المعاني تُعْوِز في الأصول، فكيف يسهل وجودها في الفروع؟ فلم يكن بد من استعمال قياس، لكن مع الحيد عن طريقة الطرد؛ لأنه لا يفيد ظنًّا أصلًا، فجعلنا غلبة الأشباه، والقياس المنصوب من هذه الجهة مع وجود ما يُقَرِّب في الظن إلحاق الفرع بذلك الأصل، وجَعله في مسلكه، وضمّه إلى مسلكه حجة (١).
٧ - قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣].
قال ابن الحنبلي: فصل: وقد تذكر صورة القياس، وليس بقياس دلالةٍ، كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣]، فالحكم المقيس عليه أمرٌ وجودي، وهو النطقُ، والذي وعدهم به هو الحياة بعد الموت، والبعث بعد الدفن، وهو أمرٌ معدومٌ، وليس بينه وبين النطق مناسبةٌ، ومجرد وجود حقيقةِ شيءٍ لا يدلُّ على وجود حقيقةٍ أخرى، فعند ذلك يعلم أنه ما أراد إلا تحقيق الوعد بإيجاد على وجهٍ لا يشكُّ فيه كوجود النطق، كقول النبي ﷺ : «إنكمُ سترونَ ربَّكم كما ترونَ هذا القمرَ لا تضامونَ في رؤيتِهِ» (٢)، ومعلومٌ أنه ما أراد
стр. 842
أنَّ رؤية القمر مقتضيةٌ لرؤية الله تعالى، بل أراد أنه كائن كوجود هذا القمر ورؤيته، ولو قيل: فإنَّ فيه شبهة اقتضت القياس على النطق صح من جهة أنَّ الكلام يغور ويعود، فهو كالميت له غيبةٌ بالدفنِ والبِلَى، ثم حضورٌ بالبعثِ، فعلى هذا قياسُ الشبه صحيحٌ.
فصلٌ: ومثال قياس الشبه، قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧]، وفيه دلالة على جواز إقامة اللازم للحكم، أو السبب مقام نفس الحكم؛ لأنَّ فتنته سبب الخروج من الجنة، وهي سبب المنع من دخولها، وذلك كلُّه توسعةٌ على المستدلِّ (١).
٨ - أنَّ النبي ﷺ اعتبر الشبه، وبنى عليه حكمًا في باب الاحتياط، وترك الشبهات، ففي حديث عائشة في اختصام سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة في ابن جارية زمعة، فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر
стр. 843
رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة، فقال: «هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة» فلم تره سودة قط (١).
فبالرغم من حكم النبي ﷺ أنه لعبد بن زمعة أي أنه أخوه، وأخ لسودة، لكن لما احتمل الشبه أن يكون من عتبة أمر سودة بالاحتجاب منه (٢).
٩ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ ، فقال: إنَّ امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال النبي ﷺ : «هل لك من إبل؟» قال: نعم. قال: «فما ألوانها؟» قال: حُمْرٌ. قال: «هل فيها من أَوْرَق؟» قال: إن فيها لَوُرْقًا. قال: «فأنى أتاها ذلك؟» قال: عسى أن يكون نَزَعَه عِرْق. قال: «وهذا عسى أن يكون نَزَعَه عِرْق» (٣).
قال ابن الملقن في فوائد الحديث:
الخامسة: إثبات القياس، والاعتبار بالأشباه، وضرب الأمثال تقريبًا للأفهام، وعرض الغامض المشكل على الظاهر البين، فيرجع الخصم
стр. 844
(١) إليه، فإنه ﵊ ولد هذا المخالف للونه بولد الإبل المخالفة لألوانها، والعلة الجامعة هي نزع العرق، إلا أنه تشبيهه في أمر وجودي، والذي حصلت المنازعة فيه هو التشبيه في الأحكام الشرعية.
لكن الحجة في كونه ﵊ أقر العمل به في الشرعيات، ومن تراجم البخاري على هذا الحديث باب: من شبَّه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بين النبي ﷺ حكمها ليفهم السائل (٢).
قال السمعاني: والقول الجامع: إنَّ التأثير لابد منه، إلا أنَّ التأثير قد يكون بمعنى، وقد يكون بحكم، وقد يكون بغلبة شبه، فإنه رب شبه أقوى من شبه آخر وأولى بتعليق الحكم به لقوة أمارته، والشبه قد يعارضه شبه آخر، فربما يظهر فضل قوة أحدهما على الآخر، وربما يخفى، ويجوز أن ترجع الشبهات إلى أصل واحد، ويجوز أن ترجع إلى أصلين، فلا بد من قوة نظر المجتهد في هذه المواضع، وهذا كالعبد يشبه الحر من حيث إنه آدمي مكلف، ويشبه الأموال والسلع من حيث إنه مال مملوك، والجص يشبه البر من حيث إنه مكيل، ويفارقه من حيث إنه ليس بمأكول، وعلى عكس ذلك الرمان، والسفرجل يشبه البر من حيث إنه مأكول، ويفارقه من حيث إنه ليس بمكيل، وكذلك الذرة
стр. 845
وما يشبه ذلك (١).
* شروط اعتبار قياس الشبه عند القائلين به:
يُشترط في حجية قياس الشبه ما يشترط في جميع الأقيسة، ويزيد عليها:
أولًا: ألا يكون المصير إلى قياس العلة في المسألة، فإذا أمكن إلحاق الفرع في المسألة بقياس علة، وقياس شبه تعين الإلحاق بقياس العلة، واطرح قياس الشبه في هذه المسألة، وهذا الشرط محل اتفاق من القائلين بقياس الشبه (٢).
قال إمام الحرمين: القائلون بقياس الشبه أجمعوا على أنه لا يصار إليه مع إمكان المصير إلى قياس العلة، ولكن إذا استد على المجتهد طريق قياس العلة؛ ساغ له التمسك بالأشباه (٣).
