كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وكقوله ﷺ في النهي عن لحوم الأضاحي: (إنما نهيتكم من أجل الدافة) (١).
والدافة: القافلة السائرة، مشتقة من الدفيف، وهو السير اللين.
وكقوله ﷺ : «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» (٢)، وكقوله ﷺ : «إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، من أجل أن يحزنه» (٣)، فيقاس عليه منع التحدث بلغة لا يفهمها الثالث لاشتراك ذلك في العلة.
ومن ذلك أيضًا تعليل الحكم ب (كي) كقوله تعالى: ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [طه: ٤٠].
أو مقرونة، قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣].
стр. 772
وإذًا، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥].
ومثاله: ذكر المفعول له، كقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وكقوله ﷺ : «من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (١)، فالعلة من هذا الوعيد الخيلاء.
ومن الصريح لفظ (إنَّ) عند البعض مثل قوله ﷺ لما ألقى الروثة: (إنها ركس أو رجس) (٢).
وقوله ﷺ في الهرة: (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات) (٣).
وقوله ﷺ : «لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها، إنكم إذا فعلتن
стр. 773
ذلك قطعتن أرحامكن» (١).
فإن انضم إلى (إنَّ) حرف الفاء فهو آكد، نحو قوله ﷺ : «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا» (٢).
ثانيًا: النص الظاهر في العلية:
وهو الذي يحتمل غير العلية احتمالًا مرجوحًا وله ألفاظ:
١ - اللام: كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾ [الكهف: ١٢]، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وكقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] وهنا اللام ظاهرة.
وقد تكون مقدرة، كقوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ [القلم: ١٣ - ١٤] أي: لأن كان، وكقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: لئلا تضلوا.
стр. 774
٢ - الباء: كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي بسبب الرحمة، وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ [التوبة: ٨٢]، فالباء أصل معناها الإلصاق، ولها معان أخر، لكن كثر استعمالها للتعليل.
٣ - الفاء: فالفاء في كلام الشارع تكون في الحكم عند غير أبي خطاب، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وكذلك تكون الفاء في وصف، كخبر المحرم الذي وقصته الناقة: (لا تمسوه طيبًا، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا) (١).
والفاء في كلام الراوي الفقيه؛ لأنه يكون دقيقًا في ألفاظه.
والفاء في كلام الراوي غير الفقيه، وتكون فيهما في الحكم فقط.
وقال بعض المحققين: في الوصف فقط؛ لأن الراوي يحكي ما في الوجود.
وذلك كقول عمران بن الحصين: سها رسول الله ﷺ فسجد (٢).
стр. 775
وهنا دخلت الفاء على الوصف وهو السهو، وكل من القولين صحيح.
٤ - إِنَّ المكسورة المشددة - عند البعض -: كقوله تعالى: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ [نوح: ٢٦ - ٢٧]، وكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج: ١]، أي: لأن أمامكم أهوالًا عظيمة لا نجاة منها إلا بتقواه جل علاه.
٥ - إذ: نحو: ضربت العبد إذ أساء. أي: لإساءته.
وإنما كانت هذه الحروف من قبيل النص الظاهر، وليس من قبيل الصريح لمجيئها لغير التعليل، فاللام قد تكون لبيان العاقبة، كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].
والباء قد تكون للتعدية، كقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، فهي هنا للتعدية وليست للتعليل، والمعنى: أذهب الله نورَهم.
والفاء قد تكون لمجرد العطف، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٦].
وإنَّ قد تكون لمجرد التأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾
стр. 776
[المنافقون: ١].
وإذ قد تكون للبدل، كقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] فهو بدل عن النعمة (١).
• المسلك الثالث: الإيماء والتنبيه.
الإيماء لغة: الإشارة بالأعضاء، كالرأس واليد والعين والحاجب (٢).
وفي حديث أنس، أنَّ يهوديًّا رضَّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك أفلان أو فلان. حتى سمي اليهودي، فأومأت برأسها، فجيء به، فلم يزل حتى اعترف، فأمر رسول الله ﷺ ، فرُضَّ رأسه بالحجارة (٣).
وقالت أسماء: صلَّى النبي ﷺ في الكسوف فقلت لعائشة: ما شأن
стр. 777
الناس؟ وهي تصلي، فأومأت برأسها إلى الشمس، فقلت آية؟ فأومأت برأسها: أن نعم (١).
وقال أنس: أومأ النبي ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم (٢).
واصطلاحًا: هو اقتران الوصف بحكم لو لم يكن هو، أو نظيره للتعليل لكان ذلك الاقتران بعيدًا عن فصاحة الشارع (٣).
وعرفه الشنقيطي بنحو هذا، فقال: أن يقرن الحكم بوصف على وجه لو لم يكن علةً لكان الكلام معيبًا عند العقلاء (٤).
والإيماء من الطرق النقلية لإثبات العلة، وهو ضرب من الإشارة، والفرق بينه وبين النص أنَّ النص يدل على العلة بوصفه لها، والإيماء يدل عليها بطريق الالتزام، كدلالة نقص الرطب على التفاضل، أو بطريق من طرق الاستدلال عقلًا.
