فذهب بعضهم إلى أنه إجماع؛ لأنه قول كل أهل العصر الثاني.
وذهب بعضهم إلى أنه ليس إجماعًا؛ لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها فيبقى جواز تقليدهم فيها بعد موتهم (١).
والظاهر والله أعلم أنه إجماع لموافقة ذلك للحد لأنهم جميع المجتهدين في هذا الزمان، وظاهر الأدلة كذلك.
* مسألة: اتفاق أكثر المجتهدين:
الصحيح: أنه ليس إجماعًا لأنهم ليسوا كل الأمة، حتى لو كان كل المجتهدين إلا واحدًا، خلافًا لبعضهم كابن جرير والرازى القائلين لا عبرة بمخالفة الواحد والإثنين في الإجماع، ورأي الجمهور هو الصحيح، وقد وقع فى عصر الصحابة اتفاق الأكثرين وخالفهم الأقل بل تفرد الواحد منهم برأيه كمخالفة ابن عباس لأكثر الصحابة فى مسألة الجد والإخوة، ولو كان اتفاق الأكثر يعتبر إجماعًا للزم الأقل أن يعمل بذلك الإجماع، ولاشتد الإنكار على المخالف لمخالفته الإجماع، ولكن لم يقع شيئًا من ذلك.
مسألة: اتفاق الخلفاء الأربعة: ليس إجماعًا، لأنهم ليسوا كل الأمة.
مسألة: اتفاق الأئمة الأربعة: ليس إجماعًا لأنهم ليسوا كل الأمة.
стр. 667
* اتفاق أهل المدينة:
ذكر الزركشي أن اتفاق أهل المدينة مراتب أربعة:
إحداها: ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ ، كنقلهم لمقدار الصاع والمد، فهذا حجة باتفاق.
ولهذا رجع أبو يوسف إلى مالك فيه، وقال: لو رأى صاحبي كما رأيت لرجع كما رجعت، ورجع إليه في الخضراوات، فقال: هذه بقائل أهل المدينة لم يؤخذ منها صدقة على عهد النبي ﷺ ، ولا أبي بكر ولا عمر، وسأل عن الأحباس، فقال: هذا حبس فلان، وهذا حبس فلان، فذكر أعيان الصحابة، فقال له أبو يوسف: وكل هذا قد رجعت إليك.
الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان ﵁، فهذا كله حجة عند مالك حجة عندنا أيضًا.
ونص عليه الشافعي، فقال في رواية يونس بن عبد الأعلى: إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء فلا يبق في قلبك ريب أنه الحق، وكذا هو ظاهر مذهب أحمد، فإنه عنده أن ما سنه الخلفاء الراشدون حجة يجب اتباعها.
وقال أحمد: كل بيعة كانت بالمدينة فهي خلافة النبوة، ومعلوم أن بيعة الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي كانت بالمدينة، وبعد ذلك لم
стр. 668
يعقد بها بيعة، ويحكى عن أبي حنيفة أن قول الخلفاء الراشدين عنده حجة.
الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين أو قياسين، فهل يرجح أحدهما بعمل أهل المدينة؟ وهذا موضع خلاف:
فذهب مالك والشافعي على أنه مرجح، وذهب أبو حنيفة إلى المنع، وعند الحنابلة قولان.
الرابعة: النقل المتأخر بالمدينة، والجمهور على أنه ليس بحجة شرعية، وبه قال الأئمة الثلاثة، وهو قول المحققين من أصحاب مالك، كما ذكره القاضي عبد الوهاب في «الملخص»، فقال: إن هذا ليس إجماعًا، ولا حجة عند المحققين، وإنما يجعله حجة بعض أهل المغرب من أصحابه، وليس هؤلاء من أئمة النظر والدليل، وإنما هم أهل تقليد (١).
وقد نبه الإمام الإبياري على مسألة حسنة، وهي أنا إذا قلنا: إن إجماعهم حجة «أي مذهب مالك في المشهور عنه»، فلا ينزل منزلة إجماع الأمة، حتى يفسق المخالف، وينقض قضاؤه، ولكنه يقول: هو حجة على معنى أن المستند إليه مستند إلى مأخذ من مآخذ الشريعة،
стр. 669
كما يستند إلى القياس، وخبر الواحد (١).
* مسألة: إذا اجتمعت الأمة على قولين في حادثة لم يجز إحداث قول ثالث فيها:
خلافًا لبعض أهل الظاهر وبعض المتكلمين، وبعض أصحاب أبي حنيفة (٢).
والسبب في ذلك أننا لو قلنا أن هذا القول الثالث صحيح يلزم منه بطلان القول الأول والثانى، أى أن الأمة فى هذا الزمن اجتمعت على باطل.
فاتفاق الأمة على رأي فهو حق، وإن اختلفوا على رأيين فالحق فيهما، وإن اختلفوا على ثلاثة يكون الحق فيهم ولابد، لذلك فالصحيح أن الأمة إذا اجتمعت على رأيين فى زمن لا يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث لذلك كان عمل العلماء فى المسائل القديمة التى فيها خلاف هو الترجيح بين آرائهم لا إحداث أقوال جديدة.
أمثلة: مسألة الختان للإناث: فالمسألة فيها قولان قيل واجب وقيل
стр. 670
سنة أو مكرمة، فالقول بأنه عادة مخالف للإجماع؛ لأن الإجماع انعقد على أنه أحد رأيين فلابد أن يكون الحق فى أحدهما، فإحداث قول ثالث شهادة على الأمة أنها اجتمعت فى عصر على باطل.