قال السمعاني: والأولى أن يقال: إنَّ من يتحرى طلب الحق، وطلب إيراد معنًى مناسب للحكم، فينبغي أن يشتغل بذلك، ويبذل غاية مجهوده، وعندي أنَّ من طلب ذلك، فلا بد أن يجده إلا في أفراد من
стр. 846
المسائل وردت بها النصوص واتفقت الأمة على تعريها من المعاني، فأما عامة الأحكام فالشارع للحكم لم يُخْلِها من المعاني المؤثرة في تلك الأحكام، وإن أعوز المجتهد وجود المعنى حينئذ ينبغي أن يرجع إلى قياس الشبه على الطريقة التي قدمناها، فلا بأس بذلك، وغير مستبعد من الشرع أن ينبه بحكم على حكم، ويمثل شيئًا بشيء إما معنى، أو حكمًا، أو غلبة شبه بسائر الوجوه، والله أعلم بالصواب (١).
الشرط الثاني: أن يكون الشبه فيه نوع دلالة تدل على الحكم، وليس شبهًا مجردًا، ويسمون الشبه المجرد الشبه الفارغ.
ومعنى الشرط: أن يكون الأصل والفرع من جنس واحد، كالوضوء يفتقر إلى نية كالتيمم، قال الشافعي: طهارتان فكيف تفترقان (٢).
وغياب هذا الشرط في بعض صور قياس الشبه هو ما حدا بالإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-- أن ينكر قياس الشبه، ويقول: لم يحكه الله إلا عن المبطلين.
والأمثلة التي ذكرها من القرآن إنما هي من الشبه الفارغ، والصورة المجردة، ولا يقول أحد بحجيته، بل القائلون بحجية قياس الشبه
стр. 847
يشترط فيه نوع دلالة على الحكم، وقد رأيت أمثلة من القرآن على قياس الشبه الصحيح كما ذكرها ابن الحنبلي.
والأمثلة التي ذكرها ابن القيم -رحمه الله تعالى-- هي:
١ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]، قال: فلم يجمعوا بين الأصل والفرع بعلة، ولا دليلها، وإنما ألحقوا أحدهما بالآخر من غير دليل جامع سوى مجرد الشبه الجامع بينه وبين يوسف، فقالوا: هذا مقيس على أخيه، بينهما شبه من وجوه عديدة، وذاك قد سرق، فكذلك هذا. وهذا هو الجمع بالشبه الفارغ، والقياس بالصورة المجردة عن العلة المقتضية للتساوي، وهو قياس فاسد، والتساوي في قرابة الأخوة ليس بعلة للتساوي في السرقة لو كانت حقًّا، ولا دليل على التساوي فيها، فيكون الجمع لنوع شبه خال عن العلة ودليلها.
٢ - قوله تعالى إخبارًا عن الكفار أنهم قالوا: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ [هود: ٢٧]، فاعتبروا صورة مجرد الآدمية، وشبه المجانسة، ولذلك أجاب الله سبحانه عنه بقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وأجابت الرسل عن هذا السؤال بقولهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١].
стр. 848
٣ - وكذلك قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾ [المؤمنون: ٣٣ - ٣٤]، فاعتبروا المساواة في البشرية، وما هو من خصائصها من الأكل والشرب، وهذا مجرد قياس شبه، وجمع صوري.
٤ - قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦].
٥ - ومن هذا: قياس المشركين الربا على البيع بمجرد الشبه الصوري، ومنه: قياسهم الميتة على الذَّكيِّ في إباحة الأكل بمجرد الشبه.
٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٤ - ١٩٥]، أي أنَّ جميع ما لهذه الأصنام من الأعضاء التي نحتتها أيديكم إنما هي صور عاطلة عن حقائقها وصفاتها؛ لأن المعنى المراد المختص بالرجل هو مشيها، والمعنى المختص باليد هو بطشها، والمراد بالعين إبصارها ومن الأذن سمعها، وهذا معدوم فيها،
стр. 849
والصور في ذلك كله ثابتة موجودة، وكلها فارغة خالية من الأوصاف والمعاني، فاستوى وجودها وعدمها، وهذا كله مدحض لقياس الشبه الخالي عن العلة المؤثرة، والوصف المقتضي للحكم، والله أعلم (١).
فأنت ترى الإمام ابن القيم ينكر نوعًا من قياس الشبه، وهو الشبه الصوري الفارغ الخالي من نوع دلالة تدل على الحكم، وهذا لا يقول به أحد.
وبالرغم من أنَّ أكثر الحنفية لا يقولون بقياس الشبه، إلا أنهم يعملون به في أبرز وأظهر أقسامه، وهو غلبة الأشباه، أو تردد الفرع بين شبهين، فيرجح الآخر، وذلك عن طريق الاستحسان بالقياس، بل إنهم يعملون به في ترجيح الخفي منهما لدليل، وقد جعلوه من باب ترجيح قياس خفي على قياس جلي لموجب اقتضى ذلك، وهو إعمالٌ لقاعدة غلبة الأشباه، ومن ذلك وقف الأرض الزراعية، فإنَّ لها شبهًا بالبيع وشبهًا بالإجارة، أما شبه البيع، فمن حيث إنَّ كلًّا منهما يخرج العين من ملك صاحبها، ومقتضى هذا الشبه أن لا يدخل حق الشِرب، والطريق، والمسيل في الوقف إلا بالنص عليها من الواقف، كما هو حكم البيع.
وأما شبهه بالإجارة، فمن حيث إنَّ كلًّا منهما يصير ملك الانتفاع
стр. 850
بالعين، ومقتضى هذا الشبه دخول الشِرب والطريق والمسيل في الوقف، ولو لم ينص الواقف على دخولها في الوقف، كما هو الحكم في الإجارة، فوقف الأرض الزراعية هنا له شبهان: شبه بالبيع، وشبه بالإجارة، والشبه بالبيع أظهر لتبادر الذهن إليه، واحتياج الثاني إلى شيء من التأمل وإمعان النظر، ومع ذلك رجحوه لقوته، وتحقق المصلحة به؛ لأن الغرض من وقف الأرض الزراعية انتفاع الموقوف عليه بها، وهذا لا يتحقق إلا بانضمام الحقوق الارتفاقية إلى الأرض في الوقف، كما أنَّ المستأجر لا يتحقق غرضه من الاستئجار إلا بذلك (١).
ومن تطبيقات قياس الشبه عند الأصوليين والفقهاء:
١ - حكم نكاح الرجل ابنته من الزنا.
