← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30090

جامع المسائل والقواعد في علم الأصول والمقاصد

عبد الفتاح مصيلحي

Полный текст (1 863 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

قال جمهور العلماء: معنى الحديث: أصل إيمانهم واحد، وشرائعهم مختلفة، فإنهم متفقون في أصول التوحيد، وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف (١). * تحرير محل النزاع: شرع من قبلنا على أقسام: ١ - أصول التوحيد، وطاعة الله تعالى، والتحذير من الشرك، وأمور العقائد، والإيمان بالجنة والنار، والنهي عن الفساد والظلم بجميع أشكاله، كل هذه الأمور لا خلاف فيها بين الشرائع، ورسالات الأنبياء. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: ١١٦ - ١١٧]. فالعقائد لا تتغير من شريعة إلى أخرى، فهي لازمة لكل أحد؛ لذلك احتج العلماء أن الله خالق لفعل العبد بقوله تعالى حاكيًا عن إبراهيم: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٥ -

стр. 912

٩٦]، ولم يرد المعتزلة هذا بأنه شرع سابق (١). ٢ - ما كان خاصًّا بالأمم السابقة، وقد نسخه الإسلام، فهذا ليس شرعًا لنا بالاتفاق. كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾ [الأنعام: ١٤٦]، أي هذا التضييق إنما فعلناه بهم، وألزمناهم به مجازاة لهم على بغيهم، ومخالفتهم أوامرنا، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ [النساء: ١٦٠]. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾ [البقرة: ٥٤]. قال سفيان بن عيينة: التوبة نعمة من الله أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم، وكانت توبة بني إسرائيل القتل. وقال القرطبي: فلما استحر فيهم القتل، وبلغ سبعين ألفًا عفا الله عنهم، قاله ابن عباس وعلي ﵄، وإنما رفع الله عنهم القتل؛ لأنهم

стр. 913

أعطوا المجهود في قتل أنفسهم، فما أنعم الله على هذه الأمة نعمة بعد الإسلام هي أفضل من التوبة (١). ومثل ذلك: تحريم الصيد يوم السبت، وغير ذلك من الأمور التي جاء النص فيها على أنها كانت خاصة بمن قبلنا، فلا يأتي فيها خلاف. ومن ذلك وضع الأغلال والآصار التي كانت عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وفي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال الله: قد فعلت. ومن ذلك كان في شريعة سليمان ﵇ يصنع له الجن التماثيل، كما في قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ: ١٣]. أما في شريعتنا، فقد ورد النهي عن التماثيل، فعن أبي الهياج الأسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه

стр. 914

رسول الله ﷺ : «أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته» (١). قال القرطبي: قال النحاس: قال قوم: عمل الصور جائز لهذه الآية، ولما أخبر الله عن المسيح. وقال قوم: قد صح النهي عن النبي ﷺ عنها، والتوعد لمن عملها أو اتخذها، فنسخ الله بهذا ما كان مباحًا قبله، وكانت الحكمة في ذلك؛ لأنه بعث ﵇، والصور تعبد، فكان الأصلح إزالتها. وقال: فإن قيل: كيف استجاز الصور المنهي عنها؟ قلنا: كان ذلك جائزًا في شرعه ونسخ ذلك بشرعنا كما بينا، والله أعلم، وعن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرمًا (٢). وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون» (٣). وكان السجود جائزًا في التحية كما في قصة يوسف ﵇ ثم نسخ ذلك، وقال النبي ﷺ : «لا يصلح أن يسجد لبشر» (٤).

стр. 915

٣ - ما كان في شرع من قبلنا، وجاءت الشريعة بتأييده، والأمر به، فهذا شرع لنا باتفاق. مثل القصاص كتب على من قبلنا، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية. وفي شرعنا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] الآية. وكما في رجم الزاني المحصن، عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم»، فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة، يقيها الحجارة (١). وكذلك الحكم في شريعتنا الرجم للمحصن إذا زنى.

