← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فيضمن اللبن أيضًا بصاع، وهو نوع إلحاق وإن كان في معنى الأصل. القسم الثالث: ما لا يعقل معناه: فلا يقاس عليها غيرها لتعذر العلة، فيسمى خارجًا عن القياس تجوزًا، كالمقدرات في أعداد الركعات، ونُصُب الزكوات، ومقادير الحدود، والكفارات، وهذا هو المعبر عنه في شروط الأصل بأن يكون معقول المعنى؛ لأن ما لا يعقل معناه لا يمكن القياس عليه كأوقات الصلوات (١). القسم الرابع: ما لا نظير له مع أنه معقول المعنى: وهذا المعنى قد يكون بسيطًا، وقد يكون جملة معانٍ لا يوجد جميعها في فرع واحد. فمثال المعنى البسيط: السفر، فإنه يشتمل على نوع من المشقة معقول يناسب القصر، ولا يشاركه غيره من الصنائع في ذلك النوع من المشقة المناسبة للقصر، فلا يلحقه غيره فيه. وأما المرض فإنما يثبت فيه الجمع والفطر بالنص لا بالقياس، وأما القصر فإن مشقة المرض لا تناسبه، بل تناسب التخفيف على المريض بمشروعية الجلوس، والإيماء في الصلاة. ومثال: الشفعة في العقار، فإنها معقولة المعنى، وهو لحوق نوع من الضرر بالشريك في العقار، وفيها إجبار على البيع لشخص بغير رضا،

стр. 737

فلا يشترك فيه مع العقار غيره. ومن أمثلة ما توجد فيه جملة معانٍ: القسامة بالأيمان تحصينًا للدماء لعلة الخفية والغيلة في القتل، بحيث يعسر الإشهاد، والقاتل يستخف الأيمان كما يستخف القتل، ويُصِرُّ على الإنكار في غالب الأمر، فلذلك ابتدأ المُدَّعون في القسامة بالأيمان، وهذا على خلاف الأصل، فلا يقاس عليها غيرها. وكذلك ضرب الدية على العاقلة في قتل الخطأ فإنه معقول المعنى، ولذلك كانت الجاهلية تفعله قبل الشرع، وجاء الشرع مقرًّا له. ووجه المصلحة فيه: أنَّ الحاجة مست إلى مخالطة السلاح، وتعلم الحرب، والطعان والضراب بها، حتى أبيح الصيد من غير ضرورة، ولا حاجة، بل لما في ذلك من حصول آلة الحرب، ولما كانت النفوس خطيرة لا تهدر، ولم يتعمد القاتل جناية القتل، فلو أقدناه به، أو حملنا المال كله عليه لقطع مخالطة السلاح حسمًا لما يتوقع منه ذلك، فكان من النظر السديد ضرب الدية على العاقلة، إذ لا كبير حيف عليهم في ذلك لخفتها عليهم بالتوزيع، مع أنَّ ذلك ينجبر بما بينهم من التعاضد والتناصر الذي جبلت عليه القبائل فيما بينها (١).

стр. 738

الشرط السادس: أن يكون حكمه مستمرًّا غير منسوخ؛ لأنه إذا نسخ حكم الأصل وبقيت علته لم يبق لها اعتبار، لإثمار حكم مماثل في فرع الأصل منسوخ الحكم، ولكن قد ينسخ حكم من أحكام الأصل، فيتوهم سريان النسخ إلى الحكم الذي يطلب مثله في الفرع. ومثاله: قول الحنفية بأنَّ تبييت الصوم غير واجب في صوم رمضان قياسًا على صوم عاشوراء، فإنه لا يجب فيه التبييت، لحديث سلمة بن الأكوع: أنَّ النبي ﷺ بعث رجلًا ينادي في الناس يوم عاشوراء: «أنَّ من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل» (١). فيقول المالكية: لقد نُسخ حكم الأصل، وهو وجوب صوم عاشوراء بوجوب صوم رمضان، ومن شروط الأصل المقيس عليه: أن لا يكون منسوخًا. فيجيب الحنفية: بأننا لم نقس الفرع على الأصل في الحكم المنسوخ، بل في حكم آخر، وهو عدم وجوب تبييت الصوم؛ لأنه لا يلزم من نسخ حكم وجوب الصوم نسخ عدم وجوب تبييته المقيس عليه (٢).

стр. 739

الشرط السابع: أن يكون الأصل متفقًا عليه؛ لأنه لو لم يكن الحكم مجمعًا عليه، أو منصوصًا عليه، جاز له أن يمنع الأصل فيبطل القياس. قال ابن رشد في مسألة اشتراط المعتكف فعل شيء مما يمنعه الاعتكاف، فينفعه شرطه في الإباحة أم ليس ينفعه ذلك؟ فأكثر الفقهاء على أنَّ شرطه لا ينفعه، وأنه إن فعل بطل اعتكافه، وقال الشافعي: ينفعه شرطه. والسبب في اختلافهم تشبيههم الاعتكاف بالحج في أنَّ كليهما عبادة مانعة لكثير من المباحات، والاشتراط في الحج إنما صار إليه من رآه لحديث ضباعة أنَّ رسول الله ﷺ قال لها: «أهلِّي بالحج واشترطي أنَّ محلي حيث حبستني» (١)، لكن هذا الأصل مختلف فيه في الحج، فالقياس فيه ضعيف عند الخصم المخالف له (٢). * الركن الثاني: الفرع. وحَدُّه: ما ألحق بأصل أخذ حكمه منه (٣). شروط الفرع: الأول: أن تكون علة الأصل موجودة في الفرع، فإنَّ تعدي الحكم