قال الطوفي: فهي من حيث الحقيقة هي ابنته؛ لأنها خلقت من مائه، ومن حيث الحكم أجنبية منه، لكونها لا ترثه ولا يرثها، ولا يتولاها في نكاح ولا مال، ويُحَدُّ بقذفها، ويُقتل بها، ويُقطع بسرقة مالها، فنحن ألحقناها ببنته من النكاح في تحريم نكاحها عليه نظرًا إلى المعنى الحقيقي، وهو كونها من مائه، والشافعي ألحقها بالأجنبية في إباحتها له نظرًا إلى المعنى الحكمي، وهو انتفاء آثار الولد بينهما شرعًا، فقد صار
стр. 851
كل من الفريقين إلى اعتبار الوصف الذي غلب على ظنه أنه مناط الحكم في الأصل، وهذا هو الأشبه بالصواب؛ لأن الظن واجب الاتباع، وهو غير لازم أبدًا للشبه حكمًا، ولا للشبه حقيقة، بل يختلف باختلاف نظر المجتهد، فيلزم كل واحد منهما تارة، والله تعالى أعلم بالصواب (١).
٢ - فدية الأذى، ولبس المخيط للمحرم.
فإنهم اتفقوا على أنَّ الصيام حيث شاء؛ لأنه لا يتعدى نفعه لغيره، واتفقوا على أنَّ ذبح الهدي لا بد أن يكون في الحرم، واختلفوا في فدية الأذى، واللبس إذا كانت بالذبح (النسك)، أو إطعام ستة مساكين هل تختص بالحرم، أم حيث شاء.
فقال أبو حنيفة والشافعي: الدم والإطعام لا يجزيان إلا بمكة، والصوم حيث شاء.
وقال مالك: يفعل ما شاء، وإن شاء بمكة، وبغيرها، وإن شاء ببلده، والذي عند مالك ههنا هو نسك، وليس بهدي، فإنَّ الهدي لا يكون إلا بمكة أو بمنى.
وسبب الخلاف: استعمال قياس دم النسك على الهدي، فمن قاسه
стр. 852
على الهدي وجب فيه شروط الهدي من الذبح في المكان المخصوص به، وفي مساكين الحرم، والذي يجمع النسك والهدي هو أنَّ المقصود بهما منفعة المساكين المجاورين لبيت الله سبحانه.
والمخالف يقول: إنَّ الشرع لما فرق بين اسمهما، فسمى أحدهما نسكًا، وسمى الآخر هديًا، وجب أن يكون حكمهما مختلفًا (١).
قال الشنقيطي ﵀: والأظهر عندي في النسك والصدقة أيضًا أنَّ له أن يفعلهما حيث شاء؛ لأن فدية الأذى أشبه بالكفارة منها بالهدي (٢).
٣ - المغمى عليه: يشبه النائم في أنه عاقل فيجب عليه القضاء؛ لأن النائم مأمور بالقضاء، ويشبه المجنون لأنه غاب عقله لعلة فلا يجب عليه القضاء لارتفاع التكليف عن المجنون، لذلك اختلف الفقهاء، فقال مالك والشافعي: إذا كان إغماؤه لسبب محرم مثل أن يشرب خمرًا، أو دواءً لم يحتج إليه، لم تسقط الصلاة عنه، وكان عليه القضاء فرضًا، فإن أغمي عليه بجنون، أو مرض، أو سبب مباح سقط عنه قضاء ما كان في حال إغمائه من الصلاة على الإطلاق.
стр. 853
وقال أبو حنيفة: إن كان الإغماء يومًا وليلة فما دون ذلك لم يمنع وجوب القضاء، وإن زاد على ذلك لم يجب عليه القضاء، ولم يفرق بين أسباب الإغماء.
وقال أحمد: الإغماء بجميع أسبابه لا يمنع وجوب القضاء بحال (١).
* رابعًا: قياس العكس:
وهذا هو النوع الرابع من أنواع القياس وهو مختلف فيه: وهو إثبات نقيض حكم الشيء في شيء آخر لافتراقهما في العلة (٢).
قال البرماوي: ويدل عليه أنَّ الاستدلال به وقع في القرآن، والسنة، وفعل الصحابة (٣):
فأما القرآن: فنحو قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فدل على أنه ليس إله إلا الله لعدم فساد السموات والأرض.
стр. 854
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، ولا اختلاف فيه، فدل على أنَّ القرآن من عند الله بمقتضى قياس العكس.
وقوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: ٩٩]، فلما وردوا النار فدل على أنهم ليسوا بآلهة؛ لأنه قال بعدها: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾ [الأنبياء: ٩٩].
وقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ [سبأ: ١٤].
والمعنى: أنهم لو كانوا يعلمون ما غاب عنهم ما عملوا مسخرين لسليمان، وهو ميت، وهم يظنون أنه حي يقف على عملهم.
وقال مقاتل: العذاب المهين: الشقاء، والنصب في العمل (١)، فلما لبثوا في العمل دل على أنهم لا يعلمون الغيب.
وأما من السنة: فحديث أبي ذر ﵁: قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) (٢).
стр. 855
فقد أثبت النبي ﷺ في الجماع المباح أجرًا، وهو حكم عكس حكم الجماع الحرام؛ لأن فيه الوزر، لتعاكسهما في العلة؛ لأن علة الأجر في الأول إعفاف امرأته ونفسه، وعلة الوزر في الثاني كونه زنا (١).
وأما الصحابة ﵃: ففي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار»، وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة (٢).
وهذا النوع من القياس قال به جمهور الأصوليين، ومنعه بعض الشافعية، وقالوا: إنه أضعف من قياس الشبه.
١ - احتجاج المالكية على أنَّ الوضوء لا يجب من كثير القيء، بأنه لما لم يجب من قليله لم يجب من كثيره، عكس البول لما وجب من قليله وجب من كثيره (٣).
٢ - في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾ [التحريم: ١].
قال الشيخ عطية سالم في تتمة أضواء البيان: ظاهر فيه معنى العتاب،
стр. 856
كما في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ١ - ٣].
وكلاهما له علاقة بالجانب الشخصي سواء ابتغاء مرضاة الأزواج، أو استرضاء صناديد قريش، وهذا مما يدل على أنَّ التشريع الإسلامي لا مدخل للأغراض الشخصية فيه.
وبهذا نأخذ بقياس العكس دليلًا واضحًا على بطلان قول القائلين: إنَّ إعماره ﷺ لعائشة من التنعيم كان تطييبًا لخاطرها، ولا يصح لأحد غيرها.
