← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الفصل الثاني: السنة النبوية

стр. 597

السنة النبوية * تعريف السنة: لغة: هي الطريقة المسلوكة، وأصلها من قولهم: سننت الشيء بالمسن إذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه سنًّا، أي طريقًا. وقال الكسائي: معناها الدوام، فقولنا: معناها الأمر بالإدامة من قولهم: سننت الماء إذا واليت في صبه. قال الخطابي: أصلها الطريقة المحمودة، فإذا أطلقت انصرفت إليها، وقد تستعمل في غيرها مقيدة كقوله: «من سن سنةً سيئةً» (١). وقيل: هي الطريقة المعتادة سواء كانت حسنة أو سيئة، كما في الحديث الصحيح: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» (٢).

стр. 598

وأما معناها شرعًا: تطلق على ما صدر عن الرسول من الأدلة الشرعية، مما ليس بمتلو ولا هو معجز ولا داخل في المعجز. ويدخل في ذلك أقوال النبي ﵇ وأفعاله وتقاريره (١). أو: ما نقل عن رسول الله ﷺ قولًا أو فعلًا أو إقرارًا. فالقول: كقوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٢). والفعل كما شوهد منه من الأفعال في الصلاة والحج، كرفع يديه عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع والرفع منه، وكسعيه بين الصفا والمروة. والإقرار: كسائر ما رأى الصحابة يقولونه أو يفعلونه فلا ينهاهم، وذلك كقول أنس ﵁: كانوا إذا أذن المؤذن يعني المغرب ابتدروا السواري يصلون ركعتين، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت، لكثرة من يصليها. قيل له: أكان رسول الله ﷺ يصليهما؟ قال: كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا (٣).

стр. 599

وكاحتجاج ابن عباس على إباحة الضب بأنه أُكِل على مائدة رسول الله ﷺ ، ولو كان حرامًا لنهى عنه (١) (٢). وكتبسمه من قيافة مجزز المدلجى حين رأى زيدًا وأسامة نائمين قد بدت أقدامهما من قطيفة فقال: «إن هذه الأقدام بعضها من بعض» (٣). قال الطوفي: شرط كون إقراره حجة، بل شرط كون تركه الإنكار إقرارًا؛ علمه بالفعل، وقدرته على الإنكار، لأنه بدون العلم لا يوصف بأنه مقر أو منكر، ومع العجز لا يدل على أنه مقر، كحاله مع الكفار في مكة قبل ظهور كلمته (٤). قلت: وكذلك من شرطه عدم ظهور الغضب منه ﷺ لفعل أو قول، وكذلك عدم إبداء سبب الإنكار كتركه إعادة بناء البيت خشية افتتان قريش وهم حديثو عهد بالإسلام (٥).

стр. 600

* حجية السنة وأنها مصدر من مصادر التشريع: والمراد هنا إثبات حجية السنة، والرد على منكري حجية السنة، أو القائلين بعرض السنة على القرآن محتجين بما رُوِي أن النبي ﷺ قال: «ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قلته، وما خالفه فلم أقله» (١) (٢). ذكر هذه الشبهة الإمام الشافعي ﵀ في الرسالة وتولى الرد عليها، وضعف رواية هذا الحديث سندًا ومعنى. وكتب ابن حزم ﵀ في ذلك كلامًا نفيسًا في الإحكام (٣)، وذكر عدة روايات لهذا الحديث ووهاها وضعفها كلها، وفي بعضها: «إذا حدثتم عني بحديث يوافق الحق فخذوا به، حدثت به أو لم أحدث» (٤)، وفي بعضها: «ما بلغكم عني من قول حسن لم أقله فأنا قلته» (٥). ورد ابن حزم كل هذه الروايات بضعف رواتها، وكذب بعضهم ثم

стр. 601

قال: فإحدى الطائفتين أبطلت الشرائع، والأخرى أباحت الكذب على رسول الله ﷺ ، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من كلتا هاتين الطائفتين، وهاتين المسألتين. ونقول للأولى: أول ما نعرض على القرآن الحديث الذي ذكرتموه، فلما عرضناه وجدنا القرآن يخالفه، قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥]. ونسأل قائل هذا القول الفاسد: في أي قرآن وجد أن الظهر أربع ركعات، وأن المغرب ثلاث ركعات، وأن الركوع على صفة كذا، والسجود على صفة كذا، وصفة القراءة فيها، والسلام، وبيان ما يجتنب في الصوم، وبيان كيفية زكاة الذهب والفضة والغنم والإبل والبقر، ومقدار الأعداد المأخوذ منها الزكاة، ومقدار الزكاة المأخوذة، وبيان أعمال الحج من وقت الوقوف بعرفة، وصفة الصلاة بها وبمزدلفة، ورمي الجمار، وصفة الإحرام، وما يجتنب فيه، وقطع يد السارق،

