← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

كما لو قال: هذا الحكم لا بد له من علة؛ لأنه حدث بحدوث حادث، ولا حادث يمكن أن يعلل به إلا كذا وكذا، وقد بطل الكل إلا هذا، فهو العلة (١). والجواب عن ذلك: أنَّ الصورة التي ذكرها الغزالي ﵀ خارج محل النزاع، فإنَّ الوصف إذا كان طرديًّا غير مؤثر في الحكم فلا اعتبار له بالاتفاق، وإنما الوصف في مسلك الدوران هو الوصف المؤثر ويعتبر حيث لم يقم دليل على إلغائه. فالشدة والرائحة هي علامة على العلة التي هي الإسكار، وليست هي العلة، ألا ترى الآن أنَّ المخدرات تؤخذ في شكل أقراص، وحقن، وتسبب الإسكار، وليس فيها شدة الخمر، ولا رائحة الخمر مع ذلك فهي محرمة لاشتمالها على العلة، وهي الإسكار. * المسلك السادس: المناسبة. ويسمى استخراجها: تخريج المناط، وهي عمدة كتاب القياس، ومحل غموضه ووضوحه (٢).

стр. 807

والمناسبة في اللغة: الاتصال، والارتباط، والملاءمة، والمشاكلة. وقد اختلف في تعريف المناسب، واستقصاء القول فيه من المهمات؛ لأن عليه مدار الشريعة، بل مدار الوجود، إذ لا موجود إلا وهو على وفق المناسبة العقلية، لكن أنواع المناسبة تتفاوت في العموم والخصوص، والخفاء والظهور، فما خفيت عنا مناسبته، سمي تعبدًا، وما ظهرت مناسبته سمي معللًا، فقولنا: المناسب ما تتوقع المصلحة عَقِيبَهُ، أي: ما إذا وجد أو سمع، أدرك العقل السليم كون ذلك الوصف سببًا مفضيًا إلى مصلحة من المصالح لرابط من الروابط العقلية بين تلك المصلحة، وذلك الوصف، وهو معنى قولي: لرابط ما عقلي. ومثاله: أنه إذا قيل: المسكر حرام، أدرك العقل أنَّ تحريم المسكر مفضٍ إلى مصلحة، وهي حفظ العقول من الاضطراب (١). وقال الآمدي: المناسب عبارة عن وصف ظاهر منضبط يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودًا للشارع من تحصيل مصلحة، أو تكميلها، أو دفع مفسدة، أو تقليلها (٢).

стр. 808

والمناسبة في اصطلاح الأصوليين تطلق بإطلاقين: الإطلاق العام: وهو شامل للعلة الثابتة بالنص، والإجماع، والثابتة بالاستنباط. الإطلاق الخاص: ولا يتناول إلا العلة المستنبطة عن طريق تخريج المناط. وقال السمعاني: ونعنى بالتأثير إشعاره في القلوب، وقبولها لذلك الحكم بتلك العلة، ووجود شاهد الأصل على ذلك. كتعليل الشافعية الربا في الأصناف الأربعة بالطعم بأنه المشعر بثبوت حكم الأصل والمؤثر فيه، وأنَّ وصف الكيل غير مؤثر. ومثل: مسألة البيع الفاسد، فإنَّ الفساد مشعر بانتفاء الحكم. وفي النكاح بغير ولي: الأنوثة مشعرة بانتفاء الولاية للمرأة في الأنكحة، والبكارة مشعرة بثبوت الإجبار (١). قال القرافي: المناسبة: ما تضمن تحصيل مصلحة، أو درء مفسدة. فالأول: - يعني تحصيل المصلحة- كالغنى، هو علة وجوب الزكاة لتضمنه مصلحة الفقراء، ورب المال.

стр. 809

والثاني: يعني درء المفسدة كالإسكار علة لتحريم الخمر (١). * المسلك السابع: الشَّبَه. وهو لغة: بفتح الشين والباء الموحدة: أصل معناه الشبه، يقال: هذا شبه هذا، وشِبْهُه بكسر الشين وسكون الباء، وشبيهه، كما تقول: مَثَلَهُ، ومِثْلُهُ، ومَثِيلُهُ. والشَّبَهُ، والشِّبْهُ، والشَّبِيهُ: المِثْلُ، والجمع: أشباه، وأَشْبَه الشيءُ الشيءَ ماثَلَهُ، وفي المثل: من أشبه أباه فما ظلم. وهو بهذا المعنى يطلق على كل قياس؛ لأن الفرع لا بد أن يشبه الأصل، لكن غلب إطلاقه في الاصطلاح الأصولي على هذا النوع من مسالك العلة (٢). أما تعريفه اصطلاحًا فقد اختلف الأصوليون في تعريفه: الأول: قال القاضي أبو يعلى، والقاضي يعقوب، وابن عقيل، وغيرهم: هو تردد الفرع بين أصلين فيه مناط كل منهما، إلا أنه يشبه

стр. 810

أحدهما في أوصاف أكثر، فإلحاقه به هو الشبه (١). الثاني: هو منزلة بين المناسب والطردي، يعني أنه وصف يشبه المناسب في إشعاره بالحكم، لكن لا يساويه، بل دونه، ويشبه الطردي في كونه لا يقتضي الحكم مناسبة بينهما، فهو بين المناسب، والطردي (٢). وعرفه الحنفية والمالكية بقريب من هذا، فقالوا: هو عبارة عن الوصف الذي تكون مناسبته للحكم ليست بالنظر إلى ذات ذلك الوصف، بل مناسبته له بشبهه للوصف المناسب بذاته شبهًا يقتضي الظن بعليته للحكم. ولهذا لم يعده الحنفية مسلكًا من مسالك العلة؛ لأنه على هذا التصور محتاج في إثبات عليته إلى مسلك آخر لإثباتها من نص، أو إجماع، أو سبر، أو ما إلى ذلك. ومثلوا للشبه بقول القائل في إلحاق إزالة الخبث بإزالة الحدث في تعيين الماء لذلك: أنَّ إزالة الخبث يعد طهارة تراد للصلاة، فلا يجزئ

