← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

فوجب عليه التحمل كثمن ماء الاغتسال. أما وجه قول الحنفية في إيجاب الكفارة عليها فقال: ولنا أنَّ النص وإن ورد في الرجل، لكنه معلول بمعنى يوجد فيهما، وهو إفساد صوم رمضان بإفطار كامل حرام محض متعمدًا، فتجب الكفارة عليها بدلالة النص، وبه تبين أنه لا سبيل إلى التحمل؛ لأن الكفارة إنما وجبت عليها بفعلها، وهو إفساد الصوم. ولبيان قول الشافعية أنَّ الكفارة وجبت بالنص على خلاف القياس. قال الكاساني في مسألة إيجاب الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب - وسبقت الإشارة إليها قريبًا-. قال: وقال الشافعي لا كفارة عليه. وجه قوله: أنَّ وجوب الكفارة ثبت معدولًا به عن القياس؛ لأن وجوبها لرفع الذنب والتوبة كافية لرفع الذنب، ولأن الكفارة من باب المقادير، والقياس لا يهتدي إلى تعيين المقادير، وإنما عرف وجوبها بالنص، والنص ورد في الجماع، والأكل والشرب ليسا في معناه؛ لأن الجماع أشد حرمة منهما حتى يتعلق به وجوب الحد دونهما، فالنص الوارد في الجماع لا يكون واردًا في الأكل والشرب، فيقتصر على مورد النص.

стр. 877

ولبيان وجه قول الحنفية قال: ولنا أيضًا الاستدلال بالمواقعة، والقياس عليها، أما الاستدلال بها، فهو أنَّ الكفارة في المواقعة وجبت لكونها إفسادًا لصوم رمضان من غير عذر، ولا سفر على ما نطق به الحديث، والأكل والشرب إفساد لصوم رمضان متعمدًا من غير عذر ولا سفر، فكان إيجاب الكفارة هناك إيجابًا ههنا دلالة. والدليل على أنَّ الوجوب في المواقعة لما ذكرنا وجهان: أحدهما مجمل، والآخر مفسر. أما المجمل: فالاستدلال بحديث الأعرابي (١). وأما المفسر: فلأنَّ إفساد صوم رمضان ذنب، ورفع الذنب واجب عقلًا، وشرًعا لكونه قبيحًا، والكفارة تصلح رافعة له؛ لأنها حسنة، وقد جاء الشرع بكون الحسنات من التوبة والإيمان، والأعمال الصالحات رافعة للسيئات، إلا أنَّ الذنوب مختلفة المقادير، وكذا الروافع لها لا يعلم مقاديرها إلا الشارع للأحكام، وهو الله تعالى فمتى ورد الشرع في ذنب خاص بإيجاب رافع خاص، ووجد مثل ذلك الذنب في موضع آخر كان ذلك إيجابًا لذلك الرافع فيه، ويكون الحكم فيه ثابتًا بالنص لا بالتعليل والقياس، والله أعلم.

стр. 878

وجه القياس على المواقعة: هو أنَّ الكفارة هناك وجبت للزجر عن إفساد صوم رمضان صيانة له في الوقت الشريف؛ لأنها تصلح زاجرة، والحاجة مست إلى الزاجر، أما الصلاحية فلأنَّ من تأمل أنه لو أفطر يومًا من رمضان لزمه إعتاق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا لامتنع منه، وأما الحاجة إلى الزجر، فلوجود الداعي الطبعي إلى الأكل والشرب؛ لأن الجوع والعطش يقلل الشهوة، فكانت الحاجة إلى الزجر عن الأكل والشرب أكثر، فكان شرع الزاجر هناك شرعًا ههنا من طريق الأولى. وعلى هذه الطريقة يمنع عدم جواز إيجاب الكفارة بالقياس؛ لأن الدلائل المقتضية لكون القياس حجة لا يفصل بين الكفارة وغيرها (١). وإنما أطلت في هذا النقل ليتبين لك قرب المذهبين مَنْ أجاز في الكفارات، ومن لم يجزه، وأنَّ الاختلاف في: هل يفهم من الكفارة معنى يصلح للتعدية أم لا؟ وليتبين أيضًا ما ذكرناه قبل ذلك أنَّ اختلاف التأصيل عن التفريع في المذهب الواحد إنما هو لعلة عنده، كما في هذه المسألة، والله أعلم. ولذلك قال الطوفي: فكأن النزاع صار في مسألة أخرى، وهو جواز

стр. 879

فهم المعنى في الحدود ونحوها، فنحن نقول: يجوز فهمه في بعض صورها، فيصح القياس عليها إذا تحقق مناط حكم الأصل في الفرع، وهم يقولون: لا يجوز أن يفهم، فلا يصح القياس لتعذر تحقق مناط حكم الأصل في الفرع. وحينئذ الأشبه ما قلناه؛ إذ جواز فهم المعنى في ذلك لا يلزم منه محال، ولا ينكره عاقل، فإن كان هذا هو محل الخلاف، وإلا عاد النزاع لفظيًّا لاتفاق الفريقين على امتناع القياس في التعبد، وجوازه حيث عقل المعنى، والله تعالى أعلم (١). السابع: قياس دم الفوات على دم التمتع في الحج: ففي الموطأ عن مالك، عن نافع، عن سليمان بن يسار، أنَّ هبار بن الأسود، جاء يوم النحر، وعمر بن الخطاب ينحر هديه، فقال: يا أمير المؤمنين أخطأنا العدة. كنا نرى أنَّ هذا اليوم يوم عرفة، فقال عمر: اذهب إلى مكة، فطف أنت، ومن معك، وانحروا هديًا إن كان معكم، ثم احلقوا، أو قصروا، وارجعوا، فإذا كان عام قابل فحجوا وأهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع (٢).