وكذلك فى مسألة النقاب والقول بأنه عادة حيث إن هذا رأي لم يقله أحد فى السابقين، فقائله قد أحدث قولًا زائدًا عن الأقوال السابقة، وهذا مخالف للإجماع؛ حيث اختلفوا فى الوجوب والاستحباب، فالحق فى أحدهما، وهكذا.
* مسألة: إذا بلغ التابعى رتبة الإجتهاد، واتفق الصحابة جميعًا على رأي، وهو خالفهم فيه هل يعتبر ذلك إجماعًا أم ليس إجماعًا؟
قال الشوكاني ﵀: اعتبار التابعي المجتهد في الإجماع إذا أدرك التابعي عصر الصحابة وهو من أهل الاجتهاد، لم ينعقد إجماعهم إلا به، كما حكاه جماعةٌ منهم: القاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وابن السمعاني، وأبو الحسن السهيلي.
قال القاضي عبد الوهاب: إنه الصحيح، ونقله السرخسي -من الحنفية- عن أكثر أصحابهم. قال: ولهذا قال أبو حنيفة: لا يثبت إجماع الصحابة في الإشعار؛ لأن إبراهيم النخعي كان يكرهه، وهو ممن أدرك عصر الصحابة فلا يثبت إجماعهم بدون قوله.
стр. 671
والوجه في هذا القول: أن الصحابة عند إدراك بعض مجتهدي التابعين لهم هم بعض الأمة لا كلها، وقد سئل ابن عمر عن فريضةٍ. فقال اسألوا ابن جبيرٍ فإنه أعلم بها، وكان أنسٌ يُسأَل فيقول: سلوا مولانا الحسن فإنه سمع وسمعنا وحفظ ونسينا.
وسئل ابن عباسٍ عن ذبح الولد (أي من نذر أن يذبح ولده) فأشار إلى مسروقٍ. فلما بلغه جوابه تابعه عليه.
وقال جماعةٌ: إنه لا يعتبر المجتهد التابعي، الذي أدرك عصر الصحابة في إجماعهم، وهو مروي عن إسماعيل بن علية، ونفاة القياس، وحكاه الباجي عن ابن خويزمنداد، واختاره ابن برهانٍ في الوجيز (١).
تنبيه: لو أجمع الصحابة قبل أن يبلغ التابعى رتبة الإجتهاد ثم اجتهد وخالفهم يعتبر إجماعًا، ويكون قوله شاذًّا.
والشاذ: هو من كان مع القوم ثم شذ عنهم، والمعنى: لو أن الأمة اجتمعت على رأي ورجع أحدهم عن قوله فيكون قوله شاذًّا، وإذا أجمعوا فى عصر الصحابة وجاء تابعى وخالفهم يقال له أنت شاذ، فإن قيل كيف شذ وهو لم يكن معهم؟ الجواب لأن الأمة إذا أجمعت فى
стр. 672
عصر أصبح هذا الإجماع لكل الأمة فى كل عصر.
* هل يعتبر بخلاف الظاهرية في الإجماع؟
ذكر الزركشي في هذه المسألة خمسة أقوال، وملخصها:
القول الأول: لا يعتد بخلافهم، وإليه ذهب القاضي أبو بكر، والأستاذ أبو إسحاق الاسفراييني، ونسبه إلى الجمهور، وتابعهم إمام الحرمين والغزالي.
قالوا: لأن من أنكر القياس لا يعرف طرق الاجتهاد، وإنما هو متمسك بالظواهر فهو كالعامي الذي لا معرفة له.
وقال النووي في شرح مسلم في باب السواك حديث (٢٥٢) عند حكايته وجوب السواك عن داوود كما نقله الشيخ أبو حامد الاسفراييني.
قال النووي: وقد أنكر أصحابنا المتأخرون على الشيخ أبي حامد وغيره نقل الوجوب عن داود، وقالوا: مذهبه أنه سنة كالجماعة، ولو صح إيجابه عن داود لم تضر مخالفته في انعقاد الإجماع على المختار الذي عليه المحققون والأكثرون (١).
стр. 673
قال إمام الحرمين: المحققون لا يقيمون لخلاف الظاهرية وزنًا؛ لأن معظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد، ولا تفي النصوص بعشر معشارها (١).
القول الثاني: أن خلافهم يعتبر، كما يعتبر خلاف من ترك المراسيل، ومنع العموم، ومن حمل الأمر على الوجوب؛ لأن مدار الفقه على هذه الطرق، قاله القاضي عبد الوهاب من المالكية (٢).
قال ابن الصلاح: الذي استقر عليه الأمر ما اختاره الأستاذ أبو منصور وحكاه عن الجمهور، وأن الصحيح من المذهب الاعتداد بخلافهم، ولهذا يذكر الأئمة من أصحابنا خلافهم في الكتب الفرعية.
ثم قال: والذي أجيب به بعد الاستخارة: أن داود يعتبر قوله، ويعتد به في الإجماع إلا ما خالف القياس، وما أجمع عليه القياسيون من أنواعه أو بناه على أصوله التي قام الدليل القاطع على بطلانها، فاتفاق من سواه على خلافه إجماع ينعقد، فقول المخالف حينئذ خارج عن الإجماع، كقوله في التغوط في الماء الراكد، وتلك المسائل الشنيعة، ولا ربا إلا في النسيئة المنصوص عليها، فخلافه في هذا وشبهه غير معتد
стр. 674
به (١).
واختار هذا القول غير واحد من المحققين، كالعلامة ابن القيم كما في زاد المعاد (٥/ ٣٠٠) ط الرسالة، في فصل الظهار، وإعلام الموقعين (٢/ ٢٧٧)، والصنعاني في العدة (١/ ١٤٠)، والشوكاني في إرشاد الفحول (١/ ٢٥٦)، والشيخ الشنقيطي في أضواء البيان (٥/ ٢٥٣) دار الحديث. قال: وفي اعتبار داود الإجماع خلاف معروف، والأظهر عند الأصوليين اعتباره في الإجماع، والله أعلم.