стр. 602

وصفة الرضاع المحرم، وما يحرم من المآكل، وصفة الذبائح والضحايا، وأحكام الحدود، وصفة وقوع الطلاق، وأحكام البيوع، وبيان الربا، والأقضية والتداعي، وسائر أنواع الفقه، وإنما في القرآن جمل لو تركنا وإياها لم ندر كيف نعمل فيها، وإنما المرجوع إليه في كل ذلك النقل عن النبي ﷺ (١). ثم قال ﵀: ولو أن امرأ قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن. لكان كافرًا بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل وأخرى عند الفجر؛ لأن ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر في ذلك، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال، وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم وبالله تعالى التوفيق (٢). قال: وأما الطائفة الأخرى المبيحة للقول بما لم يأت نصًّا عن النبي ﷺ وإباحة أن ينسب ذلك إليه، فحسبنا أنهم مقرون على أنفسهم بأنهم كاذبون، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» (٣).

стр. 603

وعن علي ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا تكذبوا عليَّ فإنه من يكذب عليَّ يلج النار» (١). ثم قال: ولا سبيل إلى وجود خبر صحيح مخالف لما في القرآن أصلًا، وكل خبر شريعة، فهو إما مضاف إلى ما في القرآن، ومعطوف عليه، ومفسر لجملته، وإما مستثنى منه لجملته، ولا سبيل إلى وجه ثالث (٢). ثم ذكر بإسناده حديث أبي رافع قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به، أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله تعالى اتبعناه» (٣)، فهذا حديث صحيح بالنهي عما تعلل به هؤلاء الجهال، وبالله تعالى التوفيق (٤). قلت: وفي رواية المقداد بن معد يكرب لهذا الحديث: «يوشك الرجل متكئًا على أريكته يُحدَّث بحديث من حديثي فيقول: بيننا

стр. 604

وبينكم كتاب الله ، ما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله» (١)، وقال ﷺ : «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم، فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه» (٢). * استقلال السنة بالتشريع: اعلم أنه قد اتفق من يعتد به من أهل العلم على أن السنة المطهرة مستقلة بتشريع الأحكام، وأنها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه» (٣): أي أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها

стр. 605

القرآن، وذلك كتحريم لحوم الحمر الأهلية، وتحريم كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وغير ذلك مما لا يأتي عليه الحصر (١). قال الأوزاعي: الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب (٢). قلت: يعني في البيان والتوضيح، كتخصيص العام، وتقييد المطلق، وبيان المجمل، لا في أصل الإثبات؛ لأن الكتاب هو أصل إثبات النبوة ابتداءً. وفي الحديث: «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أني أكثرهم تابعًا يوم القيامة» (٣). قال ابن عبد البر: إنها تقضي عليه، وتبين المراد منه. وقال يحيى بن أبي كثير: السنة قاضية على الكتاب (٤). وقال الإمام أحمد: ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكن أقول: إن

стр. 606

السنة تفسر الكتاب وتبينه (١). قال الشوكاني: والحاصل أن ثبوت السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام (٢).

стр. 607

أحوال السنة مع القرآن في البيان: قال الإمام الشافعي ﵀: وسنن رسول الله مع كتاب الله وجهان: أحدهما: نص كتاب فاتبعه رسول الله كما أنزل الله. والآخر: جملة بين رسول الله فيه عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها عامًّا أو خاصًّا، وكيف أراد أن يأتي به العباد. وكلاهما اتبع فيه كتاب الله. قال: فلم أعلم من أهل العلم مخالفًا في أن سنن النبي ﷺ من ثلاثة وجوه: فاجتمعوا منها على وجهين، والوجهان يجتمعان ويتفرعان: أحدهما: ما أنزل الله فيه نص كتاب، فبين رسول الله مثل ما نص الكتاب. والآخر: ما أنزل الله فيه جملة كتاب، فبين عن الله معنى ما أراد. وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما. والوجه الثالث: ما سن رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب.

стр. 608

فمنهم من قال: جعل الله له بما افترض من طاعته، وسبق في علمه من توفيقه لرضاه أن يسن فيما ليس فيه نص كتاب. ومنهم من قال: لم يسن سنة قط إلا ولها أصل في الكتاب، كما كانت سنته لتبيين عدد الصلاة وعملها على أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سن من البيوع وغيرها من الشرائع؛ لأن الله قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩]، وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فما أحل وحرم فإنما بين فيه عن الله كما بين الصلاة. ومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله فأثبتت سنته بفرض الله. ومنهم من قال: ألقي في روعه كل ما سن، وسنته الحكمة الذي ألقي في روعه عن الله، فكان ما ألقي في روعه سنته (١).