стр. 880

قال مالك: ومن قرن الحج والعمرة، ثم فاته الحج فعليه أن يحج قابلًا، ويقرن بين الحج والعمرة، ويهدي هديين: هديًا لقرانه الحج مع العمرة، وهديًا لما فاته من الحج (١). قال الباجي في (المنتقى): ويجب عليهم الهدي لأجل الفوات، والتحلل بغير ما أحرموا به، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، وهذا حكم كل من وجب عليه هدي يلزمه إخراجه، فلم يجده، فأما هدي الجزاء، وفدية الأذى فليس بلازم، بل هو مخير بينه، وبين غيره (٢). قال الشنقيطي ﵀: فقد قاس عمر بن الخطاب ﵁ دم الفوات على دم التمتع، حيث قال: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. ووجه قياس دم الفوات على دم التمتع، حتى صار بدله من الصوم كبدله، ذكره ابن قدامة قائلًا: إنَّ هدي التمتع، إنما وجب للترفه بترك أحد السفرين، وقضائه النسكين في سفر واحد، فيقاس عليه دم من فاته الحج بجامع أنه ترك بعض ما اقتضاه إحرامه، فصار كالتارك لأحد السفرين.

стр. 881

قال الشنقيطي: ويقاس عليه أيضًا: كل دم وجب لترك واجب، كدم القران، وترك الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، والرمي، والمبيت ليالي منى بها، وطواف الوداع، فالواجب فيه ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام. الثامن: من أفسد حجه بالجماع، فالواجب فيه بدنة بقول الصحابة المنتشر الذي لم يظهر خلافه، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، كصيام المتعة. كذا قال عبد الله بن عمر (١)، وعبد الله بن عباس (٢)، وعبد الله بن عمرو (٣) رواه عنهم الأثرم، ولم يظهر في الصحابة خلافهم، فيكون إجماعًا، فيكون بدله مقيسًا على بدل دم المتعة (٤). قال الشنقيطي: وأنَّ مذهب أحمد قياس كل دم وجب بفعل محظور، كاللبس، والطيب، وتقليم الأظافر، ونحو ذلك على فدية

стр. 882

الأذى. وقد قدمنا أنَّ قياس تلك الأشياء على فدية الأذى، مجمع عليه من الأئمة الأربعة، إلا أنَّ أبا حنيفة يخصصه بما فعل للعذر، ويوجب الدم دون غيره، فيما فعل من ذلك لا لعذر (١). فهذا قياس في الكفارات، والمقدرات، والجوابر، لكن يتبين فيه المعنى الجامع، وأيضًا لم يكن ابتداء كفارة، وإنما قياس على كفارة، وجوابر ثابتة، وبدل ثابت عن الذبح في مثل هذه المناسك، فكان أولى من تركه إلى غير بدل، والله أعلم. التاسع: ومن ذلك: هل هناك أوقاص في زكاة النقدين، أم ما زاد على النصاب يحسب منه زكاة قل أو كثر؟ الجمهور على أنه لا أوقاص في النقدين، خلافًا لزكاة الأنعام؛ فإن فيها أوقاصًا، فما زاد على النصاب لا زكاة فيه حتى يبلغ النصاب الثاني. مثلًا خمسة من الإبل فيها شاة، فإن كانت ستة فلا زكاة في السادس حتى تبلغ عشرة ففيها شاتان. أما النقدان فالنصاب مئتا درهم، وفيها ربع العشر، فإن كانت مئتين وخمسة حسب ربع العشر منها جميعًا.

стр. 883

أما أبو حنيفة: فقال بالأوقاص في النقدين قياسًا على الماشية، فإن كانت الفضة مئتي درهم، ففيها خمسة دراهم، ولا زكاة فيما زاد حتى تبلغ أربعين درهمًا فيأخذ منها درهمًا. وهذا قياس في المقدرات خلافًا لأصله في ذلك. ولأن الأصل أن يكون بعد كل نصاب عفو نظرًا لأرباب الأموال كما في السوائم؛ ولأن في اعتبار الكسور حرجًا وإنه مدفوع (١).

стр. 884

الفصل الخامس: الاستصحاب

стр. 885

الاستصحاب الاستصحاب لغة: يقال: استصحب الرجل: دعاه إلى الصحبة. وكل ما لازم شيئًا فقد استصحبه. وأصحبته الشيء: جعلته له صاحبًا، واستصحبته الكتاب وغيره. ويقال: استصحبت الكتاب في سفري أو الرقيق، أي جعلته مصاحبًا لي، وكل شيء لازم شيئًا فقد استصحبه (١). الاستصحاب اصطلاحًا: التمسك بدليل عقلي، أو شرعي لم يظهر عنه ناقل (٢). وقال ابن القيم: الاستصحاب: استفعال من الصحبة. وهي: استدامة إثبات ما كان ثابتًا، أو نفي ما كان منفيًّا (٣).

