبي ﷺ ذلك بسنته الشريفة.
* ثالثًا: من حيث العموم والخصوص:
العام: هو اللفظ المستغرق لجميع أفراده دفعة واحدة بلا حصر، وله صيغ متعددة:
١ - قد يأتي الخطاب القرآني عامًّا يراد به العموم، كقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، ف «أولات» جمع مضاف يراد به العموم، وهو باق على عمومه.
стр. 592
٢ - وقد يأتي عامًّا لكنه خص بأحد المخصصات، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ف «المطلقات» جمع معرف ب «ال» يفيد العموم، لكنه مخصوص بالحامل فعدتها وضع الحمل، ومخصوص بالأمة فعدتها حيضتان.
٣ - وقد يأتي الخطاب عامًّا ولكنه يراد به الخصوص، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، فكلمة «الناس» عام أريد به الخصوص، فليس المراد كل الناس قطعًا.
٤ - وقد يأتي الخطاب خاصًّا لكن يراد به العموم، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فلفظ «أف» خاص لكنه يستفاد منه العموم في جميع أنواع الإيذاء، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.
* رابعًا: بيان القرآن للأحكام من حيث الإفراد والتركيب:
قد يستفاد الحكم من نص واحد، وقد يستفاد الحكم من عدة نصوص تعمل معًا.
فمثال ما يستفاد من نص واحد كميراث الزوجين في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] الآية، فهذا نص
стр. 593
واحد مشتمل على الحكم وعلى شروطه، فلم يحتج إلى نص آخر يبينه.
ومثال ما يستفاد من عدة نصوص: أقل مدة للحمل، استفيد ذلك من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥]، فمجموع الحمل والرضاع ثلاثون شهرًا، مع قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، فاستفيد من ذلك أن أقل مدة للحمل ستة أشهر.
* خامسًا: بيان القرآن للأحكام من حيث المنطوق والمفهوم:
قد تدل الآية على الحكم بمنطوقها، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، دلت هذه الآية بعبارتها -أي بنفس ألفاظها- على حرمة قتل النفس، وقد تدل الآية على الحكم بمفهوم اللفظ وليس بمنطوقه.
- والمفهوم قد يكون مفهوم موافقة - أي أن المسكوت عنه له حكم المنطوق-، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، فهذه الآية أفادت بعبارتها ولفظها تحريم أكل أموال اليتامى ظلمًا، ويفهم
стр. 594
منها بمفهوم الموافقة -أو ما يسمى فحوى الخطاب أو دلالة النص- تحريم إحراقها أو تبديدها أو إتلافها بأي نوع من أنواع الإتلاف.
- وقد يكون مفهوم مخالفة - أي أن المسكوت عنه له عكس حكم المنطوق، وقد يسمى أيضًا دليل الخطاب-، وأنواعه كثيرة منها: مفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد، ومفهوم اللقب، وغيرها، والاستدلال به قال به الجمهور خلافًا للحنفية، وللجمهور شروط في العمل بمفهوم المخالفة تأتي في بابها - إن شاء الله -.
ومن أمثلة مفهوم المخالفة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فدلت الآية على إباحة نكاح الإماء المؤمنات عند العجز عن نكاح الحرائر، ودلت بمفهومها على النهي عن نكاح الإماء غير المؤمنات.
* سادسًا: دلالة القرآن على الأحكام بالإشارة والإيماء:
دلالة الإشارة: دلالة اللفظ على معنى ليس مقصودًا باللفظ في الأصل، ولكنه لازم للمقصود فكأنه مقصود بالتبع لا بالأصل، كقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فالآية تدل بالإشارة إلى صحة صوم من أصبح جنبًا؛ لأن إباحة الجماع في الجزء الأخير من الليل -الذي ليس بعده ما يتسع للاغتسال من
стр. 595
الليل- يلزمه إصباحه جنبًا (١).
