المكتوبة) (١).
قال ابن دقيق العيد: قد يتمسك به في أن صلاة الفرض لا تؤدى على الراحلة، وليس ذلك بقوي في الاستدلال؛ لأنه ليس فيه إلا ترك الفعل المخصوص، وليس الترك بدليل على الامتناع، وكذا الكلام في قوله: إلا الفرائض. فإنه إنما يدل على ترك هذا الفعل، وترك الفعل لا يدل على امتناعه كما ذكرنا، وقد يقال: إن دخول وقت الفريضة مما يكثر على المسافرين، فترك الصلاة لها على الراحلة دائمًا مع فعل النوافل على الراحلة يشعر بالفرقان بينهما في الجواز وعدمه (٢).
قال ابن بطال: أجمع العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن يصلي الفريضة على الدابة من غير عذر (٣).
قلت: ولعل مستند الإجماع ترك النبي ﷺ صلاة الفريضة على الراحلة مع حاجته لها في السفر، والله أعلم.
стр. 632
الفصل الثالث:
الإجماع
стр. 633
الإجماع
* تعريف الإجماع لغة واصطلاحًا.
الإجماع لغة: مادة «جمع» الجيم والميم والعين أصل يدل على تضام الشيء، ومنه «الإجماع» بمعنى الإعداد والعزيمة على الأمر إذا تعدى بنفسه، كقوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، أما إن تعدى بحرف الجر «على» فيكون بمعنى الاتفاق. يقال: أجمعوا عليه إذا اتفقوا عليه، وهذا أمر مجمع عليه أي متفق عليه (١).
الإجماع اصطلاحًا: اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد وفاته في حادثة على أمر من الأمور في عصر من الأعصار (٢).
فقوله: «اتفاق» قيد يخرج ما لو خالف واحد أو اثنان ممن يعتبر قوله في الإجماع، فليس بإجماع.
قوله: «مجتهدي أمة محمد ﷺ » يخرج:
стр. 634
١ - من لم يكن من أهل الاجتهاد كالصبيان والمجانين والعوام والمقلدين، فلا يعتبر قولهم في الإجماع، وعدم اعتبار قول العامي المكلف، ويلحق به طلبة الفقهاء الذين لم يبلغوا رتبة النظر والاستدلال الاجتهادي، وهو قول الأكثر من الأصوليين، والفقهاء الأئمة الأربعة، وغيرهم، خلافًا للقاضي أبي بكر الباقلاني حيث قال: اعتبر موافقة العامي؛ لأن لفظ الأمة يعمه، والجواب على قوله من وجهين:
الأول: أن قول العامي غير مستندٍ إلى دليل، وإلا لم يكن عاميًّا، وما ليس مستندًا إلى دليل، يكون جهلًا وخطأ لأن الشرع حرم القول بغير علم.
الثاني: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]، إذ كيف يأمرهم بسؤال العلماء، ثم يجعلهم كالأمراء عليهم، لا ينفذ قولهم إلا بموافقتهم هذا بعيد جدًّا (١).
٢ - لا يعتبر في الإجماع بقول كافر - سواء كان بتأويل أو غيره- حتى لو كان من أعلم الناس بعلوم الشريعة كالمستشرقين مثلًا.
٣ - لا يعتد بقول الفاسق بقول أو فعل أو اعتقاد، وإليه ذهب القاضي وجماعةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾
стр. 635
[البقرة: ١٤٣]، أي عدولًا وهو ليس بعدل، ولأنه لا يقبل منفردًا، فلا يقبل مع غيره.
وقال أبو خطاب: يعتبر قول الفاسق لدخوله في عموم الأمة والمؤمنين (١).
* كيف يعلم الإجماع؟
١ - يعلم الإجماع بطريق النقل والأخبار كنقل صاحب المغنى وابن حزم وابن تيمية، وغيرهم الإجماع فى بعض المسائل.
٢ - يعلم بطريق المشافهة أى السؤال لكل العلماء عن مسألة فإن اتفقوا يكون إجماعًا.
تنبيه: الإجماع فى عصر من العصور يُلزَم به كل من أتى بعده لأن الإجماع يعتبر إجماع الأمة، ولو كان فى عصرٍ واحد من العصور.
* شروط الإجماع:
١ - أن يكون من كل المجتهدين الموجودين فى ذلك العصر.
٢ - أن يكونوا مسلمين.
٣ - أن يكون بعد وفاة النبى ﷺ .
стр. 636
* إمكانية الإجماع:
قال أبوالمظفر السمعاني: الإجماع ممكن وانعقاده متصور، وقال قوم انعقاد الإجماع غير متصور وغير ممكن، وهذا باطل؛ لأنه لما كان الإجماع في الأخبار المستفيضة ممكنًا وجب أن يكون الإجماع باعتقاد الأحكام ممكنًا؛ لأنه كما يوجد سبب يدعو إلى إجماعهم على الأخبار المستفيضة يوجد أيضا سبب يدعو إلى إجماعهم باعتقاد الأحكام يدل عليه أن من تبين بشرع فإنه لا يستجيز كتمانه إلا عن تقية في بعض المواضع، فأما إذا لم يكن هناك تقية ولا خوف فإنه لا يستجيز كتمانه وإخفاءه، وإذا ثبت هذا إذا اجتمعت الجماعة على اعتقاد أو حكم، واستفاض ذلك فيما بينهم، أو لم ينكر أحد منهم ذلك لو خلوا اعتقد أحد منهم خلاف ذلك لأنكره إما صريحًا أو تعريضًا، فصارعدم الخلاف منهم دليلًا على وجود الإجماع (١).
فلا خلاف بين العلماء في إمكان الإجماع عقلًا؛ لأن اتفاق المجتهدين في عصر على حكم لا يمتنع عقلًا، ولا خلاف في تصوره، وإمكانه في ضروريات الأحكام.