стр. 609

• أقسام السنة: * الأول: السنة القولية: وهي ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه سلم من أقوال. قال الزركشي: والمراد بها التي لا على وجه الإعجاز؛ ليخرج القرآن. وقال الحارث المحاسبي في كتاب «فهم السنن»: وهذا القسم على وجوه شتى: - فمنها: ما يبتدئ ثم بتعليم عامتهم أو بعضهم. كقوله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» (١). - ومنها: ما يسأله بعضهم عنه فيخبرهم. قلت: كما في حديث عائشة: أن امرأة من الأنصار قالت للنبي ﷺ : كيف أغتسل من المحيض؟ قال: «خذي فرصةً مُمَسَّكةً فتوضئي ثلاثًا» (٢). وكحديث جابر بن سمرة: أن رجلًا سأل النبي ﷺ قال: يا رسول

стр. 610

الله، أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ». قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم»، قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا» (١). - ومنها ما يكون من بعضهم السبب بتوفيق الله ليعلمه بسببه، فيبينه في ذلك تبيينًا له، أو ينهى عنه كما كانوا يصلون ما سبقهم به من الصلاة، ثم يدخلون معه في الصلاة، فجاء معاذ فدخل معه في الصلاة، ولم يبدأ بما سبق ثم قضى ما سبق به، فقال: لا أجده على حالٍ إلا كنت عليها ثم قضيت، فجاء وقد سبقه ببعض الصلاة، فدخل في الصلاة، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قام معاذ يقضي، فقال رسول الله ﷺ : «قد سن لكم معاذ هكذا فافعلوا» (٢). - ومنها: ما يحتكم فيه إليه فيقضي بين بعضهم بذلك، إيضاحًا لما أحب الله وتعليمًا لهم، وذلك كتعليمه الصلاة للمسيء صلاته، وتعليمه

стр. 611

التشهد كما يعلم السورة من القرآن، وغير ذلك (١). قلت: ومنها خطابه لأحد الصحابة بلفظ خاص والمراد التعميم، كحديث معاذ بن جبل أن رسول صلى عليه وسلم أخذ بيده، وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك»، فقال: «أوصيك يا معاذ: لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، وأوصى بذلك معاذ الصنابحي، وأوصى به الصنابحي أبا عبد الرحمن (٢). والحديث خرج مخاطبًا به معاذًا، لكن العموم فيه لا يحتاج إلى دليل حيث لا اختصاص في الذكر دبر الصلوات لأحد دون أحد، وأنت ترى في الحديث أن معاذًا أوصى بها الصنابحي، وأن الصنابحي أوصى بها أبا عبد الرحمن الحبلي، وكذا من بعده. ومن ذلك: حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي ﷺ : «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكِلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أُعِنت عليها، وإذا حلفت على

стр. 612

يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير» (١). والخطاب وإن كان موجهًا إلى عبد الرحمن بن سمرة فإن الحكم عام. وهذا الوجه من الخطاب يتناوله المناطقة في الألفاظ في الكلية والجزئية، ويعبر عن هذا القسم بالجزئي الذي أريد به الكلي.

стр. 613

* القسم الثاني: أفعال النبي ﷺ - (١): وهي على أنواع: الأول: الفعل الجبلي: وهو ما فعله النبي ﷺ بمقتضى الجبلة أي الطبيعة البشرية، كالأكل والشرب والنوم والمشي، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠]. والأفعال الجبلية على ضربين: أولها: فعل يقع منه اضطرارًا دون قصد منه لإيقاعه مطلقًا، كما روي أن إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر. وما يدور في نفسه من حب أو كراهة لأشخاص أو أشياء، مما لا سيطرة له على منعه أو إيجاده، ككراهيته أكل الضب، وكراهيته قاتل حمزة. فهذا النوع لا حكم له شرعًا؛ لوقوعه دون قصد منه ﷺ فلا يستفاد منه حكم، ولا يتعلق به أمر باقتداء ولا نهي عن مخالفة. ثانيها: الأفعال الجبلية الاختيارية، وهي ما يفعله عن قصد وإرادة،