стр. 811

فيه غير الماء شأنها في ذلك شأن الوضوء، فإنه طهارة يراد للصلاة، فلا يجزئ فيه غير الماء، فالشبه قائم بين الخبث والحدث في كون كل منهما طهارة تراد للصلاة، والمناسبة بين الخبث، وبين تعيين الماء ليست بذاته، بل بشبهه، وهو الوضوء الذي وجدنا الشارع اعتبر فيه خصوصية الماء في الصلاة، ومس المصحف، والطواف (١). وقد يمثل له بالرقم (سبعة) فمن حيث هو رقم من الأرقام، فهو وصف طردي لا علاقة له بالحكم، ولا تظهر مناسبته للأحكام، لكن ألف من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام كالطواف، والسعي، والرمي، والأذكار في الرقى، كقوله ﵊: «من أكل سبع تمرات مما بين لَابَتَيْهَا حين يصبح، لم يضره سم حتى يمسي» (٢). وقوله: «ما من مسلم يعود مريضًا لم يحضر أجله فيقول سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عوفي» (٣).

стр. 812

وكقوله ﷺ في مرض موته: «هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ، لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ» (١). إلا أن يقال أنَّ هذا مما لا يعقل معناه، فلا يدخل في باب القياس، إنما أردت ذكره هنا لكثرة وروده، والتفات الشرع إليه، والله أعلم. حجية الشبه: اختلفوا في كونه حجة أم لا على مذاهب: الأول: أنه حجة، وإليه ذهب الأكثرون من الأصوليين من الشافعية، والرواية الصحيحة عن الإمام أحمد، وأكثر الفقهاء، وسماه الشافعي (قياس غلبة الأشباه). واستدلوا بما يلي: ١ - حديث أبي هريرة أنَّ رجلًا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، ولد لي غلام أسود، فقال: «هل لك من إبل؟» قال: نعم. قال: «ما ألوانها؟» قال: حُمْرٌ. قال: «هل فيها من أَوْرَق؟» قال: نعم. قال: «فأنَّى ذلك؟» قال: لعله نزعه عرق. قال: «فلعل ابنك هذا نزعه عرق» (٢).

стр. 813

فاعتبر النبي ﷺ بالشبه بين الإبل والإنسان في نزعه عرق. قال الخطابي: هو أصل في قياس الشبه (١). ٢ - أنَّ قياس الشبه يفيد ظنًّا - ولو ضعيفًا-، فإذا لم يوجد ما يعارضه، ولم يوجد من المسالك ما هو أولى منه لجأنا إليه؛ لأن الظن معمول به في الأحكام الشرعية. واختلف القائلون به في محل الشبه: فمنهم من اعتبر المشابهة في الحكم: كالشافعية والحنابلة، ولهذا ألحقوا العبد المقتول بسائر الأموال المملوكة في لزوم قيمته على القاتل بجامع أنَّ كلًّا منهما يباع ويشترى. ومنهم من اعتبر المشابهة في الصورة: كإسماعيل بن علية، كقياس الخيل على الحمير والبغال في سقوط الزكاة. وقياس الحنفية في حرمة لحم الخيل بالقياس على لحم الحمير للمشابهة بينهما في الصورة. وكرد وطء الشبهة إلى النكاح في سقوط الحدود، ووجوب المهر لشبهه بالوطء في النكاح، ومقتضى ذلك قتل الحر بالعبد، كما يقوله أبو

стр. 814

حنيفة. ونحو ذلك قول الإمام أحمد بوجوب التشهد الأول؛ لأنه أحد الجلوسين في تشهد الصلاة، فوجب كالتشهد الأخير، وعكسه بعض الحنفية بعدم وجوب الأخير قياسًا على الأول (١). الثاني: أنَّ هذا المسلك ليس بحجة. وبه قال أكثر الحنفية، والقاضي أبو بكر، والأستاذ أبو منصور، وأبو إسحاق المروزي، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو بكر الصيرفي، والقاضي أبو الطيب الطبري، لكنه عند الباقلاني صالح لأن يرجح به (٢). واستدلوا: بأنَّ الشبه إن كان مناسبًا فهو معتبر بالاتفاق، وإن كان غير مناسب فهو الطرد المردود بالاتفاق. وبأنَّ المعتمد في القياس عمل الصحابة، ولم يتمسكوا بهذا الطريق فيلغى. الثالث: المعتبر حصول المشابهة فيما يظن أنه مستلزم لعلة الحكم، أو أنه علة الحكم سواء كانت المشابهة في الصورة أو المعنى. وإليه ذهب الرازي في المحصول، وأجاب على حجة القول بعدم

стр. 815

اعتباره (١). والراجح: المذهب الأول إذا عدم قياس العلة. ويرد على القول بالمنع: بأنَّ الشبه مسلك بين المناسبة والطرد، ولا نسلم أن ما سوى المناسبة مردود، وأنَّ المعتبر في القياس قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] (٢)، وهذا نوع من الاعتبار، وإلحاق الشبيه بشبيهه. * المسلك الثامن: الطرد. وهو لغة: كما قال ابن منظور: اطَّرَدَ الشيءُ: تبع بعضه بعضًا وجرى. واطَّرد الأمر: استقام، واطَّردت الأشياء إذا تبع بعضها بعضًا، واطَّرد الكلام إذا تتابع، واطَّرد الماء: إذا تتابع سيلانه. وذكر معانيَ أخرى، لكن هذا ألصقها بما نحن فيه (٣). وفي الاصطلاح: قال في المحصول: والمراد منه: الوصف الذي لم

стр. 816

يكن مناسبًا، ولا مستلزمًا للمناسب، إذا كان الحكم حاصلًا مع الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع، وهذا قول الأكثرين (١). وأوضح من هذا عبارة الأرموي في الحاصل حيث قال: جريان الحكم مع الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع. وهو يدل على العلية؛ لأن الأغلب إذا كان ثبوت هذا الحكم مع ذلك الوصف، وجب إثباته في صورة النزاع إلحاقًا للمفرد النادر بالغالب. ومنهم من عرفه، فقال: هو مقارنة الوصف غير المناسب والشبهي للحكم في جميع الصور، ما عدا المتنازع فيها (٢). الفرق بينه وبين الدوران: أنَّ الطرد عبارة عن المقارنة في الوجود دون العدم، والدوران عبارة عن المقارنة وجودًا وعدمًا (٣).