وأجابوا عن احتجاج الفريق الأول أن الشريعة لا تفي بالمسائل ولا بد من الاجتهاد لذا لم يعتبروا قول الظاهرية بجواب:
قالوا: رد هذه الدعوى ابن حزم، فقال: فإذا قد صح يقينًا بخبر الله تعالى الذي لا يكذبه مؤمن أنه لم يفرط في الكتاب شيئًا، وأنه قد بين فيه كل شيء، وأن الدين قد كمل، وأن رسول الله ﷺ قد بين للناس ما نزل إليهم، فقد بطل يقينًا بلا شك أن يكون شيء من الدين لا نص فيه، ولا حكم من الله تعالى ورسوله ﷺ (٢).
وردها أيضًا أبو إسحاق الشاطبي فقال: فالعالم به على التحقيق
стр. 675
عالم بجملة الشريعة، ولا يعوزه منها شيء، والدليل على ذلك أمور منها: التجربة وهو أنه لا أحد من العلماء لجأ إلى القرآن في مسألة إلا وجد لها فيه أصلًا، وأقرب الطوائف من أعواز المسائل النازلة أهل الظواهر الذين ينكرون القياس، ولم يثبت عنهم أنهم عجزوا عن الدليل في مسألة من المسائل (١).
قلت: وإن ثبت عدم عجزهم عن الدليل إلا أنه إنكارهم للقياس أوقعهم فى الجمود، ومخالفة الأدلة، وتضييع الغاية والمقصود من الحكم فى بعض المواضع.
وأجاب الشوكاني أيضًا فقال: أن من عرف نصوص الشريعة حق معرفتها وتدبر آيات الكتاب العزيز، وتوسع في الاطلاع على السنة المطهرة، علم بأن نصوص الشريعة تفي بجميع ما تدعو الحاجة إليها في جميع الحوادث، وأهل الظاهر فيهم من أكابر الأئمة وحفاظ الشريعة المتقيدين بنصوص الشريعة جمع جم، ولا عيب لهم إلا ترك العمل بالآراء الفاسدة التي لم يدل عليها كتاب ولا سنة ولا قياس مقبول.
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها، نعم قد جمدوا في مسائل كان ينبغي لهم ترك الجمود عليها، ولكنها بالنسبة إلى ما وقع في مذهب غيرهم من
стр. 676
العمل بما لا دليل عليه البتة قليلة جدًا (١).
تنبيه: ويُجمَع بين أقوال العلماء القائلين بأن الشريعةتفي بجميع الأحكام، والقائلين بأنها غير وافية بذلك بتحرير محل النزاع، وهو أن المراد بقول من يقول أن الشريعة لا تفي بالمسائل والحوادث، فمراده أنها لا تفي بذلك نصًّا أي في عين المسائل، لا في جنسها أو نوعها، ومن يقول أنها تفي بكل المسائل والأحكام، فمراده بذلك نصًّا ونوعًا وجنسًا، أي باللفظ، والمعنى، والقياس، والاجتهاد، ونحو ذلك.
القول الثالث: أنهم لا يعتد بخلافهم في الأصول، ويعتد بخلافهم في الفروع.
القول الرابع: إن كانت المسألة مما تتعلق بالآثار، والتوقيف، واللفظ اللغوي، ولا مخالف لقياس فيها؛ لم يصح أن ينعقد الإجماع بدونهم إلا على رأي من يرى أن الاجتهاد لا يتجزأ، وهذا قول الإبياري.
ويظهر بعد التأمل أن هذا القول راجع إلى القول الأول، وهو عدم الاعتداد بخلافهم، إذ جل المسائل إنما هي قياسية.
القول الخامس: أن خلافهم معتبر فيما خالف القياس الخفي، أما
стр. 677
خلافهم فيما خالف القياس الجلي، فهو غير معتد به، لكونه مبنيًّا على ما يقطع ببطلانه، وبه قال ابن الصلاح في فتاويه.
والراجح - والله أعلم- في هذه المسألة: هو الاعتداد بخلاف الظاهرية، وعدم انعقاد الإجماع بدونهم، وأما المسائل التي شذوا فيها فيردها الكتاب والسنة، وهما اللذان يحكمان ببطلانه حال عرضها عليهما.
* الإجماع الكاذب:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولا تعبأ بما يفرض من المسائل، ويدعي الصحة فيها بمجرد التهويل، أو بدعوى أن لا خلاف في ذلك، وقائل ذلك لا يعلم أحدًا قال فيها بالصحة فضلًا عن نفي الخلاف فيها، وليس الحكم فيها من الجليات التي لا يعذر المخالف فيها، وفي مثل هذه المسائل قال الإمام أحمد، من ادعى الإجماع فهو كاذب، فإنما هذه دعوى بشر، وابن علية يريدون أن يبطلوا السنن بذلك، يعني الإمام أحمد ﵁ أن المتكلمين في الفقه من أهل الكلام إذا ناظرتهم بالسنن والآثار، قالوا: هذا خلاف الإجماع. وذلك القول الذي يخالف ذلك الحديث لا يحفظونه إلا عن فقهاء (١).