أما في غير ذلك وهو: الإجماع على الأحكام التي لا تكون معلومة
стр. 637
بالضرورة بأن كان الإجماع عن مستند ظني، فقد اختلف العلماء في إمكانه على مذهبين:
المذهب الأول: أن الإجماع ممكن، أي: إجماع المجتهدين من أُمَّة محمد ﷺ في عصر من العصور ممكن عادة.
وهو مذهب جمهور العلماء.
وهو الصحيح؛ للأدلة التالية:
الدليل الأول: الوقوع، حيث إن الإجماع وقع فعلًا، ولا أدل على الإمكان من الوقوع، وأمثلة وقوع الإجماع كثيرة، ومنها:
١ - الاجماع على حرمة شحم الخنزير كلحمه.
٢ - الإجماع على حجب ابن الابن بالابن.
٣ - الإجماع على تقديم الدَّين على الوصية.
٤ - الإجماع على أنه لا زكاة في أعيان الشجر.
٥ - الإجماع على أن الواجب في الغسل والمسح في الوضوء هو الفعل مرة واحدة.
٦ - الإجماع على أن الماء إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة: لونه، أو طعمه، أو ريحه بنجاسة لا يجوز الوضوء منه.
стр. 638
وغير ذلك من الأمثلة.
فهذا دليل واضح على انعقاد الإجماع بالفعل فضلًا عن إمكانه.
الدليل الثاني: أنه كما لا يمتنع اتفاقهم على الأكل والشرب، فكذلك لا يمتنع اتفاقهم على حكم معين لحادثة حدثت في عصرهم، ولا فرق، والجامع: توافق الدواعي لكل منهما.
الدليل الثالث: أن الأصل الإمكان، فيستمر هذا الأصل ويتمسك به لعدم وجود ما يمنعنا من استصحابه.
المذهب الثاني: أن الإجماع مستحيل عادة، فهو غير ممكن.
ذهب إلى ذلك بعض النظامية، وبعض الشيعة، وبعض الخوارج.
دليل هذا المذهب:
استدل أصحاب هذا المذهب بقولهم: إن أهل الإجماع قد انتشروا في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا الانتشار يمنع نقل الحكم إليهم عادة، وإذا امتنع نقل الحكم امتنع الاتفاق الذي هو وقوع تساويهم في نقل الحكم إليهم.
وجوابه:
بأن أهل الإجماع عدد قليل معروفون بأعيانهم، وهم المجتهدون، وعليه فيمكن أن ينقل الحكم إلى جميعهم، ولا يخفى على واحد من
стр. 639
المجتهدين، ثم إن أهل الإجماع يكونون عادة أهل جد وبحث، وليسوا خاملين، فالمطلوب لا يخفى على الطالب الجاد، وإنما يمتنع ذلك لمن قعد في عقر داره لا يبحث ولا يطلب، وهذا قد ينزله عن درجة الاجتهاد (١).
* أثر التقنية الحديثة في إمكان انعقاد الإجماع، والاطلاع عليه ونقله:
ما نقل عن بعض الأئمة من تعذر وقوع الإجماع والاطلاع عليه في العصور المتأخرة بعد عصر الصحابة كقول الإمام أحمد ﵀: من ادَّعى الإجماع فقد كذب.
فهي محمولة عند البعض على عدم إمكانية معرفة الإجماع والاطلاع عليه -هذه الأقوال- على واقع ذلك العصر، فقد كانت السبل المعتادة لمعرفة رأي العالم هي لقاؤه، والاجتماع به والسماع منه مشافهة، أو بواسطة نقل الثقة، أو عن طريق الكتب أو الرسائل، مع اتساع رقعة العالم الإسلامي، وانتشار العلماء وضعف الاتصال بينهم.
أما في هذا العصر فقد تغير الحال، وتبدلت الظروف، وتقدمت وسائل الاتصال تقدمًا مذهلًا، وأصبح العالم كالقرية الصغيرة، وأصبح
стр. 640
الاطلاع على أقوال المجتهدين أمرًا ممكنًا إما مشافهة عن طريق السفر إليهم بوسائل المواصلات الحديثة، أو بالتواصل معهم عبر الهاتف، أو الفاكس، أو البريد الإلكتروني، أو عبر الشبكة العنكبوتية «الإنترنت»، والأجهزة الذكية التي يمكن من خلالها إجراء المحادثة بين شخصين أو أكثر بالصوت والصورة.
ولعل مما يؤكد أثر تغير الأحوال في الاجتهاد في هذه المسألة: أن القائلين بالإمكان في الأزمنة الماضية فرضوا في ثنايا مناقشاتهم للقول الآخر «أي القول القائل بعدم إمكان وقوع الإجماع» صورًا ذهنية ليست متحققة في ذلك الزمان بهدف إثبات أن هذا الأمر وإن بدا مستحيلًا في بعض الأحيان إلا أنه قد يبدو ممكنًا في أحوال أخرى.
قال إمام الحرمين الجويني في معرض مناقشته لأقوال المانعين:
ثم قال القاضي: لا يمتنع تصور ملك تنفذ عزائمه في خطة أهل الإسلام إما باحتوائه على البيضة، أو بعلو قدره، واستمكانه من إحضار من يشاء من المماليك بجوازم أوامره المنفذة إلى ملوك الأطراف، وإذا كان ذلك ممكنًا، فلا يمتنع أن يجمع مثل هذا الملك علماء العالم في مجلس واحد، ثم يلقي عليهم ما عَنَّ له من المسائل، ويقف على خلافهم ووفاقهم، فهذا وجه في التصوير بيِّن لا يتوقف تصوره على فرض خرق العادة.
стр. 641
ثم قال الجويني: وما صوره القاضي من إحضار جميع العلماء ليس منكرًا، فقد تكون أطراف المماليك في حق الملك العظيم كأنها بمرأى منه ومسمع، فلا يبعد ما قاله على ما صوره (١).