стр. 817

* الخلاف في حجية الطرد: أما من أنكر الدوران فهو لا يقول بالطرد من باب أولى، ومن قال بالدوران فقد اختلفوا في الطرد على مذهبين: المذهب الأول: أنَّ الطرد ليس بحجة، وهذا مذهب الجمهور من الفقهاء والمتكلمين كما نقله القاضي عنهم، وقال القاضي حسين: لا يجوز أن يدان الله به. وقال السمعاني: وسمى أبو زيد الذين يجعلون الطرد حجة، والاطراد دليلًا على صحة العلية: حشوية أهل القياس. قال: ولا يعد هؤلاء من جملة الفقهاء. واستدلوا بالتالي: ١ - بأنَّ الأصل في الشرائع جلب المصالح ودرء المفاسد، فما لم يعلم فيه تحصيل مصلحة، ولا درء مفسدة وجب أن لا يعتبر. ٢ - أنَّ تجويزه يفتح باب الهذيان واللعب في الدين. المذهب الثاني: أنه حجة، وبه قال الرازي في المحصول، والبيضاوي، وبعض الحنفية. واستدلوا بالتالي: ١ - أنَّ الأحكام الأصل فيها التعليل، وليس لدينا في هذا الحكم إلا

стр. 818

الطرد، أو عدم التعليل، والثاني باطل؛ لأنه خلاف الأصل، فيثبت الأول. ٢ - أنَّ اقتران هذا الوصف بالحكم في جميع الصور يورث الظن، وهو كاف في العلية، كما لو رأينا دابة القاضي أمام قصر الأمير، فتستدل على وجوده داخل القصر لاطراد وجود الدابة معه أينما ذهب. ٣ - أنَّ إلحاق الصورة المتنازع فيها بحكم الوصف الطردي في جميع الصور إنما هو إلحاق بالأعم الأغلب (١). والراجح - والله أعلم-: أنَّ الطرد قد يستأنس به إذا سلم عن المعارضة مما هو أقوى منه؛ لأن وجوده مع الحكم في جميع الصور يتولد منه ظن بتأثيره في العلية، لكن لا يستقل بعلية الحكم، وهذا بخلاف الوصف الطردي؛ لأن الوصف الطردي وجوده مع الحكم في بعض الصور ليس له أدنى تأثير في علية الحكم، بخلاف الوصف في الطرد فيوجد في أغلب الصور، وهو لا يتكرر بهذه الصورة إلا وله نوع تأثير في الحكم ولو ضعيفًا. وهذا الباب قد يستأنس به القاضي عند عدم البينة، أو الشهود، فيكون من باب توارد الأدلة وتركيبها، والله أعلم.

стр. 819

* المسلك التاسع: تنقيح المناط. وقد سبق الكلام عنه في أنواع الاجتهاد في العلة. ومعناه هنا: إلحاق الفرع بالأصل بإلغاء الفارق، بأن يقال: لا فرق بين الأصل والفرع إلا كذا، وذلك لا مدخل له في الحكم البتة، فيلزم اشتراكهما في الحكم لاشتراكهما في الموجب له (١)، كقياس العبد على الأمة في تنصيف الحد في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]؛ لأنه لا فرق بين الحرة والأمة إلا الرق، فعلم أنه سبب تشطير الجلد، فأجري في العبد لاتصافه بالرق الذي هو مناط الحكم (ويسمى المشترك بين الأصل والفرع). ولا فرق بين العبد والأمة إلا الذكورة والأنوثة (ويسمى المختص بالأصل للأنوثة هنا، والذكورة في مسألة تقويم العبد على سيده الذي أعتقه شركه فيه)، وهذا الوصف لا مدخل له في الحكم فَيُلغَى. والفرق بين السبر والتقسيم، وهذا المسلك: أنَّ الحصر في دلالة السبر لتعيين العلة إما استقلالًا أو اعتبارًا، وفي نفي الفارق لتعيين الفارق وإبطاله لا لتعيين العلة، بل هو نقيض قياس العلة؛ لأن القياس هناك

стр. 820

عين جامعًا بين الفرع والأصل، وعين هنا الفارق بينهما (١). وقد عد القرافي هذا المسلك - وهو تنقيح المناط - أنه إلغاء الفارق، فقال في المسلك الثامن من مسالك العلة: تنقيح المناط، وهو إلغاء الفارق فيشتركان في الحكم. والدليل على أنه حجة بهذا التفسير: أنَّ الأصل في كل مِثْلين أن يكون حكمهما واحدًا، فإذا استوت صورتان، ولم يوجد بينهما فارق، فالظن القوي القريب من القطع أنهما مستويان في الحكم، ونجد في أنفسنا من اعتقاد الاستواء في الحكم ههنا أكثر مما نجده في الطرد والشبه، والعلم بهذا التفاوت ضروري عند من سلك مسالك الاعتبار والنظر، فوجب كونه دليلًا على عليَّة المشترك على سبيل الإجمال، وإن كُنَّا لا نعيِّنه، بل نجزم بأنَّ ما اشتركا فيه هو موجب العلة (٢). قال الشنقيطي: والتحقيق أنه - أي إلغاء الفارق- نوع من تنقيح المناط (٣). فمعنى تنقيح المناط: الاجتهاد في تحصيل المناط الذي ربط به

стр. 821

الشارع الحكم، فيبقى من الأوصاف ما يصلح، ويلغى ما لا يصلح. وذكر جماعة كالتاج السبكي، والبرماوي، وغيرهما: أنه أجود مسالك العلة بأن يبين إلغاء الفارق (١). • أنواع القياس: ينقسم القياس بحسب النظر إلى العلة إلى أقسام منها: ١ - قياس العلة. ٢ - قياس الدلالة. ٣ - قياس الشبه. ٤ - قياس العكس. * الأول: قياس العلة: أن يكون الجمع بين الفرع والأصل بنفس علة الحكم، ويسمى قياس المعنى. وينقسم إلى: جلي، وخفي. فأما الجلي: فما عرف من غير معاناة فكر. والخفي: لا يتبين إلا بإعمال فكر.