стр. 614

ولكنها أفعال تدعو إليها ضرورته من حيث هو بشر، ويوقعها الإنسان قصدًا عن شعوره بتلك الضرورة. مثل: تناول الطعام والشراب، وقضاء الحاجة، واتخاذ المنزل والملابس والفراش، والمشي والجلوس والنوم، والتداوي من المرض، والنكاح. وحكم هذا النوع: أنه يدل على الإباحة، ولا يدل على استحباب أو وجوب ما لم يقترن بقول أو قرينة تدل على ذلك، أو يكون له صلة بالعبادة. فلا يصح أن يفهم من الحديث أن من أكل بالملعقة وترك الأكل بالأصابع فقد رغب عن السنة واستحق الوعيد، ولا أن من توضأ من المغسلة أو الصنبور وترك الوضوء من إناء صغير يغترف منه باليد فقد رغب عن السنة؛ لأنه تركٌ للمباح مع اعتقاد إباحته، وليس في ذلك حرج. تنبيه: إذا ورد قول يرشد إلى هيئة مخصوصة للفعل، فإن هذا يخرج هذا الفعل من هذا النوع ويكون النظر حينئذ في الدليل القولي. ومثاله: ما ورد أنه كان يشرب ثلاثًا أو يتنفس ثلاثًا، ويقول: «إنه أهنأ

стр. 615

وأمرأ» (١). ومثاله: أنه كان يأكل بيمينه أو مما يليه، وأمر بذلك (٢). النوع الثاني: الفعل العادي. وهو ما فعله النبي ﷺ جريًا على عادة قومه ومألوفهم، مما لم يدل دليل على ارتباطه بالشرع. مثل: أنه ﷺ لبس المرط المرحل والمخطط، والجبة والعمامة والقباء، وأطال شعره، واستعمل القرب الجلدية في خزن الماء، ودفن الموتى في قبور محفورة في التراب دون المبنية بالحجارة. وحكم هذه الأمور العادية وأمثالها، كنظائرها من الأفعال الجبلية، والأصل فيها جميعًا أنها تدل على الإباحة لا غير، إلا في حالتين: ١ - أن يرد قول يأمر بها أو يرغب فيها، فيظهر حينئذ أنها شرعية. ٢ - أن يظهر ارتباطها بالشرع بقرينة غير قولية، كتوجيه الميت في قبره إلى القبلة فإن ارتباط ذلك في الشرع لا خفاء فيه.

стр. 616

النوع الثالث: الفعل في الأمور الدنيوية. والمقصود بها: ما فعله ﷺ بقصد تحصيل نفع في البدن أو المال له أو لغيره، أو دفع ضر كذلك. ويشمل هذا النوع: الأفعال الطبية، كتناول أطعمة أو أشربة معينة على سبيل حفظ الصحة أو درء مرض معين له أو لغيره، كألبان الإبل وأبوالها، والحجامة، وإهراقة الماء عليه من سبع قرب لم تُحَلُّ أوكيتهم، وكوضع رماد حصيرعلى جرحه ليرقأ الدم، وكالتداوي بالريق مع التراب، ورفض أدوية معينة كاللدود والكي. وكذلك ما يفعله من أمور الزراعة والتجارة والصناعة، ورعي الغنم، والتدابير التي يتخذها في الحرب من استعمال المنجنيق والسهام وتربية الخيل وحفر الأنفاق. وحكم هذا النوع: أنه ليس تشريعًا ولا يلزم التقيد به، بل الأمور الحياتية والدنيوية مبناها على التجربة، لكن إن اقترن بالفعل أمر؛ فذلك يخرجه من باب الأفعال، ويعود النظر إلى الدليل القولي. النوع الرابع: الأفعال الخارقة للعادة (المعجزات والكرامات): المعجزة من فعل الله تعالى تأييدًا لرسوله ﷺ ، فهي لا تنسب إلى الرسول إلا مجازًا، فلا يمكن تحقيقها بالاكتساب، ولا يمكن تحصيل

стр. 617

أسبابها. النوع الخامس: الأفعال الخاصة به ﷺ : الأصل في أفعاله ﷺ عدم الخصوصية؛ لأنه ﷺ مبعوث أسوةً بقوله وفعله، والخصوصية تمنع الاقتداء، فلا تجوز دعوى الخصوصية إلا بدليل. أدلة الخصوصية: يعلم أن حكم الفعل من خصائصه ﷺ بأمور: الأول: أن يرد في القرآن نص على الخصوصية والمنع من الاشتراك، كقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وكقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، على قول أن صلاة الليل كانت واجبة عليه، ولغيره مستحبة، وهو قول ابن عباس (١). الثاني: أن يبين النبي ﷺ ذلك ويصرح به، كنهيه لهم عن الوصال لما واصل، وقال: «إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربني ويسقيني» (٢).