стр. 886

وعرفه الجرجاني: هو إبقاء ما كان على ما كان عليه لانعدام المغير، وهو الحكم الذي يثبت في الزمان الثاني بناء على الزمان الأول (١). وعرفه الشوكاني: أنه ما ثبت في الزمان الماضي، فالأصل بقاؤه في الزمان المستقبل (٢). وعرفه الرازي والآمدي: هو التمسك بالحكم الثابت في حال البقاء لعدم الدليل المغير (٣). والمراد عند العلماء من ماهية الاستصحاب: أن الشيء الذي علم وجوده في الماضي، ثم حصل تردد في زواله حكمنا ببقائه استصحابًا لوجوده السابق، وما علم عدمه في الماضي، ثم حصل تردد في وجوده حكمنا باستمرار عدمه استصحابًا لعدمه السابق وعلى هذا: - من علمت حياته في وقت معين حكمنا باستمرار حياته، حتى يقوم الدليل على وفاته. - ومن تزوج امرأة على أنها بكر، ثم ادعى الثيوبة بعد الدخول، فلا يقبل قوله بلا بينة استصحابًا لوجود البكارة؛ لأنها هي الأصل منذ

стр. 887

النشأة الأولى. - ومن اشترى كلبًا على أنه من الكلاب المعلمة التي تحسن تتبع الآثار وتساعد في كشف الجريمة، أو اشتراه على أنه كلب صيد، فادعى فوات الوصف، فالقول قوله إلا إن ثبت خلافه استصحابًا للعدم السابق؛ لأن الأصل عدم هذا الوصف، وإنما يستفاد بالمران والتدريب (١). وبهذا يتبين لنا ما يعنيه علماء الأصول بهذا النوع من الاستدلال. مكانته بين الأدلة: قال الزركشي: قال الخوارزمي: هو آخر مدار الفتوى، فإن المفتي إذا سئل عن حادثة يطلب حكمها في الكتاب، ثم في السنة، ثم في الإجماع، ثم في القياس، فإن لم يجده فيأخذ حكمها من استصحاب الحال في النفي والإثبات، فإن كان التردد في زواله، فالأصل بقاؤه، وإن كان في ثبوته، فالأصل عدم ثبوته. اه وهو حجة يفزع إليها المجتهد إذا لم يجد في الحادثة حجة خاصة (٢).

стр. 888

وجعل الطوفي استصحاب الحال الأصل الرابع من الأدلة المتفق عليها بعد الكتاب، والسنة، والإجماع، فقال في أول كتاب الأدلة: الأصول: الكتاب، والسنة، والإجماع، واستصحاب النفي الأصلي (١). وقال ابن عقيل: استصحاب الحال وهو البقاء على حكم الأصل، فهو أصل من أصول الدين، ودليل من أدلة الشرع ينبني عليها عدة مسائل (٢). * حجية الاستصحاب: اختلف أهل العلم فى حجية الاستصحاب على أقوال: القول الأول: أن الاستصحاب حجة يفزع إليها المجتهد، إذا لم يجد في الحادثة حجة خاصة. وبه قال الحنابلة، والمالكية، وأكثر الشافعية، والظاهرية سواء كان في النفي أو الإثبات (٣)، وحكاه ابن الحاجب عن الأكثر (٤). الثاني: أنه ليس بحجة، وإليه ذهب أكثر الحنفية، والمتكلمين كأبي

стр. 889

الحسين البصري، وأبي المظفر السمعاني من الشافعية (١). الثالث: أنه حجة على المجتهد فيما بينه وبين الله ، فإنه لم يكلف إلا ما يدخل تحت مقدوره، فإذا لم يجد دليلًا سواه جاز التمسك به، ولا يكون حجة على الخصم عند المناظرة، فإن المجتهدين إذا تناظروا لم ينفع المجتهد قوله لم أجد دليلًا على هذا؛ لأن التمسك بالاستصحاب لا يكون إلا عند عدم الدليل. الرابع: أنه يصلح حجة للدفع لا للرفع، وإليه ذهب أكثر الحنفية، قال إلكيا الهراسي: ويعبرون عن هذا بأن استصحاب الحال صالح لإبقاء ما كان على ما كان، إحالةً على عدم الدليل، لا لإثبات أمر لم يكن، وقد قدمنا أن هذا قول أكثر المتأخرين من الحنفية. الخامس: أنه يصلح للترجيح به لا غير، نقله الأستاذ أبو إسحاق عن الشافعي، وقال: إنه الذي يصح عنه، لا أنه يحتج به. السادس: أن المستصحب إن لم يكن غرضه سوى نفي ما نفاه صح ذلك، وإن كان غرضه إثبات خلاف قول خصمه، من وجهة يمكن استصحاب الحال في نفي ما أثبته، فليس له الاستدلال به. كمن استدل على إبطال بيع الغائب، ونكاح المحرم، والشغار بأن