стр. 822

والجلي على أربعة أضرب: الأول: وهو المتناهي في الجلاء، وهو ما عرف من ظاهر النص بغير استدلال، ولا يرد الشرع بخلافه في الفرع. وهو: أن يكون المسكوت عليه أولى بالحكم من المنطوق به مع القطع بنفي الفارق، وذلك كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، فلا يشك عاقل في أنَّ النهي عن التأفيف المنطوق به يدل على النهي عن الضرب والشتم المسكوت عنه. وكقوله تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١٣]، فلا يعقل أن ينفى ملكهم للقطمير، ثم يثبت ملكهم لما فوق ذلك. وكقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، فلا يعقل أن يؤتمن الأول على القنطار، ثم يتهم بالخيانة في دينار، والعكس في الثاني. وكقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، فلا يعقل أن يوفوا ثواب الذرة، ويُحرموا ما فوق ذلك. قال الزركشي: وقال بعض مشايخنا: لا يُسمى هذا قياسًا. قلت (الزركشي): لأن العرب وضعت هذه اللفظة للتنبيه على ما

стр. 823

زاد عليه، فيكون النهي عن الضرب والشتم باللفظ، وسماه بعضهم مفهوم الخطاب، وقيل: فحوى الخطاب. قالوا: والقياس ما خفي حكم المنطوق عنه حتى عرف بالاستدلال من المنصوص عليه، وما خرج عن الخفاء ولم يحتج إلى الاستدلال فليس بقياس، وقال نفاة القياس: ليس بقياس بل نص (١). وإلى هذا ذهب الكرخي، ومن تبعه من أصحاب أبي حنيفة (٢). قال السمعاني: قالوا: وإنما قلنا ذلك -أي ليس بقياس- لأن القياس لا يدركه من ليس بقائس، وهذا يستدركه من ليس بقائس، ويشترك في استدراكه الخاص والعام، ولو كان قياسًا لاختص به أهل النظر والاجتهاد. قال: والأصح أنَّ ذلك ثابت من جهة القياس؛ لأن غير المذكور لما عُلم بالمذكور على طريق الاعتبار فقد حصل معنى القياس، وهذا لأن تحريم الشتم والضرب غير معقول من اللفظ؛ لأنه لو عقل باللفظ لكان اللفظ موضوعًا للمنع من الضرب والشتم إما في اللغة، أو في العرف، ومن البين أنه غير موضوع للمنع من الضرب والشتم في اللغة، وكذلك

стр. 824

في العرف؛ لأن الناس لا يتعارفون هذا الاسم، كذلك المعين، فصار المنع من الضرب والشتم باعتبارهم بالتأفيف المنصوص عليه. وبيان هذا: أنَّ الإنسان إذا سمع قول الله : ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله تعالى ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾ [الإسراء: ٢٣] علم أنَّ هذا الكلام خرج مخرج الأمر بالإعظام لهما، مع ما تقرر في الشرع من وجوب تعظيمهما، وإذا علم هذا علم أنَّ الله تعالى إنما نهى عن التأفيف لكونه أذى، ويُعلَم أنَّ الحكيم لا ينهى عن الشيء لعلة، ويرخص فيما فيه تلك العلة وزيادة، بل يكون ذلك بالحظر والتحريم أولى، فثبت ما قلنا، وهو أنَّ هذا من باب علم غير المذكور من المذكور بطريق الاعتبار، فيكون بطريق القياس، ولا يُنكَر سهولة مأخذه وقرب مسلكه لهذا؛ إلا أن هذا لا يخرجه عن كونه على طريق القياس، لأن مراتب القياس قد تتفاوت في الجلاء والخفاء كما تتفاوت مراتب النصوص، فمن ذلك ما يُدرك بأول ما يقرع السمع، ومن ذلك ما يحتاج إلى تأمل وتفكر، وهذا الاختلاف لا يخرج ذلك عن كونه نصًّا، وإنما يتميز النص من غير النص بأنَّ النص ما كان مذكورًا باسمه، والقياس ما لا حظ له في الاسم، وإنما أدرك بمعناه (١).

стр. 825

قلت: ذكر الشافعي ﵀ قولين لأهل العلم، فقال: وقد يمتنع بعض أهل العلم من أن يسمي هذا قياسًا، ويقول: هذا ما أحل الله وحرَّم، وحَمِدَ وذمَّ؛ لأنه داخل في جملته، فهو بعينه لا قياسٌ على غيره. ويقول مثل هذا القول في غير هذا مما كان في معنى الحلال فأُحِلَّ والحرام فحُرِّمَ، ويمتنع أن يُسمَّى القياس إلا ما كان يحتمل أن يُشبَّه بما احتمل أن يكون فيه شبهًا من معنيين مختلفين، فصرفه على أن يقيسه على أحدهما دون الآخر ويقول غيرهم من أهل العلم ما عدا النص من الكتاب أو السنة، فكان في معناه، فهو قياس، والله أعلم (١). لذلك بعد أن ذكر السمعاني القولين، وردَّ على حجج الممتنعين من تسميته قياسًا، قال: لكن الخلاف في هذه المسألة خلاف لفظي، وليس فيها فائدة معنوية وبعد أن وافقونا في المعنى الذى قلناه فلا نبالي أن يسمى ذلك قياسًا، أو لا يسمى، وإنما بالغنا في إثبات الذى ادعيناه مع أنه ليس للخلاف فيه فائدة معنوية نصرةً للشافعي، فإنه قد نصَّ في موضع أنه قياس مع وصفه بالجلاء والظهور. قلت: هذا الذي نسبه للشافعي قاله في (الرسالة). قال: والقياس وجوه يجمعها القياس، ويتفرق بها ابتداءُ قياسِ كل