ومحل الاستدلال: هو أنَّ من ليس له حق في تحريم ما أحل الله له ابتغاء مرضاة أزواجه، لا يحل له إحلال وتجويز ما لا يجوز ابتغاء مرضاتهن، وهذا ظاهر بيِّن، ولله الحمد (١).
* حكم الاستدلال بقياس العكس:
قال الزركشي: واختلف أصحابنا في الاستدلال به على وجهين: أحدهما: أنه لا يصح، وأصحهما وهو المذهب أنه يصح، وقد استدل به الشافعي في عدة مواضع (٢).
стр. 857
* فصل: المسائل التي اختلف في جريان القياس فيها:
وهي سبع: (الأسباب، والشروط، والموانع، والحدود، والكفارات، والمقادير، والرخص).
* أولًا: القياس في الأسباب:
معناه: أن يجعل الشارع وصفًا معينًا سببًا لحكم، فيقاس عليه وصفٌ آخر، فيحكم بكونه سببًا أيضًا (١).
نقول أولًا: اتفق الأصوليون على منع القياس فيها عند عدم فهم المعنى الجامع المصحح للقياس كالأمور التعبدية مثل: جعل زوال الشمس سببًا لوجوب الظهر، وجعل غروب الشمس سببًا لصلاة المغرب، وغياب الشفق سببًا لصلاة العشاء، ورؤية هلال رمضان سببًا لوجوب صوم رمضان.
ثانيًا: اختلفوا في إثبات الأسباب بالقياس حيث فهم المعنى على قولين:
الأول: إجراء القياس في الأسباب، وهو مذهب أكثر الشافعية، والحنابلة.
الثاني: منع إجراء القياس في الأسباب، وإليه ذهب أبو زيد الدبوسي،
стр. 858
وأصحاب أبي حنيفة، واختاره الآمدي، وابن الحاجب.
قال: وصورته: إثبات كون اللواط سببًا للحد قياسًا على الزنا، وكذلك الكلام في النباش والنبيذ (١).
وحجة الجواز:
١ - أنَّ الصحابة ﵃ أجمعوا على مشروعية القياس في أحكام الشرع من غير فرق بين بعضها وبعض، ولا تفضيل بين الأسباب وغيرها، وذلك يقتضي عموم جوازه فيها.
٢ - أنهم قالوا في السكران: إنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فيجب عليه حد المفتري، وهو قياس سببي أي قياس في الأسباب؛ لأن القذف سبب حد القاذف ثمانين، وقد قاسوا عليه السكر في كونه سببًا لذلك.
٣ - أنَّ منع القياس في الأسباب وغيرها، إما أن يكون مع فهم المعنى الجامع بين الأصل والفرع، أو لا، فإن كان الأول، فهو تحكم من الخصم، حيث أجاز القياس لأجل فهم الجامع في غير الأسباب، ومنعه فيها، إذ ليس أولى من العكس، وإن كان الثاني، فهو وفاق منا ومنهم؛
стр. 859
لأننا حيث لا نفهم المعنى الجامع المصحح للقياس لا نقيس.
٤ - أنَّ القياس في الأسباب ونحوها بشرطه المذكور مفيد للظن، والظن مُتَّبَع شرعًا، فهذا القياس مُتَّبَع شرعًا، فيكون حجة (١).
٥ - أنَّ السببية حكم شرعي، فجاز القياس فيها كسائر الأحكام؛ ولأن السبب إنما يكون سببًا لأجل الحكمة التي اشتمل عليها، فإذا وجدت في غيره وجب أن يكون سببًا تكثيرًا لتلك الحكمة.
حجة المنع:
١ - أنَّ الحِكَم غير منضبطة؛ لأنها مقادير من الحاجات، أي أنَّ قدر الذنب الناشئ عن المعصية، ومقدار الحد، أو الكفارة التي تكفر هذا الذنب، وتمحو أثره؛ كل هذه أمور غيبية لا يصح القياس عليها، وإنما المنضبط الأوصاف، ولذلك إنما ترتب الحُكْم على سببه وُجدتْ حكمته أم لا، بدليل أنا نقطع بالسرقة، وإن لم يتلف المال بأن وجد مع السارق، ونحدُّ الزاني وإن لم يختلط نسب بأن تحيض ولا يظهر حَبَل، فعلمنا أنَّ الحِكَم إنما هي مَرْعِيَّة في الجملة، والمعتبر إنما هو الأوصاف، فإذا قسنا إنما نجمع بالحكمة، وهي غير منضبطة، والجمع
стр. 860
بغير المنضبط لا يجوز (١).
٢ - أنَّ القياس في الأسباب شبه لظنيته، والحدود تدرأ بالشبهات.
والأقرب - والله أعلم- أنا إذا فهمنا مناط الحكم، وأفادنا القياس الظن قسنا، وإلا فلا (٢).
ومع الاختلاف في تأصيل هذه المسألة تجد اختلافًا في الفروع، بل تجد في الفروع تناقضًا بين التأصيل والتطبيق.
فتجد من يمنع القياس في الأسباب، والشروط، ونحوها يقول بها أحيانًا في بعض الفروع ويسميه تنقيح المناط.
وتجد من يقول بالقياس فيها لا يقيس في بعض الفروع، إما لوجود مانع، أو فارق بين الأصل والفرع، أو غير ذلك، وإليك أمثلة لذلك:
١ - قياس اللواط على الزنا وجعله سببًا للحد: قال به الشافعية، ومنعه الحنفية.
٢ - قياس النباش على السارق في وجوب حد القطع عليه، وأنَّ النبش كالسرقة في كونه سببًا للقطع، قال به البعض، ومنعه البعض.
стр. 861
* ثانيا: القياس في العبادات:
اختلف الناس في إثبات أصول العبادات بالقياس:
فذهب الكرخي، وجملة من المتكلمين إلى المنع، وحكاه الكرخي عن أبي حنيفة ﵀، وذهب الشافعية إلى جوازه (١)، ومع ذلك قال ابن رشد: قد استحب قوم الصلاة للزلزلة، والريح، والظلمة، وغير ذلك من الآيات قياسًا على كسوف القمر، والشمس لنصه ﵊ على العلة في ذلك، وهو كونها آية، وهو من أقوى أجناس القياس عندهم؛ لأنه قياس العلة التي نص عليها، لكن لم ير هذا مالك، ولا الشافعي، ولا جماعة من أهل العلم، وقال أبو حنيفة: إن صلى للزلزلة فقد أحسن، وإلا فلا حرج (٢).