стр. 890

الأصل أن لا عقد، فلا يثبت إلا بدلالة صح استدلاله، أما من استدل بالاستصحاب في مسألة الحرام أنه يمين توجب كفارة يمين، فإنه يستدل بأن الأصل أن لا طلاق، ولا ظهار، ولا لعان، فيعارض بالأصل أن لا يمين، ولا كفارة، فيتعارض الاستصحابان فيسقطان، حكى هذا المذهب الأستاذ أبو منصور البغدادي عن بعض أصحاب الشافعي (١). وذكر بعض أهل العلم أن الاستصحاب من الأدلة المختلف فيها، وذكرهم المذاهب السابقة في حكم الاحتجاج بالاستصحاب بإطلاقه فيه نظر؛ إذ إن بعض أنواعه متفق على وجوب العمل بها، وبعض الأنواع يندرج فيها الخلاف، وبعضها لا يندرج فيها الخلاف. لذلك قال الزركشي: إذا عرفت هذا؛ فلا بد من تنقيح موضع الخلاف، فإن أكثر الناس يطلقه، ويشتبه عليهم موضع النزاع بغيره، فنقول للاستصحاب صور (٢). • صور الاستصحاب: * الأولى: استصحاب العدم الأصلي أو البراءة الأصلية: وذلك كبراءة الذمة من التكليف حتى يدل دليل شرعي على تغيره،

стр. 891

كنفي صلاة سادسة، أو صوم شهر شوال مثلًا. ومثاله: لو ادعى شخص على آخر دينًا، وأنكر المدعى عليه، فعلى المدعي الدليل؛ لأن الأصل عدم إشغال ذمة بدين إلا بدليل. قال أبو الطيب: وهذا حجة بالإجماع أي عند القائلين بأنه لا حكم قبل الشرع (١)، وهو قول أهل السنة خلافًا للمعتزلة. قال أبو إسحاق الشيرازي: فأما استصحاب حال العقل فهو الرجوع إلى براءة الذمة في الأصل، وذلك طريق يفزع إليه المجتهد عند عدم أدلة الشرع، ولا ينتقل عنها إلا بدليل شرعي ينقله عنه، فإن وجد دليلًا من أدلة الشرع انتقل عنه سواء كان ذلك الدليل نطقًا، أو مفهومًا، أو نصًّا، أو ظاهرًا؛ لأن هذه الحال إنما استصحبها لعدم دليل شرعي، فأي دليل ظهر من جهة الشرع حرم عليه استصحاب الحال بعده (٢). فالعمل بهذا النوع لا يكون إلا بعد البحث والتمعن بأدلة الشرع الأخرى ممن هو أهل لذلك. ثم إن ابن حزم اعتمد على استصحاب البراءة الأصلية اعتمادًا كبيرًا لإبطال كل قول في الدين، أو مدع لحكم شرعي إذا لم يكن معه دليل

стр. 892

من الشارع بناءً على استصحاب العدم الأصلي الذي يقتضي براءة الذمة من تعلق أي شيء بها إلا بموجب نص شرعي؛ حيث إن الأصل براءة الذمة من لزوم جميع الأشياء إلا ما ألزمنا إياه النص، أو الإجماع، فإن حكم حاكم بخلاف ما قلنا نسخ حكمه. * القسم الثاني: استصحاب الحكم الشرعي (استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي) حتى يثبت خلافه: وذلك كاستصحاب بقاء الملك، وبقاء النكاح، وبقاء شغل الذمة حتى يثبت خلافه، واستصحاب الدليل مع احتمال المعارض، إما تخصيصًا إن كان الدليل ظاهرًا، أو نسخًا إن كان الدليل نصًّا هذا أمر معمول به بالإجماع. قال ابن حزم: إذا ورد النص من القرآن، أو السنة الثابتة في أمر ما على حكم ما، ثم ادعى مدع أن ذلك الحكم قد انتقل، أو بطل من أجل أنه انتقل ذلك الشيء المحكوم فيه عن بعض أحواله، أو لتبدل زمانه، أو لتبدل مكانه، فعلى مدعي انتقال الحكم من أجل ذلك أن يأتي ببرهان من نص قرآن، أو سنة عن رسول الله ﷺ ثابتة على أن ذلك الحكم قد انتقل، أو بطل، فإن جاء به صح قوله، وإن لم يأت به فهو مبطل فيما ادعى من ذلك، والفرض على الجميع الثبات على ما جاء به النص ما دام يبقى اسم ذلك الشيء المحكوم فيه عليه؛ لأنه اليقين، والنقلة دعوى