стр. 826

واحدٍ منهما، أو مصدره، أو هما، وبعضهما أوضح من بعض. فأقوى القياس: أن يُحرِّم الله في كتابه، أو يُحرِّم رسول الله ﷺ القليل من الشيء، فيُعلَم أنَّ قليله إذا حُرِّم كان كثيره مثل قليله في التحريم، أو أكثر بفضل الكثرة على القلة (١). الضرب الثاني: ما كان دون الأول في الوضوح والجلاء: وهو أن يكون المسكوت عنه مساويًا للمنطوق به في الحكم مع القطع بنفي الفارق. ومثاله: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، ومثلها إضاعة أموالهم بالإحراق والإغراق؛ إذ لا فرق بينها، وبين أكل أموالهم ظلمًا. وكقوله ﷺ : «لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان» (٢)، ومعلوم بأوائل النظر أنَّ ما ساوى الغضب من جوعٍ مفرط، أو ألم مزعج، ونومٍ

стр. 827

مذهل بمنزلة الغضب في المنع من القضاء؛ لأن كلًّا منها مشوِّش للفكر والذهن، ويمنع من استيفاء الحق. وكقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فمثل البيع سائر العقود كالنكاح والإجارة، وسائر المهن والصنائع؛ لأن كلًّا منها مشغل عن الجمعة. ومثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، الآية في الأمة إذا ارتكبت فاحشة، فإنه ينصف عليها الحد، وكذلك العبد إذ لا فارق بينهما فكلاهما رقيق. الضرب الثالث: ما عرف معناه بظاهر النص من غير استدلال، لكن يجوز أن يرد التعبد فيه بخلاف أصله، وفيه يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به، إلا أنَّ نفي الفارق بينهما ليس قطعيًّا، بل مظنونًا ظنًا قويًّا مزاحمًا لليقين. ومثاله: نهيه ﷺ عن التضحية بالعوراء (١). فالتضحية بالعمياء

стр. 828

المسكوت عنها أولى بالحكم، وهو المنع من التضحية بالعوراء المنطوق بها، إلا أنَّ نفي الفارق بينهما ليس قطعيًّا؛ لأن علة النهي عن التضحية بالعوراء كونها ناقصة ذاتًا وثمنًا وقيمة، وهذا هو الظاهر، وعليه فالعمياء أنقص منها ذاتًا وقيمة، وهناك احتمال آخر هو الذي منع من القطع بنفي الفارق، وهو احتمال أن تكون علة النهي عن التضحية أنَّ العور مظنة الهزال؛ لأن العوراء ناقصة البصر، وناقصة البصر تكون ناقصة الرعي، لأنها لا ترى إلا ما يقابل عينًا واحدة، ونقص الرعي مظنة الهزال، وعلى هذا الوجه فالعمياء ليست كالعوراء؛ لأن العمياء يُختار لها أفضل العلف فيكون ذلك مظنة لسمنها. وكذلك: نهيه ﷺ المحرم أن يلبس ثوبًا مسه ورس أو زعفران (١). فكان الكافور والمسك أولى بذلك الحكم، وإن جاز أن يرد التعبد بتحريم الورس والزعفران، وإباحة المسك والكافور. الضرب الرابع: ما عرف معناه من ظاهر النص، مع جواز التعبد بخلاف أصله، ويكون المسكوت عنه مساويًا للمنطوق به في الحكم، إلا أنَّ نفي الفارق بينهما مظنون ظنًّا قويًّا مزاحمًا لليقين. ومثاله الحديث الصحيح: (من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال

стр. 829

يبلغ ثمن العبد قُوِّم عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق) (١). فإنَّ المسكوت عنه، وهو عتق بعض الأمة مساوٍ للمنطوق به، وهو عتق بعض العبد في الحكم الذي هو سراية العتق المبينة في الحديث - إذ لا أثر للذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق-؛ لأنهما وصفان طرديَّان، وهناك احتمال آخر هو الذي منع من القطع بنفي الفارق، وهو احتمال أن يكون الشارع نص على سراية العتق في خصوص العبد الذكر، مخصصًا له بذلك الحكم دون الأنثى؛ لأن عتق الذكر يترتب عليه من الآثار الشرعية ما لا يترتب على عتق الأنثى، كالجهاد، والإمامة، والقضاء، ونحو ذلك من المناصب المختصة بالذكور دون الإناث (٢). * ثانيًا: قياس العلة الخفي: وهو ما خفي معناه، فلم يعرف إلا باستدلال، وهو على ثلاثة أقسام: أحدهما: ما كان معناه لائحًا باستدلال متفق عليه، مثل قوله

стр. 830

تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فكانت عمات الآباء والأمهات محرمات، قياسًا على الخالات والعمات لاشتراكهن في الرحم المحرم. ومثل قوله تعالى في نفقة الولد في صغره: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فكانت نفقة الوالد في حال عجزه عند كبره قياسًا على نفقة الولد بعجزه لصغره لاشتراكهما في البعضية. قال الشافعي ﵀: فدل كتاب الله، وسنة نبيه أنَّ على الوالد رضاع ولده ونفقتهم صغارًا. فكان الولد من الوالد، فجبر على صلاحه في الحال التي لا يغني الولد فيها نفسه، فقلت: إذا بلغ الأب ألا يغني نفسه بكسب، ولا مال فعلى ولده صلاحه في نفقته، وكسوته قياسًا على الولد (١). والمعنى في هذا لائح بين الجلي والخفي، وهو في أقسام الخفي بمنزلة القسم الأول من أقسام الجلي. الثاني: ما كان معناه غامضًا، لتقابل المعنيين، أو لتقابل المعاني، مثل: تعليل الربا في البر المنصوص عليه إما بالطعم، أو بالكيل، أو القوت، ولا بد من ترجيح أحد هذه المعاني على الآخر من طريق

стр. 831

المعنى الذي يكون دالًّا على التحريم. الثالث: ما كان مستبهمًا يحتاج نصه ومعناه إلى الاستدلال، ومثاله: حديث عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قضى أنَّ الخراج بالضمان (١). فعلم بالاستدلال أنَّ الخراج هو المنفعة، وأنَّ الضمان هو ضمان المبيع بالثمن (٢). قال ابن الأثير: يريد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة عبدًا كان، أو أمة، أو ملكًا، وذلك بأن يشتريه فيستغله زمانًا، ثم يعثر منه على عيب قديم لم يطلعه البائع عليه، أو لم يعرفه، فله رد العين المبيعة، وأخذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغله؛ لأن المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه، ولم يكن له على البائع شيء، والباء في بالضمان متعلقة بمحذوف تقديره: الخراج مستحق بالضمان أي بسببه (٣).