стр. 678
قال ابن القيم في معرض الحديث عن أصول الإمام أحمد: ولم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملًا، ولا رأيًا، ولا قياسًا، ولا قول صاحب، ولا عدم علمه بالمخالف الذي يسميه كثير من الناس إجماعًا ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذب أحمد من ادعى هذا الإجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت، وكذلك الشافعي أيضًا نص في رسالته الجديدة على أن ما لا يعلم فيه بخلاف لا يقال له إجماع، ولفظه: ما لا يعلم فيه خلاف فليس إجماعًا. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب، من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ما يدريه ولم ينته إليه، فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم. ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك هذا لفظه.
ونصوص رسول الله ﷺ أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ لتعطلت النصوص وساغ لكل من لم يعلم مخالفًا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص، فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد
стр. 679
لوجوده (١).
ومعنى كلام الإمام أحمد ﵀ هذا هو ما رجحه ابن رجب، كما نقله عنه المرداوي (٢)، وذكر نحو هذا الكلام في ذم طريقة المتأخرين في أخذ الأحكام (٣).
ويقال: إن أكثر الناس شهرة في ادعاء الإجماع هو الحافظ ابن عبد البر الأندلسي، حتى صار مضرب المثل في هذا الشأن، فهو مع علمه، وجلالته وسعة اطلاعه يحكي إجماعات الخلاف فيها مشهور جدًّا، وطريقته في ادعاء الإجماع في مسألة خلافية مستهجن من فاضل مثله، ويذهب البعض أن المقصود بهذا هو الإجماع السكوتي.
قال ابن القطان: ومعلوم أن أبا عمر بن عبد البر إذا حكى الإجماع فما يحكيه بنقل متصل إلى المتعين به، وإنما هو بتصفحه، والتصفح أكثر ما يحصل منه في هذا الباب عدم العلم بالخلاف (٤).
لكن هذا يستبعد في بعض الأحيان لمعرفتنا لسعة اطلاع ابن عبد البر، والسبب - والله أعلم- أنه يرى أن رأي الجمهور حجة مثل
стр. 680
الإجماع، فتراه يقول: والجمهور حجة على من شذ منهم؛ لأنه لا يجوز على جميعهم جهل ما علمه الشاذ المنفرد (١).
وعمدة فقهاء المغرب والأندلس في فقه الخلاف وحكاية المذهب هو كتب ابن عبد البر؛ لذلك حذر العلماء من إجماعات ابن عبد البر، واتفاقات ابن رشد، واحتمالات الباجي، واختلاف اللخمي (٢).
تنبيه: قد يكون الخلاف حجة:
قال الزركشي: قد يكون الخلاف حجة كالإجماع في مواضع، منها:
١ - منع الخروج منه إذا انحصر على قولين أو ثلاثة.
٢ - تسويغ الذهاب إلى كل واحد من الأقوال المختلف فيها.
٣ - كون الجميع صوابًا إن قلنا كل مجتهد مصيب (الصحيح - والله أعلم- إن كان الخلاف خلاف تضاد، والمسألة متحدة العين والزمان والحال، أن المصيب واحد، وله أجران، والآخر مخطئ، وله أجر إن كان من أهل الاجتهاد؛ وإن كان الخلاف خلاف تنوع فكلٌّ على صواب، وليس كل خلاف جاء معتبرًا إلا خلاف له حظ من الدليل والنظر-وسيأتي زيادة بيان لذلك إن شاء الله تعالى، عند الحديث عن
стр. 681
الاجتهاد وأحكامه في المجلد الرابع-).
وغير ذلك، ذكره القاضي عبد الوهاب في مسألة تقليد الصحابي، ثم قال: الاختلاف مذموم، والاجتماع محمود. وقال المزني في كتاب ذم التقليد: قد ذم الله الاختلاف في غير ما آية، ولو كان من دينه ما ذمه، ولو كان التنازع من حكمه ما رده إلى كتابه، وسنة نبيه، ولا أمر بإمضاء الاختلاف والتنازع على ما هما به، وما حذر رسول الله أمته من الفرقة، وأمرها بلزوم الجماعة، قال: ولو كان الاختلاف رحمة لكان الاجتماع عذابًا؛ لأن العذاب خلاف الرحمة، ثم قال: قال الشافعي -رحمه الله تعالى--: الاختلاف وجهان: فما كان منصوصًا لم يحل فيه الاختلاف، وما كان يحتمل التأويل أو يدرك قياسًا، فذهب المتأول، أو المقايس إلى معنى يحتمل ذلك، وإن خالفه غيره لم أقل إنه يضيق عليه ضيق الاختلاف في المنصوص (١).
وقال الشافعي: فإن قيل: ذم الله الاختلاف. قيل: الاختلاف وجهان: فما أقام الله تعالى به الحجة على خلقه حتى يكونوا على بينة منه ليس عليهم إلا اتباعه، ولا لهم مفارقته، فإن اختلفوا فيه فذلك الذي ذم الله عليه، والذي لا يحل الاختلاف فيه. فإن قال: فأين ذلك؟ قيل: قال الله
стр. 682
تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ [البينة: ٤]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، فمن خالف نص كتاب لا يحتمل التأويل، أو سنة قائمة، فلا يحل له الخلاف، ولا أحسبه يحل له خلاف جماعة الناس وإن لم يكن في قولهم كتاب أو سنة، ومن خالف في أمر له فيه الاجتهاد، فذهب إلى معنى يحتمل ما ذهب إليه ويكون عليه دلائل لم يكن في ضيق من خلاف لغيره (١).
قال الشاطبي - وهو يتحدث عن الاجتهاد ويحذر من زلة العالم-: فإنه ربما خفي على العالم بعض السنة، أو بعض المقاصد العامة في خصوص مسألته، فيفضي ذلك إلى أن يصير قوله شرعًا يتقلد، وقولًا يعتبر في مسائل الخلاف، فربما رجع عنه وتبين له الحق، فيفوته تدارك ما سار في البلاد عنه، ويضل عنه تلافيه، فمن هنا قالوا: زلة العالم مضروب بها الطبل.