وقال الشافعي ﵀: لا أرى أن يجمع صلاة عند شيء من الآيات غير الكسوف، وقد كانت آيات فما علمنا أنَّ رسول الله ﷺ أمر بالصلاة عند شيء منها، ولا أحدًا من خلفائه.
وقد زلزلت الأرض في عهد عمر بن الخطاب (٣)، فما علمناه صلى،
стр. 862
وقد قام خطيبًا، فحض على الصدقة، وأمر بالتوبة (١).
* ثالثًا: جريان القياس في الحدود والكفارات، والمقدرات، والرخص:
وجواز ذلك هو مذهب الشافعي، وأحمد، وابن القصار، والباجي من المالكية خلافًا لأبي حنيفة، وأصحابه.
وحكى المالكية عن مذهب مالك قولين في جواز القياس على الرخص.
حجة المنع: أنَّ المقدَّرات كنُصُب الزكوات، والحدود كجلد الزاني مائةً، والكفارات كصيام ثلاثة أيامٍ، لا يعقل معناها دون ما هو أقل منها كتسعة عشر دينارًا في الزكاة، أو تسعة وتسعين سوطًا، أو يومين، أو واحدٍ وستين في كفارة الظهار مثلًا، وما لا يُعقل معناه يتعذر القياس فيه.
والجواب: أنا إنما نقول بالقياس حيث ظفرنا بالمعنى الذي لأجله ثبت الحكم، فحيث تعذر ذلك، وكان تعبدًا فإنا لا نقيس، فلا ترد علينا مواطن التعبد (٢).
قال الطوفي: فكأن النزاع صار في مسألة أخرى، وهو جواز فهم
стр. 863
المعنى في الحدود ونحوها، فنحن نقول: يجوز فهمه في بعض صورها، فيصح القياس عليها إذا تحقق مناط حكم الأصل في الفرع، وهم يقولون: لا يجوز أن يفهم، فلا يصح القياس لتعذر تحقق مناط حكم الأصل في الفرع.
وحينئذ الأشبه ما قلناه؛ إذ جواز فهم المعنى في ذلك لا يلزم منه محال، ولا ينكره عاقل، فإن كان هذا هو محل الخلاف، وإلا عاد النزاع لفظيًّا لاتفاق الفريقين على امتناع القياس في التعبد، وجوازه حيث عقل المعنى، والله تعالى أعلم (١).
وأما الرخص، فيجوز القياس عليها عند الشافعي خلافًا لأبي حنيفة، وأصحابه.
وحجة المنع: أنَّ الرخص مخالِفَة للدليل، فالقول بالقياس عليها يؤدي إلى كثرة مخالفة الدليل، فوجب ألَّا يجوز.
حجة الجواز: أنَّ الدليل إنما يخالفه صاحبُ الشرع لمصلحةٍ تزيد على مصلحة ذلك الدليل عملًا بالاستقراء، وتقديمُ الأرجح هو شأن صاحب الشرع، وهو مقتضى الدليل، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي لأجلها خُولف الدليل في صورةٍ وجب أن يُخَالَف الدليلُ بها أيضًا عملًا
стр. 864
برجحانها، فنحن حينئذٍ كَثَّرْنا موافقة الدليل لا مخالفته (١).
ومذهب الشافعي جواز إثبات الرخص بالقياس، لكن الذي في الأم: عدم القياس على الرخص.
قال في باب صلاة العذر: وذلك أنَّ الفرض في المكتوبة استقبال القبلة والصلاة قائمًا، فلا يجوز غير هذا إلا في المواضع التي دل رسول الله ﷺ عليها، ولا يكون شيء قياسًا عليه، وتكون الأشياء كلها مردودة إلى أصولها، والرخص لا يتعدى بها مواضعها (٢).
وقال في (الرسالة): قال: فما الخبر الذي لا يقاس عليه؟
قلت: ما كان لله فيه حكم منصوص، ثم كانت لرسول الله سنة بتخفيف في بعض الفرض دون بعض عمل بالرخصة فيما رخص فيه رسول الله دون ما سواها، ولم يُقَس ما سواها عليها، وهكذا ما كان لرسول الله من حكم عام بشيء، ثم سن سنة تفارق حكم العام.
قال: وفي مثل ماذا؟
قلت: فرض الله الوضوء على من قام إلى الصلاة من نومه، فقال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا
стр. 865
بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فَقَصَدَ الرجلين بالفرض كما قَصَدَ ما سواهما في أعضاء الوضوء، فلما مسح رسول الله على الخفين (١) لم يكن لنا والله أعلم أن نمسح على عمامة، ولا برقع، ولا قفازين قياسًا عليهما، وأثبتنا الفرض في أعضاء الوضوء كلها، وأرخصنا بمسح النبي في المسح على الخفين دون سواهما (٢).
ونحو ذلك قال في قياس العرايا أنها رخصة من النهي عن المزابنة، ولم يقس عليها غيرها (٣).
وإليك أمثلة للقياس في الرخص:
قال الزركشي: الأول: أنَّ السَّلَم رخصة ورد مقيدًا بالأجل، وجوزه أصحابنا حالًّا؛ لأنه إذا جاز مؤجلًا مع الغرر، فلأن يجوز حالًّا أولى لقلة الغرر، وقد ينازع في كون هذا قياسًا، وإنما هو من باب دلالة الفحوى أي مفهوم الموافقة، وفي كونها قياسًا خلاف.
الثاني: ثبت في صحيح مسلم (٤) النهي عن المزابنة، وهي بيع الرطب على النخل بالتمر، ثم ورد الترخيص في العرايا، وهي بيع الرطب على
стр. 866
النخل بتمر في الأرض، وألحق أصحابنا به العنب بجامع أنه زكوي يمكن خرصه، ويدخر بالسنة، فكان كالرطب، وإن لم يشمله الاسم.
الثالث: المبيت بمنى للحاج واجب، وقد رخص في تركه للرعاة، وأهل السقاية (١)، فهل يلتحق بهم المعذور كأن يكون عنده مريض منزول به محتاج لتعهده، أو كان به مرض يشق عليه المبيت، أو له بمكة مال يخاف ضياعه؟
فيه وجهان: أصحهما: نعم قياسًا على العذر.