стр. 778
* أنواع الإيماء:
الأول: ذكر الحكم عقيب الوصف بالفاء: فيدل على أنَّ ذلك الوصف علة لذلك الحكم، فإنها للتعقيب ظاهرًا، ويلزم منه السببية، نحو قوله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقوله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
وقوله ﵊: «من بدل دينه فاقتلوه» (١)، وقوله ﷺ : «من أحيا أرضًا ميتة فهي له» (٢).
و الفاء لها ثلاثة أحوال:
الأولى: قد تتقدم العلة، وتدخل الفاء على المعلول، وهو الحكم كما في الأمثلة السابقة، وكما في قوله ﷺ : «من مسَّ ذكره فليتوضأ» (٣).
стр. 779
فهذه كلها أحكام ذكرت عقيب أوصاف كاعتزال النساء عقيب المحيض، وقطع يد السارق عقيب السرقة، وقتل المرتد عقيب التبديل، وملك الأرض بعد الإحياء، وذلك يفيد في عرف اللغة أنَّ الوصف الذي قبل الحكم علةٌ وسببٌ لثبوته؛ لأن السبب ما يثبت الحكم عقيبه.
الثانية: وقد يتقدم المعلول -أي: الحكم- ثم تدخل الفاء على العلة، كقوله ﷺ في المحرم: «لا تمسوه طيبًا، ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا» (١).
وقال الرازي والبرماوي: أنَّ تقدم العلة، ثم مجيء الحكم بالفاء أقوى من عكسه، لأن إشعار العلة بالمعلول أقوى من إشعارالمعلول بالعلة؛ لأن الطرد واجب في العلل دون العكس (٢).
ومن مجيء الحكم مقترنًا بالفاء بعد الوصف قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥] فالعلة أنه رجز.
ومن ذكر العلة بعد المعلول واقترانها بالفاء قوله ﷺ : «من لكعب
стр. 780
بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله» (١)، وقوله ﷺ : «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها، وأكلوا ثمنها» (٢)، فدل على أنَّ سبب اللعنة أكلهم أثمان الشحوم (٣).
الثالثة من أحوال الفاء: أن تكون الفاء من كلام الراوي، ولا تكون إلا داخلة على الحكم والعلة ما قبلها، نحو قول عمران بن حصين: «سها رسول الله ﷺ فسجد» (٤).
وترتيب الشارع حكمًا عقب وصف بالفاء.
قال المرداوي: الصحيح أنَّها من الإيماء، قاله الموفق، والطوفي، وابن مفلح، والآمدي، والبيضاوي، وغيرهم، وقال ابن الحاجب وغيره: من أقسام النص الصريح. وقال السبكي وغيره: من أقسام النص الظاهر.
стр. 781
قال البرماوي: ويقوي كلام ابن الحاجب إذا كان في الكلام صريح شرط أو معنى شرط، كالنكرة الموصوفة، والاسم الموصول، فإنه لا يمكن حمل الفاء فيهما على معنى الواو العاطفة؛ إذ العطف لا يحسن قبل تمام الجملة (١).
النوع الثاني من الإيماء: ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء.
نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أي: لتقواه وتوكله لتعقب الجزاء الشرط.
وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١].
وقول النبي ﷺ : «من اقتنى كلبًا إلا كلب صيد أو ماشية، نقص من أجره كل يوم قيراطان» (٢).
ومثاله أيضًا: حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: هلكت
стр. 782
يا رسول الله، قال: «وما أهلكك؟» قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: «هل تجد ما تعتق رقبة؟»، قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟»، قال: لا. قال: «فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟»، قال: لا (١).
وهذا الحديث يغلب على الظن فيه أنَّ الإفطار بالجماع في نهار رمضان عامدًا علة لوجوب الكفارة، وتوجيه ذلك: لما كان الحكم الذي ذكره رسول الله ﷺ جوابًا عن سؤال الأعرابي فإنه يتضمن أن يكون السؤال معادًا في الجواب تقديرًا، فكأنه قال له: إذا واقعت أهلك في نهار رمضان فكفِّر بكذا وكذا.
وهذا النوع قال فيه الغزالي: وهذا مرتبته دون المرتبة السابقة؛ إذ لا يفهم التعليل في هذا المقام إلا إذا عُرف أنه أجاب به عن سؤاله، وأنه لم يذكر ذلك ابتداءً بعد الإعراض عن كلامه، إذ الغلام المغصوب لإسراج الدابة قد يقول لسيده: دخل فلان، فيقول السيد: أسرج الدابة، أي: اشتغل بشغلك، فمالك وذكر ما لا فائدة لك في ذكره وليس هو من شغلك؟ وذلك يفهم بقرينة الحال، فبقرينة الحال يعلم أنَّ المذكور مسبَّب ما ذكره المبتدي.
стр. 783
النوع الثالث من الإيماء: أن يسأل النبي ﷺ عن أمر فيجيب بحكم، فيدل على أنَّ المذكور في السؤال علة.
كما في قصة الأعرابي الذي واقع امرأته في نهار رمضان، فقال له رسول الله ﷺ : «أعتق رقبة» (١)، فدل على أنَّ الوقاع سبب؛ لأنه ذكره جوابًا له، والسؤال كالمعاد في الجواب، والمعنى: حيث واقعت فأعتق.