стр. 740

فرعُ تعدي العلة، فإن كان وجودها في الفرع غير مقطوع به لكنه مظنون صح الحكم أيضًا (١). لأنه لا يشترط أن يكون وجودها في الفرع مقطوعًا به، بل تكفي فيه غلبة الظن (٢). الشرط الثاني: ألا يتقدم حكم الفرع في الثبوت على الأصل. ومعناه أنَّ من شرط الفرع أن يكون حكم الأصل ثابتًا قبله؛ لأن حكم الفرع يحدث بحدوث علة الأصل المتعدية إليه، فلو تأخر حكم الأصل عن الفرع، لتأخرت العلة عنه أيضًا، ومن أمثلة ذلك: قياس الوضوء في اشتراط النية على التيمم مع تأخر مشروعية التيمم على الوضوء (٣). الشرط الثالث: أن لا يفارق حكم الفرع حكم الأصل لا في جنسه، ولا في زيادة، ولا في نقصان، فإنَّ القياس عبارة عن تعدية حكم من محل إلى محل، فكيف يختلف بالتعدية (٤).

стр. 741

فإذا ثبت في الفرع غير حكم الأصل، لم يكن ذلك تعدية بل ابتداء حكم (١)، وهذا الشرط عبَّر عنه الشوكاني ب (مساواة حكم الفرع بحكم الأصل) (٢). الشرط الرابع: أن لا يكون الفرع منصوصًا عليه بعموم أو خصوص؛ لأن القياس إنما يصار إليه عند خلو الفرع من الحكم الثابت له بالتنصيص (٣). وأيضًا فلو كان دليل حكم الأصل شاملًا له خرج عنه كونه فرعًا، وكان القياس ضائعًا لخلوه عن الفائدة بالاستغناء عنه بدليل الأصل، ولأنه لا يكون جعل أحدهما أصلًا، والآخر فرعًا أولى من العكس (٤)، وأما الاستدلال بالقياس في مسألة ثبت حكمها بالنص، إنما هو لإقناع المخالف بصحة الحكم عند طعنه في النص لما يراه مضعفًا للاستدلال به، لا لأنَّ القياس هو الدليل فيها (٥).

стр. 742

* الركن الثالث: الحكم: وهو الذي تعلق على العلة من التحليل، والتحريم، والإسقاط (١). واشترط الأصوليون فيه شروطًا، وهي داخلة في شروط الأصل، وقد سبق ذكرها. * الركن الرابع: العلة: قال الشيرازي: العلة في الشرع هي: المعنى الذي يقتضي الحكم (٢). * الفرق بين العلة والحكمة: العلة: هي الوصف الظاهر المنضبط الموجود في الأصل، والذي من أجله شرع الحكم فيه، وبناءً على وجوده في الفرع يراد تسويته بالأصل في هذا الحكم. أما الحكمة فهي: الفائدة التي صار بسببها الوصف علة للحكم. فتحريم الخمر مثلًا حكم، والإسكار هو علة هذا الحكم، والمحافظة على العقل من الاختلال هي الحكمة التي من أجلها صار الإسكار علة لتحريم الخمر. قال في مراقي السعود في تعريف الحكمة:

стр. 743

وهي التي من أجلها الوصف جرى علة حكم عند كل من درى (١) وعلة الرخصة بقصر الصلاة، والإفطار في رمضان: هي السفر، والحكمة هي تخفيف المشقة على المسافر وهكذا (٢). * شروط العلة: الأول: أن يكون طريق إثباتها شرعيًّا كالحكم، وسيأتي -بإذن الله- طرق إثبات العلة. الثاني: أن تكون ظاهرة جلية، وإلا لم يكن إثبات الحكم بها في الفرع على تقدير أن تكون أخفى منه، أو مساوية له في الخفاء. وإذا كانت العلة أمرًا خفيًّا أقام الشارع مقامه أمرًا ظاهرًا يقترن به، ويدل عليه، ويكون بدلًا عن الوصف الخفي؛ لأن لا يصح اعتباره علة بالاستقلال، كالرضا الذي هو الوصف المناسب لصحة العقد وتشريعه، وهو أمر خفي لا يمكن الوقوف عليه، فأقام الشارع مقامه أمرًا ظاهرًا يقترن به، ويدل على وجوده وهو الإيجاب والقبول (٣). الثالث: أن تكون مطردة، بحيث يوجد الحكم بوجودها ويرتفع

стр. 744

بارتفاعها. الرابع: أن تكون مضبوطة، بحيث لا تتخلف عنها حكمتها التي هي آتية لإثبات الحكم ومقصوده، وإلا فهي باطلة، وقد حكى الآمدي أنَّ الإجماع منعقد على صحة تعليل الأحكام بالأوصاف الظاهرة المنضبطة المشتملة على احتمال الحكم، كتعليل وجوب القصاص بالقتل العمد العدوان، لحكمة الزجر أو الجبر، وتعليل صحة البيع بالتصرف الصادر من الأهل في المحل، لحكمة الانتفاع، وتعليل تحريم شرب الخمر وإيجاب الحد به، لحكمة دفع المفسدة الناشئة منه، ونحوه (١). وقد اختلف الأصوليون في جواز التعليل بالحكمة -أي ربط الحكم بها-، وبيانه: أنَّ الله تعالى إذا نصب سببًا لحكمة اختلف العلماء هل يجوز ترتيب الحكم على تلك العلة حيث وجدت على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يجوز قيام التعليل بالحكمة مطلقًا، وإليه ذهب الرازي واختاره البيضاوي تبعًا له (٢). وحجة الجواز: أنَّ الوصف إذا جاز التعليل به، فأولى بالحكمة لأنها