стр. 618

وقال في دخول مكة مقاتلًا: «إن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم» (١). الثالث: الإجماع على الخصوصية، كإجماعهم على تحريم الزيادة على أربعة نسوة، واختصاصه ﷺ بإباحة ذلك. فإذا ثبتت الخصوصية في فعل من أفعال النبي ﷺ ، فإنها تقتضي أن غيره ليس كحكمه، وذلك إجماع، إذ لو كان حكمه حكم غيره لما كان للاختصاص معنى (٢). النوع السادس: الفعل البياني. قال الآمدي: وأما ما عرف كون فعله بيانًا لنا، فهو دليل من غير خلاف، وذلك إما بصريح مقاله، كقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣)، «خذوا عني مناسككم» (٤)، أو بقرائن الأحوال وذلك كما إذا ورد لفظ مجمل أو عام أريد به الخصوص، أو مطلق أريد به التقييد ولم يبينه قبل الحاجة إليه، ثم فعل عند الحاجة فعلًا صالحًا للبيان، فإنه يكون بيانًا حتى لا يكون مؤخرًا للبيان عن وقت الحاجة، وذلك كقطعه

стр. 619

يد السارق من الكوع بيانًا لقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، والبيان تابع للمبين في الوجوب والندب والإباحة (١). إشكال: قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي»، «خذوا عني مناسككم» بيان للأمر بالصلاة في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، والحج في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وهما واجبان، وفي أفعال النبي ﷺ في الصلاة والحج ما ليس بواجب؟! والجواب عن ذلك من وجوه: الأول: جواب أبي يعلى الحنبلي أن الجزء الذي أجمعوا على أنه بيان يكون بيانًا، وإلا فلا، قال: ليس كل فعله ﷺ في الصلاة والصدقة بيانًا للجملة التي في الكتاب؛ لأنه لو صلى لنفسه لم يدل على أنه بيان، لقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، ولو تصدق بصدقة لم يدل على أنها مرادة بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وإنما وجه البيان ما يجمع الناس على أنه من المكتوبات؛ لأن ما يفعله في نفسه لم يثبت أنه فعله فرضًا، فلا يكون فيه دلالة على أنه فعله بيانًا.

стр. 620

الثاني: أن قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ورد في قصة ورود مالك بن الحويرث ورفاقه على النبي ﷺ ، فهي إرشاد من النبي ﷺ لمالك ومن معه في مثل حاله ﵁ الذين أقاموا عشرين ليلة فقط، وحملهم الشوق إلى أهلهم على الرجوع ولم يسعفهم الوقت للتعلم والتفريق بين واجبات الصلاة وسننها، وما ليس من واجباتها ولا من سننها، فيقال له: اصنع مثل فلان من الناس، وفلان ممن يحسن الصلاة. فيشابه في الصورة دون القصد. الثالث: وهو جواب أبي شامة ﵀ قال: سلمنا أن الحديث يدل على أن صلاته ﷺ بيان، لكنها بيان للصلاة المطلوبة من المسلمين، بواجباتها وسننها وما يجوز فيها، فلماذا يحمل فعله ﷺ على أنه للواجب خاصة؟. بل الناتج من كون صلاته بيانًا؛ أن يكون كل فعل فعله ﷺ في الصلاة دائرًا بين هذه الأنواع الثلاثة، والعمدة في تمييز بعضها عن بعض إما القول، وإما الإجماع، وإما القرائن الأخرى، ولا يصلح الفعل وحده دليلًا؛ ولذلك قال الجصاص: أمرنا بالاقتداء به ﷺ على وصف، هو أن نصلي كما رأيناه يصلي، فنحتاج أن نعلم كيف صلى من ندب أو فرض فنفعل مثله. وأما حديث: «خذوا عني مناسككم»، فإن النبي ﷺ فعل في حجته

стр. 621

أفعال الحج كلها من واجب ومندوب، ولا يتميز بالفعل واجبه من مندوبه، فلا يصل الفعل بيانًا في ذلك، والتفريق لا بد له من وجه آخر (١). الرابع: أن الأصل أن الافعال الواردة في الصلاة والحج على الوجوب، وما خرج خرج بنص. النوع السابع: الفعل المجرد. وهو المجرد عن القرائن بالأمر أو الندب أو التخصيص. قال الآمدي: وأما ما لم يقترن به ما يدل على أنه للبيان لا نفيًا ولا إثباتًا، فإما أن يظهر فيه قصد القربة أو لا يظهر، فإن ظهر فيه قصد القربة، فقد اختلفوا فيه: فمنهم من قال: إن فعله ﵇ محمول على الوجوب في حقه وفي حقنا. كابن سريج، والاصطخري، وابن أبي هريرة، وابن خيران، والحنابلة، وجماعة من المعتزلة. ومنهم من صار إلى أنه للندب، وقد قيل: إنه قول الشافعي. وهو اختيار إمام الحرمين.