وإلا تأخر البيان عن وقت الحاجة، وهو ممتنع بالاتفاق.
النوع الرابع: أن يذكر الشارع مع الحكم وصفًا، ولم يصرح بالتعليل به، ولكن لو لم يكن الحكم معللًا به، لما كان لذكره فائدة.
فيجب تقدير الكلام على وجه مفيد صيانةً لكلام النبي ﷺ عن اللغو.
مثاله: حديث سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عن شراء التمر بالرطب، فقال رسول الله ﷺ : «أينقص الرطب إذا يبس؟»، قالوا: نعم، فنهاه رسول الله ﷺ عن ذلك (٢)، وفي رواية: «فلا
стр. 784
إذن» (١).
فلو لم يُقدِّر التعليل به كان الاستكشاف عن نقصان الرطب غير مفيد لظهوره.
قال الشوكاني: الاستفهام ههنا ليس المراد به حقيقته، أعني طلب الفهم؛ لأنه ﵌ كان عالمًا بأنه ينقص إذا يبس، بل المراد تنبيه السامع بأنَّ هذا الوصف الذي وقع عنه الاستفهام هو علة النهي، ومن المشعرات بذلك الفاء في قوله: «فنهى عن ذلك» (٢).
مثال آخر: أن يعدل في الجواب إلى نظير محل السؤال، كما روى ابن عباس ﵄ أنَّ امرأةً أتت رسول الله ﷺ فقالت: إنَّ أمي ماتت وعليها صوم شهر. فقال: «أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضينه؟» قالت: نعم. قال: «فدين الله أحق بالقضاء» (٣).
عن ابن عباس قال: أمرَت امرأةُ سنان بن سلمة الجهني أن يسأل رسول الله ﷺ أنَّ أمها ماتت، ولم تحج، أفيجزي عن أمها أن تحج عنها؟ قال: «نعم، لو كان عن أمها دين فقضته عنها، ألم يكن يجزئ
стр. 785
عنها؟ فلتحج عن أمها» (١).
و في رواية البخاري: إنَّ أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم، حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء» (٢).
فهنا توجه السؤال عن حكم حادثة معينة فيذكر النبي ﷺ حكم حادثة أخرى مشابهة لها، منبهًا على وجه الشبه بذكر وصف مشترك بينهما، مما يفيد أنَّ ذلك الوصف علةٌ لذلك الحكم، فقد ذكر ﷺ نظير دَين الله، وهو دَيْن الآدمي، ونبه على التعليل به لكونه علة الانتفاع، ولو لم يكن قد ساقه لهذا الغرض لكان عبثًا، ففهم نظيره في المسؤول عنه، وهو دين الله كذلك علة لمثل ذلك الحكم، وهو النفع.
ومثاله أيضًا حديث قبلة الصائم: (أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته، أكنت شاربه؟) فقال عمر: لا. فقال ﵊: «ففيم» (٣).
стр. 786
فقد نبه النبي ﷺ على المشترك بين القبلة والمضمضة، وعدم حصول المقصود منها، وهو ما يوجب الإفطار.
فالقبلة مقدمة قضاء شهوة الفرج، وليس فيها قضاء شهوة الفرج، كما أن المضمضة مقدمة قضاء شهوة المعدة، وليس فيها قضاء شهوة المعدة، فعدم قضاء الشهوة سبب عدم الإفطار، فانتفى الحكم بانتفاء سببه.
ففهم على الجملة تأثير الوجه الجامع بين محل السؤال، والنظير المذكور في الحكم الواقع على الاشتراك (١).
الثالث: أن يذكر وصفًا في محل الحكم لا حاجة إلى ذكره، كقوله ﷺ : «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (٢)، فعلة اللعن اتخاذ القبور مساجد، ولو لم يكن كذلك لم يكن لذكره معنى في هذا المقام.
النوع الخامس: أن بفرق بين شيئين في الحكم بذكر صفة فاصلة، فهو تنبيه على أنَّ الوصف الفاصل هو الموجب للحكم الذي عُرف به
стр. 787
المفارقة.
والتفريق بين الحكمين يكون بأمور:
١ - الصفة: سواء ذكر القسمين، نحو قوله ﷺ : «للفارس سهمان وللراجل سهم» (١).
أو ذكر أحدهما نحو: «القاتل لا يرث» (٢).
فمقتضاه أنَّ العلة في نفي الإرث القتل، ولولاه لم يكن لإضافة الحكم إليه وتعريف محل الحرمان به معنى (٣).
стр. 788
٢ - الشرط: كقوله ﵊: (فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد) (١)، فتفريقه بين منع بيع هذه الأشياء متفاضلًا، وجوازه بشرط اختلاف الجنس مُشعِرٌ بأنَّ اختلاف الجنس علةُ التفرقة بين الحكمين.
٣ - الغاية: كقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فهذا كله تنبيه على أنَّ ما جعل غاية للحكم مؤثر، وسبب في ارتباطه.
وكحديث ابن عباس، قال: أما الذي نهى عنه النبي ﷺ فهو الطعام أن يباع حتى يقبض. قال ابن عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله (٢).