стр. 745

أصله، وأصل الشيء لا يقصر عنه؛ ولأنها نفس المصلحة والمفسدة وحاجات الخلق، وهذا هو سبب ورود الشرائع، فالاعتماد عليها أولى من الاعتماد على الفرع (١). ورُدَّ ذلك بأن الحكمة وإن كانت هي أصل العلة، إلا أنَّ الحكمة هنا غير مضبوطة، فأقيم مقامها وصفًا ظاهرًا منضبطًا ليصح الإلحاق بالأصل. فإزالة المشقة مثلًا أو تخفيفها حكمة تشريع القصر في السفر والفطر، ولكن العلة هي السفر، ولو عللنا هذه الأحكام بمطلق لاختلفت الأنظار في تحديد المشقة من السفر، أو الأعمال الشاقة، أو الحاجة للنوم، أو ترك عمل هام فضبط الشارع ذلك بإقامة العلة مقامها وهي السفر. القول الثاني: أنه لا يجوز ربط الحكم بها مطلقًا -أي وإن كانت ظاهرة منضبطة-، ورجحه القرافي في (شرح تنقيح الفصول) وقال: حجة المنع أنه لو جاز التعليل بالحكمة لما جاز التعليل بالوصف؛ لأن الأصل لا يعدل عنه إلا عند تعذره، والحكمة ليست متعذرة، فلا يجوز العدول عنها فيعلل بها، ومتى علل بها سقط التعليل بالوصف.

стр. 746

مثاله: أنَّ وصف الرضاع سبب حرمة النكاح. وحكمته: أنَّ جزء المرأة صار جزءًا للرضيع؛ لأن لبنها جزؤها وقد صار لحمًا للجنين، فأشبه منها الذي صار جزءًا للجنين فكما أنَّ ولد الصلب حرام، فكذلك ولد الرضاع، وهو سر قوله ﷺ : «الرضاع لحمة كلحمة النسب» (١) (لم يرد بهذا اللفظ وإنما الوارد «الولاء لحمة كلحمة النسب»). فإذا كانت هذه هي الحكمة، فلو أكل جنين قطعة لحم امرأة. (قلت: أو نقل إليه دم من دمها)، فقد صار جزؤها جزأه، فكان يلزم التحريم، ولم يقل به أحد، وكذلك إذا كانت الحكمة في وصف الزنا اختلاط الأنساب، فإذا أخذ رجل صبيانًا صغارًا وفرقهم إلى حيث لم يرهم آباؤهم حتى صاروا رجالًا ولم يعرفهم آباؤهم، فاختلطت أنسابهم حينئذ، فينبغي أن يجب عليه حد الزنا لوجود حكمة وصف الزنا، لكنه خلاف الإجماع، فعلمنا أنه لو جاز التعليل بالحكمة للزم النقض، وهو خلاف الأصل فلا يجوز التعليل بالحكمة وهو

стр. 747

المطلوب (١). القول الثالث: التفصيل، وهو أنه يجوز التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة بنفسها، والمنع من التعليل بالحكمة الخفية المضطربة المجردة عن الضابط، وهو اختيار الآمدي، وابن الحاجب، والبرماوي. قال: وهو المختار لنا إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة غير مضطربة، فلأنَّا أجمعنا على أنَّ الحكم إذا اقترن بوصف ظاهر منضبط مشتمل على حكمة غير منضبطة بنفسها أنه يصح التعليل به، وإن لم يكن هو المقصود من شرع الحكم، بل ما اشتمل عليه من الحكمة الخفية، فإذا كانت الحكمة وهي المقصودة من شرع الحكم مساوية للوصف في الظهور والانضباط كانت أولى بالتعليل بها. وأما إذا كانت الحكمة خفية مضطربة غير منضبطة فيمتنع التعليل بها. الشرط الخامس: أن تكون مؤثرة في الحكم، فإن لم تؤثر فيه لم يجز أن تكون علة. هكذا قال جماعة من الأصوليين ومرادهم بالتأثير: المناسبة. قال القاضي الباقلاني في التقريب: معنى كون العلة مؤثرة في الحكم:

стр. 748

هو أن يغلب على ظن المجتهد أنَّ الحكم حاصل عند ثبوتها لأجلها، دون شيء سواها (١). فإن لم تكن مؤثرة في الحكم بأن ألغي اعتبارها فلا تعتبر علة. ومثال ذلك: أن يضيف الشارع الوصف إلى وصف، وينوطه به، ثم تقترن به أوصاف عُلم بعادة الشرع، وموارده، ومصادره في أحكامه أنه لا مدخل لها في التأثير، ككون الذي أفطر في رمضان بوقاع أهله، وأوجب عليه الشارع العتق أعرابيًّا، فإنا نلحق به كل من أفطر في رمضان بجماع، ونحذف عن درجة الاعتبار كونه أعرابيًّا (٢)؛ إذ لا تأثير له في الحكم. وهذا الوصف يسمى الوصف الطردي، وهو الذي ليس في إناطة الحكم به مصلحة كالطول والقصر، وهذا بخلاف الطرد الذي هو شرط في العلة، لأن الحكم في الفرع إنما يثبت بما غلب على الظن أنَّ الحكم في الأصل ثابت له، وذلك غير متصور في الوصف الطردي (٣).