ولعل من أبرز الأمثلة التي تدل على إمكانية حدوث الإجماع في هذا الزمان والاطلاع عليه ونقله: اتفاق مجتهدي العصر على أحكام بعض النوازل، وانتشار ذلك، وعدم وجود مخالف، كاتفاقهم على تحريم المخدرات، والاستنساخ البشري، وأن النقود الورقية تأخذ أحكام الذهب والفضة، وغيرها (٢).
* أدلة حجية الإجماع:
الدليل الأول: قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وجه الاستدلال:
قال الإمام الجصاص: هذه الآية دالة على حجية الإجماع من وجهين:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:
стр. 642
١٤٣]، والوسط: العدل. يعني: هم عدول، فلما وصف الله تعالى الأمة بالعدالة؛ اقتضى ذلك قبول قولها وصحة مذهبها.
الثاني: قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فجعلهم شهداء على من بعدهم، كما جعل الرسول شهيدًا عليهم، ولا يستحقون هذه الصفة إلا وقولهم حجة وشهادتهم مقبولة، كما أنه لما وصف الرسول بأنه شهيد عليهم بقوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أفاد به أن قوله ﷺ حجة عليهم وشهادته صحيحة (١).
ثالثًا: عندما يتكلم الله عن الأمة أو عن إجماع الأمة يصفها بما وصف به النبى ﷺ ، والنبى معصوم؛ فدل ذلك على أن الأمة معصومة فى مجموعها لو أجمعت على أمر لابد أن يكون صوابًا؛ لذلك يقول الله تعالى ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فوصفهم بما وصف به النبى وهى الشهادة، وإن الله تعالى رضى شهادتهم.
وهذا دليل عام فى كثير من المسائل، فالأمة يصفها الله تعالى فى أكثر
стр. 643
من دليل بما وصف به النبى ﷺ ، فالله جعل الأمة شهيدة وجعل النبى شهيدًا، والشهيد الذى يرضى الله شهادته لابد أن تكون شاهدته شهادة حق لا خطأ فيها؛ فهذا دليل على عصمة الأمة فى اجتماعها، وكذلك فى قوله تعالى وهو يصف رسوله ﷺ ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ووصف الأمة أيضًا بذلك فقال سبحانه ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فدل على عصمة الأمة في اجتماعها على الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر كعصمة النبى فى أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.
رابعًا: قال ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] أى على العمل: صالح أم غيرصالح، والبحث هنا فى حكم العمل: يعنى هذا العمل الصحيح ما حكمه هل هو واجب أم مندوب أم مباح؟ أى درجة العمل، فالصلاة فى أصلها عمل صالح وحكمها واجب، وكذلك الزنا فى أصله عمل غير صالح وحكمه محرم، والأعلى هو أصل العمل؛ لأنه هو الذى سيترتب عليه الحكم لذلك كان هو أولى وأعلى من حكم العمل، وفى قوله تعالى ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أى فى أصل العمل
стр. 644
فالله جعلهم شهداء فى أصل عمل الأمم هل عملهم صالح أم غير صالح اتبعوا النبيين أم لا؟ إذًا فالله رضي شهادتهم على أصل العمل فمن باب أولى أن نرضى شهادتهم فى حكم العمل.
الدليل الثاني: قوله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، والآية تدل على أن ما اتفقوا عليه حقٌ وذلك بمفهوم المخالفة ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فإن لم نتنازع دل على أننا لا نحتاج أن نرده أى لا نحتاج أن نبحث له عن دليل لأن الإجماع فى نفسه دليل.
الدليل الثالث: قوله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، الحكم العام للأمة أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهذا يدل على حجية الإجماع؛ لأن الله تعالى بين أن الأمة لا تأمر بمنكر أبدًا ولا تنهى عن معروف أبدًا، فكل ما أمرت به الأمة هو معروف وكل ما نهت عنه الأمة فهو منكر، وكذلك وصف الأمة بما وصف به النبى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وكذلك الأمة، وهو معصوم
стр. 645
وكذلك الأمة.
قال الإمام ابن تيمية: وهذا يدل على أن إجماع هذه الأمة حجة؛ لأن الله تعالى أخبر أنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر، فلو اتفقوا على إباحة محرم أو إسقاط واجب، أو تحريم حلال، أو إخبار عن الله تعالى أو خلقه بباطل؛ لكانوا متصفين بالأمر بمنكر والنهي عن معروف من الكلم الطيب والعمل الصالح، بل الآية تقتضي أن ما لم تأمر به الأمة فليس من المعروف، وما لم تنه عنه فليس من المنكر، وإذا كانت آمرة بكل معروف ناهية عن كل منكر، فكيف يجوز أن تأمر كلها بمنكر أو تنهى كلها عن معروف؟! (١).
الدليل الرابع: قال تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
ومن أوجه الاستدلال هنا:
١ - أنه سبحانه جمع بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحًا لما جمع بينه وبين المحظور، فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين محظورة، ومتابعة غير
стр. 646
سبيل المؤمنين عبارة عن متابعة قول أو فتوى يخالف قولهم أو فتواهم، وإذا كانت تلك محظورة وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبة (١).
٢ - قوله تعالى ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فسبيل المؤمنين هذا معرف بالإضافة فيفيد العموم أى كل سبيل، وكذلك كلمة المؤمنين (ال) الموصولة أى كل المؤمنين، والمعنى كل سبيل لكل المؤمنين، وهذا يدل على الإجماع فلو اجتمع كل المؤمنين على أى سبيل دل على أنه هو السبيل الحق، ولا يجوز لأي إنسان أن يتبع سبيلًا غيره وإلا كان الوعيد فى الآية مصيره ونهايته.
٣ - الواو فى قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تقتضى التشريك فى الحكم أى اشتراك المتعاطفين فى الحكم، والحكم هو قوله تعالى ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ فمن يقع فى إحدى هاتين الخصلتين من مشاقة الرسول أو اتباع غير سبيل إجماع المؤمنين عليه هذا العقاب.