стр. 893

وشرع لم يأذن الله تعالى به، فهما مردودان كاذبان حتى يأتي النص بهما، ويلزم من خالفنا في هذا أن يطلب كل حين تجديد الدليل على لزوم الصلاة والزكاة، وعلى صحة نكاحه مع امرأته، وعلى صحة ملكه لما يملك (١). قال ابن القيم: ولم يتنازع الفقهاء في هذا النوع، وإنما تنازعوا في بعض أحكامه لتجاذب المسألة أصلين متعارضين (٢). وسيأتي أدلة هذا النوع في أدلة حجية الاستصحاب -إن شاء الله- ومثاله: الملك عند حصول السبب، وشغل الذمة عند قرض أو إتلاف، فهذا وإن لم يكن حكمًا أصليًّا، فهو حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه. ومثاله: استصحاب الطهارة، فإن وصف الطهارة إذا ثبت أبيحت الصلاة، فيستصحب هذا الحكم حتى يثبت خلافه، وهو الحدث. ومثاله: رجل يسكن في شقة مدة طويلة فجاء خمسة رجال يريدون إخراجه من هذه الشقة بحجة أنها شقتهم، فوجوده في الشقة ثبتت بها

стр. 894

الملكية له، فهذا هو الأصل، فلا يخرج منها حتى يأتوا ببينة (١). * القسم الثالث: استصحاب الأصل، ومنه: أولًا: استصحاب حكم الإباحة الأصلية للأشياء من طعام وشراب، أو حيوان، أو نبات، أو جماد، ولا يوجد دليل على تحريمها؛ لأن الإباحة هي الحكم الأصلي لموجودات الكون، وإنما يحرم منها ما يحرم بدليل الشرع، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. ولا يتم الامتنان والتسخير إلا إذا كان الانتفاع بهذه المخلوقات مباحًا. ثانيًا: الأصل في الأشياء الضارة، والخبيثة التحريم؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (٢).

стр. 895

ثالثًا: الأصل في الأشياء الطهارة حتى يرد دليل بالنجاسة؛ لقوله ﷺ : «وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (١). رابعًا: الأصل في الأبضاع الحرمة، حتى يرد دليل بحل امرأة لرجل بنكاح صحيح، أو ملك يمين، فمن شك في امرأة هل تزوجها أم لا؟ لم يكن له وطؤها استصحابًا لحكم التحريم إلى أن يتحقق، ويدل لذلك قول النبي ﷺ «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله» (٢)، فدل على أن الأصل في هذه الفروج الحرمة. خامسًا: الأصل في الذبائح الحرمة، فمن وجد شاة مذبوحة في بلد فيها مسلمون ومجوس، فلا تحل له حتى يعلم أنها ذكاة مسلم؛ لأن الأصل فيها الحرمة؛ إذ حل الأكل متوقف على الذكاة الشرعية، فصار حل الأكل مشكوكًا. بدليل قول النبي لعدي بن حاتم: «إذا أرسلت كلبك وسميت فأمسك وقتل فكُل، وإن أكل فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، وإذا خالط كلابًا، لم يذكر اسم الله عليها، فأمسكن وقتلن فلا تأكل، فإنك لا

стр. 896

تدري أيها قتل، وإن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكُل، وإن وقع في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك» (١). سادسًا: الأصل في النفوس عصمتها للمعصوم، وهو المسلم، أو المعاهد، فلا تستباح نفس إلا بدليل؛ لقوله ﷺ : «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» (٢). سابعًا: ومن هذه الأصول أيضًا: الأصل في العادات من مآكل، ومشارب، وملابس، وغيرها الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما ورد الدليل بتحريمه، قال الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. ثامنًا: الأصل في العبادات المنع: أي أنه لا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله؛ لقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وقوله ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣).

стр. 897

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في منظومته: والأصل في مياهنا الطهارة … والأرض والثياب والحجارة والأصل في الأبضاع واللحوم … والنفس والأموال للمعصوم تحريمها حتى يجيء الحل … فافهم هداك الله ما يمل والأصل في عاداتنا الإباحة … حتى يجيء صارف الإباحة وليس مشروعًا من الأمور … غيرالذي في شرعنا مذكور (١) * القسم الرابع: استصحاب الحكم الثابت بالإجماع في محل النزاع: فإذا ثبت الإجماع في حكم مسألة في حالة معينة، ثم اختلفت هذه الحالة وتغيرت صفتها، فهل يستمر الحكم المجمع عليه، ويستصحب إلى الحالة الثانية أو لا؟ وعرفه الهندي: بأن يحصل الإجماع على حكم في حال، فيتغير الحال، ويقع الاختلاف، فيستصحب حال الإجماع من لم يقل بغير الحال. مثاله: أجمع أهل العلم على أن المرء إذا فقد الماء له أن يتيمم ويصلي بهذا التيمم، لكن إن وجد الماء بعد شروعه في الصلاة فما الحكم؟ هل يقطع الصلاة ويتوضأ، ويستأنف صلاته، أو يتم صلاته،

стр. 898

ويستصحب الحكم السابق - وهو الصحة- المجمع عليه حال عدم رؤيته الماء إلى حال ما بعد الرؤية المتنازع فيه؟ قولان: الأول: تبطل صلاته ويتوضأ، ويستأنف الصلاة من جديد، وهو قول أبي حنيفة وأحمد. الثاني: لا تبطل الصلاة، بل يستمر فيها استصحابًا لصحة الصلاة قبل الشروع فيها، وهو قول مالك والشافعي. ومثاله أيضًا: جواز بيع أم الولد: حيث انعقد الإجماع على جواز بيع الأمة قبل أن تلد، فهل يستصحب هذا الحكم، فيجوز بيعها بعد أن تلد أم لا؟ قولان: الأول: أنه لا يجوز بيعها بعد أن تلد، وهو قول الجمهور. الثاني: يجوز بيعها بعد أن تلد استصحابًا لحكم الإجماع، وهو قول الظاهرية. ومثاله: أوجب الحنفية والظاهرية الزكاة في الحلي استصحابًا لحكم الذهب قبل أن يصاغ حليًّا (١).