стр. 749

الشرط السادس: ألا تكون العلة المستنبطة من الحكم المعلل بها مما ترجع على الحكم الذي استنبطت منه بالإبطال (١)، أو إبطال بعضه؛ لئلا يفضي إلى ترك الراجح إلى المرجوح، إذ الظن المستفاد من النص أقوى من الظن المستفاد من الاستنباط؛ لأنه فرع له، والفرع لا يرجع على إبطال أصله، وإلا لزم أن يرجع على نفسه بالإبطال. مثال: من استنبط من حديث الأضحية: «لا تذبحوا إلا مسنة» (٢)، أنَّ العلة هي السِّمن، فأجاز ذبح البهائم غير الكاملة السن الشرعي، فنقول له: أنَّ هذه العلة المستنبطة قد عادت على الأصل بالإبطال، وهو اشتراط السن، فلا تصح أن تكون علة. وكتعليل وجوب الشاة في باب الزكاة بدفع حاجة الفقراء، لما فيه من رفع وجوب الشاة، وأنَّ ارتفاع الأصل المستنبط منه يوجب إبطال العلة المستنبطة منه ضرورة توقف علتها على اعتبارها به (٣). وقوله: لما فيه من رفع وجوب الشاة. أي: مُجَوِّزٌ لإخراج قيمة الشاة، فيتخير على ذلك بينها وبين قيمتها، وهو مفضٍ إلى عدم وجوبها.

стр. 750

الشرط السابع: أن لا يكون لها في الأصل معارض لا تحقق له في الفرع. أي: لا يكون في الأصل علة أخرى تقتضي نقيض حكمها (١)، ومعنى ذلك: أنه يشترط في العلة إذا كانت مستنبطة ألا تكون معارضة بعارض منافٍ موجودٍ في الأصل صالح للعلِّية، وليس موجودًا في الفرع؛ لأنه متى كان في الأصل وصفان متنافيان يقتضي كل واحد منهما نقيض الآخر، لم يصلح أن يجعل أحدهما علة إلا بمرجح. ومثال ذلك: أن يقول الحنفي في صوم الفرض: صوم معين، فيأتي بالنية قبل الزوال كالنفل، فيقال له: صوم فرضٍ، فيحتاط فيه، ولا يبنى على السهولة (٢). الشرط الثامن: أن لا تكون مخالفة للنص الخاص أو الإجماع؛ لأن النص والإجماع لا يقاومهما القياس، بل يكون إذا خالفهما فاسدًا باطلًا. ومن أمثلة القياس الفاسد المخالف للنص: ١ - قياس شوك الحرم على السباع في جواز قطعه، بجامع أنه يؤذي

стр. 751

بطبعه. قال الشنقيطي: ويحرم قطع الشوك والعوسج، قاله ابن قدامة في «المغني»، وقال القاضي، وأبو الخطاب: لا يحرم، وروي ذلك عن عطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والشافعي؛ لأنه يؤذي بطبعه، فأشبه السباع من الحيوان. ثم قال: قياس شوك الحرم على سباع الحيوان مردود من وجهين: الأول: أنَّ السباع تتعرض لأذى الناس وتقصده، بخلاف الشوك. الثاني: أنه مخالف لقوله ﷺ : «لا يعضد شوكه» (١)، والقياس المخالف للنص فاسد الاعتبار (٢). ٢ - قياس الحنفية جواز الصلاة في معاطن الإبل على جواز الصلاة في مرابض الغنم (٣) بجامع عدم الفرق. قال ابن حجر: وتعقب بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة المصرحة

стр. 752

بالتفرقة (١). ٣ - وكقياس الحنفية أيضًا جواز بيع الزرع الرطب بالحب اليابس، بأنهم أجمعوا على جواز بيع الرطب بالرطب مثلًا بمثل، مع أنَّ رطوبة أحدهما ليست كرطوبة الآخر، وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص وهو حديث سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال لمن حوله: «أينقُص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك» (٢)، فهو فاسد الاعتبار (٣). ٤ - قياس لبن المصراة على غيره من المثليات في وجوب المثل؛ فإنه فاسد الاعتبار لمخالفته نص الرسول ﷺ على أن فيه صاعًا من التمر (٤). قلت: وهو حديث أبي هريرة: «من ابتاع شاة مُصَرَّاة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها، وإن شاء ردَّها، وردَّ معها صاعًا من

стр. 753

تمر» (١). ٥ - قول الحنفية: يجوز للمرأة الحرة المكلفة سواء كانت بكرًا أم ثيبًا تزويج نفسها بغير ولي، قياسًا على البيع؛ لأن المرأة تستقل بالبيع من غير اشتراط إذن وليها، فكذلك النكاح. فيرد الجمهور: بأنَّ هذا القياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته الأحاديث الدالة على اشتراط الولي، كحديث عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استَحَّل من فرجها، فإن اشتَجَرُوا فالسلطان ولي من لا ولي له» (٢). ٦ - زكاة الخيل: استدل الحنفية على وجوب الزكاة في الخيل بالقياس، فقالوا: إنَّ الخيل السائمة حيوان مقصود به النماء والنسل، فوجبت فيه الزكاة كالإبل والبقر. ورد الجمهور: بأنَّ هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته لعموم قوله ﷺ : «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة» (٣).

стр. 754

ومثال القياس الفاسد لمخالفته الإجماع: لا يُغسِّل الرجل زوجته الميتة؛ لحرمة النظر إليها قياسًا على الأجنبية (١). فيُعتَرَض عليه: بأنَّ أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر الصديق ﵄ غسَّلته (٢)، وكان هذا بحضرة جماعة الصحابة، وموضع لا يتخلف عنه في الأغلب أحد منهم، ومثل هذا مما يُجزي فيه أن يُتحدَّث به وينتشر، ولا سيما أنَّ أبا بكر ﵁ أوصى بذلك، ولم يُعلم له مخالف، فثبت أنه إجماع (٣).