والثاني المنع، والرخصة وردت لهم خاصة (٢).
جريان القياس في الحدود، والكفارات، والمقدرات:
قال القرافي ﵀: يجوز عند ابن القصار، والباجي، والشافعي جريان القياس في المقدَّرات، والحدود، والكفارات خلافًا لأبي حنيفة ﵀ وأصحابه؛ لأنها أحكام شرعية.
حجة المنع: أنَّ المقدَّرات كنُصُب الزكوات، والحدود كجلد الزاني
стр. 867
مائةً، والكفارات كصيام ثلاثة أيامٍ، لا يعقل معناها دون ما هو أقل منها كتسعة عشر دينارًا في الزكاة، أو تسعة وتسعين سوطًا، أو يومين، أو واحد وستين في كفارة الظهار مثلًا، وما لا يُعقل معناه يتعذر القياس فيه.
والجواب: أنا إنما نقول بالقياس حيث ظفرنا بالمعنى الذي لأجله ثبت الحكم، فحيث تعذر ذلك، وكان تعبدًا، فإنا لا نقيس، فلا ترد علينا مواطن التعبد (١).
وهذه المسألة ذات شقين: شق متفق عليه، وشق مختلف فيه:
أما المتفق عليه: فإنهم اتفقوا على منع إثبات حدٍّ مبتدأبالقياس، أو كفارة مبتدأة، كأن يقال مثلًا: من فعل معصية كذا، أو ضرب كذا، أو شتم آخر، فعليه حد كذا، كجلد أو قطع، أو يخرج كفارة مقدارها كذا، فهذا لا يجوز اتفاقًا.
قال السمعاني: فإن قيل: هل يصح إثبات حد مبتدأ بالقياس، أو كفارة مبتدأة؟
قلنا: لا طريق يوصل القياس إلى إثبات حد مبتدأ، وكذلك لا طريق يوصل إلى إثبات كفارة مبتدأه بالقياس (٢).
стр. 868
وقال تاج الدين السبكي:
فائدة: نحن وإن جوزنا القياس في الحدود، والكفارات، والرخص والتقديرات على الجملة، فلا ننكر وجدان ما لا يعلل، ويلتحق بمحض التعبد، وعلى هذا فلا بد من أمارة يعرف بها القسم الذي يجري فيه التعليل من غيره.
وجماع القول -عندنا- أنَّ كل حكم يجوز أن يستنبط منه معنى مُخَيَّل من كتاب أو نص سنة، أو إجماع، فإنه يعلل، وما لا يصح فيه هذا فلا يعلل، سواء أكان من الحدود والكفارات أم غيرها.
فإن قلت: هل يصح إثبات حد مبتدأ، أو كفارة مبتدأة بالقياس؟
قلت: لا يصح، ولكن ليس لما يتوهمون من نفي القياس في الحدود والكفارات؛ بل لأنه لا طريق توصل هنا إلى فهم العلة، ولو صح لنا معنى في ذلك، لما تحاشينا من التعلق به، فافهم هذا، واجمع به بينه وبين قول المصنف فيما سبق: إنَّ من شرط الأصل ألا يكون معدولًا به عن سنن القياس، كمقادير الحدود والكفارات.
واعلم أنَّ نفس مقادير الحدود والكفارات لا يفهم فيها معنى، فكيف يصح القياس فيها؟
قال الزركشي: قال بعضهم المراد بجريانه في الحدود زيادة عقوبة
стр. 869
في الحد لوجود علة تقتضي الزيادة، كزيادة التعزير في حق الشرب، وتبليغه إلى ثمانين قياسًا على حد القذف، أما إنشاء حد بالقياس على حد فلا يجوز بالاتفاق (١).
وذكر الطوفي ﵀ المذهبين في جريان القياس في الحدود، والكفارات، والمقدرات، وتضمن كلامه ﵀ ضابط القياس في هذه الأشياء، فقال: جريان القياس في المقدرات، والحدود، والكفارات، كنصب الزكوات، وعدد الصلوات والركعات، وأروش الجنايات ونحوها، وحد الزاني، والقذف والشرب، وسائر الكفارات، هو مذهب أحمد، والشافعي، وابن القصار، والباجي من المالكية، وأكثر الناس، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه.
لنا: ما سبق من أنَّ إجماع الصحابة ﵃ على القياس من غير فرق، ومن أنا إذا فهمنا مناط الحكم، وأفادنا القياس الظن، قسنا، وإلا فلا (٢).
أما الشق الثاني: وهو قياس حد على حد ثابت، أو كفارة، أو المقادير، أو الجوابر، فيجوز على مذهب الشافعي، وعند أصحاب أبي
стр. 870
حنيفة لا يجوز (١).
وإليك بعض الأمثلة التي تبين لك أنَّ هذا الأصل للمذهبين لم يكن مطردًا في جميع المسائل:
الأول: إيجاب الكفارة بالإفطار بالأكل في رمضان قياسًا على الإفطار بالجماع.
قال به الحنفية، والمالكية، ومنعه الشافعية، والحنابلة، قال ابن رشد: والسبب في اختلافهم: اختلافهم في جواز قياس المفطر بالأكل والشرب على المفطر بالجماع، فمن رأى أنَّ شبههما فيه واحد، وهو انتهاك حرمة الصوم جعل حكمهما واحدًا.
ومن رأى أنه وإن كانت الكفارة عقابًا لانتهاك الحرمة، فإنها أشد مناسبة للجماع منها لغيره، وذلك أنَّ العقاب المقصود به الردع قد يوضع لما إليه النفس أميل، وهو لها أغلب من الجنايات، وإن كانت الجناية متقاربة؛ إذ كان المقصود من ذلك التزام الناس الشرائع، وأن يكونوا أخيارًا عدولًا كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة:
стр. 871
١٨٣]، قال: هذه الكفارة المغلظة خاصة بالجماع (١).
ونظير هذه المسألة من جامع ناسيًا لصومه، فالشافعي، وأبو حنيفة يقولان: لا قضاء عليه، ولا كفارة.
وقال مالك: عليه القضاء دون الكفارة.
وقال أحمد وأهل الظاهر: عليه القضاء والكفارة.