стр. 899

وهذا النوع هو محل الخلاف، فذهب الأكثرون أنه ليس بحجة منهم أبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، والغزالي. وقال الماوردي، والروياني في كتاب «القضاء»: إنه قول الشافعي، وجمهور العلماء، فلا يجوز الاستدلال بمجرد الاستصحاب، بل إن اقتضى القياس، وغيره إلحاقه بما قبل ألحق به، وإلا فلا. وذهب أبو ثور، وداود الظاهري إلى الاحتجاج به ونقله السمعاني عن المزني، والصيرفي، وابن سريج، وابن خيران من الشافعية، ورجحه الشوكاني قال: لأن المتمسك بالاستصحاب باق على الأصل، قائم في مقام المنع، فلا يجب عليه الانتقال عنه إلا بدليل يصلح لذلك، فمن ادعاه جاء به (١). ورجح ابن القيم حجية هذا النوع فقال: ومما يدل على أن استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع حجة أن تبدل حال المحل المجمع على حكمه أو لا، كتبدل زمانه ومكانه وشخصه، وتبدل هذه الأمور وتغيرها لا يمنع استصحاب ما ثبت له قبل التبدل، فكذلك تبدل وصفه، وحاله لا يمنع الاستصحاب حتى يقوم دليل على أن الشارع جعل ذلك الوصف الحادث ناقلًا للحكم مثبتًا لضده كما جعل الدباغ

стр. 900

ناقلًا لحكم نجاسة الجلد، وتخليل الخمرة ناقلًا للحكم بتحريمها، وحدوث الاحتلام ناقلًا لحكم البراءة الأصلية، وحينئذ فلا يبقى التمسك بالاستصحاب صحيحًا، وأما مجرد النزاع، فإنه لا يوجب سقوط استصحاب حكم الإجماع، والنزاع في رؤية الماء في الصلاة، وحدوث العيب عند المشتري، واستيلاد الأمة لا يوجب رفع ما كان ثابتًا قبل ذلك من الأحكام، فلا يقبل قول المعترض: إنه قد زال حكم الاستصحاب بالنزاع الحادث. فإن النزاع لا يرفع ما ثبت من الحكم، فلا يمكن للمعترض رفعه إلا أن يقيم دليلًا على أن ذلك الوصف الحادث جعله الشارع دليلًا على نقل الحكم حينئذ، فيكون معارضًا في الدليل لا قادحًا في الاستصحاب، فتأمله فإنه التحقيق في هذه المسألة (١). * القسم الخامس: الاستصحاب المقلوب: ذكره بعض الأصوليين، وهو حجة عند جماعة من العلماء من المالكية والشافعية، وهو: الاستدلال بثبوت الأمر في الزمن الحاضر على ثبوته في الزمن الماضي لعدم ما يصلح للتغيير من الأول إلى الثاني. مثل له بعض المالكية بالوقف إذا جهل مصرفه، ووجد على حالة،

стр. 901

فإنه يجري عليها؛ لأن وجوده على تلك الحالة دليل على أنه كان كذلك في عقد الوقف، ومثل له المحلي بأن يقال في المكيال الموجود كان على عهده ﷺ باستصحاب الحال في الماضي (١). وعليه تبنى مسألة: هل في المعادن -سوى النقدين- زكاة كالحديد، والصفر والرصاص، وغيرها؟ فمن قال ليس فيها زكاة - كمالك والشافعي-: استدلوا بأن تلك المعادن لا يؤخذ منها زكاة إلى اليوم فيدل، بالاستصحاب المقلوب أنها كانت كذلك في زمن النبي ﷺ لعدم ما يصلح لتغيير، وهذا بخلاف الركاز، ففيه الخمس بلا نزاع (٢). أدلة حجية الاستصحاب: الأول: قوله تعالى ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية. ففي هذه الآية استصحاب حكم الإباحة لجميع الأشياء؛ لأنه عدد

стр. 902

المحرمات، فيكون ما عداها على الأصل، وعكس الحرمة هو الإباحة. الثاني: عن عبد الله بن زيد قال: شكي إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، قال: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا، أو يجد ريحًا» (١). قال ابن دقيق العيد: والحديث أصل في إعمال الأصل، وطرح الشك، وكأن العلماء متفقون على هذه القاعدة، ولكنهم يختلفون في كيفية استعمالها (٢). ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ حكم باستصحاب حكم الوضوء مع الشك في وجود الناقض حتى يدل الدليل على انتقاضه يقينًا (٣). الثالث: عن ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ قال: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» (٤)، وللبيهقي بإسناد صحيح: «البينة على المدعي، واليمين على من أنكر» (٥).