ثم نبه الشاطبي على أمور، منها:
١ - أن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة ولا الأخذ بها تقليدًا له؛ وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك عُدَّت زلة.
стр. 683
٢ - أنه لا يصح اعتمادها خلافًا في المسائل الشرعية؛ لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاده، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد، فهو لم يصادف فيها محلًّا، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد، وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو يضعف، وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل، أو عدم مصادفته فلا، فلذلك قيل: إنه لا يصح أن يعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل، والمتعة، ومحاشي النساء، وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها.
فإن قيل: فبماذا يعرف من الأقوال ما هو كذلك مما ليس كذلك؟
فالجواب: إنه من وظائف المجتهدين، فهم العارفون بما وافق أو خالف، وأما غيرهم، فلا تمييز لهم في هذا المقام، ويعضد هذا أن المخالفة للأدلة الشرعية على مراتب، فمن الأقوال ما يكون خلافًا لدليل قطعي من نص متواتر، أو إجماع قطعي في حكم كلي، ومنها ما يكون خلافًا لدليل ظني، والأدلة الظنية متفاوتة، كأخبار الآحاد، والقياس الجزئية، فأما المخالف للقطعي؛ فلا إشكال في اطراحه، ولكن العلماء ربما ذكروه للتنبيه عليه، وعلى ما فيه، لا للاعتداد به، وأما المخالف للظني، ففيه الاجتهاد بناء على التوازن بينه وبين ما اعتمده
стр. 684
صاحبه من القياس أو غيره (١).
* شروط تحقق الاختلاف:
الشرط الأول: أن يكون صادرًا ممن يعتبر بخلافه، يعني من مجتهد في العلم الذي تنسب إليه تلك المسألة، فلا يعتد بخلاف من ليس كذلك كالشيعة، والخوارج، والأزارقة، ونحوهم.
الشرط الثاني: أن لا يكون مسبوقًا بإجماع في تلك المسألة، فلو سبق بإجماع فيها يكون الخلاف المحكي خارقًا للإجماع، وهو ما لا يقبله العلماء.
الشرط الثالث: ألا يكون قد حدث إجماع بعد الخلاف؛ لأن الإجماع بعد الخلاف يرفع الخلاف سواء كان الخلاف مستقرًّا، أو كان في مهلة النظر، ويكون الإجماع كاشفًا عن القطع بصحة أحد الأقوال، وخطأ ما عداه.
الشرط الرابع: أن لا يثبت رجوع القائل عن قول قال به، فإن ثبت رجوعه فلا يحكى عنه إلا مقرونًا بحكاية الرجوع، وبيان أنه قول هجره القائل، وانتقل إلى غيره.
стр. 685
الشرط الخامس: أن لا ينسحب الخلاف على أكثر مما حكي فيه كالخلاف في ختان الإناث، فإنه ليس في أصل المشروعية، بل في درجتها، فلا ينسحب على أصلها (١).
стр. 686
الفصل الرابع:
القياس
стр. 687
القياس
* بعض المقدمات فى باب القياس:
١ - باب القياس أوسع من غيره من أبواب الأصول ولذا خصه الأئمة بمزيد اعتناء.
٢ - مراتب القياس قد تتفاوت فى الجلاء والخفاء كما تتفاوت مراتب النصوص، والمعنى أن دلالة النصوص على الأحكام درجات كما أن دلالة القياس درجات، فبعض أنواع القياس أقوى وأصرح من بعض.
٣ - ما ورد عن السلف من آثار فى ذم القياس فهو محمول على القياس الفاسد الذى يخالف الدليل، أو لم تكتمل شروطه.
٤ - إهمال القياس وإقصاؤه نوع من الجمود، وتقديم القياس على نصوص الشريعة أمر مردود.
٥ - لا ينبغى القدح فى القياس بسبب أخطاء بعض العلماء فى تطبيقه على بعض المسائل؛ لأن الخطأ وقع فى الاستدلال بالنصوص
стр. 688
نفسها، ولم يكن ذلك مسوغًا لرد النصوص، وإنما يُرَد الاستدلال الخاطاء، ووضع النصوص فى غير موضعها، وكذا يُرَد القياس الخاطاء والفاسد.
٦ - استخدام نفاة القياس للقياس فى بعض المسائل ليس مسوغًا للقول بأنهم يقولون به - وإن كان يحتج عليهم بذلك -لأن العبرة بالأعم الأغلب.
٧ - القول بالقياس ليس تقديمًا للرأى على الشرع، وإنما إعمال للنصوص الشرعية فى بعضها البعض.
٨ - ينبغى التفريق بين مراعاة خلاف الظاهرية - عند من ينفي نقل الإجماع على العمل بالقياس- وبين القول بحجية القياس، فإن الأدلة قائمة على حجيته بما لا يدع مجالًا للشك
* تعريف القياس:
لغة: تقدير شيء على مثال شيء آخر، وتسويته به، ولذلك سمي المكيال مقياسًا، وما يقدر به النعال مقياسًا، ويقال: فلان لا يقاس بفلان، أي: لا يساويه (١)، وقست الشيء بالشيء: قدرته على مثاله (٢).
стр. 689
ويقال: هو يخطو قيسًا أي يجعل هذه الخطوة بميزان هذه، ويقال: قصر مقياسك عن مقياسي أي مثالك عن مثالي (١).
واصطلاحًا: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما، بأمر جامع بينهما، من حكم أو صفة (٢).
وعرفه ابن الحاجب: بأنه مساواة فرع لأصل في علة حكمه (٣).