ودلالة الإيماء: أن يذكر وصف مقترن بحكم في نص من نصوص الشرع، على وجه لو لم يكن ذلك الوصف علة لذلك الحكم، لكان الكلام معيبًا. كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، فعلة النهي أن الله مختبرك وسائلك عن هذه الجوارح.
وكقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، أي لعلة سرقتهما.
стр. 596
الفصل الثاني: السنة النبوية
стр. 597
السنة النبوية
* تعريف السنة:
لغة: هي الطريقة المسلوكة، وأصلها من قولهم: سننت الشيء بالمسن إذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه سنًّا، أي طريقًا.
وقال الكسائي: معناها الدوام، فقولنا: معناها الأمر بالإدامة من قولهم: سننت الماء إذا واليت في صبه.
قال الخطابي: أصلها الطريقة المحمودة، فإذا أطلقت انصرفت إليها، وقد تستعمل في غيرها مقيدة كقوله: «من سن سنةً سيئةً» (١).
وقيل: هي الطريقة المعتادة سواء كانت حسنة أو سيئة، كما في الحديث الصحيح: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» (٢).
стр. 598
وأما معناها شرعًا: تطلق على ما صدر عن الرسول من الأدلة الشرعية، مما ليس بمتلو ولا هو معجز ولا داخل في المعجز. ويدخل في ذلك أقوال النبي ﵇ وأفعاله وتقاريره (١).
أو: ما نقل عن رسول الله ﷺ قولًا أو فعلًا أو إقرارًا.
فالقول: كقوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢).
والفعل كما شوهد منه من الأفعال في الصلاة والحج، كرفع يديه عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع والرفع منه، وكسعيه بين الصفا والمروة.
والإقرار: كسائر ما رأى الصحابة يقولونه أو يفعلونه فلا ينهاهم، وذلك كقول أنس ﵁: كانوا إذا أذن المؤذن يعني المغرب ابتدروا السواري يصلون ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت، لكثرة من يصليها. قيل له: أكان رسول الله ﷺ يصليهما؟ قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا (٣).
стр. 599
وكاحتجاج ابن عباس على إباحة الضب بأنه أُكِل على مائدة رسول الله ﷺ ، ولو كان حرامًا لنهى عنه (١)(٢).
وكتبسمه من قيافة مجزز المدلجى حين رأى زيدًا وأسامة نائمين قد بدت أقدامهما من قطيفة فقال: «إن هذه الأقدام بعضها من بعض» (٣).
قال الطوفي: شرط كون إقراره حجة، بل شرط كون تركه الإنكار إقرارًا؛ علمه بالفعل، وقدرته على الإنكار، لأنه بدون العلم لا يوصف بأنه مقر أو منكر، ومع العجز لا يدل على أنه مقر، كحاله مع الكفار في مكة قبل ظهور كلمته (٤).
قلت: وكذلك من شرطه عدم ظهور الغضب منه ﷺ لفعل أو قول، وكذلك عدم إبداء سبب الإنكار كتركه إعادة بناء البيت خشية افتتان قريش وهم حديثو عهد بالإسلام (٥).
стр. 600
* حجية السنة وأنها مصدر من مصادر التشريع:
والمراد هنا إثبات حجية السنة، والرد على منكري حجية السنة، أو القائلين بعرض السنة على القرآن محتجين بما رُوِي أن النبي ﷺ قال: «ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فلم أقله» (١)(٢).
ذكر هذه الشبهة الإمام الشافعي ﵀ في الرسالة وتولى الرد عليها، وضعف رواية هذا الحديث سندًا ومعنى.
وكتب ابن حزم ﵀ في ذلك كلامًا نفيسًا في الإحكام (٣)، وذكر عدة روايات لهذا الحديث ووهاها وضعفها كلها، وفي بعضها: «إذا حدثتم عني بحديث يوافق الحق فخذوا به، حدثت به أو لم أحدث» (٤)، وفي بعضها: «ما بلغكم عني من قول حسن لم أقله فأنا قلته» (٥).
ورد ابن حزم كل هذه الروايات بضعف رواتها، وكذب بعضهم ثم