٤ - إذا رتب الله العقاب على مجموع دل على أن المجموع له تأثير فى الذنب، فكل جزء من المجموع له أثر فى الذنب فمن اتبع غير سبيل
стр. 647
المؤمنين حتى ولو لم يشاقق الرسول له وعيد من هذا العقاب، والمعنى أن ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ فعقابه ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، وكذلك أن من ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فعقابه ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
٥ - فعل الشرط مرتبط بجواب الشرط فمتى تحقق فعل الشرط تحقق الجواب، وفعل الشرط فى الآية ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ففعل الشرط" يشاقق ويتبع"، فيترتب على هذه الأفعال الجواب الآتى، وهو ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، فجواب الشرط يتحقق بفعل الشرط.
الدليل الخامس: حديث ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (١).
قال النووي: وفى هذا الحديث معجزة ظاهرة، فإن هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبي ﷺ إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث، وفيه دليل لكون الإجماع حجة، وهو أصح ما
стр. 648
استدل به له من الحديث، وأما حديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (١) فضعيف، والله أعلم (٢).
ووجه الاستدلال: أن هذه الطائفة هي بعض الأمة، وإذا أجمعوا على شيء قطعًا ستكون منهم هذه الطائفة؛ فيكونون قد أصابوا الحق.
стр. 649
الدليل السادس: عن عبد الله بن مسعود، أن النبي ﷺ قال: «نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، وحفظها، وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن الدعوة تحيط من ورائهم» (١).
قال الشافعي: وأمر رسول الله بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في أن إجماع المسلمين إن شاء الله لازم (٢).
الدليل السابع: العقل:
١ - أن أهل الباطل قد يجتمعون على باطلهم، ولا يمنع العقل من ذلك، فمن باب أولى أهل الحق.
٢ - إن القول بأن الأمة يجوز أن تجتمع على غير الحق فيه إثبات أن الحق قد يضيع ويغيب فى زمن ما، وهذا يعنى أن الدين لم يحفظ فى هذا الزمن، وهذا يناقض قول الله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر].
стр. 650
* مستند الإجماع:
قال الإمام السمعاني: اعلم أن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل يوجب ذلك؛ لأن اختلاف الآراء أو الهمم يمنع من الاتفاق على شيء إلا عن سبب يوجب ذلك، وهذا مثل اتفاق الناس على أكلهم عند الجوع، وشربهم عند العطش، ولبسهم عند العري كان عن سبب، وهذه أمور طبيعية كانت عن سبب طبيعي، وكذلك الأمور الدينية لا تكون إلا عن سبب ديني.
ويجوز أن يتفقوا عن دليل على حكم الحادثة، وتكون على الحكم دلائل سواه، ويجوز أن يختلفوا في الأدلة مع اتفاقهم على الحكم، فلا يكون اختلافهم في الأدلة مانعًا من إجماعهم على الحكم.
وإذا ثبت أنه لا ينعقد الإجماع إلا عن دليل، فلا خلاف أنه ينعقد الإجماع عن الكتاب والسنة، ثم إذا كان الإجماع عن نص غير محتمل من كتاب أو خبر متواتر؛ كان الحكم والقطع بصحته ما يتبين بالنص، فلم يكن للإجماع تأثير في ثبوتهما، وإن كان النص خبر واحد وأجمعوا به؛ كان الحكم ثابتًا بالظاهر، وكان نفي الاحتمال من الظاهر والقطع بصحة الحكم ثابتين بالإجماع.
ذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنه يجوز انعقاد الإجماع عن القياس، وقالوا: لا فرق بين القياس الجلي والخفي في ذلك. وخالف
стр. 651
في ذلك الإمام ابن جرير الطبري.
والدليل على وجود ذلك ووقوعه: إجماع الصحابة على قتال أهل الردة، وقد كان ذلك من طريق الاجتهاد، فإن أبا بكر - رضوان الله عليه - قال: لا أفرق بين ما جمع الله بينهم. فقاس الزكاة على الصلاة في وجوب قتال المخل بها، ولو كان معهم في قتال مانعي الزكاة نص لنقلوه.
واتفق الصحابة أيضًا على إمامة أبي بكر، وقد كان ذلك بطريق الاجتهاد، فإنهم استدلوا في إمامة أبي بكر ﵁ بتقديم النبي ﷺ إياه في الصلاة.
وقد أجمع الصحابة أيضًا على توريث الجدتين للسدس، قال عمر ﵁: إن اجتمعتما فهو لكما، وأيتكما انفردت به فهو لها (١).
وقال ابن القطان: وأجمعوا على أن الجدتين إذا اجتمعتا وقرابتهما
стр. 652
سواء، وكلتاهما ممن يرث؛ أن السدس بينهما.
وقال: ميراث الجدات لم يرجع فيه إلى ظاهر الكتاب ولا إلى ظاهر سنة منقولة ثابتة بخبر الانفراد، وإنما رجع في ذلك إلى الاتفاق (١).
وأجمعت الأمة أيضًا على تحريم شحم الخنزير قياسًا على لحمه (٢).
* مسألة: هل يجب على المجتهد أن يبحث عن مستند الإجماع أم لا؟
قال الأستاذ أبو إسحاق: لا يجب على المجتهد طلب الدليل الذي وقع الإجماع به، فإن ظهر له ذلك أو نقل إليه كان أحد أدلة المسألة.
قال أبو الحسن السهيلي: إذا أجمعوا على حكم ولم يعلم أنهم أجمعوا عليه من دلالة آية أو قياس أو غيره، فإنه يجب المصير إليه؛ لأنهم لا يجمعون إلا عن دلالة ولا يجب معرفتها (٣).
* أنواع الإجماع:
الأول: الإجماع القطعي.