وقيل: حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما. والمراد بالحمل هنا الإلحاق (٤).
* أهمية مبحث القياس:
قال إمام الحرمين: القياس مناط الاجتهاد، وأصل الرأي، ومنه يتشعب الفقه.
وقال الشافعي ﵀: والاجتهاد القياس (٥).
стр. 690
* من فوائد القياس:
١ - أنه يسعف في النوازل الواقعة التي ليس فيها نص من كتاب أو سنة.
٢ - أنه يقوي الخبر ويرجحه، موافقة ومخالفة.
أي أنَّ اقتران القياس مع الأثر لإثبات نفس الحكم يعتبر مقويًا للأثر إذا عارضه أثر آخر مساو له، وكذا قد يرجحون الخبر لمخالفة القياس فيكون حينئذ - أيضًا- معيارًا.
فالشافعي يعتبر القياس مرجحًا للحديث، حيث يقول: وتختلف الأحاديث فآخذ ببعضها استدلالًا بكتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس (١).
٣ - يبين المراد من النص، فقد يرد اللفظ في كلام الشارع والمراد به ما هو أوسع من دلالته اللغوية، أو أضيق منها، والقياس بما فيه من العلة مبين للمراد من اللفظ.
مثال ذلك: عن أبي بكرة، أنَّ النبي ﷺ قال: «لا يقضينَّ حكم بين اثنين وهو غضبان» (٢)، ومعلوم أنه ليس كل غضب مانعًا من القضاء،
стр. 691
وإلا فإنَّ القاضي يغضب كثيرًا في مجلس القضاء لأمور تعرض من الشهود أو الخصوم، ولا يقتصر المنع من القضاء على الغضب فقط، بل يلحق به قياسًا التعب الشديد، والجوع الشديد، والحزن الشديد، وكل ما هو مشوش لفكره، فالقياس هنا كأنه بين أنَّ خصوص الغضب ليس مرادًا، بل ليس كل غضب داخلًا في هذا الحكم، بل الغضب المُشَوِّشُ (١).
* حجية القياس:
قال الإمام السمعاني في (القواطع): ذهب أكثر الأمة من الصحابة والتابعين وجمهور الفقهاء والمتكلمين، إلى أنَّ القياس الشرعي أصل من أصول الشرع، ويستدل به على الأحكام التي لم يرد بها السمع، وذهبت طائفة إلى إبطال القياس، وقالوا: لا يجوز أن يستدل به على حكم في فرع. وهذا قول إبراهيم النَّظام، ومن تبعه من المتكلمين، وهو قول داود بن على، ومن تبعه من أهل الظاهر، والقاشاني، والمغربي، والقيرواني، وهو قول الشيعة أيضًا (٢).
وبالغ ابن حزم في إنكار القياس بجملته.
стр. 692
قال الخطيب البغدادي ﵀: اعلم أنَّ القياس فعل القائس، وهو: حمل فرع على أصل في بعض أحكامه، لمعنى يجمع بينهما. وقيل هو: الاجتهاد. والأول أجمع لحده؛ لأن الاجتهاد هو بذل المجهود في طلب العلم، فيدخل فيه حمل المطلق على المقيد، وترتيب الخاص على العام، وجميع الوجوه التي يطلب منها الحكم، وليس شيء من ذلك بقياس، والقياس مثاله مثال الميزان أن يوزن به الشيء من الفروع ليعلم ما يوازنه من الأصول، فيعلم أنه نظيره، أو لا يوازنه، فيعلم أنه مخالفه، والاجتهاد أعم من القياس، والقياس داخل فيه، والقياس حجة في إثبات الأحكام العقلية، وطريق من طرقها مثل حدوث العالم، وإثبات الصانع، والتوحيد، وما أشبهه، ومن الناس من أنكر ذلك، والدليل على فساد قوله إثبات هذه الأحكام لا يخلو إما أن يكون بالضرورة، أو بالاستدلال والقياس، ولا يجوز أن يكون بالضرورة؛ لأنه لو كان كذلك لم يختلف العقلاء فيها، فثبت أنَّ إثباتها بالقياس والاستدلال بالشاهد على الغائب وكذلك هو حجة في الشرعيات، وطريق لمعرفة الأحكام، ودليل من أدلتها من جهة الشرع، وذهب إبراهيم النظام، والرافضة إلى أنه ليس بطريق للأحكام الشرعية، ولا يجوز ورود التعبد به من جهة العقل، وقال داود بن علي وأهل
стр. 693
الظاهر: يجوز أن يرد التعبد به من جهة العقل، إلا أنَّ الشرع ورد بحظره، والمنع منه (١).
• الأدلة على حجية القياس:
* أولًا: من الكتاب:
قال الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ [الحشر: ٢].
قال الزركشي: ومن أشهرها قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، وقد سئل أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، وهو من أئمة اللسان عن (الاعتبار)، فقال: أن يعقل الإنسان الشيء فيعقل مثله. فقيل: أخبرنا عمن ردَّ حكم حادثة إلى نظيرها أيكون معتبرًا، قال: نعم هو مشهور في كلام العرب.
وإنما سمي الاتعاظ والفكر اعتبارًا؛ لأنه مقصود به التسوية بين الأمر ومثله، والحكم فيه بحكم نظيره، ولولا ذلك لم يحصل الاتعاظ والازدجار عن الذنب بنزول العذاب والانتقام بأهل الخلاف والشقاق.
وزعم ابن حزم أنَّ المراد بالاعتبار التعجب بدليل سياق الآية، ووافقه ابن عبد السلام، فقال في (القواعد): من العجيب استدلالهم بهذه الآية على جواز القياس، مع أنَّ الاعتبار في الآية يراد به الاتعاظ
стр. 694
والازدجار، والمطلق إذا عمل به في صورة خرج عن أن يكون حجة في غيرها بالاتفاق.