стр. 755

كذلك غسَّل عليٌّ فاطمةَ (١)، ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على عليٍّ وأسماء، فكان إجماعًا (٢). ومنه: أن يقول: مسافر فلا تجب عليه الصلاة في السفر، قياسًا على صومه في عدم الوجوب في السفر بجامع المشقة. فيقال له: هذه العلة مخالفة للإجماع على عدم اعتبار المشقة في الصلاة، ووجوب أدائها على المسافر مع وجود مشقة السفر (٣). * مسالك العلة: المسالك: جمع مسلك: وهو في اللغة مكان السلوك أي المرور (٤). وفي الاصطلاح: الطرق التي يتوصل بها إلى معرفة العلة الموجودة في الأصل، وتمييزه من سائر الأوصاف الأخرى (٥).

стр. 756

• أنواع الاجتهاد في العلة الشرعية المتعلقة بالأقيسة: * النوع الأول: تحقيق المناط: المناط: ما نِيطَ به الحكم أي عُلِّق به، وهو العلة التي رتب عليها الحكم في الأصل، يقال: نُطْتُ الحبل بالوتد، أنوطه نوطًا إذا علقته، ومنه ذات أنواط: شجرة كانوا في الجاهلية يعلقون فيها سلاحهم. وأما تحقيق المناط: هو إثبات علة حكم الأصل في الفرع، أو إثبات معنًى معلوم في كل خفي فيه ثبوت ذلك المعنى. فتحقيق المناط نوعان: النوع الأول: أن يكون هناك قاعدة شرعية متفق عليها، أو منصوص عليها، وهي الأصل، فيتبين المجتهد وجودها في الفرع، وإليه أشار ابن قدامة بقوله: إما بيان وجود مقتضى القاعدة الكلية المتفق عليها، أو المنصوص عليها في الفرع. ومثاله: أن يقال في حمار الوحش والضبع مثلها. فوجوب المثل اتفاقي نصي، أي متفق عليه ثابت بالنص، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وكون البقرة مثل الحمار، والكبش مثل الضبع تحقيقي اجتهادي، أي ثابت بالاجتهاد في تحقيق المناط، وهو هنا المثلية، إذ لا نص فيه ولا

стр. 757

إجماع؛ لأن الله لم ينص على أنَّ الكبش مثلًا مثل الضبع، إنما نص على أنَّ الواجب فيها مثلها، وفوَّض تعيين المثل إلى نظر المجتهد، فتحقق مثليتها في الكبش. ومثله: استقبال القبلة واجب. ثابت بالنص والإجماع، أما كون هذه جهتها في حق من اشتبهتعليه فليس منصوصًا عليه فيثبت بالاجتهاد. ومثله: من أتلف شيئًا فعليه ضمانه بمثله أو قيمته، وهذا متفق عليه، لكن كون هذه مثلًا له أو قيمته فهذا اجتهادي. النوع الثاني من تحقيق المناط: أن يعرف علة حكم ما في محله بنص أو إجماع، فيتبين المجتهد وجودها في الفرع (١). مثاله: أن يقال: الطَّواف علة لطهارة الهرة. بناء على قوله ﷺ : «إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (٢). والطواف موجود في الكلب على رأي من يقول بطهارته استدلالًا بهذا الحديث. ومثاله: الحياء علة الاكتفاء من البكر في تزويجها بالصُّمات، وهو

стр. 758

موجود فيمن زالت بكارتها بغير نكاح. والنوع الأول من تحقيق المناط ليس بقياس، إذ هو بيان القاعدة الكلية المتفق عليها، أو المنصوص عليها في الفرع، وهذا متفق عليه بين الأمة، وهو من ضروريات الشريعة لعدم وجود النص على جزئيات القواعد الكلية فيها كعدالة الأشخاص، وتقرير كفاية كل شخص، ونحو ذلك. أما النوع الثاني: وهو بيان وجود العلة المنصوص عليها في الفرع فهذا قياس. وهذان النوعان يسميان تحقيق المناط، فهما أعم من القياس. * النوع الثاني: تنقيح المناط: أما التنقيح فهو في اللغة: التخليص والتهذيب، يقال: نقحت العظم إذا استخرجت مخَّه (١). وأما تنقيح المناط في الاصطلاح: فهو إلغاء بعض الأوصاف التي أضاف الشارع الحكم إليها لعدم صلاحيتها للاعتبار في العلة (٢). ومثاله: ما روى أبو هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال:

стр. 759

هلكت يا رسول الله، قال: «وما أهلكك؟»، قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟»، قال: لا، قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا، قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟»، قال: لا … الحديث (١). وفي مراسيل سعيد بن المسيب: أتى أعرابي النبي ﷺ ينتف شعره ويضرب نحره، ويقول: هلك الأبعد (٢). فربما خُيِّل للسامع أنَّ مجموع الصفات المذكورة مع الوقاع في رمضان هي مناط وجوب الكفارة وعلته، ولكن من جملتها ما ليس بمناسب لكونه علة، ولا جزء علة فاحتيج إلى إلغائه. وتنقيح العلة، وتخليصها بالسبر والتقسيم، فيقال حينئذٍ: كون هذا الرجل أعرابيًّا لا أثر له، فليحق به من ليس أعرابيًّا كالتركي، والعجمي، وغيرهما من أصناف الناس، وكونه لاطمًا وجهه وصدره لا أثر له، فيلحق به من جاء بسكينة ووقار وثبات، وكونه ذلك الشهر المعين لا أثر له، فيلحق به من وطئ في رمضان آخر.