٤ - الاستثناء: كقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فتفريقه بين ثبوت النصف للزوجات، وبين انتفائه إذا عفون عنه، مشعر بأنَّ العفو علة الانتفاء.
٥ - الاستدراك: كقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فهو دال على أنَّ العقد
стр. 789
هو علة المؤاخذة.
وكقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فدلَّ على أنَّ تعمد المخالفة هو علة المؤاخذة.
النوع السادس: أن يذكر في سياق الكلام شيئًا لو لم يعلل به صار الكلام غير منتظم.
كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، والآية سيقت لبيان أحكام الجمعة، وليس لبيان أحكام البيع، فذكر النهي عن البيع في هذا المقام مشعر بكونه مانعًا من السعي إلى الجمعة، فلو لم يعلل النهي عن البيع في هذا المقام بكونه مانعًا من السعي للجمعة لكان ذكره لاغيًا، ولو قدرنا النهي عن البيع مطلقًا من غير رابطة الجمعة يكون خبطًا في الكلام.
وكذا قوله ﵊: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (١)، تنبه على التعليل بالغضب؛ إذ النهي عن القضاء مطلقًا من
стр. 790
غير هذه الرابطة لا يكون منتظمًا (١).
ومن أمثلة ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
قال الشنقيطي ﵀: وبما ذكرنا تعلم أنَّ في هذه الآية الكريمة الدليل الواضح على أنَّ وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء، لا خاص بأزواجه ﷺ ، وإن كان أصل اللفظ خاصًّا بهن؛ لأن عموم علَّته دليل على عموم الحكم فيه، ومسلك العلَّة الذي دلَّ على أنَّ قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] هو علَّة قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، هو المسلك المعروف في الأصول بمسلك الإيماء والتنبيه، وضابط هذا المسلك المنطبق على جزئياته، هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن في ذلك الوصف علَّة لذلك الحكم لكان الكلام معيبًا عند العارفين، وعرف صاحب (مراقي السعود)، دلالة الإيماء والتنبيه في مبحث دلالة الاقتضاء، والإشارة، والإيماء والتنبيه، بقوله:
دلالة الإيماء والتنبيه … في الفن تقصد لدى ذويه
стр. 791
أن يقرن الوصف بحكم إن يكن … لغير علّة يعبه من فطن
وعرّف أيضًا الإيماء والتنبيه في مسالك العلَّة، بقوله:
والثالث الإيما اقتران الوصف … بالحكم ملفوظين دون خلف
وذلك الوصف أو النظير … قرانه لغيرها يضير
فقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، لو لم يكن علّة لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، لكان الكلام معيبًا غير منتظم عند الفطن العارف (١).
النوع السابع: اقتران الحكم بوصف مناسب دلَّ على أنَّ ذلك الوصف علةٌ لذلك الحكم.
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الإنفطار: ١٣ - ١٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)﴾ [الحجر: ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
فالجلد للزنا، والجنات والعيون للتقوى، والنعيم للبر، والجحيم للفجور، ونحو ذلك. لأن المعلوم من تصرفات العقلاء ترتيب الأحكام
стр. 792
على الأمور المناسبة، والشرع لا يخرج عن تصرفات العقلاء، ولأنه قد ألف من الشارع اعتبار المناسبات دون إلغائها، فإذا قَرَنَ بالحكم في لفظه وصفًا مناسبًا غلب على الظن اعتباره (١).
وكذلك قوله ﷺ : «لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» (٢).
فدلَّ على أنَّ علة المنع من الطواف كونه عريانًا، وهو دليل على اشتراط ستر العورة للطواف (٣).
• المسلك الرابع: السبر والتقسيم.
ويسمى هذا المسلك بالسبر فقط، وبالتقسيم فقط، وبهما وهو الأكثر.
وهو مركب من أصلين: السبر، والتقسيم.
السبر لغة: امتحان غور الجرح وغيره، ومنه الميل الذي يختبر به الجرح، فإنه يقال له المسبار، وتقول العرب: هذه القضية يسبر بها غور
стр. 793
العقل أي يُختبر (١).
وسمي به؛ لأن المناظر يقسم الصفات، ويختبر كل واحدة منها في أنه هل تصلح للعلية أم لا؟ (٢).
والسبر اصطلاحًا: اختبار تلك الأوصاف المحصورة، وإبطال ما هو باطل، وإبقاء ما هو صحيح منها (٣).
وقال الصنعاني: التقسيم: هو الحصر لكل وصف يصلح في بادئ الرأي للعلية.
ثم يأتي السبر، أي: اختبار تلك الأوصاف فيبطل ما لا يصلح للعلية ويستبقي ما يصلح لها (٤).
أمثلة توضح التعريف:
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩)﴾ [مريم: ٧٧ - ٧٩].
стр. 794
أولًا: التقسيم: حصر أوصاف المحل في ثلاثة، وهي: أنَّ قول العاص بن وائل السهمي أنه يؤتى يوم القيامة مالًا وولدًا لا يخلو مستنده فيه من واحد من ثلاثة أشياء:
الأول: أن يكون اطلع الغيب، وعلم أنَّ الله كتب له في اللوح المحفوظ مالًا وولدًا يوم القيامة.
الثاني: أن يكون الله تعال أعطاه عهدًا بذلك، فإنه إن أعطاه عهدًا لن يخلفه.