стр. 622

ومنهم من قال: إنه للإباحة. وهو مذهب مالك. ومنهم من قال بالوقف، وهو مذهب جماعة من أصحاب الشافعي كالصيرفي والغزالي، وجماعة من المعتزلة. وأما ما لم يظهر فيه قصد القربة، فقد اختلفوا أيضًا فيه على نحو اختلافهم فيما ظهر فيه قصد القربة، غير أن القول بالوجوب والندب فيه أبعد مما ظهر فيه قصد القربة والوقف والإباحة أقرب. قال: والمختار أن كل فعل لم يقترن به دليل يدل على أنه قصد به بيان خطاب سابق، فإن ظهر فيه قصد القربة إلى الله تعالى؛ فهو دليل في حقه ﵇ على القدر المشترك بين الواجب والمندوب، وهو ترجيح الفعل على الترك لا غير، وأن الإباحة وهي استواء الفعل والترك في رفع الحرج خارجة عنه، وكذلك في حق أمته، وما لم يظهر فيه قصد القربة فهو دليل في حقه على القدر المشترك بين الواجب والمندوب والمباح، وهو رفع الحرج عن الفعل لا غير وكذلك عن أمته (١). ومن أراد الأمثلة الكثيرة على هذين النوعين وغيرهما، فليراجع صحيح ابن حبان المسمى «التقاسيم والأنواع» القسم الخامس وهو الأفعال.

стр. 623

وكذلك فليرجع إلى باب الكاف خاصة «كان»، من كتاب «الجامع الصغير» للسيوطي. * القسم الثالث: تقرير النبي ﷺ -: وصورته: أن يسكت النبي ﷺ عن إنكار قول قيل بين يديه أو في عصره، أو فعلٍ فعل بين يديه أو في عصره، وهو عالم به قادر على إنكاره. فسكوته ﷺ لا يخلو من أمرين: الأول: أن يكون هذا الفعل أو القول علم قبحه وتحريمه من قبل، وهذا له حالتان: الأولى: أن يكون قد علم إصرار ذلك الفاعل على فعله، وعلم من النبي ﷺ الإصرار على قبح ذلك العمل وتحريمه، كاختلاف أهل الذمة إلى كنائسهم، فالسكوت لا يدل على جوازه وإباحته إجماعًا، ولا يوهم كونه منسوخًا. الثانية: أن لا يعلم إصرار ذلك الفاعل على فعله، ولا يعلم الإصرار على التحريم، فالسكوت عنه وتقريره له من غير إنكار يدل على نسخه عن ذلك الشخص وغيره على الراجح؛ لأن التحريم إذا ارتفع في حق واحد ارتفع في حق الكل، فيدل ذلك على الجواز؛ لأن تأخير البيان عن

стр. 624

وقت الحاجة لا يجوز. الثاني: إن لم يكن النبي ﷺ قد سبق منه النهي عن ذلك الفعل ولا عرف تحريمه، فسكوته عن فاعله وتقريره له عليه، لا سيما إن وجد منه استبشار وثناء على الفاعل؛ فإنه يدل على جوازه ورفع الحرج عنه. وذلك مثل أكل الضب بين يديه (١). وقال الشوكاني: ومما يندرج تحت التقرير إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا، أو كانوا يفعلون كذا. وأضافه إلى عصر رسول الله ﷺ ، وكان مما لا يخفى مثله عليه (٢). تنبيه: من أنواع البيان بالسنة: البيان بالترك. الترك: هو عدم فعل المقدور عليه. والترك معدود من الأفعال المكلف بها، خلافًا لمن زعم أن الترك أمر عدمي لا وجود له. والدليل على أن الترك فعل: قوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩].

стр. 625

فسمى الله تعالى عدم تناهيهم عن المنكر فعلًا، وذمهم على هذا الفعل، فقال سبحانه: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩]، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ [المائدة: ٦٣]، فسمى الله تعالى عدم نهي الربانيين والأحبار لهم صنعًا، والصنع أخص مطلقًا من الفعل، والصنع بمعنى العمل إلا أنه يقتضي الجودة، يقال: سيف صنيع. إذا جود عمله (١)، فدل على أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فعل بدليل تسميته له صنعًا. ومما يستدل به على أن الترك فعل يثاب ويعاقب عليه: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩]، فعوقبوا بترك البيان للناس، ونشر العلم الذي تعلموه. والدليل من السنة قوله ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٢).