стр. 760

وإنما قلنا: إنَّ هذه الأوصاف لا أثر لها لعدم مناسبتها؛ إذ الوصف الذي تظهر مناسبته كونه وقاعَ مكلَّفٍ هُتكت به حرمة عبادة الصوم المفروض أداء، وما سوى ذلك من التعيينات والأوصاف لاغٍ. واعلم أنَّ في تقليل أوصاف العلة تكثيرًا لأحكامها لكثرة وقوعها، وسهولته لقلة أوصافها. وقد يختلف في بعض الأوصاف، نحو: هل العلة خصوص الجماع، أو عموم الإفساد، فتلزم يعني الكفارة الآكل والشارب؟ اعلم أنَّ أوصاف العلة على ثلاثة أقسام: أحدها: ما اتفق على مناسبته للحكم كوقاع المكلف هاهنا. الثاني: ما اتفق على طرديته وعدم مناسبته، ككون الواطئ أعرابيًّا لزوجةٍ في ذلك الشهر. الثالث: ما اختلف في مناسبته لتردده بين الطردي والمناسب، أو لكونه مناسبًا من وجه دون وجه، ككون الفعل إفسادًا للصوم، وهو وصف عامٌّ، أو جماعًا وهو خاصٌّ. ولهذا وقع النزاع بين الأئمة في وجوب الكفارة بالأكل والشرب في نهار رمضان، فقال به أبو حنيفة ومالك، وخالف فيه الشافعي وأحمد، فقالوا: لا كفارة إلا بخصوص الجماع.

стр. 761

وحجة الأولين: أنَّ إفساد الصوم جناية على العبادة، فناسب وجوب الكفارة زجرًا وردعًا، والجماع آلة للإفساد وسبب له، فيلحق به الأكل والشرب. وقرر بعض المالكية ذلك بأنَّ الكفارة إذا وجبت بالجماع، كان وجوبها بالأكل والشرب أولى؛ لأنهما مادة الجماع وسببه المقوي عليه، ووسيلته المتوصل بها إليه؛ إذ الجائع لا يستطيعه، والشبعان ينشط له، فكان إيجاب الكفارة بالأكل والشرب من باب سد الذرائع، وحسم مواد الفساد (قلت: هذا ليس مطردًا، بل شهوة الجماع والشبق إليه قد تكون عند الجائع والصائم كما في هذه القصة، وقصة سلمة بن صخر مشهورة) (١). وحجة الآخرين: أنَّ الجماع اختص بما يناسب اختصاصه بالكفارة من جهة أنَّ النفس لا تنزجر عنه عند هيجان شهوته بمجرد الوازع الديني، فاحتيج فيه إلى زيادة في الوازع، وهي الكفارة، بخلاف الأكل والشرب في ذلك؛ فقد ثبت بذلك مناسبة خصوص الجماع لاختصاصه بوجوب الكفارة، فإلغاء هذه المناسبة لا يجوز.

стр. 762

ومما يقوي هذا: أنَّ أوصاف العلل في القياس المعقول كالأخبار في النص المنقول، ثم إنه إذا اجتمع خبران عامٌّ وخاصٌّ قدم الخاص، فكذلك إذا اجتمع معنا وصفان عامٌّ وخاصٌّ؛ وجب أن يقدم الوصف الخاص، وهو الجماع ههنا، وأيضًا فإنَّ اعتبار خصوص الجماع موافق للأصل؛ إذ الأصل أنَّ ما رتب عليه الحكم يكون بمجموعه علة، فإلغاء بعض الأوصاف على خلاف الأصل (قلت: والأوصاف هنا: الجماع في نهار رمضان من مكلف بالصوم) (١). وتنقيح المناط هذا قال به أكثر منكري القياس، حتى إنَّ أبا حنيفة -رحمه الله تعالى-- ينكر القياس في الكفارات، قد استعمل تنقيح المناط فيها، وسماه استدلالًا، وأما الممتنع عنده فيها تحقيق المناط وتخريجه. ومثاله عند أبي حنيفة ومحمد بن الحسن: جواز إعطاء فقراء أهل الذمة من الكفارات، والنذور، وغير ذلك إلا الزكاة. قال الكاساني في الاحتجاج لهما: ولهما عموم قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] من غير فصل بين المؤمن والكافر إلا أنه خص منه الحربي بما تلونا، أي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٩]، فيبقى الذمي

стр. 763

على عموم النص، فكان ينبغي أن يجوز صرف الزكاة إليه، إلا أن الزكاة خصت بقول النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: (تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم) (١)، والمأخوذ منه المسلمون، فكذا المردود عليهم. ووجه الاستدلال: أنَّ الكفارة وجبت لدفع المسكنة، والمسكنة موجودة في الكفرة، فيجوز صرف الصدقة إليهم كما يجوز صرفها إلى المسلم، بل أولى؛ لأن التصدق عليهم بعض ما يرغبهم إلى الإسلام، ويحملهم عليه، ولما ذكرنا أنَّ الكفارات وجبت بما اختار من إعطاء النفس شهوتها فيما لا يحل له، فتكون كفارتها بكف النفس عن شهوتها فيما يحل له، وبذل ما كان في طبعه منعه، وهذا المعنى يحصل بالصرف إلى الكافر بخلاف الزكاة؛ لأنها ما وجبت بحق التكفير بل بحق الشكر (٢). وكذلك عللوا جواز دفع كفارة اليمين إلى مسكين واحد عشرة أيام، وأجازوا دفع القيمة في الكفارات؛ لأن المعنى عندهم دفع الحاجة، وسد المسكنة (٣).