стр. 916

٤ - ما وجد في كتبهم أو حكي من أخبارهم ولم يصل إلينا بسند صحيح: فإن كان من الأحكام، فقد اتفق أهل العلم على أن الموجود بأيديهم من الأحكام والشرائع ممنوع اتباعه، إما لتهمة التحريف، وإما لتحقق النسخ. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] الآية. وإن كان من باب المواعظ والقصص، فإن جاء في الكتاب والسنة ما يخالفه فهو مردود باتفاق، وإن جاء ما يؤيده فهو مقبول، وإن لم يأت ما يؤيده أو ما يخالفه فلا نصدق ولا نكذب، وقد يحكى على سبيل الموعظة، ولا نجزم بصحة نسبته؛ لقوله ﷺ : «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله، وكتبه، ورسله، فإن كان حقًّا لم تكذبوهم، وإن كان باطلًا لم تصدقوهم» (١)، ولقوله ﷺ : «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي

стр. 917

متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار» (١). قال الحافظ في الفتح: أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم؛ لأنه كان تقدم منه ﷺ الزجر عن الأخذ عنهم، والنظر في كتبهم، ثم حصل التوسع في ذلك، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية، والقواعد الدينية خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار. وقال مالك: المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن، أما ما علم كذبه فلا. وقال الشافعي: من المعلوم أن النبي ﷺ لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم، وهو نظير قوله: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم»، ولم يرد الإذن، ولا المنع من التحدث بما يقطع بصدقه (٢). ٥ - ما جاء به الرسل من الشرائع إلى الأمم السابقة، أو ما ذكر عنهم من أحكام، ونقلت إلينا بخبر صحيح في القرآن أو السنة الصحيحة، ولم

стр. 918

يرد في شريعتنا ما يؤيده كحكم لنا، ولا ما ينقضه، أو ينسخه، فهنا هو محل النزاع في هذه المسألة، وهو المراد بشرع من قبلنا، إذا أطلق عند الأصوليين. وقد اختلف في الاحتجاج به على قولين: القول الأول: أن شرع من قبلنا شرع لنا، وهو قول أكثر الشافعية، وأكثر الحنفية وطائفة من المتكلمين، وقال ابن القشيري: هو الذي صار إليه الفقهاء، واختاره ابن برهان، وقال إنه قول أصحابهم، واختاره الرازي، وحكاه الأستاذ أبو منصور عن محمد بن الحسن، واختاره أبو إسحاق الشيرازي في التبصرة، واختاره ابن الحاجب، وقال ابن السمعاني: وقد أومأ إليه الشافعي في بعض كتبه. قال القرطبي: وذهب إليه معظم أصحابنا يعني المالكية، وقال القاضي عبد الوهاب: إنه الذي تقتضيه أصول مالك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد اختارها التميمي (١).، ورجحه الشنقيطي في مواضع كثيرة من تفسيره.

стр. 919

واستدلوا على ذلك بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فأمره بالاقتداء بالأنبياء، وذلك بعد ذكر ثمانية عشر نبيًّا، وذلك يقتضي أن شرعهم شرع لنا قطعًا. و رد: بأن المراد الهدى المشترك، وهو التوحيد، لاختلاف شرائعهم، والعقل هادٍ إليه، ثم أمر باتباعه بأمر محدد لا بالاقتداء. وأجيب: بأن الشريعة من الهدى وهو عام؛ لأنه اسم جنس أضيف، وقد أمر بالاقتداء، وإنما بالناسخ كشريعة واحدة. عن العوام قال: سألت مجاهدًا، عن سجدة في «ص»، فقال: سألت ابن عباس: من أين سجدت؟ فقال: أوما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: ٨٤]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فكان داود ممن أُمِر نبيكم ﷺ أن يقتدي به، فسجدها داود ﵇، فسجدها رسول الله ﷺ (١). ٢ - قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].

стр. 920

و «ما» عامة في جملة ما وصى به نوحًا، ووصى به إبراهيم، وموسى، وعيسى، وهي تدل على أن الشرعين سواء في وجوب العمل وهو المراد. ٣ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣]، أمره باتباع ملة إبراهيم، وهي من شرع ما قبلنا. وقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠]. ورد أيضًا: بأن المراد التوحيد؛ لأن الفروع ليست ملة، ولهذا لم يبحث عنها. وأجيب: بأن الفروع من الملة تبعًا كملة نبينا ﷺ ؛ لأنها دينه عند عامة المفسرين، والتوحيد لا يختص بإبراهيم، بل هو اعتقاد كل نبي قبله. قال ابن الجوزي: ملته: دينه، وفيما أمر باتباعه من ذلك قولان: أحدهما: أنه أمر باتباعه في جميع ملته إلا ما أمر بتركه، وهذا هو الظاهر. والثاني: اتباعه في التبرؤ من الأوثان، والتدين بالإسلام، قاله أبو