стр. 832

* النوع الثاني: قياس الدلالة: ضابطه: أن يكون الجمع فيه بدليل العلة لا بنفس العلة، كأن يجمع بين الفرع والأصل بملزوم العلة، أو أثرها، أو حكمها. فمثال الجمع بملزوم العلة: أن يقال: النبيذ حرام كالخمر بجامع الشدة المطربة، وهي ملزوم الإسكار، بمعنى أنها يلزم من وجود الإسكار، والقصد مطلق التمثيل؛ لأن العلة هنا منصوصة، وهي الإسكار. ومثال الجمع بأثر العلة: أن يقال: القتل بالمثقل يوجب القصاص كالقتل بالمحدد بجامع الإثم، وهو أثر العلة، وهي القتل العمد العدوان. ومثال الجمع بحكم العلة: أن يقال: تقطع الجماعة بالواحد، كما يقتلون به بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك حيث كان غير عمد، وهو حكم العلة التي هي القطع منهم في الصورة الأولى، والقتل منهم في الثانية (١). قال ابن القيم: وأما قياس الدلالة فهو: الجمع بين الأصل والفرع بدليل العلة، وملزومها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ

стр. 833

خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت: ٣٩]، فدلَّ سبحانه عباده بما أراهم من الإحياء الذي تحققوه، وشاهدوه على الإحياء الذي استبعدوه، وذلك قياس إحياء على إحياء، واعتبار الشيء بنظيره، والعلة الموجبة هي عموم قدرته سبحانه، وكمال حكمته، وإحياء الأرض دليل العلة (١). وقال ابن قدامة: هو أن يجمع بين الفرع والأصل بدليل العلة، ليدل اشتراكهما فيه على اشتراكهما في العلة، فيلزم اشتراكهما في الحكم ظاهرًا. قال الطوفي: وهو على ضربين: أحدهما: الاستدلال بالحكم على العلة، كقولنا في الوتر: يُؤدَّى على الراحلة، فيكون نفلًا، أو فلا يجب، كصلاة الضحى، فجواز الأداء على الراحلة حكم النفل، فهو يدل على وجود علته في الوتر؛ وذلك لأن الحكم أثر العلة وملزومها، فدل عليها دلالة الأثر على المؤثر، والملزوم على اللازم. الضرب الثاني: الاستدلال بأحد أثري المؤثر على الآخر، ويقال: بإحدى نتيجتي علة واحدة على الأخرى.

стр. 834

مثاله: قولنا: القطع والغرم يجتمعان على السارق، أي: إذا سرق عينًا ففاتت في يده -أي قطع-، قطع بها، وغرم قيمتها؛ لأنها عين يجب ردها مع بقائها، فوجب ضمانها مع فواتها، كالمغصوب؛ لأن وجوب ردها مع بقائها دل على وجود علة وجوب الرد؛ إذ الواجب لا بد له من علة، والضمان عند التلف رد لها من حيث المعنى، وتلك العلة تناسبه، وقد ظهر اعتبارها في الأصل وهو المغصوب، والعلة في ذلك كله إقامة العدل برد الحق، أو بدله إلى مستحقه (١). * النوع الثالث: قياس الشبه: تعريفه: إلحاق فرع متردد بين أصلين بأحدهما الغالب شبهه به في الحكم والصفة، على شبهه بالآخر فيهما (٢). قال الإمام الشافعي ﵀: والقياس قياسان: أحدهما: يكون في مثل معنى الأصل، فذلك الذي لا يحل لأحد خلافه، ثم قياس أن يشبه الشيء بالشيء من الأصل، والشيء من الأصل غيره، فيشبه هذا بهذا الأصل، ويشبه غيره بالأصل غيره. وموضع الصواب فيه عندنا - والله تعالى أعلم-: أن ينظر، فأيهما

стр. 835

كان أولى بشبهه صيره إليه إن أشبه أحدهما في خصلتين، والآخر في خصلة ألحقه بالذي هو أشبه في خصلتين (١). وتعريف قياس الشبه يمكن أن يختلف باعتبارين: الأول: أن يكون للفرع أصل واحد، فحينئذ يعرف قياس الشبه بأنه: إلحاق فرع بأصل تظن فيه المناسبة من غير اطلاع عليها، بعد البحث التام ممن هو أهل للاطلاع عليها، وقد ألف من الشارع الالتفات إليه في بعض الأحكام (٢). وقد سبق ذلك في مبحث مسلك الشبه من مسالك العلة. الاعتبار الثاني: أن يتنازع الفرعَ أصلان: وهو أن يكون الفرع مترددًا بين أصلين لمشابهته لهما، فيلحق بأحدهما لمشابهته في أكبر صفات مناط الحكم. قال الزركشي: وقد وقع في كلام الشافعي ﵀ ذكر قياس علة الأشباه. قال ابن سريج: فإذا تردد بينهما كان رده إلى أشبههما أولى من رده