وهو ما وجد فيه جميع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها
стр. 653
ونقل تواترًا، وكان اتفاق مجتهدي الأمة جميعهم عليه نطقًا، بمعنى أن كل واحد منهم نطق بصريح الحكم في الواقعة نفيًا أو إثباتًا، ويقطع فيه بانتفاء المخالف، وهذا لا يجوز إنكاره بعد ثبوته.
كل معلوم من الدين بالضرورة مجمع عليه دون العكس، ولذا لم يكفروا منكر أي إجماع، وإنما كفروا منكر المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة، ولا يختص ذلك بالواجبات والمحرمات، بل لو أنكر من المباحات ما هو من هذا القبيل لكفر.
قال القرافي: وجحد ما علم من الدين بالضرورة كجحد الصلاة والصوم، ولا يختص ذلك بالواجبات والقربات، بل لو جحد بعض الإباحات المعلومة بالضرورة كفر، كما لو قال: إن الله لم يبح التين ولا العنب. ولا يعتقد أن جاحد ما أجمع عليه يكفر على الإطلاق، بل لا بد أن يكون المجمع عليه مشتهرًا في الدين حتى صار ضروريًّا، فكم من المسائل المجمع عليها إجماعًا لا يعلمها إلا خواص الفقهاء، فجحد مثل هذه المسائل التي يخفى الإجماع فيها ليس كفرًا، بل قد جحد أصل الإجماع جماعة كبيرة من الروافض والخوارج كالنظام، ولم أر أحدًا قال بكفرهم، من حيث إنهم جحدوا أصل الإجماع (١).
стр. 654
النوع الثاني: الإجماع الظني.
وهو ما اختل أحد القيدين، وهما اجتماع الشروط التي لا يختلف فيه مع وجودها، وأن ينقل متواترًا.
فالإجماع الظني إما أن يوجد على وجه مختلف فيه وينقل متواترًا، أو يكون متفقًا عليه لكن ينقل آحادًا؛ لذلك لا يقطع فيه بانتفاء المخالف كالذي يعلم بالتتبع والاستقراء، ويشترط العلماء فيمن ينقل الإجماع بالتتبع والاستقراء أن يكون هذا العالم واسع الاطلاع.
* الفرق بين الإجماع القطعى والإجماع الظنى:
الإجماع القطعى: يقطع فيه بانتفاء المخالف، أما الإجماع الظنى: لا يقطع فيه بانتفاء المخالف.
مسألة: قول القائل: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم في كذا.
قال الصيرفي: لا يكون إجماعًا؛ لجواز الاختلاف، وكذا قال ابن حزم في «الإحكام»؛ وقال في كتاب «الإعراب»: إن الشافعي نص عليه في «الرسالة»، وكذلك أحمد بن حنبل.
وقال ابن القطان: قول القائل: لا أعلم خلافًا. إن كان من أهل العلم فهو حجة، وإن لم يكن من الذين كشفوا الإجماع والاختلاف فليس بحجة.
стр. 655
وقال الماوردي: إذا قال: لا أعرف بينهم خلافًا. فإن لم يكن من أهل الاجتهاد وممن أحاط بالإجماع والاختلاف، لم يثبت الإجماع بقوله، وإن كان من أهل الاجتهاد فاختلف أصحابنا فأثبت الإجماع به قوم، ونفاه آخرون.
قال ابن حزم: وزعم قوم أن العالِم إذا قال: لا أعلم خلافًا. فهو إجماع، وهو قول فاسد، ولو قال ذلك محمد بن نصر المروزي فإنا لا نعلم أحدًا أجمع منه لأقاويل أهل العلم، ولكن فوق كل ذي علم عليم. وقد قال الشافعي في زكاة البقر: لا أعلم خلافًا في أنه ليس في أقل من ثلاثين منها تبيع. والخلاف في ذلك مشهور، فإن قومًا يرون الزكاة على خمس كزكاة الإبل.
وقال مالك في «موطأه» - وقد ذكر الحكم برد اليمين-: وهذا مما لا خلاف فيه بين أحد من الناس، ولا بلد من البلدان، والخلاف فيه شهير، وكان عثمان ﵁ لا يرى رد اليمين، ويقضي بالنكول، وكذلك ابن عباس، ومن التابعين الحكم وغيره، وابن أبي ليلى، وأبو حنيفة وأصحابه، وهم كانوا القضاة في ذلك الوقت، فإذا كان مثل من ذكرنا يخفى عليه الخلاف فما ظنك بغيره (١).
стр. 656
ومن أنواع الإجماع:
الإجماع العملي: وهو أن يتعامل المجتهدون جميعًا في عصر ما بمعاملة من غير نكير منهم، فيدل ذلك على إجماعهم على جوازها.
مثال: تعاملهم بالمساقاة، فإن عملهم هذا يدل على جواز المجمع عليه، ولا يفيد الوجوب إلا بقرينة تدل على الوجوب.
ومن أمثلة الإجماع العملي:
١ - جواز عقود الاستصناع.
قال ابن الهمام: القياس أن الاستصناع لا يجوز، وهو قول زفر والشافعي؛ إذ لا يمكن جعله إجارة؛ لأنه استئجار على العمل في ملك الأجير، وذلك لا يجوز، كما لو قال: احمل طعامك من هذا المكان إلى مكان كذا بكذا، أو اصبغ ثوبك أحمر بكذا، لا يصح.
ولا يمكن جعله بيعًا؛ لأنه بيع معدوم، ولو كان موجودًا مملوكًا لغير العاقد لم يجز، فإذا كان معدومًا فهو أولى بعدم الجواز، ولكن جوزناه استحسانًا، للتعامل الراجع إلى الإجماع العملي (١).
قال الكاساني عن الاستصناع: ويجوز استحسانًا لإجماع الناس
стр. 657
على ذلك؛ لأنهم يعملون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير (١).
٢ - جواز ترك الإشهاد على الدين سواء كان في القرض أم في البيع، واستدل الجمهور على ذلك بالإجماع العملي.