стр. 921

جعفر الطبري (١). قال البغوي: قال أهل الأصول: كان النبي ﷺ مأمورًا بشريعة إبراهيم إلا ما نسخ في شريعته، وما لم ينسخ صار شرعًا (٢). ثم أمره سبحانه بالإخبار بذلك بقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١]، وذلك يدل على أنه متعبد بشرع من قبله. ٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]. وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] المراد من بعد موسى، ودلالة الآية من وجهين: الأول: أنه جعلها مستندًا للمسلمين في الحكم، وهي نص في المسألة.

стр. 922

الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]، وهو عام في المسلمين وغيرهم. ٥ - حديث أنس، أن الربيِّع عمته كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو فأبوا، فعرضوا الأرش فأبوا، فأتوا رسول الله ﷺ ، وأبوا إلا القصاص فأمر رسول الله ﷺ بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتُكسَر ثنية الربيِّع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله ﷺ : «يا أنس، كتاب الله القصاص»، فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله ﷺ : «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» (١). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ قال: «كتاب الله القصاص»، وإنما القصاص في السن حكاه الله في القرآن عن التوراة في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، فاستدل النبي ﷺ بالآية. وأجيب: بأنه قد يكون أوحى إليه القصاص في السن، وسمى ذلك في كتاب الله كما في قصة العسيف: «لأقضين بينكما بكتاب الله»، وذكر

стр. 923

الجلد، والتغريب، وذكر الرجم للمرأة (١). وأيضًا: قد يكون الحكم من عموم قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] على قراءة الرفع على الابتداء، وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، والكسائي (٢). وأجيب: بأنه لا مانع من ذلك، ويكون من باب تظاهر الأدلة، فيكون الدليل السنة، وقراءة «الجروح» بالرفع، وشرع من قبلنا. ٦ - حديث أبي هريرة ﵁ في قصة نوم النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة الفجر، قال ﷺ : «من نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها» فإن الله قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤]، قال يونس: وكان ابن شهاب يقرؤها: «للذِّكرى» (٣). فاستدل ﷺ على وجوب قضاء المنسية عند ذكرها بقوله : ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾

стр. 924

[طه: ١٤]، وإنما الخطاب فيها لموسى ﵇ على ما دل عليه سياق القرآن (١). ٧ - قال ابن عقيل: ومنها: أن الله سبحانه حكى لنا في كتابنا أحكامًا من الكتب الأولى، ولا يفيد ذكره لها إلا تعبدنا بها، فأما أن يوردها لنخالفها فلا، أو يذكرها لا لفائدة، فلا يجوز أيضًا، لم يبق إلا أنه ذكرها لنعمل بها، ونتمسك بالعمل بها إلى أن تقوم دلالة النقل عنها بالنسخ لها، فأما مع الاحتمال، وعدم نص يوجب النسخ لها فيجب أن نكون باقين على حكم الأصل، ونحرره قياسًا، فنقول: إنه حكم ثبت بطريق يثبت بمثله، فلا يرفع إلا بنص ينافيه كالآيتين من كتابنا، والخبرين المرويين عن رسولنا ﷺ (٢). قال الشنقيطي ﵀ في سورة المائدة في مسألة قتل الرجل بالمرأة في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. السؤال الأول: ما وجه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية، مع أنه حكاية عن قوم موسى، والله تعالى يقول: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:

стр. 925

٤٨]. الجواب: أن التحقيق الذي عليه الجمهور، ودلت عليه نصوص الشرع، أن كل ما ذكر لنا في كتابنا، وسنة نبينا ﷺ ، مما كان شرعًا لمن قبلنا أنه يكون شرعًا لنا، من حيث إنه وارد في كتابنا، أو سنة نبينا ﷺ ، لا من حيث إنه كان شرعًا لمن قبلنا؛ لأنه ما قص علينا في شرعنا إلا لنعتبر به، ونعمل بما تضمن (١). ٨ - ومنها: أن الشرع للنبي الأول جاء بلفظ مطلق، فاقتضى بقاؤه على الدوام، ما لم يصرح وينص على رفعه، وأن التمسك به مفسدة، والذي يوضح ذلك: أن نفس بعثة الرسول الثاني لا يجوز أن تكون مغيرةً حكم الرسول الأول، وإنما الذي يغير الشريعة الأولى، أو ينسخها تصريح في الشريعة الثانية بترك الأولى (٢). قلت: ويؤيد هذا الأخير قوله تعالى عن عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. وقوله تعالى ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ

стр. 926

مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾ [المائدة: ٤٦]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]. قال أبو زيد: والصحيح هذا المذهب، وهو أنه كان متعبدًا بشرع من قبله، إلا أن بقاء ذلك الشرع لا يثبت بعد مبعث النبي ﷺ إلا بحكايته أنها ثابتة؛ لأن الله تعالى أنبأنا أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وخانوا في النقل فصاروا مردودي الشهادة؛ ولأن عداوة الدين كانت ظاهرة منهم، واتهموا بالحيل، واللبس فيما يظهرون من شر لبعض، فلم يصر كلامهم حجة علينا إلا ما نقلها رسول الله ﷺ ، وأخبرنا أنها ثابتة بوحي متلو، وغير متلو (١). القول الثاني: أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا. قال السمعاني: وقد ذهب إلى هذا جماعة من أصحابنا، وأكثر المتكلمين، وطائفة من أصحاب أبي حنيفة. وهو آخر قولي الشيخ أبي إسحاق كما قال في «اللمع»، واختاره

стр. 927

الغزالي في آخر عمره، وقال ابن السمعاني إنه: المذهب الصحيح. وقال: إن العقل لا يحيل إيجاب اتباع شريعة من قبلنا، غير أنه قد ثبت شرعًا أنا غير متعبدين بشيء من أحكام الشرائع المتقدمة، واختاره الرازي والآمدي. وهو قول ابن حزم، قال في الإحكام: والصحيح أنه لا يحل الحكم بشيء منها في الدين، وهي سبعة أشياء: شرائع الأنبياء السالفين قبل نبينا محمد ﷺ ، … إلخ (١). وهو قول جمهور المعتزلة، واستدلوا بالأدلة التالية: ١ - قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. وقوله ﷺ في حديث جابر: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود … الحديث» (٢). والشرعة: الشريعة، والمنهاج: الطريق، فدل على أنه لا يتبع الثاني الأول؛ لأن الشريعة لا تضاف إلا إلى من يخص بها، فأما التابع، فلا

стр. 928

يكون له شرعة تخصه فتفيد الآية، والحديث اختصاص كل من الرسل بشريعة. وأجيب عن هذا الاستدلال: بأنه لا تخلو شريعة ثانية من مخالفة لما قبلها بنوع نسخ لبعض فروعها، من تحريم مباح، أو إباحة محظور، أو إسقاط واجب؛ فلأجل ذلك الخلاف خصها باسم «شرعة»، وأضافها إلى من شرعت له، كما يقول القائل: لكل فقيه مذهب، وإن اتفقوا في بعض المذاهب، واختلفوا في بعض، ولا تمنع مشاركتهم في بعض الشريعة من كون كل منهم له شريعة، كما أن مشاركتهم في التوحيد لا تمنع عندهم انفراد كل منهم بشريعة (١). ويمكن أن يجاب عن هذا، فيقال: إن هذه الآية تقتضي تفرد كل واحد من الأنبياء بشرعة ومنهاج إلا ما قام عليه الدليل (٢). وأجيب أيضًا: أن اشتراك الشريعتين في بعض الأحكام لا ينفي اختصاص كل نبي بشريعة اعتبارًا بالأكثر (٣). وقال الشنقيطي: قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾

стр. 929

[المائدة: ٤٨] لا يخالف ما ذكرنا -أي شرع ما قبلنا شرع لنا-؛ لأن المراد أن بعض الشرائع تنسخ فيها أحكام كانت مشروعة قبل ذلك، ويجدد فيها تشريع أحكام لم تكن مشروعة قبل ذلك (١). ٢ - حديث جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه النبي ﷺ ، فغضب، فقال: «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء، فيخبروكم بحق، فتكذبوا به، أو بباطل، فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى ﷺ كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني» (٢). قالوا: فهذا دليل على أن الشرائع من قبل انتهت ببعثة نبينا ﷺ . والجواب: أن هذا الحديث فيما هو موجود في كتبهم، وصحائفهم، ولا يؤمن عليهم التحريف، والتبديل، وهذا خارج محل النزاع، إنما النزاع فيما أخبرنا الله عنهم من أخبارهم، وأحكامهم في القرآن، أو السنة الصحيحة، فضلًا عن ضعف الأثر المذكور عند البعض.

стр. 930

٣ - قالوا: لو كان شرعًا لنا، للزم النبي ﷺ وأمته تعلم كتبهم، والبحث عنها، والرجوع إليها عند تعذر النص في شرعه على حادثة ما، لكن ذلك لا يلزم بالإجماع، فلا يكون شرعهم شرعًا لنا. ٤ - لو كان شرعًا لنا، لما توقف النبي ﷺ في الظهار واللعان والمواريث ونحوها من الأحكام على الوحي، لكن ثبت أنه توقف في الأحكام على الوحي، فدل على أن شرعهم ليس شرعًا لنا. والجواب عن هذا: بأن كتبهم مزقت، فلم تنقل إلينا نقلًا موثوقًا به، فلذلك لم يطلب أحكام الوقائع العارضة له فيها، وكما سبق أن هذا خارج محل النزاع. والكلام فيما صح عندنا من أحكامهم في القرآن أو السنة (١). وهذه المسألة لها صلة وثيقة بمسألة الإقرارات القرآنية، بل قد تكون مسألة الإقرارات القرآنية هي الفاصل في مسألة شرع من قبلنا: والإقرارات القرآنية: سكوت عن قول يقال، أو شيء يفعل دون إنكاره (٢). وإنما يفهم من تصرفات الشرع في شرع الأحكام أنه لو كان حرامًا

стр. 931

لم يسكت عنه. وقد وجدت له تسمية في بعض كتب الحنفية باسم بيان الحال. قال الشاشي: وأما بيان الحال فمثاله: فيما إذا رأى صاحب الشرع أمرًا معاينة، فلم ينه عن ذلك كان سكوته بمنزلة البيان أنه مشروع. وقال: فالحاصل أن السكوت في موضع الحاجة إلى البيان بمنزلة البيان (١). قال في دستور العلماء: وأما بيان الحال: فهو الذي يكون بدلالة حال المتكلم كالسكوت، وغيره كما إذا قال أحد قولًا أو فعل فعلًا، مثل المعاملات التي فيما بينهم، فلم ينه عن ذلك، بل أقرهم، وسكت، أو حمدهم، وحسنهم فيدل سكوته مثلًا على أنها مباح في الشرع؛ إذ لا يتهم على الشارع الإقرار، والإصرار، والتحسين، والتحميد، على محذور منكور (٢). وذلك كحديث الصحيحين، عن جابر ﵁ قال: كنا نعزل على

стр. 932

عهد رسول الله ﷺ ، والقرآن ينزل (١). وعند مسلم زاد إسحاق قال سفيان: لو كان شيء ينهى عنه لنهانا عنه القرآن (٢). وإما أن يحكي القرآن قولًا أو فعلًا، ثم يسكت عن إنكاره، فأما القول فعرف بالاستقراء أنه لا يحكى ويكون باطلًا، ويسكت عنه (٣). قال الشاطبي ﵀: كل حكاية وقعت في القرآن، فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها- وهو الأكثر- ردٌّ لها، أو لا، فإن وقع ردٌّ، فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي وكذبه، وإن لم يقع معها ردٌّ؛ فذلك دليل صحة المحكي وصدقه. أما الأول: فظاهر، ولا يحتاج إلى برهان، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، فأعقب بقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] الآية. وقال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] الآية، فوقع التنكيت على افتراء ما زعموا بقوله:

стр. 933

﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٣٦]، وبقوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ [الأنعام: ١٣٦]، ثم قال: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] إلى تمامه، ورد بقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾ [الأنعام: ١٣٨]، ثم قال: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩] الآية، فنبه على فساده بقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩] زيادة على ذلك. وقال تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤]، فرد عليهم بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)﴾ [الفرقان: ٤]، ثم قال: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾ [الفرقان: ٨]، ثم قال تعالى بعدها: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا﴾ [الإسراء: ٤٨]. وقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦]، ثم رد عليهم بأوجه كثيرة ثبتت في أثناء القرآن، قال: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ [البقرة: ١١٦]، وقال: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٦٨] الآية. وقال عن اليهود: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، فرد

стр. 934

عليهم بقوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤] إلى آخره، وأشباه ذلك. ومن قرأ القرآن وأحضره في ذهنه عرف هذا بيسر. وأما الثاني فظاهر أيضًا، ولكن الدليل على صحته من نفس الحكاية وإقرارها، فإن القرآن سُمِّي فرقانًا، وهدى، وبرهانًا، وبيانًا، وتبيانًا لكل شيء، وهو حجة الله على الخلق على الجملة، والتفصيل، والإطلاق، والعموم، وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق، ثم لا ينبه عليه. وأيضًا، فإن جميع ما يحكى فيه من شرائع الأولين وأحكامهم، ولم ينبه على إفسادهم وافترائهم فيه، فهو حق يجعل عمدة عند طائفة في شريعتنا، ويمنعه قوم، لا من جهة قدح فيه، ولكن من جهة أمر خارج عن ذلك، فقد اتفقوا على أنه حق وصدق كشريعتنا، ولا يفترق ما بينهما إلا بحكم النسخ فقط، ولو نبه على أمر فيه؛ لكان في حكم التنبيه على الأول، كقوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: ٧٥] الآية. وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١] الآية. وكذلك قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ

стр. 935

وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦]؛ فصار هذا من النمط الأول. ومن أمثلة هذا القسم - وهو ما يحكى من شرائع الأولين-: جميع ما حكي عن المتقدمين من الأمم السالفة مما كان حقًّا؛ كحكايته عن الأنبياء والأولياء، ومنه قصة ذي القرنين، وقصة الخضر مع موسى ﵇، وقصة أصحاب الكهف، وأشباه ذلك. قال الشاطبي: ولاطراد هذا الأصل اعتمده النظار، فقد استدل جماعة من الأصوليين على أن الكفار مخاطبون بالفروع، بقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤)﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٤] الآية؛ إذ لو كان قولهم باطلًا لرد عند حكايته (١). فسكوت القرآن عن الرد على قولهم دليل على صحته، وإذا كان قولهم صحيحًا فهم مخاطبون بفروع الشريعة، لكونهم يعذبون عليها عذابًا زائدًا على عذاب أصل الكفر (٢). واستدل على أن أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم بأن الله تعالى لما حكى من قولهم أنهم ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]،

стр. 936

وأنهم: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، أعقب ذلك بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢]؛ أي: ليس لهم دليل ولا علم غير اتباع الظن، ورجم الظنون لا يغني من الحق شيئًا، ولما حكى قولهم: ﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]؛ لم يتبعه بإبطال، بل قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [الكهف: ٢٢]؛ دل المساق على صحته دون القولين الأولين. وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم (١). ورأيت منقولًا عن سهل بن عبد الله التستري أنه سئل عن قول إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]؛ فقيل له: أكان شاكًا حين سأل ربه أن يريه آية؟ فقال: لا، إنما كان طلب زيادة إيمان إلى إيمان، ألا تراه قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فلو عمل شكًّا منه لأظهر ذلك؛ فصح أن الطمأنينة كانت على

стр. 937

معنى الزيادة في الإيمان. بخلاف ما حكى الله عن قوم من الأعراب في قوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤]، فإن الله تعالى رد عليهم بقوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. ومن تتبع مجاري الحكايات في القرآن عرف مداخلها، وما هو منها حق مما هو باطل. ولما كان القرآن عدلًا كله، وصدقًا كله كان رده لغير الصواب، وإنكاره للمنكر المحكي على قدر ما فيه من الخلل والخطأ، فإذا كان الخطأ ناشئًا من عدم الصدق كذَّب القول، وإذا كان ناشئًا من سوء الاستدلال مع صحة القول في ذاته نبه على ذلك، فيسكت عن الصواب، ويرد الخطأ، وهو منهج دقيق، ومسلك عدل ينبغي على أتباع القرآن أن يتوخوه في فهمهم للقرآن، وتناولهم للقضايا، والقائلين بها من غير مجازفة في تخطئة أو تصويب، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى عن المنافقين: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١]، فإن هذه الحكاية ممزوجة الحق بالباطل، فظاهرها حق، وباطنها كذب من حيث كان إخبارًا عن المعتقد، وهو غير مطابق، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ

стр. 938

لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: ١] تصحيحًا لظاهر القول، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١] إبطالًا لما قصروا فيه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، فهذا منه امتناع عن الإنفاق بحجة قصدهم فيها الاستهزاء، فرد عليهم بقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ [يس: ٤٧]-على أحد وجهي التفسير-؛ لأن ذلك حيد عن امتثال الأمر، وجواب أنفقوا أن يقال: نعم أو لا. وهو الامتثال أو العصيان فلما رجعوا إلى الاحتجاج على الامتناع بالمشيئة المطلقة التي لا تعارض انقلب عليهم من حيث لم يعرفوا؛ إذ حاصله أنهم اعترضوا على المشيئة المطلقة بالمشيئة المطلقة؛ لأن الله شاء أن يكلفهم الإنفاق، فكأنهم قالوا: كيف يشاء الطلب منا، ولو شاء أن يطعمهم لأطعمهم؟ وهذا عين الضلال في نفس الحجة. وقال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]. فقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] تقرير لإصابته ﵇ في ذلك الحكم، وإيماء إلى خلاف ذلك في داود ﵇، لكن لما

стр. 939

كان المجتهد معذورًا مأجورًا بعد بذله الوسع قال: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وهذا من البيان الخفي فيما نحن فيه (١). أمثلة على الاستدلال بشرع من قبلنا: ١ - استدل محمد بن الحسن الشيباني على إجازة المهايأة بقصة صالح ﵇، وقومه في شرب الناقة: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ [الشعراء: ١٥٥]. قال الكيا الهراسي: قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾ [القمر: ٢٨] يدل على جواز المهايأة على الماء (٢). والمهايأة: الأمر المتوافق عليه، وهو قسمة المنافع على التعاقب، والتناوب (٣). ٢ - استدلوا على صحة الضمان، والجعالة بقوله تعالى في قصة يوسف ﵇: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢]، فكان الحمل بمعنى الجعالة لمن ينادي في العير

стр. 940

بالصواع. ٣ - الاستدلال على أن من حلف ليضربن عبده مائة سوط، فضربه بالعثكال: أنه يبرأ لقصة أيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]. قال الزركشي: اتفق العلماء على أن هذه الآية معمول بها في ملتنا، والسبب أن الملل لا تختلف في موجب الألفاظ، وفيما يقع برًّا وحنثًا (١)، وقد أمر النبي ﷺ بضرب المريض الذي وقع على الجارية ضربة واحدة بمئة شمراخ (٢). ٤ - الاستدلال على عدم تضمين الراعي إذا زكى الشاة المشرفة على الهلاك بالقياس على خرق الخضر السفينة لينتفع بها أهلها مرقوعة (٣).

стр. 941

٥ - قوله تعالى: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] يؤخذ منها عدم قص الرؤيا، وهو أصلٌ في جواز ترك إظهار النعمة، وكتمانها عند من يخشى حسده وكيده (١). ٦ - النكاح على الإجارة: أي هل يصح أن يكون الصداق إجارة؟ قال ابن رشد: في المذهب «مالك» ثلاثة أقوال: قول بالإجازة، وقول بالمنع، وقول بالكراهة: والمشهور عن مالك الكراهة، ولذلك رأى فسخه قبل الدخول، وأجازه من أصحابه أصبغ، وسحنون، وهو قول الشافعي، ومنعه ابن القاسم، وأبو حنيفة إلا في العبد فإن أبا حنيفة أجازه. وسبب اختلافهم أمران: أحدهما: هل شرع من قبلنا لازم لنا حتى يدل الدليل على ارتفاعه، أم الأمر بالعكس، فمن قال هو لازم أجازه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] الآية، ومن قال ليس بلازم قال: لا يجوز النكاح بالإجارة … إلخ (٢).