الثالث: أن يكون قال ذلك افتراءً على الله من غير عهد ولا اطلاع غيب.
ثانيًا: السبر: وهو اختبار تلك الأوصاف، وإبطال ما هو باطل وإبقاء ما هو صحيح. فنقول: قد ذكر الله تعالى القسمين الأولين في قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مريم: ٧٨] مبطلًا لهما بأداة الإنكار (كلا)، ولا شك أنَّ كلا هذين القسمين باطل؛ لأن العاص المذكور لم يطلع الغيب ولم يتخذ عند الرحمن عهدًا، فتعين القسم الثالث، وهو أنه قال ذلك افتراءً على الله، وقد أشار الله تعالى إلى هذا القسم الذي هو الواقع بحرف الزجر والردع وهو قوله (كلا)، أي: لأنه يلزمه، ليس الأمر كذلك، لم يطلع الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهدًا، بل قال ذلك افتراء على الله؛ لأنه لو كان أحدهما حاصلًا لم
стр. 795
يستوجب الردع عن مقالته كما ترى.
ومن أمثلته: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾ [البقرة: ٨٠].
بالتقسيم الثلاثي كالمثال السابق، وما حذف منها هنا دل عليه المقام هناك، والعكس كذلك.
والحصر والإبطال إما أن يكونا قطعيين فيكون الدليل قطعيًّا، وإما أن يكونا ظنيين فيكون الدليل ظنيًّا.
الأول: ما يكون فيه الحصر والإبطال قطعيًّا، ودلالته قطعية بلا خلاف، ولكنه قيل في الشرعيات.
مثاله قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦].
لأن حصر أوصاف المحل في الأقسام الثلاثة قطعي لا شك فيه؛ لأنهم إما أن يُخلَقوا من غير شيء، أو يخلقوا أنفسهم، أو يخلقهم خالق غير أنفسهم، ولا رابع البته، وإبطال القسمين الأولين قطعي لا شك فيه، فيتعين أنَّ الثالث حق لا شك فيه، وقد حذف في الآية لظهوره.
فدلالة هذا السبر والتقسيم على عبادة الله وحده قطعية لا شك فيها.
стр. 796
ومثال ما يكون الحصر والإبطال ظنيين أو يكون أحدهما ظنيًّا، وهو الأغلب فلا يفيد إلا الظن، ويعمل به فيما لا يتعبد فيه بالقطع من العقائد ونحوها.
مثال: الوصف المؤثر في علة تحريم الربا في الأصناف الأربعة (البر والشعير والتمر والملح)، لذلك فإنَّ العلماء يختلفون فيه لاختلاف ظنون المجتهدين عند نظرهم في المسائل.
وقد اختلفوا في الربا في أشياء كثيرة كالتفاح ونحوه، والنورة ونحوها، بسبب اختلافهم في إبطال ما ليس بصالح، فيقول بعضهم: هذا وصف لا يصح إبطاله. ويقول الآخر: هو ليس بصالح فيلزم إبطاله (١).
ضابط هذا المسلك أمور ثلاثة:
الأول: الإجماع على كون حكم الأصل معللًا في الجملة لا تعبديًّا، وهذا شرط في أصل القياس.
الثاني: كون التقسيم حاصرًا لجميع ما يعلل به، وذلك إما بموافقة الخصم، أو عدم إبدائه وصفًا زائدًا سواء بالعجز عن ذلك، أو ادعاه، وامتنع عن ذكره.
الثالث: إبطال ما ليس صالحًا للعلة.
стр. 797
* طرق حصر أوصاف المحل:
١ - أن يكون الحصر عقليًّا، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور: ٣٥].
ومثال محاورة المبتدع في بدعته بقولنا: إما أن يكون النبي ﷺ عالمًا بهذا الأمر الذي تدعو الناس إليه، أو غير عالم به.
فأوصاف المحل محصورة في الأمرين المذكورين، إذ لا ثالث البته؛ لأنه لا واسطة بين الشيء ونقيضه.
٢ - أن يدل على الحصر المذكور إجماع، ومثَّل له بعض الأصوليين بإجبار البكر البالغة على النكاح عند من يقول به، فإنَّ علة الإجبار إما الجهل بالمصالح، وإما البكارة.
* طرق إبطال الأوصاف الغير صالحة للتعليل أو طرق السبر.
١ - بيان أنَّ الوصف طردي محض، إما بالنسبة إلى جميع الأحكام كالطول والقصر، والبياض والسواد.
أو بالنسبة إلى خصوص الحكم المتنازع في ثبوته ونفيه (وهو ما يُعبَّر عنه بالوصف المُلغَى كما سيأتي إن شاء الله)، كالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى باب العتق، فإنه لا فرق في أحكام العتق بين الذكر والأنثى؛ لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إليه وصفان طرديان، كقوله ﷺ : «من
стр. 798
أعتق شركًا له في عبدٍ، فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق) (١). فلفظ العبد هنا وصف طردي فمن أعتق شركًا له في أمة فكذلك.
وإن كانا غير طرديين في غير العتق كالإرث، والشهادة، والقضاء، وولاية النكاح فإن الذكر في ذلك ليس كالأنثى.