стр. 764

حكى القرافي عن الغزالي: أنَّ تنقيح المناط هو إلغاء الفارق، نحو: لا فارق بين الذكور والإناث في مفهوم الرِّقِّ، وتشطير الحَدِّ، فوجب استواؤهما فيه، وقد ورد النص بذلك في أحدهما في قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، ولا فارق بين الأَمَة والعبد في التقويم على مُعْتِق الشِّقْص، فوجب استواؤهما في ذلك. قال الطوفي: ولا بأس بتسمية إلغاء الفارق تنقيحًا؛ إذ التنقيح هو التخليص والتصفية، وبإلغاء الفارق يصفو الوصف، ويخلص للعلية. وقال القرافي: لأنه تصفية وإزالة لما لا يصلح عما يصلح، وتنقيح الشيء إصلاحه، فهذا اصطلاح مناسب (١). * النوع الثالث: تخريج المناط. التخريج: هو الاستخراج والاستنباط. تخريج المناط: هو إضافة حكم لم يتعرض الشرع لعلته إلى وصف مناسب في نظر المجتهد بالسبر والتقسيم. ومن أمثلته: ١ - تحريم الربا في البُر؛ لأنه مكيل جنس أو مطعوم جنس، فالأرز

стр. 765

مثله لأنه كذلك. ٢ - أن يقال: وجب العشر في البُرِّ لكونه قوتًا، فتلحق به الأقوات، أو لكونه نباتَ الأرض وفائدتَها، فتلحق به الخضروات وأنواع النبات. ٣ - قال البزدوي في المقترح: مثاله: تعليل حرمان القاتل من الميراث بمعارضته بنقيض مقصوده من تعجيل الإرث حتى يقيس عليه حيازة المبتوتةلميراثها معارضة للمطلق بنقيض مقصوده. وتحرير الكلام ههنا أنَّا إذا رأينا الشارع قد نص على حكم ولم يتعرض لعلته، قلنا: هذا حكم حادث لابد له بحق الأصل من سبب حادث، فيجتهد المجتهد في استخراج ذلك السبب منه محل الحكم، فإذا ظفر بوصفٍ مناسب له، واجتهد ولم يجد غيره غلب على ظنه أنَّ ذلك الوصف هو سبب ذلك الحكم (١). وبعد بيان أنواع الاجتهاد في العلة ننتقل إلى بيان طرقها ومسالكها، وهي عشرة عند من يعد منها إلغاء الفارق، وتسعة عند من لا يعده منها، وهي:

стр. 766

النص، والإجماع، والإيماء، والسبر والتقسيم، والمناسبة، والشبه، والدوران، وتنقيح المناط، وإلغاء الفارق، وقد قدمنا أنَّ الغزالي ﵀ يعد إلغاء الفارق نوع من تنقيح المناط. وقد نظمها بعضهم بقوله: مسالك علةٍ رَتِّبْ فنص … فإجماع فإيماء فسبر مناسبةُ كذا مشبه فيتلو … له الدوران طرد يستمر فتنقيح المناط فألغ فرقًا … وتلك لمن أراد الحصر عشر (١) ونظمها أيضًا العلامة الحسن الددو بقوله: مسالك العلة ذي الأشياء … النص والإجماعُ فالإيماءُ فالسبر والتقسيم فالمناسبةُ … فشبهُ فالدورانُ عاقبه فالطرد تنقيح المناط التالي … إلغاء فارقٍ على التوالي قال الشوكاني: واختلف أهل الأصول في تقديم مسلك الإجماع على مسلك النص، أو مسلك النص على مسلك الإجماع، فمن قدم الإجماع نظر إلى كونه أرجح من ظواهر النصوص؛ لأنه لا يتطرق إليه احتمال النسخ، ومن قدم النص، نظر إلى كونه أشرف من غيره، وكونه مستند الإجماع، وهذا مجرد اصطلاح في التأليف، فلا مشاحة فيه (٢).

стр. 767

• المسلك الأول: الإجماع. والمراد بثبوتها بالإجماع: أن تجمع الأمة على أنَّ هذا الحكم علته كذا، كإجماعهم في: «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان» (١) على أنَّ علته شغل القلب، وممن حكى فيه الإجماع القاضي أبو الطيب الطبري. فيقاس عليه اشتغاله بجوع، أو عطش، أو خوف، أو ألم، أو نحو ذلك مما يشوش الفكر. وكإجماعهم على تعليل تقديم الأخ من الأبوين في الإرث على الأخ لأب، بامتزاج النسبين أي وجودهما فيها، فيقاس عليه تقديمه في ولاية النكاح، والوصية لأقرب الأقارب، ونحوها. ومثل إجماع الصحابة ﵃ أيام عمر ﵁ على علة ترك قسمة أرض السواد (٢)، حتى لا يكون المال بأيدي الأغنياء فقط وورثة الفاتحين، لذلك لما قال له بلال عندما فتح الشام: لتقسمنها أو لنتضاربن عليها بالسيف. فقال عمر: لولا آخر المسلمين ما فتحت قريةً

стр. 768

إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النبي ﷺ خيبر (١). قال ابن حجر: قال ابن التين: تأول عمر قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]، فرأى أنَّ للآخرين أسوة بالأولين، فخشي لو قسم ما يفتح أن تكمل الفتوح، فلا يبقى لمن يجيء بعد ذلك حظ في الخراج، فرأى أن توقف الأرض المفتوحة عنوة، ويضرب عليها خراجًا يدوم نفعه للمسلمين (٢). وكإجماعهم على تعليل الولاية على الصغير كونه صغيرًا، فيقاس عليه الولاية عليه في النكاح (٣). قال الشوكاني: المسلك الأول: الإجماع، وهو نوعان: إجماع على علة معينة، كتعليل ولاية المال بالصغر، وإجماع على أصل التعليل -وإن اختلفوا في عين العلة- كإجماع السلف على أنَّ الربا في الأصناف الأربعة معلل، وإن اختلفوا في العلة ماذا هي؟ (٤).