وجه القول بعدم إيجاب القضاء والكفارة: القياس على الأكل والشرب ناسيًا الوارد في حديث أبي هريرة مرفوعًا: (إذا نسي فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) (٢).
ومن أوجب عليه القضاء فوجهه القياس على من نسي الصلاة.
قال ابن رشد: لكن إيجاب القضاء بالقياس ضعيف (٣).
قلت: ومع ذلك فهناك فرق، فالذي نسي الصلاة لم يأت بها أصلًا، فعليه أداؤها إذا ذكرها، أما هنا فهو قد أتى بالصيام، ثم نسيه، فأكل، أو شرب، أو جامع.
стр. 872
لكن يقال: إنَّ إثبات الحنفية للكفارة هنا ليس من باب القياس، وإنما هو من باب تنقيح المناط؛ حيث قالوا: الموجب للكفارة هو مطلق الإفطار، ومذهب الشافعي تقييد هذا المطلق بالجماع.
قال الزركشي: قال بعض الفقهاء: ما أجدر كلًّا من الإمامين أن ينتحل في هذه المسألة مذهب صاحبه. يعني أنَّ قياس القول بالقياس في الكفارات عدم تخصيصها بالوقاع دون سائر المفطرات، وقياس عدم القياس عدم إيجاب الكفارة في غير الوقاع، وهذا القول جهل بمدارك الأئمة، فإنهم وإن أثبتوا بالحديث المأمور به بالكفارة بمطلق الإفطار فهذا المطلق هو المقيد بالجماع (١).
الثاني: أبطل أبو حنيفة قياس اللواط على الزنا في إيجاب الحد؛ لأن حد الزنا لا يجب إلا بالزنا، فيكون التعليل واقعًا لإثبات الاسم، ولا يجوز إثبات الاسم اللغوي بالقياس.
الثالث: اشتراط الإيمان في الرقبة في كفارة الظهار، وسائر الكفارات، وهذا مذهب الجمهور مالك، والشافعي، وإسحاق، وظاهر مذهب أحمد.
والرواية الثانية عند أحمد، وقول أبي حنيفة عدم الاشتراط فيما عدا
стр. 873
كفارة القتل.
استدل الجمهور بأنَّ المطلق في كفارة الظهار، وغيرها يحمل على المقيد من جهة القياس إذا وجد المعنى فيه، ولا بد من تقييده، فإنا أجمعنا على أنه لا يجزئ إلا رقبة سليمة من العيوب المضرة بالعمل ضررًا بينًا، فالتقييد بالسلامة من الكفر أولى.
ووجه القول الآخر: أنَّ الله أطلق الرقبة في هذه الكفارة، فوجب أن يجزئ ما تناوله الإطلاق (١).
الرابع: اختلفوا في إيجاب الكفارة في قتل العمد، فأوجبها مالك، والشافعي على قاتل العمد كما في الخطأ.
قال الشافعي: إذا وجبت الكفارة في الخطأ، فلأن تجب في العمد أولى.
وقال الثوري، وأبو ثور، وأصحاب الرأي: لا تجب الكفارة إلا حيث أوجبها الله تعالى.
قال ابن المنذر: وكذلك نقول؛ لأن الكفارات عبادات، ولا يجوز التمثيل (٢).
стр. 874
الخامس: اختلفوا في إيجاب الكفارة في اليمين الغموس، فقال الجمهور (مالك وأبو حنيفة وأحمد): ليس في اليمين الغموس كفارة.
وقال الشافعي وجماعة: يجب فيها الكفارة قياسًا على اليمين في المستقبل، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية، فهي من الأيمان المنعقدة؛ لأنها يمين بالله مقصودة.
واحتج الحنفية بأنَّ اليمين الغموس لا يتناولها اسم اليمين حقيقة، بل يتناولها مجازًا كبيع الحر، فلا تجب كفارة اليمين بما ليست بيمين، ولا يجوز إثبات اسم اليمين - وهو اسم لغوي- بالقياس الشرعي.
ولقوله ﷺ : «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرم عليه الجنة … » (١).
وللشافعي أن يستثني من الأيمان الغموس ما لا يقتطع بها حق الغير، أو يقول: إنَّ الأيمان التي يقتطع بها حق الغير قد جمعت الظلم، والحنث، فإن تاب، ورد المظلمة، وكفَّر سقط عنه جميع الإثم (٢).
السادس: وهو ما اختلف فيه التأصيل مع التفريع، وهو اختلافهم في
стр. 875
وجوب الكفارة على المرأة إذا طاوعت زوجها على الجماع.
فأوجب عليها الكفارة أبو حنيفة ومالك وأصحابهما.
وقال الشافعي وداود: لا كفارة عليها.
وسبب اختلافهم: معارضة ظاهر الأثر للقياس، وذلك أنه ﵊ لم يأمر المرأة في الحديث بكفارة، والقياس أنها مثل الرجل؛ إذ كان كلاهما مكلفًا (١).
لكن هذا الاختلاف بين التأصيل والتفريع له سبب:
قال الكاساني ﵀: وأما المرأة، فكذلك يجب عليها عندنا إذا كانت مطاوعة، وللشافعي قولان في قول لا يجب عليها أصلًا، وفي قول يجب عليها ويتحملها الرجل.
وجه قوله الأول: أنَّ وجوب الكفارة عرف نصًّا بخلاف القياس لما نذكر، والنص ورد في الرجل دون المرأة، وكذا ورد بالوجوب بالوطء، وأنه لا يتصور من المرأة؛ فإنها موطوءة، وليست بواطئة، فبقي الحكم فيها على أصل القياس.
ووجه قوله الثاني: أنَّ الكفارة إنما وجبت عليها بسبب فعل الرجل،
стр. 876
فوجب عليه التحمل كثمن ماء الاغتسال.
أما وجه قول الحنفية في إيجاب الكفارة عليها فقال: ولنا أنَّ النص وإن ورد في الرجل، لكنه معلول بمعنى يوجد فيهما، وهو إفساد صوم رمضان بإفطار كامل حرام محض متعمدًا، فتجب الكفارة عليها بدلالة النص، وبه تبين أنه لا سبيل إلى التحمل؛ لأن الكفارة إنما وجبت عليها بفعلها، وهو إفساد الصوم.