ويعرف الوصف بكونه طرديًّا -أي لا مدخل له في التعليل أصلًا- باستقراء موارد الشرع ومصادره، إما مطلقًا، وإما في بعض الأبواب دون بعضها (٢).
٢ - ألا تظهر للوصف مناسبة.
والمناسبة في اصطلاح أهل الأصول: كون إناطة الحكم بالوصف تترتب عليها مصلحة، فعدم المناسبة المذكورة من طرق إبطاله في مسلك السبر (٣).
стр. 799
٣ - كون الوصف ملغى، وإن كان مناسبًا للحكم المتنازع فيه، ويكون الإلغاء باستقلال الوصف المُستَبقَى بالحكم دونه في صورة مجمع عليها.
وعبر عنه الآمدي بقوله: أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألفنا من الشارع إلغاءه في جنس ذلك الحكم المعلل، فيجب إلغاؤه وإن كان مناسبًا، كقوله ﷺ : «من أعتق شركًا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّم عليه العبد فأعطى شركاءه حصصهم» (١).
فإنه وإن أمكن تقرير مناسبة بين صفة الذكورة وسراية العتق غير أنَّا لما عهدنا من الشارع التسوية بين الذكر والأنثى في أحكام العتق ألغينا صفة الذكورة في السراية، بخلاف ما عداه من الأحكام (٢).
٤ - وجود الحكم بدون الوصف الذي يبطله المستدل بالسبر، فيظهر أنه غير العلة لوجود الحكم بدونه، أي: بيان بقاء الحكم بحذفه.
مثال: قول الشافعي ﵀: المعلل تحريم الربا في البر بالطعم أنَّ وصف الكيل والاقتيات، والادخار لغو بدليل وجود الحكم الذي
стр. 800
هو منع الربا في ملء الكف من البر، مع أنه لا يكال، وليس فيه قوت لقلته، فيتعين وصف الطعم (١).
والقاعدة المقَرَّرة في الأصول: أنَّ المثال لا يعترض؛ لأن المراد منه بيان القاعدة، كما أشار له في مراقي السعود بقوله:
والشأن لا يعترض المثال … إذ قد كفى الغرض والاحتمال (٢)
تتمة: قال القرافي: الأصل أن نقول: التقسيم والسبر؛ لأنَّا نقسِّم أولًا، ثم نقول في معرض الاختبار لتلك الأوصاف الحاصلة في التقسيم: هذا لا يصلح، وهذا لا يصلح، فيتعيَّن هذا. فالاختبار واقع بعد التقسيم، لكن التقسيم لما كان وسيلة للاختبار، والاختبار هو المقصد، وقاعدة العرب تقديم الأهم والأفضل، قُدِّم السبر؛ لأنه المقصد الأهم، وأخَّر التقسيم؛ لأنه وسيلة أخْفضُ رتبةً من المقصد، وهذه الطريقة مفيدة للعلة؛ لأن الحكم مهما أمكن أن يكون معللًا لا يُجْعل تعبُّدًا، وإذا أمكن إضافته للمناسب، فلا يضاف لغير المناسب، ولم نجد مناسبًا إلا ما بقي بعد السَّبْر، فوجب كونه علة بهذه القاعدة (٣).
стр. 801
* المسلك الخامس: الدوران.
وهو في اللغة: مصدر دار يدور دَوْرًا، إذا تحرك حركة دورية، وهي التي تنتهي إلى مبدئها، كحركة الفلك والدولاب والرحا، ونحوها.
واصطلاحًا: وجود الحكم بوجود الوصف -المدعى علة- وعدمه بعدمه (١).
ويسمى هذا المسلك: بالدوران الوجودي والعدمي، وبالدوران فقط، وبالطرد والعكس (٢).
والطرد في الاصطلاح: الملازمة في الانتفاء (٣).
قال القرافي: وفيه خلافٌ، والأكثرون من أصحابنا، وغيرهم يقولون بكونه حجة.
مثاله: التحريم مع السكر في العصير، فإنه لما لم يكن مسكرًا لم يكن حرامًا فلما حدث السكر فيه وجدت الحرمة، ثم لما زال السكر بصيرورته خلًّا بالاستحالة، زال التحريم، فدل على أنَّ العلة السكر، فالأول اقتران وجود الحكم بوجود الوصف، والثاني اقتران العدم
стр. 802
بالعدم (١).
قال الشوكاني: ذهب الجمهور إلى أنه يفيد ظن العلية، بشرط عدم المزاحم؛ لأن العلة الشرعية لا توجب الحكم بذاتها، وإنما هي علامة منصوبة، فإذا دار الوصف مع الحكم غلب على الظن كونه معرفًا.
قال الصفي الهندي: هو المختار.
قال إمام الحرمين: ذهب كل من يعزى إلى الجدل إلى أنه أقوى ما تثبت به العلل، وذكر القاضي أبو الطيب الطبري أنَّ هذا المسلك من أقوى المسالك.
وذهب بعض أهل الأصول إلى أنه لا يفيد بمجرده، لا قطعًا ولا ظنًّا، واختاره الأستاذ أبو منصور، وابن السمعاني، والغزالي، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والآمدي، وابن الحاجب (٢).