قال القرطبي: ما زال الناس يتبايعون حضرًا وسفرًا، وبرًّا وبحرًا، وسهلًا وجبلًا من غير إشهاد، مع علم الناس بذلك من غير نكير، ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تركه (٢).
٣ - عدم كشف النساء لوجوههن أمام الرجال الأجانب. قال الحافظ ابن حجر: ولم تزل عادة النساء قديمًا وحديثًا يسترن وجوههن عن الأجانب (٣).
ومثل الإجماع الظني: الإجماع السكوتي، كأن يقول: أفتى أبو بكر وسكت الصحابة، أو لم يعلم له مخالف.
فهذا يسمى إجماعًا ظنيًّا؛ لأن السكوت يحتمل أمورًا، منها:
١ - الرضا والموافقة بالحكم المذكور.
стр. 658
٢ - قد يكون لعدم علم العالم بهذه المسألة.
٣ - قد يسكت لأن المسألة خلافية، ويعتقد أن كل مجتهد مصيب، فلا يرى الإنكار فرضًا.
٤ - قد يكون السكوت من أجل الخوف واحتمال الضرر، كأن تكون المسألة خاصة بحاكم جائر أو ظالم، فيسكت العالم خوفًا على نفسه من الضرر.
٥ - لربما سكت لظنه أن غيره قام مقامه في ذلك.
٦ - أنه لو أنكر لم يلتفت إليه.
وإن احتمل السكوت هذه الوجوه كما احتمل الرضا؛ علمنا أنه لا يدل على الرضا قطعًا، وهذا معنى قول الشافعي: لا ينسب إلى ساكت قول (١).
* مراتب الإجماع السكوتي:
ذكر العلائي مراتب الإجماع السكوتي فقال:
إحداها: فرض ذلك في كل عصر، وهذا إن كان بعد استقرار
стр. 659
المذاهب فلا أثر للسكوت قطعًا، وذلك لفشو التقليد، واطمئنان أصحاب كل مذهب إلى اجتهاد إمامهم، وجريان العرف بعدم إنكار بعضهم على بعض، وإن كان قبل ذلك ففيه ما تقدم من الخلاف، وفي جعله إجماعًا ظنيًّا نظر، وكونه حجة، وليس بإجماع أبعد من ذلك.
ثانيها: أن يكون ذلك في عصر الصحابة ﵃، فهو أقوى من الأول، وأولى بأن يكون السكوت منهم دليلًا على الموافقة لعلو مرتبتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم المداهنة على من بعدهم، وإن كان لم يكن إجماعًا فالظاهر أنه حجة.
ثالثها: أن يكون ذلك فيما يتكرر وقوعه، فهو أولى بأن يكون إجماعًا أو حجة؛ لأن تلك الاحتمالات المقدرة، أي الاحتمالات التي تمنع من التصريح بالمخالفة، وهي أن السكوت يحتمل وجوهًا كما سبق:
١ - الموافقة والرضا بذلك.
٢ - أنه لم يجتهد في المسألة.
٣ - أنه اجتهد ولم يظهر له شيء.
٤ - أنه ظهر له ما يقتضي خلاف ذلك القول، لكنه لم يبده إما لاعتقاده أن كل مجتهد مصيب، وإما لظنه أن غيره كفى القيام بذلك،
стр. 660
وإما لهيبة القائل، وإما للخوف من ثوران فتنة، وإما أنه رأى أن الإنكار لا يجدي شيئًا (١).
خامسها: أن يكون فيما تعم به البلوى، فكون ذلك إجماعًا أقوى مما قبله، وأظهر في الحجية؛ لأن انتشار ذلك الحكم مع عموم البلوى به يقتضي علمهم بذلك الحكم، وموافقتهم فيه، وإلا لزم تطابقهم على ترك إنكاره.
سادسها: أن يكون فيما يفوت وقته، كالدماء، والفروج، كما صوره الماوردي، فاشتهار ذلك بينهم مع سكوت الباقين عنه يدل على الرضا أقوى مما في الصور المتقدمة، إلا أن صورته فيما تعم به البلوى ويتكرر وقوعه أظهر أو الكل على السواء.
والقول بحجية ذلك وإن لم يكن إجماعًا قوي، إذا قيل بأن قول الصحابي بمفرده لا يكون حجة والله سبحانه أعلم (٢).
стр. 661
* مسألة: انقراض عصر المجمعين:
معنى انقراض العصر: لو أجمع الصحابة مثلًا على رأى فهذا لا يعتبر إجماعًا إلا بعد أن ينقرض عصر الصحابة أى بعد موتهم جميعًا؛ لأن أحدًا منهم قد يرجع عن رأيه.
والصحيح عدم اشتراط ذلك لأمور منها:
١ - إن العصور متداخلة أى ليس هناك حد بينها كحد السيف، فالصحابة هم الذين كانوا مع النبى ولقوه مؤمنين وماتوا على ذلك، والتابعون الذين رأوا الصحابة، فهذا عصر وهذا عصر، فهل هناك حد فاصل بين هذه العصور؟! ليس بينها حد فاصل لأنه لا يكون هناك تابعون من غير أن يوجد أحد من الصحابة، فلابد أن يبدأ العصر الثانى قبل نهاية العصر الأول، فعصر تابعى التابعين لابد أن يبدأ قبل انقراض عصر التابعين لذا لو اشترطنا هذا الشرط لما كان إجماع لأن العصور متداخلة.
٢ - إن الناس فى كل العصور كانوا يأخذون برأى العالم الواحد ويعملون به مع احتمال رجوعه عنه، ولم يشترط أحد أن لا نأخذ بقوله إلا بعد موته، فإن كان هذا فى حق الفرد ففى حق مجموع الأمة من باب أولى.
٣ - كان بعض التابعين يحتج بإجماع الصحابة فى أواخر عصر
стр. 662
الصحابة، فحكي ذلك عن الحسن البصرى أنه كان يحتج بإجماع الصحابة وأنس كان حيًّا.