стр. 903

ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ جعل الأصل براءة ذمة المدعى عليه حتى يثبت شغلها بالبينة الصحيحة، وهذا عمل باستصحاب البراءة الأصلية (١). الرابع: حديث عدي بن حاتم ﵁، وقوله ﷺ : «فإن خالطها كلاب من غيرها، فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره» (٢). قال ابن القيم: لما كان الأصل في الذبائح التحريم وشك هل وجد الشرط المبيح أم لا بقي الصيد على أصله في التحريم. الخامس: عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان» (٣). قال ابن القيم: لما كان الأصل بقاء الصلاة في ذمته أَمَرَ الشاك أن

стр. 904

يبني على اليقين، ويطرح الشك ولا يعارض هذا رفعه للنكاح المتيقن بقول الأمة السوداء أنها أرضعت الزوجين (١)، فإن الأصل في الأبضاع التحريم، وإنما أبيحت الزوجة بظاهر الحال مع كونها أجنبية، وقد عارض هذا الظاهر ظاهر مثله، أو أقوى منه، وهو الشهادة، فإن تعارضا تساقطا، وبقي أصل التحريم لا معارض له. اه (٢). السادس: أن العقلاء من الخاصة والعامة اتفقوا على أنهم إذا تحققوا وجود الشيء أو عدمه، وله أحكام خاصة به، سوغوا ترتيب تلك الأحكام عليه في المستقبل من زمان ذلك الأمر حتى إن الغائب يراسل أهله، ويراسلونه بناء على العلم بوجودهم ووجوده في الماضي، وينفذ إليهم الأموال وغير ذلك بناء على ما ذكر، ولولا أن الأصل بقاء ما كان على ما كان لما ساغ لهم ذلك (٣). * أثر الاختلاف في جواز الاحتجاج بالاستصحاب: الفرع الأول: الوضوء مما يخرج من البدن من غير السبيلين: ذهب مالك والشافعي إلى أنه لا ينقض بخروج شيء من غير السبيلين عملًا بالاستصحاب؛ لأن الأصل عدم النقض حتى يثبت

стр. 905

الدليل بخلافه، ولم يثبت. قال المحلي في شرح جمع الجوامع: الخارج النجس من غير السبيلين لا ينقض الوضوء عندنا استصحابًا لما قبل الخروج من نقائه المجمع عليه. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن ما يخرج من البدن من النجاسات ينقض الوضوء، وإن كان خروجه من غير السبيلين (١). الفرع الثاني: الصلح مع الإنكار: ذهب الشافعي ﵀ إلى أن الصلح مع الإنكار باطل، واستدل بأن الأصل براءة الذمة من الحقوق، ولم يقم دليل على شغلها بالدين، فلا يصح الصلح (٢). وذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد ﵏ إلى أن الصلح مع الإنكار جائز، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]، فهو عام يشمل أضرب الصلح الثلاثة: صلح مع الإقرار، وصلح

стр. 906

مع السكوت، وصلح مع الإنكار (١). الفرع الثالث: حكم وجود الماء بعد الشروع في الصلاة للمتيمم: القول الأول: تبطل صلاته ويتوضأ، ويستأنف الصلاة من جديد، وهو قول أبي حنيفة وأحمد. القول الثاني: لا تبطل الصلاة، بل يستمر فيها استصحابًا للإجماع على صحة الصلاة قبل الشروع فيها، وهو قول مالك، والشافعي (٢). الفرع الرابع: زكاة الذهب إذا صيغ حليًّا: انعقد الإجماع على وجوب الزكاة في الذهب قبل أن يصاغ إذا بلغ النصاب، فهل إذا صيغ الذهب حليًّا يستصحب حكم الوجوب أم لا؟ القول الأول: لا تجب فيه الزكاة، وهو قول الجمهور مالك، والشافعي، وأحمد؛ لأن حالة الإجماع تغيرت من ذهب مكنوز إلى حلي مستعمل، كالماشية تتغير من سائمة إلى معلوفة، فلا يستصحب حكم الإجماع. القول الثاني: تجب فيه الزكاة وهو قول أبي حنيفة، والظاهرية.

стр. 907

قال ابن حزم: وأما حلي الذهب، فإنه قد أجمعت الأمة على وجوب الزكاة في الذهب قبل أن يصاغ حليًّا إذا بلغ المقدار الذي ذكرنا، ثم اختلفوا في سقوطها إذا صيغ، فاستصحبنا الحال الذي أجمعنا عليها، ولم يسقط الاختلاف ما قد وجب باليقين، والإجماع (١). * بعض القواعد والضوابط الفقهية المبنية على الاستصحاب: ١ - اليقين لا يزول بالشك. ٢ - الأصل براءة الذمة. ٣ - الأصل بقاء ما كان على ما كان. ٤ - ما ثبت بزمان يحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه. ٥ - الأصل في الأشياء الإباحة. ٦ - الأصل في الكلام الحقيقة. ٧ - الأصل في الصفات العارضة العدم. ٨ - الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته، فمن نام عدة نومات أثناء اليوم، ثم في آخر اليوم اكتشف أنه جنب، ولم يتذكر زمان الجنابة «الاحتلام»، فإنه يعيد من آخر نومة نامها.