قلت: نسب الشوكاني عدم القول بالدوران لأبي إسحاق الشيرازي، والذي في اللمع أنه عده من الأدلة على صحة العلة، وهو من دلالة
стр. 803
الاستنباط، وسمى الدوران التأثير، قال: ويعرف من وجهين:
أحدهما: السلب والوجود، وهو أن يوجد الحكم بوجوده، ويزول بزواله.
وذلك مثل قولنا في الخمر: إنه شراب فيه شدة مُطْربة، فإنه قبل حدوث الشدة كان حلالًا، ثم حدثت الشدة، فحرم، ثم زالت الشدة فحل، فعلم أنه هو العلة.
والثاني: بالتقسيم: وهو أن يبطل كل معنى في الأصل إلا واحدًا؛ فيعلم أنه هو العلة، وذلك مثل أن يقول في الخبز إنه يحرم فيه الربا فلا يخلو إما أن يكون للكيل أو للطعم أو للوزن، ثم يبطل أن يكون للكيل والوزن فيعلم أنه للطعم (١).
* حجة أنَّ الدوران دليل العلية:
قال القرافي: إن اقتران الوجود بالوجود، والعدم بالعدم يغلب على الظن أنَّ المَدَار علة الدَائِر، بل قد يحصل القطع بذلك؛ لأن من ناديناه باسم، فغضب، ثم سَكَتْنا عنه، فزال غضبه، ثم ناديناه به، فغضب كذلك مرارًا كثيرة، حصل لنا الظن الغالب بأن علة غضبه إنما هو ذلك الاسم الذي ناديناه به، ولذلك جزم الأطباء بالأدوية المُسْهِلة، والقابضة،
стр. 804
وجميع ما يعطونه من المبرِّدات، وغيرها بسبب وجود تلك الآثار عند وجود تلك العقاقير وعدمها عند عدمها.
فالدوران أصل كبير في أمور الدنيا والآخرة، فإذا وُجِد بين الوصف والحكم جَزَمْنا بعليَّة الوصف للحكم (١).
وقال الطوفي: وأما دليل الشرع، فلأن النبي ﵇ بعث ابن اللتبية عاملًا، فلما عاد من عمله، جاء بمال، فجعل يقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، فخطب النبي ﷺ ، فقال: «ما بال الرجل نبعثه في عمل المسلمين فيجيء، فيقول: هذا لكم، وهذا لي، ألا جلس في بيت أمه، فينظر هل يهدى له» (٢).
وهذا عين الاستدلال بالدوران، أي: إنا إذا استعملناك، أهدي لك، وإذا لم نستعملك لم يهد لك، فعلة الهدية لك استعمالنا إياك؛ فثبت بهذا أنه يوجب ظن العلية، وأما أنه إذا وجب ظن العلية، وجب اتباعه؛ فلأن الظن متبع في العمليات بما عرف في الدليل على إثبات القياس من أنه يتضمن دفع ضرر مظنون (٣).
стр. 805
ومن أمثلة ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، هكذا مثل به الطوفي.
حجة المنع: قال الغزالي في مسلك الدوران: الطرد والعكس، وقد قال قوم: الوصف إذا ثبت الحكم معه وزال مع زواله يدل على أنه علة، وهو فاسد؛ لأن الرائحة المخصوصة مقرونة بالشدة في الخمر ويزول التحريم عند زوالها، ويتجدد عند تجددها، وليس بعلة بل هو مقترن بالعلة؛ وهذا لأن الوجود عند الوجود طرد محض، فزيادة العكس لا تؤثر؛ لأن العكس ليس بشرط في العلل الشرعية، فلا أثر لوجوده وعدمه، ولأن زواله عند زواله يحتمل أن يكون لملازمته للعلة، كالرائحة أو لكونه جزءًا من أجزاء العلة أو شرطًا من شروطها، والحكم ينتفي بانتفاء بعض شروط العلة، وبعض أجزائها فإذا تعارضت الاحتمالات فلا معنى للتحكم.
وعلى الجملة: فنسلِّم أنَّ ما ثبت الحكم بثبوته فهو علة، فكيف إذا انضم إليه أنه زال بزواله.
أما ما ثبت مع ثبوته، وزال مع زواله فلا يلزم كونه علةً كالرائحة المخصوصة مع الشدة، أما إذا انضم إليه سبر وتقسيم كان ذلك حجة،
стр. 806
كما لو قال: هذا الحكم لا بد له من علة؛ لأنه حدث بحدوث حادث، ولا حادث يمكن أن يعلل به إلا كذا وكذا، وقد بطل الكل إلا هذا، فهو العلة (١).
والجواب عن ذلك:
أنَّ الصورة التي ذكرها الغزالي ﵀ خارج محل النزاع، فإنَّ الوصف إذا كان طرديًّا غير مؤثر في الحكم فلا اعتبار له بالاتفاق، وإنما الوصف في مسلك الدوران هو الوصف المؤثر ويعتبر حيث لم يقم دليل على إلغائه.
فالشدة والرائحة هي علامة على العلة التي هي الإسكار، وليست هي العلة، ألا ترى الآن أنَّ المخدرات تؤخذ في شكل أقراص، وحقن، وتسبب الإسكار، وليس فيها شدة الخمر، ولا رائحة الخمر مع ذلك فهي محرمة لاشتمالها على العلة، وهي الإسكار.