стр. 626

فسمى ترك الأذى إسلامًا وهو يدل على أن الترك فعل. وقال السبكي في طبقاته: أن قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ [الفرقان: ٣٠] يدل على أن الترك فعل، قال: لأن الأخذ التناول، والمتروك المهجور، فصار المعنى تناولوه متروكًا، أي فعلوا تركه (١). • ويمكن تقسيم الترك إلى قسمين: * القسم الأول: ما تركه النبي ﷺ من أمور العادات أو الأمور الجبلية: كترك لباس معين، أو طعام معين، أو ركوب دابة معينة من غير أن يقترن بذلك الترك نهي، فحكم ذلك المتروك أنه على الإباحة الأصلية، ولا يجب تركه ولا يتعبد بتركه. مثال ذلك: ١ - ما ترك من الأطعمة: تركه أكل الضب، فعن ابن عباس ﵁ قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله ﷺ بيت ميمونة، فأتي بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده، فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل، فرفع رسول الله ﷺ يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكنه لم

стр. 627

يكن بأرض قومي فأجدني أعافه»، قال خالد: فاجتررته، فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر، فلم ينهني (١). من ذلك أيضًا عن أنس بن مالك قال: ما أكل النبي ﷺ على خوان، ولا في سكرجةٍ، ولا خبز له مرقق، قلت لقتادة: علام يأكلون؟ قال: على السفر (٢). والخوان: هو المائدة ما لم يكن عليها طعام، وجمعه أخونة وخون. وسكرجةٍ: قال ابن مكي: هي صحاف صغار يؤكل فيها، ومنها الكبير والصغير، كانت تستعملها العجم في الكوامخ، والجوارش للتشهي والهضم. قال ابن حجر: قال شيخنا في شرح الترمذي: تركه الأكل في السكرجة إما لكونها لم تكن تصنع عندهم إذ ذاك، أو استصغارًا لها؛ لأن عادتهم الاجتماع على الأكل، أو لأنها كما تقدم كانت تعد لوضع الأشياء التي تعين على الهضم، ولم يكونوا غالبًا يشبعون فلم يكن لهم حاجة بالهضم (٣).

стр. 628

والخبز المرقق: قال عياض: مرققًا. أي مليئًا محسنًا كخبز الحواري وشبهه، والترقيق: التليين، ولم يكن عندهم مناخل (١). ٢ - ما كان تركه خاصًّا به ﷺ . ومن ذلك تركه لأكل الثوم مع بيان سبب ذلك، وأنه خاص به ﷺ . فعن أبي أيوب الأنصاري قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام أكل منه، وبعث بفضله إلي، وإنه بعث إليَّ يومًا بفضلة لم يأكل منها؛ لأن فيها ثومًا، فسألته: أحرام هو؟ قال: «لا، ولكني أكرهه من أجل ريحه»، قال: فإني أكره ما كرهت (٢)، وفي رواية: «فإني أناجي من لا تناجي» (٣). ٣ - ما كان الترك فيه من كريم أخلاقه ﷺ مع عدم النهي عن المتروك، فالتأسي به ﷺ في ذلك مستحب. ومثاله: عن عائشة ﵂ قالت: «ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط، فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله،

стр. 629

فينتقم لله » (١). ٤ - ما تركه لمصلحة راجحة مع أن الفعل أولى لولا وجود هذه المصلحة. مثال: ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم من أجل حداثة قريش بجاهلية (٢). * القسم الثاني: الترك في باب العبادات. وينقسم إلى أنواع: الأول: ما تركه ﷺ لمصلحة الأمة مع فعله له أحيانًا ثم تركه خشيةً أن يفرض، كترك القيام في رمضان جماعة بأصحابه رحمة بأمته (٣)، فهذا الفعل لا يترك لزوال المانع، وهو انقطاع الوحي. الثاني: ما تركه من باب العقوبة، كتركه الصلاة على صاحب الدين (٤)، وعلى الغال (٥) من باب العقوبة لهما، والترهيب من

стр. 630

صنيعهما، فهذا يشرع لأهل الفضل والعلماء التأسي به. الثالث: الترك البياني أو التشريعي. كتركه عبادة مع قدرته عليها، فهذا الترك واجب، بل إن فعل عبادة لم يفعلها ﷺ يكون بدعة؛ لأن الأصل في العبادات التوقيف، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، مثل تركه الأذان للعيدين (١)، وتركه الاحتفال بمولده ﷺ ، وكتركه ﷺ لهيئة معينة في أداء عبادة، فهذا الترك واجب الاتباع. ومثل تركه صلاة الفريضة على الراحلة، فعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ كان يسبح على ظهر راحلته، حيث كان وجهه يومئ برأسه (٢). وفي رواية: (إلا الفرائض) (٣)، وفي رواية: (غير أنه لا يصلي عليها