قال: وهذا تحريف لكلام الله عن مراده إلى غير مراده، ثم كيف ينتظم الكلام مع كونه واعظًا بما أصاب بني النضير من الجلاء أن يقرن ذلك الأمر بقياس الدخن على البر، والحمص على الشعير، فإنه لو صرح بهذا لكان من ركيك الكلام وإدراجًا له في غير موضعه، وقرانًا بين المنافرات.
والعجب من الشيخ، فإنَّ العبرة بعموم اللفظ، فإن منع قلنا هذا يرجع إلى قياس العلة؛ لأن إخراجهم من ديارهم وتعذيبهم قد رتب على المعصية فالمعصية علة لوقوع العذاب، فكأنه قال: لا تقعوا في المعصية فيقع بكم العذاب قياسًا على أولئك. فهو قياس نهي على نهي، بعلة العذاب المترتبة على المخالفة (١).
٢ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
قال الرازي: تدل على أنَّ القياس حجة، ووجه الدلالة: إما أن يكون المراد فإن اختلفتم في شيء حُكمُه منصوصٌ عليه في الكتاب أو السنة أو
стр. 695
الإجماع، أو المراد فإن اختلفتم في شيء حكمه غير منصوص عليه في شيء من هذه الثلاثة. والأول باطل؛ لأن على ذلك التقدير وجب عليه طاعته فكان ذلك داخلًا تحت قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] وحينئذ يصير قوله: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إعادة لعين ما مضى، وإنه غير جائز.
وإذا بطل هذا القسم تعين الثاني وهو: أنَّ المراد فإن تنازعتم في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب، والسنة، والإجماع، وإذا كان كذلك لم يكن المراد من قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] طلب حكمه من نصوص الكتاب والسنة، فوجب أن يكون المراد رد حكمه إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له، وذلك هو القياس، فثبت أنَّ الآية دالة على الأمر بالقياس (١).
٣ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
قال الرازي: دلت هذه الآية على أنَّ القياس حجة في الشرع؛ وذلك لأن قوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] صفة لأولي الأمر،
стр. 696
وقد أوجب الله تعالى على الذين يجيئهم أمر من الأمن أو الخوف أن يرجعوا في معرفته إليهم، ولا يخلو إما أن يرجعوا إليهم في معرفة هذه الوقائع مع حصول النص فيها أولًا، والأول باطل؛ لأن على هذا التقدير لا يبقى الاستنباط، لأن من روى النص في واقعة لا يقال: إنه استنبط الحكم. فثبت أنَّ الله أمر المكلف برد الواقعة إلى من يستنبط الحكم فيها، ولولا أنَّ الاستنباط حجة لما أمر المكلف بذلك، فثبت أنَّ الاستنباط حجة، والقياس إما استنباط، أو داخل فيه، فوجب أن يكون حجة (١).
قلت: وهذا أحد وجهين في تفسير الآية.
قال القاسمي: وعلى هذا الوجه يحمل قول السيوطي في (الإكليل) قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ [النساء: ٨٣] الآية، هذا أصل عظيم في الاستنباط والاجتهاد (٢).
٤ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
هذا من باب القياس الظاهر؛ وذلك لأن عرض المرء أشرف من
стр. 697
لحمه، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الناس لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى؛ لأن ذلك آلَمُ (١).
٥ - قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ [النساء: ٥٤].
قال تاج الدين السبكي في هذه الآية: فيها دلالة على أنَّ القياس حجة؛ وذلك من قوله: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا﴾ [النساء: ٥٤] إلى آخره؛ لأنه تعالى سفَّهَ نظرهم وقبَّحَ صنعهم بالنظر إلى أن لا بدع فيما آتى نبيه من فضله؛ لأنه تعالى قد أتى آل إبراهيم ﵇، فقاس فرعًا على أصل بعلة جامعة، وهي فضله (٢).
٦ - قوله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣)﴾ [القمر: ٤٣]، فهذا محض تعدية الحكم إلى من عدا المذكورين بعموم العلة، وإلا فلو لم يكن حكم الشيء حكم مثله لما لزمت التعدية، ولا تمت الحجة (٣).
стр. 698
٧ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥].
ثم قال بعدها: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾ [الأحقاف: ٢٦].
والمعنى: أنَّ حكمكم كحكمهم، وأنا إذا كنا قد أهلكناهم بمعصية رسولنا، ولم يدفع عنهم ما مكنوا فيه من أسباب العيش، فأنتم كذلك تسوية بين المتماثلين، وأنَّ هذا محض عدل الله بين عباده (١).
٨ - قوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ [محمد: ١٠].
أخبر أنَّ حكم الشيء حكم مثله قياسًا عليه.
قال ابن القيم: وكذلك كل موضع أمر الله سبحانه فيه بالمسير في الأرض، سواء كان السير الحسي على الأقدام والدواب، أو السير المعنوي بالتفكير والاعتبار، أو كان اللفظ يعمهما، وهو الصواب، فإنه
стр. 699
يدل على الاعتبار والحذر أن يحل بالمخاطبين ما حل بأولئك؛ ولهذا أمر سبحانه أولي الأبصار بالاعتبار بما حل بالمكذبين، ولولا أنَّ حكم النظير حكم نظيره حتى تعبر العقول منه إليه لما حصل الاعتبار، وقد نفى الله سبحانه عن حكمه، وحكمته التسوية بين المختلفين في الحكم، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦]، وأخبر أنَّ هذا حكم باطل في الفطر والعقول، لا تليق نسبته إلى الله سبحانه.