* المسلك السادس: المناسبة.
ويسمى استخراجها: تخريج المناط، وهي عمدة كتاب القياس، ومحل غموضه ووضوحه (٢).
стр. 807
والمناسبة في اللغة: الاتصال، والارتباط، والملاءمة، والمشاكلة.
وقد اختلف في تعريف المناسب، واستقصاء القول فيه من المهمات؛ لأن عليه مدار الشريعة، بل مدار الوجود، إذ لا موجود إلا وهو على وفق المناسبة العقلية، لكن أنواع المناسبة تتفاوت في العموم والخصوص، والخفاء والظهور، فما خفيت عنا مناسبته، سمي تعبدًا، وما ظهرت مناسبته سمي معللًا، فقولنا: المناسب ما تتوقع المصلحة عَقِيبَهُ، أي: ما إذا وجد أو سمع، أدرك العقل السليم كون ذلك الوصف سببًا مفضيًا إلى مصلحة من المصالح لرابط من الروابط العقلية بين تلك المصلحة، وذلك الوصف، وهو معنى قولي: لرابط ما عقلي.
ومثاله: أنه إذا قيل: المسكر حرام، أدرك العقل أنَّ تحريم المسكر مفضٍ إلى مصلحة، وهي حفظ العقول من الاضطراب (١).
وقال الآمدي: المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودًا للشارع من تحصيل مصلحة، أو تكميلها، أو دفع مفسدة، أو تقليلها (٢).
стр. 808
والمناسبة في اصطلاح الأصوليين تطلق بإطلاقين:
الإطلاق العام: وهو شامل للعلة الثابتة بالنص، والإجماع، والثابتة بالاستنباط.
الإطلاق الخاص: ولا يتناول إلا العلة المستنبطة عن طريق تخريج المناط.
وقال السمعاني: ونعنى بالتأثير إشعاره في القلوب، وقبولها لذلك الحكم بتلك العلة، ووجود شاهد الأصل على ذلك.
كتعليل الشافعية الربا في الأصناف الأربعة بالطعم بأنه المشعر بثبوت حكم الأصل والمؤثر فيه، وأنَّ وصف الكيل غير مؤثر.
ومثل: مسألة البيع الفاسد، فإنَّ الفساد مشعر بانتفاء الحكم.
وفي النكاح بغير ولي: الأنوثة مشعرة بانتفاء الولاية للمرأة في الأنكحة، والبكارة مشعرة بثبوت الإجبار (١).
قال القرافي: المناسبة: ما تضمن تحصيل مصلحة، أو درء مفسدة.
فالأول: - يعني تحصيل المصلحة- كالغنى، هو علة وجوب الزكاة لتضمنه مصلحة الفقراء، ورب المال.
стр. 809
والثاني: يعني درء المفسدة كالإسكار علة لتحريم الخمر (١).
* المسلك السابع: الشَّبَه.
وهو لغة: بفتح الشين والباء الموحدة: أصل معناه الشبه، يقال: هذا شبه هذا، وشِبْهُه بكسر الشين وسكون الباء، وشبيهه، كما تقول: مَثَلَهُ، ومِثْلُهُ، ومَثِيلُهُ.
والشَّبَهُ، والشِّبْهُ، والشَّبِيهُ: المِثْلُ، والجمع: أشباه، وأَشْبَه الشيءُ الشيءَ ماثَلَهُ، وفي المثل: من أشبه أباه فما ظلم.
وهو بهذا المعنى يطلق على كل قياس؛ لأن الفرع لا بد أن يشبه الأصل، لكن غلب إطلاقه في الاصطلاح الأصولي على هذا النوع من مسالك العلة (٢).
أما تعريفه اصطلاحًا فقد اختلف الأصوليون في تعريفه:
الأول: قال القاضي أبو يعلى، والقاضي يعقوب، وابن عقيل، وغيرهم: هو تردد الفرع بين أصلين فيه مناط كل منهما، إلا أنه يشبه
стр. 810
أحدهما في أوصاف أكثر، فإلحاقه به هو الشبه (١).
الثاني: هو منزلة بين المناسب والطردي، يعني أنه وصف يشبه المناسب في إشعاره بالحكم، لكن لا يساويه، بل دونه، ويشبه الطردي في كونه لا يقتضي الحكم مناسبة بينهما، فهو بين المناسب، والطردي (٢).
وعرفه الحنفية والمالكية بقريب من هذا، فقالوا: هو عبارة عن الوصف الذي تكون مناسبته للحكم ليست بالنظر إلى ذات ذلك الوصف، بل مناسبته له بشبهه للوصف المناسب بذاته شبهًا يقتضي الظن بعليته للحكم.
ولهذا لم يعده الحنفية مسلكًا من مسالك العلة؛ لأنه على هذا التصور محتاج في إثبات عليته إلى مسلك آخر لإثباتها من نص، أو إجماع، أو سبر، أو ما إلى ذلك.
ومثلوا للشبه بقول القائل في إلحاق إزالة الخبث بإزالة الحدث في تعيين الماء لذلك: أنَّ إزالة الخبث يعد طهارة تراد للصلاة، فلا يجزئ