стр. 769

ومثال إثبات العلة بالإجماع أيضًا: وجوب الضمان على السارق، وإن قطع؛ لأنه مال تلف تحت اليد العادية، فيضمن كما في الغصب، وهذا الوصف هو المؤثر في الغضب اتفاقًا. ومما ينبغي التنبه له: أنه قد يقول قائل: إذا كانت العلة مجمعًا عليها قطعًا، فكيف يسوغ معها الاختلاف في المسائل المجتهد فيها؟ والجواب عليه: أنه لا يلزم من وقوع الإجماع على علية وصف ما على وجه القطع، ألا يقع خلاف في المسائل الفرعية له؛ لأنه يجوز أن يكون وجود تلك العلة في الأصل أو في الفرع ظنيًّا ومتنازعًا فيه، كما يجوز أن يكون في حصول شرط من شروطها نزاع بينهم، وقد يبدي الخصم معارضًا في الفرع (١). قال المرداوي: لعل منشأ الخلاف التنازع في وجود العلة في الأصل والفرع، أو حصول شرطها أو مانعها لا في كونها علة، قاله ابن العراقي وغيره (٢).

стр. 770

• المسلك الثاني: النص. وهو أن يدل دليل من الكتاب أو السنة على العلة التي من أجلها وضع الحكم. قال الآمدي: هو أن يذكر دليل من الكتاب أو السنة على التعليل بالوصف بلفظ موضوع له في اللغة من غير احتياج فيه إلى نظر واستدلال (١). ودلالة النص على العلة قد تكون صريحة بالعلية، وقد تكون ظاهرة بالعلية، وقد يختلف في بعضها كأن يُنَص على أنها صريحة في العلية، وينص على أنها ظاهرة فيها أيضًا، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -، وهذا باختلاف الاعتبارات. أولًا: النص الصريح في العلية: ومعناه: أن يرد في النص لفظ لا يحتمل غير العلة، أو يصرح فيه بكون الوصف علة أو سببًا للحكم الفلاني، وذلك كما لو قيل: العلة كذا، أو السبب كذا، أو لأجل كذا، أو ما يقوم مقامه، ويفيد معناه، فهو صريح في التعليل به (٢).

стр. 771

كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وكقوله ﷺ في النهي عن لحوم الأضاحي: (إنما نهيتكم من أجل الدافة) (١). والدافة: القافلة السائرة، مشتقة من الدفيف، وهو السير اللين. وكقوله ﷺ : «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» (٢)، وكقوله ﷺ : «إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، من أجل أن يحزنه» (٣)، فيقاس عليه منع التحدث بلغة لا يفهمها الثالث لاشتراك ذلك في العلة. ومن ذلك أيضًا تعليل الحكم ب (كي) كقوله تعالى: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [طه: ٤٠]. أو مقرونة، قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].

стр. 772

وإذًا، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥]. ومثاله: ذكر المفعول له، كقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. وكقوله ﷺ : «من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (١)، فالعلة من هذا الوعيد الخيلاء. ومن الصريح لفظ (إنَّ) عند البعض مثل قوله ﷺ لما ألقى الروثة: (إنها ركس أو رجس) (٢). وقوله ﷺ في الهرة: (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات) (٣). وقوله ﷺ : «لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها، إنكم إذا فعلتن

стр. 773

ذلك قطعتن أرحامكن» (١). فإن انضم إلى (إنَّ) حرف الفاء فهو آكد، نحو قوله ﷺ : «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» (٢). ثانيًا: النص الظاهر في العلية: وهو الذي يحتمل غير العلية احتمالًا مرجوحًا وله ألفاظ: ١ - اللام: كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾ [الكهف: ١٢]، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وكقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] وهنا اللام ظاهرة. وقد تكون مقدرة، كقوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ [القلم: ١٣ - ١٤] أي: لأن كان، وكقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: لئلا تضلوا.

стр. 774

٢ - الباء: كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي بسبب الرحمة، وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ [التوبة: ٨٢]، فالباء أصل معناها الإلصاق، ولها معان أخر، لكن كثر استعمالها للتعليل. ٣ - الفاء: فالفاء في كلام الشارع تكون في الحكم عند غير أبي خطاب، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وكذلك تكون الفاء في وصف، كخبر المحرم الذي وقصته الناقة: (لا تمسوه طيبًا، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا) (١). والفاء في كلام الراوي الفقيه؛ لأنه يكون دقيقًا في ألفاظه. والفاء في كلام الراوي غير الفقيه، وتكون فيهما في الحكم فقط. وقال بعض المحققين: في الوصف فقط؛ لأن الراوي يحكي ما في الوجود. وذلك كقول عمران بن الحصين: سها رسول الله ﷺ فسجد (٢).

стр. 775

وهنا دخلت الفاء على الوصف وهو السهو، وكل من القولين صحيح. ٤ - إِنَّ المكسورة المشددة - عند البعض -: كقوله تعالى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧]، وكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج: ١]، أي: لأن أمامكم أهوالًا عظيمة لا نجاة منها إلا بتقواه جل علاه. ٥ - إذ: نحو: ضربت العبد إذ أساء. أي: لإساءته. وإنما كانت هذه الحروف من قبيل النص الظاهر، وليس من قبيل الصريح لمجيئها لغير التعليل، فاللام قد تكون لبيان العاقبة، كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. والباء قد تكون للتعدية، كقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، فهي هنا للتعدية وليست للتعليل، والمعنى: أذهب الله نورَهم. والفاء قد تكون لمجرد العطف، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٦]. وإنَّ قد تكون لمجرد التأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾
следующие страницы →