ولبيان قول الشافعية أنَّ الكفارة وجبت بالنص على خلاف القياس.
قال الكاساني في مسألة إيجاب الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب - وسبقت الإشارة إليها قريبًا-.
قال: وقال الشافعي لا كفارة عليه.
وجه قوله: أنَّ وجوب الكفارة ثبت معدولًا به عن القياس؛ لأن وجوبها لرفع الذنب والتوبة كافية لرفع الذنب، ولأن الكفارة من باب المقادير، والقياس لا يهتدي إلى تعيين المقادير، وإنما عرف وجوبها بالنص، والنص ورد في الجماع، والأكل والشرب ليسا في معناه؛ لأن الجماع أشد حرمة منهما حتى يتعلق به وجوب الحد دونهما، فالنص الوارد في الجماع لا يكون واردًا في الأكل والشرب، فيقتصر على مورد النص.
стр. 877
ولبيان وجه قول الحنفية قال: ولنا أيضًا الاستدلال بالمواقعة، والقياس عليها، أما الاستدلال بها، فهو أنَّ الكفارة في المواقعة وجبت لكونها إفسادًا لصوم رمضان من غير عذر، ولا سفر على ما نطق به الحديث، والأكل والشرب إفساد لصوم رمضان متعمدًا من غير عذر ولا سفر، فكان إيجاب الكفارة هناك إيجابًا ههنا دلالة.
والدليل على أنَّ الوجوب في المواقعة لما ذكرنا وجهان: أحدهما مجمل، والآخر مفسر.
أما المجمل: فالاستدلال بحديث الأعرابي (١).
وأما المفسر: فلأنَّ إفساد صوم رمضان ذنب، ورفع الذنب واجب عقلًا، وشرًعا لكونه قبيحًا، والكفارة تصلح رافعة له؛ لأنها حسنة، وقد جاء الشرع بكون الحسنات من التوبة والإيمان، والأعمال الصالحات رافعة للسيئات، إلا أنَّ الذنوب مختلفة المقادير، وكذا الروافع لها لا يعلم مقاديرها إلا الشارع للأحكام، وهو الله تعالى فمتى ورد الشرع في ذنب خاص بإيجاب رافع خاص، ووجد مثل ذلك الذنب في موضع آخر كان ذلك إيجابًا لذلك الرافع فيه، ويكون الحكم فيه ثابتًا بالنص لا بالتعليل والقياس، والله أعلم.
стр. 878
وجه القياس على المواقعة: هو أنَّ الكفارة هناك وجبت للزجر عن إفساد صوم رمضان صيانة له في الوقت الشريف؛ لأنها تصلح زاجرة، والحاجة مست إلى الزاجر، أما الصلاحية فلأنَّ من تأمل أنه لو أفطر يومًا من رمضان لزمه إعتاق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا لامتنع منه، وأما الحاجة إلى الزجر، فلوجود الداعي الطبعي إلى الأكل والشرب؛ لأن الجوع والعطش يقلل الشهوة، فكانت الحاجة إلى الزجر عن الأكل والشرب أكثر، فكان شرع الزاجر هناك شرعًا ههنا من طريق الأولى.
وعلى هذه الطريقة يمنع عدم جواز إيجاب الكفارة بالقياس؛ لأن الدلائل المقتضية لكون القياس حجة لا يفصل بين الكفارة وغيرها (١).
وإنما أطلت في هذا النقل ليتبين لك قرب المذهبين مَنْ أجاز في الكفارات، ومن لم يجزه، وأنَّ الاختلاف في: هل يفهم من الكفارة معنى يصلح للتعدية أم لا؟
وليتبين أيضًا ما ذكرناه قبل ذلك أنَّ اختلاف التأصيل عن التفريع في المذهب الواحد إنما هو لعلة عنده، كما في هذه المسألة، والله أعلم.
ولذلك قال الطوفي: فكأن النزاع صار في مسألة أخرى، وهو جواز
стр. 879
فهم المعنى في الحدود ونحوها، فنحن نقول: يجوز فهمه في بعض صورها، فيصح القياس عليها إذا تحقق مناط حكم الأصل في الفرع، وهم يقولون: لا يجوز أن يفهم، فلا يصح القياس لتعذر تحقق مناط حكم الأصل في الفرع.
وحينئذ الأشبه ما قلناه؛ إذ جواز فهم المعنى في ذلك لا يلزم منه محال، ولا ينكره عاقل، فإن كان هذا هو محل الخلاف، وإلا عاد النزاع لفظيًّا لاتفاق الفريقين على امتناع القياس في التعبد، وجوازه حيث عقل المعنى، والله تعالى أعلم (١).
السابع: قياس دم الفوات على دم التمتع في الحج:
ففي الموطأ عن مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، أنَّ هبار بن الأسود، جاء يوم النحر، وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين أخطأنا العدة. كنا نرى أنَّ هذا اليوم يوم عرفة، فقال عمر: اذهب إلى مكة، فطف أنت، ومن معك، وانحروا هديًا إن كان معكم، ثم احلقوا، أو قصروا، وارجعوا، فإذا كان عام قابل فحجوا وأهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع (٢).
стр. 880
قال مالك: ومن قرن الحج والعمرة، ثم فاته الحج فعليه أن يحج قابلًا، ويقرن بين الحج والعمرة، ويهدي هديين: هديًا لقرانه الحج مع العمرة، وهديًا لما فاته من الحج (١).
قال الباجي في (المنتقى): ويجب عليهم الهدي لأجل الفوات، والتحلل بغير ما أحرموا به، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، وهذا حكم كل من وجب عليه هدي يلزمه إخراجه، فلم يجده، فأما هدي الجزاء، وفدية الأذى فليس بلازم، بل هو مخير بينه، وبين غيره (٢).
قال الشنقيطي ﵀: فقد قاس عمر بن الخطاب ﵁ دم الفوات على دم التمتع، حيث قال: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. ووجه قياس دم الفوات على دم التمتع، حتى صار بدله من الصوم كبدله، ذكره ابن قدامة قائلًا: إنَّ هدي التمتع، إنما وجب للترفه بترك أحد السفرين، وقضائه النسكين في سفر واحد، فيقاس عليه دم من فاته الحج بجامع أنه ترك بعض ما اقتضاه إحرامه، فصار كالتارك لأحد السفرين.