٤ - وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وغير ذلك من أدلة الإجماع، وكل هذه الدلائل موجبة للرجوع إلى الإجماع، فإذا وجد الإجماع فشرط انقراض العصر زيادة لا يدل عليها دليل.
والدليل قد قام على أن الإجماع حجة، وقد وجد الإجماع، فوجب الحكم لقيام الحجة من غير اعتبار انتظار لانقراض العصر أو غير ذلك.
ولو أنا اعتبرنا انقراض العصر، لجوزنا أن تكون الأمة حين اجتمعت أجمعت على خطأ، وهذا لا يجوز (١).
* فائدة الإجماع:
١ - يكفى مؤنة البحث عن الدليل.
٢ - يحرم المخالفة التى كانت جائزة.
٣ - يعطى الثقة التامة لهذا الدين ولأهل العلم.
стр. 663
٤ - دفع ما يتوهم من التأويل، حتى لو كان مستند الإجماع دليلًا ظنيًّا؛ لأن كثيرًا من آيات القرآن، وأحاديث الرسول ﷺ لو جردنا النظر فيها عما فهمه منهما الصحابة والتابعون لما قطعنا بمقتضاها، ولأمكن حملها على احتمالات كثيرة، ولكن لما عرفنا اتفاق الصحابة والتابعين ومن بعدهم على تفسيرها؛ لم يجز لنا أن نتأولها على خلافه، فهذه الأدلة لو خلت عن الإجماع لكانت ظنية، لكنها معه صارت قطعية.
مثال ذلك: أن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] لو لم يتفق الصحابة أن المراد بالأخ والأخت هنا الإخوة لأم؛ لكانت معارضة لآية: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦].
٥ - قطع النزاع في المسائل المستجدة، فإذا اتفق علماء العصر على حكمها لم يكن لأحد خلافهم، ولكن ينبغي ألا تترك الأدلة الصحيحة لدعوى الإجماع، وأن لا تقبل دعوى الإجماع إلا ممن له إحاطة بأقوال العلماء، واطلاع على صحيحها وضعيفها، ومشهورها وشاذها.
٦ - الإجماع يحقق خلافة هذه الأمة في الأرض؛ لأن الله تعالى لا يخلي الزمان من قائم بالحق.
стр. 664
٧ - الإجماع يجعل من سلطة التشريع في الأمور العامة حقًّا للأمة، فالأمة الإسلامية تمتلك سلطة حق التشريع بطريق الإجماع، أما ولي الأمر وهو الخليفة، فلا يملك من هذه السلطة شيئًا.
٨ - الإجماع مصدر التشريع الفقهي المتجدد، فالإجماع يسد حاجات المجتمع الإسلامي إلى أحكام جديدة، وهذه الحاجات تزداد بمضي العصور وتغير الظروف (١).
* مسألة: إن خالف النص الإجماع:
نبحث أولًا فى النص هل هو صحيح أم غير صحيح؟ فلو ثبت أنه صحيح ننظر هل هو صريح أم غير صريح؟ فإن ثبت أنه صريح، نبحث فى الإجماع لعله غير صحيح وقد يكون هناك مخالف، فإن ثبت أن الإجماع صحيح والنص صحيح صريح إذًا يكون النص منسوخًا بمستند الإجماع.
لذلك يقول الشيخ ابن عثيمين (واعلم أن الأمة لا يمكن أن تجتمع على خلاف دليل صحيح صريح غير منسوخ فإنها لا تجتمع إلا على حق، وإذا رأيت إجماعًا تظنه مخالفًا لذلك فانظر إما أن يكون الدليل
стр. 665
غير صحيح أو غير صريح أو منسوخًا أو فى المسألة خلاف لم تعلمه) (١).
* مسألة: الإجماع بعد خلاف:
إذا اختلف أهل العصر الواحد في مسألة على قولين فأكثر، ثم رجع بعضهم عن قوله واتفقوا، هل يعد هذا إجماعا؟:
الصحيح عند الأكثر أنه إجماع، وقال ابن الباقلاني والقاضي عبد الوهاب المالكي لا يكون إجماعا؛ لأن اختلافهم أولًا إجماع على تسويغ الخلاف، فلا ينقضه رجوع بعضهم عن رأيه.
وقال الجويني: إن قرب العهد كان اتفاقهم بعد الاختلاف إجماعًا، وأما إن تمادى الزمان واستقر الخلاف فليس اتفاقهم بعد ذلك إجماعًا.
والصحيح: أنه يعد إجماعًا؛ لأنه قول كل المجتهدين في هذا العصر، والقول الذي رجع عنه صاحبه لا عبرة به.
وأما إذا اختلف أهل العصر السابق على قولين ثم اتفق الذين بعدهم على قول من القولين كما لو اختلف الصحابة على قولين ثم اتفق التابعون على أحدهما، فاختلف العلماء في ذلك هل يعد إجماعا؟:
стр. 666
فذهب بعضهم إلى أنه إجماع؛ لأنه قول كل أهل العصر الثاني.
وذهب بعضهم إلى أنه ليس إجماعًا؛ لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها فيبقى جواز تقليدهم فيها بعد موتهم (١).
والظاهر والله أعلم أنه إجماع لموافقة ذلك للحد لأنهم جميع المجتهدين في هذا الزمان، وظاهر الأدلة كذلك.
* مسألة: اتفاق أكثر المجتهدين:
الصحيح: أنه ليس إجماعًا لأنهم ليسوا كل الأمة، حتى لو كان كل المجتهدين إلا واحدًا، خلافًا لبعضهم كابن جرير والرازى القائلين لا عبرة بمخالفة الواحد والإثنين في الإجماع، ورأي الجمهور هو الصحيح، وقد وقع فى عصر الصحابة اتفاق الأكثرين وخالفهم الأقل بل تفرد الواحد منهم برأيه كمخالفة ابن عباس لأكثر الصحابة فى مسألة الجد والإخوة، ولو كان اتفاق الأكثر يعتبر إجماعًا للزم الأقل أن يعمل بذلك الإجماع، ولاشتد الإنكار على المخالف لمخالفته الإجماع، ولكن لم يقع شيئًا من ذلك.