стр. 836

إلى أبعدهما منه في الشبه (١). ومثَّل الشيخ زكريا الأنصاري لقياس غلبة الأشباه في الحكم والصفة، فقال: كإلحاق العبد بالمال في إيجاب القيمة بقتله بالغة ما بلغت؛ لأن شبهه بالمال في الحكم والصفة أكثر من شبهه بالحرّ فيهما، أما الحكم فلكونه يباع، ويؤجر، ويعار، ويودع، ويثبت عليه اليد، وأما الصفة فلتفاوت قيمته بحسب تفاوت أوصافه جودة ورداءة، وتعلق الزكاة بقيمته إذا اتجر فيه (٢). حجية قياس الشبه: اختلفوا في اعتباره إلى أربعة مذاهب، بعد اتفاقهم على أنه لا يصار إليه مع وجود قياس العلة: الأول: أنه ليس بحجة مطلقًا، وهو قول جمهور الحنفية، وبعض الشافعية مثل الصيرفي، وأبي إسحاق المروزي، والأستاذ أبي منصور، وبالغ في ذلك ابن القيم في (إعلام الموقعين)، ونفاه حتى أنه قال: لم يحكه الله إلا عن المبطلين. الثاني: أنه صالح للترجيح، ولا يحتج به ابتداءً، وبه قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، والقاضي أبو الطيب، والقاضي أبو بكر، وبه أُوِّلَ

стр. 837

كلام الشافعي. الثالث: أنه حجة إن ثبت بأحد مسالك العلة المعتبرة كالإجماع، والسبر والتقسيم ما عدا المناسبة؛ لأنه قسيم لها -على التعريف الأول لقياس الشبه- وهذا مذهب ابن الحاجب. الرابع: أنه حجة مطلقًا، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وقال به الجويني، والغزالي، والرازي، والخوارزمي من الحنفية، وجمهور المالكية، والحنابلة، وأبو الحسين البصري من المعتزلة (١). قال الشافعي في (الرسالة): والقياس من وجهين: أحدهما: أن يكون الشيء في معنى الأصل، فلا يختلف القياس فيه، وأن يكون الشيء له في الأصول أشباه فذلك يلحق بأولاها به، وأكثرها شبهًا فيه، وقد يختلف القايسون في هذا (٢). واستدل من قال إنَّ قياس الشبه حجة بما يلي: ١ - أنَّ الشرع ورد باعتبار الشبه في جزاء الصيد، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، والجمهور على أنَّ

стр. 838

المراد بالمثل من النعم المشابهة للصيد في الخلقة والصورة (١)، وهذا نوع من قياس الشبه. ٢ - أنَّ الشرع اعتبر الأشباه في القيافة، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم وهو مسرور، فقال: (يا عائشة، ألم تَرَيْ أن مُجَزِّزًاالمُدْلِجِيَّ دخل عليَّ فرأى أسامة بن زيد وزيدًا وعليهما قطيفة، قد غطيا رؤوسهما، وبدت أقدامهما، فقال: إنَّ هذه الأقدام بعضها من بعض (٢). لكن قد يجاب على هذين الدليلين: بأنَّ هذا الشبه في الخلقة، وهو لا يُنكر، وإنما هذا هو العادة غالبًا أنَّ الولد يشبه أباه أو أمه، وجزاء الصيد اعتبرت فيه المثلية في الصورة والخلقة ليكفر عن ذنبه بقتل الصيد بما يقرب من قيمة الحيوان الذي قتله. ويمكن أن يجاب: بأنَّ الشرع إذا تعبد المكلفين بالنظر إلى الأشباه الحسية الخلقية، كالقول في جزاء الصيد والقيافة، فإنَّ مبناها على الأشباه الجبلية، والشمائل الخفية، فاعتبار الشبه في الحكم، والصفة، وغيرها مما هو أقوى من الشبه في الصورة أولى (٣).

стр. 839

٣ - أنَّ القياس ليس إلا تمثيل الشيء بالشيء، وتشبيهه به، والشيء إنما يمثل بما يشابهه ويجانسه، فيجب إلحاق الشيء بما يشابهه، ويجانسه جريًا على هذا الأصل؛ لأن التساوي في الذوات والأحكام يوجب التساوي في الأحكام، كالمكاتب يلحق بالأحرار في كثير من الأشياء، وليس ذلك إلا باعتبار مجرد الشبه. ٤ - أنا أجمعنا أنَّ قياس المعنى حجة، ولا موجب لكونه حجة إلا أنه يفيد قوة الظن، أو يخيل في القلب أنه متعلق بذلك المعنى، فإنَّ طريق حصول العلم القطعي مسدود مردود، ومثل هذا المسلك يوجد في قياس الشبه، ومثله قول القائل في الوضوء: أنه تجب فيه النية: إنه طهارة عن حدث فتجب فيها النية كالتيمم. وكذلك قول القائل في زكاة الصبي: تجب على الصبي كزكاة الفطر. وفي نفي القصاص عن الحر بقتل العبد قصاصًا كالطرف. وفي مسألة المضمضة والاستنشاق: إنهما لا يجبان في الغسل من الجنابة إنه غسل حكمي، فلا يتعدى من الظاهر إلى داخل الفم والأنف كغسل الميت. فهذه الأقيسة مغلبة للظن مفيدة قوته في كون الحكم على ما نصب

стр. 840

له المعلل، فإنه يغلب على ظن كل عاقل شبيهة الوضوء بالتيمم، وشبيهة الغسل بالغسل، والزكاة بالزكاة، والصوم بالصوم، والقصاص بالقصاص. ومن قال: إنَّ هذا لا يفيد غلبة الظن، فلا شك أنه معاند (١). ٥ - قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾ [المائدة: ٣١]، قال ابن العربي: فيه دليل على قياس الشبه (٢). ٦ - أنَّ القياس إنما أطلقه الشرع في أصل الأحكام لضرورة الحاجة؛ لأن النصوص متناهية والحوادث غير متناهية، ولله تعالى في كل حادثة حكم، فلو لم يجز القياس أدى إلى التوقف في كثير من الأحكام المطلوبة إقامتها بين الناس، ولو قلنا: إنَّ القياس الصحيح هو قياس المعنى. فهذا وإن وجد في كثير من الأحكام والأصول، لكن ليس مما يسهل وجوده لخلو كثير من الأحكام من المعاني خاصة العبادات، وهيئاتها، والسياسات ومقاديرها، وشروط المناكحات، والمعاملات، ثم هذه الأصول لها فروع، وهذه الفروع تتجاذبها أشباه، وإذا كانت