стр. 908

٩ - الأصل في المياه الطهارة. ١٠ - الأصل في العبادة التوقف. ١١ - الأصل في الذبائح التحريم. ١٢ - الأصل في البيع الحل. ١٣ - الأصل في الأبضاع التحريم. ١٤ - الأصل في الإنسان الحرية. ١٥ - الأصل في الإنسان الجهل. ١٦ - الأصل في الإنسان الفقر. ١٧ - الأصل في المسلم عصمة النفس والدم والمال.

стр. 909

الفصل السادس: شرع من قبلنا

стр. 910

شرع من قبلنا وحَدُّه: الأحكام الشرعية التي شرعها الله تعالى على من كان قبلنا، وقد وردت إلينا بنص صحيح من قرآن، أو سنة، أما في كتبهم فلا يعتمد؛ لأنها حُرِّفت (١). عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الأولى والآخرة»، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: «الأنبياء إخوة من عَلَّات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد، فليس بيننا نبي» (٢). قال النووي: قال العلماء: أولاد العلات. بفتح العين المهملة وتشديد اللام هم الإخوة لأب من أمهات شتى، وأما الإخوة من الأبوين فيقال لهم أولاد الأعيان.

стр. 911

قال جمهور العلماء: معنى الحديث: أصل إيمانهم واحد، وشرائعهم مختلفة، فإنهم متفقون في أصول التوحيد، وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف (١). * تحرير محل النزاع: شرع من قبلنا على أقسام: ١ - أصول التوحيد، وطاعة الله تعالى، والتحذير من الشرك، وأمور العقائد، والإيمان بالجنة والنار، والنهي عن الفساد والظلم بجميع أشكاله، كل هذه الأمور لا خلاف فيها بين الشرائع، ورسالات الأنبياء. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: ١١٦ - ١١٧]. فالعقائد لا تتغير من شريعة إلى أخرى، فهي لازمة لكل أحد؛ لذلك احتج العلماء أن الله خالق لفعل العبد بقوله تعالى حاكيًا عن إبراهيم: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٥ -

стр. 912

٩٦]، ولم يرد المعتزلة هذا بأنه شرع سابق (١). ٢ - ما كان خاصًّا بالأمم السابقة، وقد نسخه الإسلام، فهذا ليس شرعًا لنا بالاتفاق. كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾ [الأنعام: ١٤٦]، أي هذا التضييق إنما فعلناه بهم، وألزمناهم به مجازاة لهم على بغيهم، ومخالفتهم أوامرنا، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠]. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ [البقرة: ٥٤]. قال سفيان بن عيينة: التوبة نعمة من الله أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم، وكانت توبة بني إسرائيل القتل. وقال القرطبي: فلما استحر فيهم القتل، وبلغ سبعين ألفًا عفا الله عنهم، قاله ابن عباس وعلي ﵄، وإنما رفع الله عنهم القتل؛ لأنهم

стр. 913

أعطوا المجهود في قتل أنفسهم، فما أنعم الله على هذه الأمة نعمة بعد الإسلام هي أفضل من التوبة (١). ومثل ذلك: تحريم الصيد يوم السبت، وغير ذلك من الأمور التي جاء النص فيها على أنها كانت خاصة بمن قبلنا، فلا يأتي فيها خلاف. ومن ذلك وضع الأغلال والآصار التي كانت عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وفي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الله: قد فعلت. ومن ذلك كان في شريعة سليمان ﵇ يصنع له الجن التماثيل، كما في قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: ١٣]. أما في شريعتنا، فقد ورد النهي عن التماثيل، فعن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه

стр. 914

رسول الله ﷺ : «أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» (١). قال القرطبي: قال النحاس: قال قوم: عمل الصور جائز لهذه الآية، ولما أخبر الله عن المسيح. وقال قوم: قد صح النهي عن النبي ﷺ عنها، والتوعد لمن عملها أو اتخذها، فنسخ الله بهذا ما كان مباحًا قبله، وكانت الحكمة في ذلك؛ لأنه بعث ﵇، والصور تعبد، فكان الأصلح إزالتها. وقال: فإن قيل: كيف استجاز الصور المنهي عنها؟ قلنا: كان ذلك جائزًا في شرعه ونسخ ذلك بشرعنا كما بينا، والله أعلم، وعن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرمًا (٢). وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» (٣). وكان السجود جائزًا في التحية كما في قصة يوسف ﵇ ثم نسخ ذلك، وقال النبي ﷺ : «لا يصلح أن يسجد لبشر» (٤).

стр. 915

٣ - ما كان في شرع من قبلنا، وجاءت الشريعة بتأييده، والأمر به، فهذا شرع لنا باتفاق. مثل القصاص كتب على من قبلنا، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية. وفي شرعنا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] الآية. وكما في رجم الزاني المحصن، عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم»، فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة، يقيها الحجارة (١). وكذلك الحكم في شريعتنا الرجم للمحصن إذا زنى.
следующие страницы →