مسألة: اتفاق الخلفاء الأربعة: ليس إجماعًا، لأنهم ليسوا كل الأمة.
مسألة: اتفاق الأئمة الأربعة: ليس إجماعًا لأنهم ليسوا كل الأمة.
стр. 667
* اتفاق أهل المدينة:
ذكر الزركشي أن اتفاق أهل المدينة مراتب أربعة:
إحداها: ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ ، كنقلهم لمقدار الصاع والمد، فهذا حجة باتفاق.
ولهذا رجع أبو يوسف إلى مالك فيه، وقال: لو رأى صاحبي كما رأيت لرجع كما رجعت، ورجع إليه في الخضراوات، فقال: هذه بقائل أهل المدينة لم يؤخذ منها صدقة على عهد النبي ﷺ ، ولا أبي بكر ولا عمر، وسأل عن الأحباس، فقال: هذا حبس فلان، وهذا حبس فلان، فذكر أعيان الصحابة، فقال له أبو يوسف: وكل هذا قد رجعت إليك.
الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان ﵁، فهذا كله حجة عند مالك حجة عندنا أيضًا.
ونص عليه الشافعي، فقال في رواية يونس بن عبد الأعلى: إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء فلا يبق في قلبك ريب أنه الحق، وكذا هو ظاهر مذهب أحمد، فإنه عنده أن ما سنه الخلفاء الراشدون حجة يجب اتباعها.
وقال أحمد: كل بيعة كانت بالمدينة فهي خلافة النبوة، ومعلوم أن بيعة الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي كانت بالمدينة، وبعد ذلك لم
стр. 668
يعقد بها بيعة، ويحكى عن أبي حنيفة أن قول الخلفاء الراشدين عنده حجة.
الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين أو قياسين، فهل يرجح أحدهما بعمل أهل المدينة؟ وهذا موضع خلاف:
فذهب مالك والشافعي على أنه مرجح، وذهب أبو حنيفة إلى المنع، وعند الحنابلة قولان.
الرابعة: النقل المتأخر بالمدينة، والجمهور على أنه ليس بحجة شرعية، وبه قال الأئمة الثلاثة، وهو قول المحققين من أصحاب مالك، كما ذكره القاضي عبد الوهاب في «الملخص»، فقال: إن هذا ليس إجماعًا، ولا حجة عند المحققين، وإنما يجعله حجة بعض أهل المغرب من أصحابه، وليس هؤلاء من أئمة النظر والدليل، وإنما هم أهل تقليد (١).
وقد نبه الإمام الإبياري على مسألة حسنة، وهي أنا إذا قلنا: إن إجماعهم حجة «أي مذهب مالك في المشهور عنه»، فلا ينزل منزلة إجماع الأمة، حتى يفسق المخالف، وينقض قضاؤه، ولكنه يقول: هو حجة على معنى أن المستند إليه مستند إلى مأخذ من مآخذ الشريعة،
стр. 669
كما يستند إلى القياس، وخبر الواحد (١).
* مسألة: إذا اجتمعت الأمة على قولين في حادثة لم يجز إحداث قول ثالث فيها:
خلافًا لبعض أهل الظاهر وبعض المتكلمين، وبعض أصحاب أبي حنيفة (٢).
والسبب في ذلك أننا لو قلنا أن هذا القول الثالث صحيح يلزم منه بطلان القول الأول والثانى، أى أن الأمة فى هذا الزمن اجتمعت على باطل.
فاتفاق الأمة على رأي فهو حق، وإن اختلفوا على رأيين فالحق فيهما، وإن اختلفوا على ثلاثة يكون الحق فيهم ولابد، لذلك فالصحيح أن الأمة إذا اجتمعت على رأيين فى زمن لا يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث لذلك كان عمل العلماء فى المسائل القديمة التى فيها خلاف هو الترجيح بين آرائهم لا إحداث أقوال جديدة.
أمثلة: مسألة الختان للإناث: فالمسألة فيها قولان قيل واجب وقيل
стр. 670
سنة أو مكرمة، فالقول بأنه عادة مخالف للإجماع؛ لأن الإجماع انعقد على أنه أحد رأيين فلابد أن يكون الحق فى أحدهما، فإحداث قول ثالث شهادة على الأمة أنها اجتمعت فى عصر على باطل.
وكذلك فى مسألة النقاب والقول بأنه عادة حيث إن هذا رأي لم يقله أحد فى السابقين، فقائله قد أحدث قولًا زائدًا عن الأقوال السابقة، وهذا مخالف للإجماع؛ حيث اختلفوا فى الوجوب والاستحباب، فالحق فى أحدهما، وهكذا.
* مسألة: إذا بلغ التابعى رتبة الإجتهاد، واتفق الصحابة جميعًا على رأي، وهو خالفهم فيه هل يعتبر ذلك إجماعًا أم ليس إجماعًا؟
قال الشوكاني ﵀: اعتبار التابعي المجتهد في الإجماع إذا أدرك التابعي عصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد، لم ينعقد إجماعهم إلا به، كما حكاه جماعةٌ منهم: القاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وابن السمعاني، وأبو الحسن السهيلي.
قال القاضي عبد الوهاب: إنه الصحيح، ونقله السرخسي -من الحنفية- عن أكثر أصحابهم. قال: ولهذا قال أبو حنيفة: لا يثبت إجماع الصحابة في الإشعار؛ لأن إبراهيم النخعي كان يكرهه، وهو ممن أدرك عصر الصحابة فلا يثبت إجماعهم بدون قوله.