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾ [الجاثية: ٢١]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص: ٢٨]، أفلا تراه كيف ذكر العقول، ونبه الفطر بما أودع فيها من إعطاء النظير حكم نظيره، وعدم التسوية بين الشيء ومخالفه في الحكم، وكل هذا من الميزان الذي أنزله الله مع كتابه، وجعله قرينه ووزيره، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى: ١٧]، وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ [الرحمن: ١ - ٢]، فهذا الكتاب، ثم قال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾ [الرحمن: ٧]، والميزان يراد
стр. 700
به العدل، والآلة التي يعرف بها العدل وما يضاده. والقياس الصحيح الميزان الذي أنزله الله مع كتابه (١).
قال الشيخ ابن عثيمين: والميزان هو الذي توزن به الأمور، ويقاس به بينها وهذا واضح (٢).
٩ - استدل الشافعي ﵀ على الاجتهاد والقياس بآية القِبلَة، وآية الصيد للمحرم قال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠].
قال الشافعي: فالعلم يحيط أنَّ من توجه تلقاء المسجد الحرام ممن نَأَتْ داره عنه على صواب بالاجتهاد للتوجه إلى البيت بالدلائل عليه؛ لأن الذي كُلِّف التوجه إليه، وهو لا يدري أصاب بتوجه قصد المسجد الحرام أم أخطأه، وقد يرى دلائل يعرفها، فيتوجه بقدر ما يعرف، وإن اختلف توجههما (٣).
وقال الله : ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ
стр. 701
الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].
قال البيهقي: فنص الله تعالى على وجوب الجزاء من النعم في المقتول من الصيد، ولم ينص على ما يعتبر من المماثلة، فكان ما نص عليه أنه من النعم لا اجتهاد فيه، وكان المرجع في الوجه الذي به يعلم مماثلته فيه، لا طريق له غير الاجتهاد والاعتبار (١).
١٠ - قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
وهذا قياس يعني: أننا لما كنا قادرين على ابتداء الخلق كنا قادرين على إعادته: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، فهنا قياس الإعادة على البدء، وهو قياس واضح جلي.
١١ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ [فاطر: ٩]، والكاف للتشبيه، فهذا شبه هذا، وكل مثل ضربه الله في القرآن، فهو دليل على القياس؛ لأن المقصود به إلحاق الأمر المعنوي بالأمر الحسي إلحاق هذا بهذا، وعليه فتكون أدلة القياس في القرآن كثيرة جدًّا (٢).
стр. 702
١٢ - قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٦٢].
فهذه الآية وقع منها الاحتجاج على الكفار في إنكارهم البعث بالقياس على النشأة الأولى، وهو قياس في الأصول المعتقدة التي يطلب فيها القطع، ففي الفقه الذي يكتفي فيه بالظن من باب أولى.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩].
* ثانيا: الأدلة من السنة على حجية القياس:
١ - حديث ابن عمر، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟! إِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَتَهُمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ» (١).
стр. 703
قال النووي: في الحديث إثبات القياس والتمثيل في المسائل، فقد قاس ضرع الماشية على الغرفة التي يخزن فيها الطعام وغيره، وشبه اللبن في الضرع بالطعام المخزون المحفوظ في الخزانة في أنه لا يحل أخذه بغير إذنه (١).
٢ - حديث ابن عباس أنَّ امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إنَّ أمي ماتت، وعليها صوم شهر، فقال: «أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق بالقضاء» (٢).
وفي رواية: إنَّ أمي ماتت، وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: «أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك» (٣).
قال النووي: في هذه الأحاديث صحة القياس؛ لقوله ﷺ : «فدين الله أحق بالقضاء».
وفيه: يستحب للمفتي أن ينبه على وجه الدليل إذا كان مختصرًا واضحًا، وبالسائل إليه حاجة، أو يترتب عليه مصلحة؛ لأنه ﷺ قاس
стр. 704
على دين الآدمي تنبيهًا على وجه الدليل (١).
٣ - حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: هششت يومًا، فقبلت وأنا صائم، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: صنعت اليوم أمرًا عظيمًا قبلت وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : «أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ فقلت: لا بأس بذلك. فقال ﷺ : «ففيم» (٢).
فلقد قاس النبي ﷺ القبلة على المضمضة في عدم إفساد الصوم، والمعنى أنَّ المضمضة مقدمة للشرب، وقد علمتم أنها لا تفطر، وكذا القبلة مقدمة للجماع فلا تفطر.
قال ابن حجر في الفتح نقلًا عن المازني: ومن بديع ما روي في ذلك قوله ﷺ للسائل: «أرأيت لو تمضمضت»، فأشار إلى فقه بديع، وذلك أنَّ المضمضة لا تنقض الصوم، وهي أول الشرب ومفتاحه، كما أنَّ القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع، وكما ثبت عندهم أنَّ أوائل الشرب لا يفسد الصيام، فكذلك
стр. 705
أوائل الجماع (١).
٤ - حديث أبي هريرة أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلامًا أَسْوَدَ، وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ - وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه-، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِرْقٌ نَزَعَهَا. قَالَ: وَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ»، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ (٢).
٥ - حديث ابن عباس أنَّ امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إنَّ أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: «نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. فقال: اقضوا الله الذي له، فإن الله أحق بالوفاء» (٣).
وبوب عليهما الإمام البخاري قال: باب: من شبَّه أصلًا معلومًا بأصل مبين، وقد بين النبي ﷺ حكمهما ليفهم السائل.
قال ابن حجر: قال ابن بطال: التشبيه والتمثيل هو القياس عند