стр. 841

المعاني تُعْوِز في الأصول، فكيف يسهل وجودها في الفروع؟ فلم يكن بد من استعمال قياس، لكن مع الحيد عن طريقة الطرد؛ لأنه لا يفيد ظنًّا أصلًا، فجعلنا غلبة الأشباه، والقياس المنصوب من هذه الجهة مع وجود ما يُقَرِّب في الظن إلحاق الفرع بذلك الأصل، وجَعله في مسلكه، وضمّه إلى مسلكه حجة (١). ٧ - قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]. قال ابن الحنبلي: فصل: وقد تذكر صورة القياس، وليس بقياس دلالةٍ، كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]، فالحكم المقيس عليه أمرٌ وجودي، وهو النطقُ، والذي وعدهم به هو الحياة بعد الموت، والبعث بعد الدفن، وهو أمرٌ معدومٌ، وليس بينه وبين النطق مناسبةٌ، ومجرد وجود حقيقةِ شيءٍ لا يدلُّ على وجود حقيقةٍ أخرى، فعند ذلك يعلم أنه ما أراد إلا تحقيق الوعد بإيجاد على وجهٍ لا يشكُّ فيه كوجود النطق، كقول النبي ﷺ : «إنكمُ سترونَ ربَّكم كما ترونَ هذا القمرَ لا تضامونَ في رؤيتِهِ» (٢)، ومعلومٌ أنه ما أراد

стр. 842

أنَّ رؤية القمر مقتضيةٌ لرؤية الله تعالى، بل أراد أنه كائن كوجود هذا القمر ورؤيته، ولو قيل: فإنَّ فيه شبهة اقتضت القياس على النطق صح من جهة أنَّ الكلام يغور ويعود، فهو كالميت له غيبةٌ بالدفنِ والبِلَى، ثم حضورٌ بالبعثِ، فعلى هذا قياسُ الشبه صحيحٌ. فصلٌ: ومثال قياس الشبه، قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]، وفيه دلالة على جواز إقامة اللازم للحكم، أو السبب مقام نفس الحكم؛ لأنَّ فتنته سبب الخروج من الجنة، وهي سبب المنع من دخولها، وذلك كلُّه توسعةٌ على المستدلِّ (١). ٨ - أنَّ النبي ﷺ اعتبر الشبه، وبنى عليه حكمًا في باب الاحتياط، وترك الشبهات، ففي حديث عائشة في اختصام سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة في ابن جارية زمعة، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر

стр. 843

رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة، فقال: «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة» فلم تره سودة قط (١). فبالرغم من حكم النبي ﷺ أنه لعبد بن زمعة أي أنه أخوه، وأخ لسودة، لكن لما احتمل الشبه أن يكون من عتبة أمر سودة بالاحتجاب منه (٢). ٩ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ ، فقال: إنَّ امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال النبي ﷺ : «هل لك من إبل؟» قال: نعم. قال: «فما ألوانها؟» قال: حُمْرٌ. قال: «هل فيها من أَوْرَق؟» قال: إن فيها لَوُرْقًا. قال: «فأنى أتاها ذلك؟» قال: عسى أن يكون نَزَعَه عِرْق. قال: «وهذا عسى أن يكون نَزَعَه عِرْق» (٣). قال ابن الملقن في فوائد الحديث: الخامسة: إثبات القياس، والاعتبار بالأشباه، وضرب الأمثال تقريبًا للأفهام، وعرض الغامض المشكل على الظاهر البين، فيرجع الخصم

стр. 844

(١) إليه، فإنه ﵊ ولد هذا المخالف للونه بولد الإبل المخالفة لألوانها، والعلة الجامعة هي نزع العرق، إلا أنه تشبيهه في أمر وجودي، والذي حصلت المنازعة فيه هو التشبيه في الأحكام الشرعية. لكن الحجة في كونه ﵊ أقر العمل به في الشرعيات، ومن تراجم البخاري على هذا الحديث باب: من شبَّه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بين النبي ﷺ حكمها ليفهم السائل (٢). قال السمعاني: والقول الجامع: إنَّ التأثير لابد منه، إلا أنَّ التأثير قد يكون بمعنى، وقد يكون بحكم، وقد يكون بغلبة شبه، فإنه رب شبه أقوى من شبه آخر وأولى بتعليق الحكم به لقوة أمارته، والشبه قد يعارضه شبه آخر، فربما يظهر فضل قوة أحدهما على الآخر، وربما يخفى، ويجوز أن ترجع الشبهات إلى أصل واحد، ويجوز أن ترجع إلى أصلين، فلا بد من قوة نظر المجتهد في هذه المواضع، وهذا كالعبد يشبه الحر من حيث إنه آدمي مكلف، ويشبه الأموال والسلع من حيث إنه مال مملوك، والجص يشبه البر من حيث إنه مكيل، ويفارقه من حيث إنه ليس بمأكول، وعلى عكس ذلك الرمان، والسفرجل يشبه البر من حيث إنه مأكول، ويفارقه من حيث إنه ليس بمكيل، وكذلك الذرة

стр. 845

وما يشبه ذلك (١). * شروط اعتبار قياس الشبه عند القائلين به: يُشترط في حجية قياس الشبه ما يشترط في جميع الأقيسة، ويزيد عليها: أولًا: ألا يكون المصير إلى قياس العلة في المسألة، فإذا أمكن إلحاق الفرع في المسألة بقياس علة، وقياس شبه تعين الإلحاق بقياس العلة، واطرح قياس الشبه في هذه المسألة، وهذا الشرط محل اتفاق من القائلين بقياس الشبه (٢). قال إمام الحرمين: القائلون بقياس الشبه أجمعوا على أنه لا يصار إليه مع إمكان المصير إلى قياس العلة، ولكن إذا استد على المجتهد طريق قياس العلة؛ ساغ له التمسك بالأشباه (٣). قال السمعاني: والأولى أن يقال: إنَّ من يتحرى طلب الحق، وطلب إيراد معنًى مناسب للحكم، فينبغي أن يشتغل بذلك، ويبذل غاية مجهوده، وعندي أنَّ من طلب ذلك، فلا بد أن يجده إلا في أفراد من
следующие страницы →