стр. 631

المكتوبة) (١). قال ابن دقيق العيد: قد يتمسك به في أن صلاة الفرض لا تؤدى على الراحلة، وليس ذلك بقوي في الاستدلال؛ لأنه ليس فيه إلا ترك الفعل المخصوص، وليس الترك بدليل على الامتناع، وكذا الكلام في قوله: إلا الفرائض. فإنه إنما يدل على ترك هذا الفعل، وترك الفعل لا يدل على امتناعه كما ذكرنا، وقد يقال: إن دخول وقت الفريضة مما يكثر على المسافرين، فترك الصلاة لها على الراحلة دائمًا مع فعل النوافل على الراحلة يشعر بالفرقان بينهما في الجواز وعدمه (٢). قال ابن بطال: أجمع العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن يصلي الفريضة على الدابة من غير عذر (٣). قلت: ولعل مستند الإجماع ترك النبي ﷺ صلاة الفريضة على الراحلة مع حاجته لها في السفر، والله أعلم.

стр. 632

الفصل الثالث: الإجماع

стр. 633

الإجماع * تعريف الإجماع لغة واصطلاحًا. الإجماع لغة: مادة «جمع» الجيم والميم والعين أصل يدل على تضام الشيء، ومنه «الإجماع» بمعنى الإعداد والعزيمة على الأمر إذا تعدى بنفسه، كقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، أما إن تعدى بحرف الجر «على» فيكون بمعنى الاتفاق. يقال: أجمعوا عليه إذا اتفقوا عليه، وهذا أمر مجمع عليه أي متفق عليه (١). الإجماع اصطلاحًا: اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد وفاته في حادثة على أمر من الأمور في عصر من الأعصار (٢). فقوله: «اتفاق» قيد يخرج ما لو خالف واحد أو اثنان ممن يعتبر قوله في الإجماع، فليس بإجماع. قوله: «مجتهدي أمة محمد ﷺ » يخرج:

стр. 634

١ - من لم يكن من أهل الاجتهاد كالصبيان والمجانين والعوام والمقلدين، فلا يعتبر قولهم في الإجماع، وعدم اعتبار قول العامي المكلف، ويلحق به طلبة الفقهاء الذين لم يبلغوا رتبة النظر والاستدلال الاجتهادي، وهو قول الأكثر من الأصوليين، والفقهاء الأئمة الأربعة، وغيرهم، خلافًا للقاضي أبي بكر الباقلاني حيث قال: اعتبر موافقة العامي؛ لأن لفظ الأمة يعمه، والجواب على قوله من وجهين: الأول: أن قول العامي غير مستندٍ إلى دليل، وإلا لم يكن عاميًّا، وما ليس مستندًا إلى دليل، يكون جهلًا وخطأ لأن الشرع حرم القول بغير علم. الثاني: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، إذ كيف يأمرهم بسؤال العلماء، ثم يجعلهم كالأمراء عليهم، لا ينفذ قولهم إلا بموافقتهم هذا بعيد جدًّا (١). ٢ - لا يعتبر في الإجماع بقول كافر - سواء كان بتأويل أو غيره- حتى لو كان من أعلم الناس بعلوم الشريعة كالمستشرقين مثلًا. ٣ - لا يعتد بقول الفاسق بقول أو فعل أو اعتقاد، وإليه ذهب القاضي وجماعةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾

стр. 635

[البقرة: ١٤٣]، أي عدولًا وهو ليس بعدل، ولأنه لا يقبل منفردًا، فلا يقبل مع غيره. وقال أبو خطاب: يعتبر قول الفاسق لدخوله في عموم الأمة والمؤمنين (١). * كيف يعلم الإجماع؟ ١ - يعلم الإجماع بطريق النقل والأخبار كنقل صاحب المغنى وابن حزم وابن تيمية، وغيرهم الإجماع فى بعض المسائل. ٢ - يعلم بطريق المشافهة أى السؤال لكل العلماء عن مسألة فإن اتفقوا يكون إجماعًا. تنبيه: الإجماع فى عصر من العصور يُلزَم به كل من أتى بعده لأن الإجماع يعتبر إجماع الأمة، ولو كان فى عصرٍ واحد من العصور. * شروط الإجماع: ١ - أن يكون من كل المجتهدين الموجودين فى ذلك العصر. ٢ - أن يكونوا مسلمين. ٣ - أن يكون بعد وفاة النبى ﷺ .
следующие страницы →