стр. 942

٧ - من ذلك أيضًا: قول المالكية وغيرهم: إن القرينة الجازمة ربما قامت مقام البينة مستدلين على ذلك بجعل شاهد يوسف شق قميصه من دبر قرينة على صدقه، وكذب المرأة، في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٨]، فذكره تعالى لهذا مقررًا له يدل على جواز العمل به، ومن هنا أوجب مالك حد الخمر على من استنكه، فشم في فيه ريح الخمر؛ لأن ريحها في فيه قرينة على شربه إياها. ٨ - وأخذ المالكية وغيرهم إبطال القرينة بقرينة أقوى منها من أن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب، جعلوا على قميصه دم سخلة، ليكون الدم على قميصه قرينة على صدقهم في أنه أكله الذئب، فأبطلها يعقوب بقرينة أقوى منها، وهي عدم شق القميص، كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [يوسف: ١٨] (١).

стр. 943

٩ - قال الإمام أحمد ﵀ في رواية أبي طالب: فيمن حلفت بنحر ولدها، عليها كبش تذبحه، وتتصدق بلحمه، قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧] (١). ١٠ - استدل الإمام أحمد في القول بالقرعة بقصة زكريا، والاقتراع في كفالة مريم، وذي النون حيث ساهم (٢). قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ [آل عمران: ٤٤]. قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات: ١٤١]، وكان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه (٣). ١١ - استدل بعضهم على صحة بيع الفضولي إذا كان في مصلحة المالك بحديث أصحاب الغار (٤)، فإن فيه تصرف الرجل في مال الأجير بغير إذنه، ولكنه لما ثمره له، ونماه، وأعطاه، أخذه، ورضي.

стр. 944

وساقه النبي ﷺ مساق المدح، والثناء على فاعله، وأقره على ذلك، ولو كان لا يجوز لبينه، فبهذا الطريق يصح الاستدلال به لا بمجرد كونه شرع من قبلنا (١). ١٢ - جواز استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق، وذلك من قصة سليمان ﵇ في حكمه مع المرأتين كما في حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب، فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود ﵉، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا. يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى (٢). قال القرطبي: وفيه من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق، وذلك يكون عن قوة الذكاء والفطنة، وممارسة أحوال الخلق، وقد يكون في أهل التقوى فراسة دينية، وتوسمات نورية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (٣).

стр. 945

وفي قصة يوسف ﵇ قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ [يوسف: ٧٦]، قال ابن العربي في أحكام القرآن: فيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل؛ إذا لم تخالف شريعة، ولا هدمت أصلًا (١). وقال الكيا الطبري: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] دليل على إجازة الحيلة في التوصل إلى المباح، وما فيه من الغبطة والصلاح، واستخراج الحقوق (٢). ١٣ - قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٩]، قال ابن كثير ﵀: ثم شرع تعالى يبين ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى، فقال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ [النجم: ٣٨] إلى قوله ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] قال: ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ﵀، ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا

стр. 946

لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته، ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص، ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما (١). * مسألة: هل كان النبي ﷺ متعبدًا بشرع من قبله قبل نبوته؟ مذهب مالك وأصحابه: أنه لم يكن متعبدًا بشرع من قبله قبل نبوته، وقال آخرون: كان متعبدًا بشرع من قبله. قال القرافي: المختار أنه كان متعبِّدًا - بكسر الباء على أنه اسم فاعل-، ومعناه: أنه ﷺ كان ينظر إلى ما عليه الناس فيجدهم على طريقةٍ لا تليق بصانع العالم، فكان يخرج إلى غار حراء يتحنث أي: يتعبد، ويقترح أشياء لقربها من المناسب في اعتقاده، ولم يكن يسافر ولا يخالط أهل الكتاب حتى يطلع على أحوالهم، فيبعد مع هذا غاية البعد أن يعبد الله تعالى بتلك الشرائع؛ ولأنه لو كان يتعبد بذلك لكان يراجع علماء تلك الشرائع، ولو وقع ذلك لاشتهر (٢).

стр. 947

قال المازري والإبياري في «شرح البرهان» وإمام الحرمين: هذه المسألة لا تظهر لها ثمرة في الأصول، ولا في الفروع البتة، بل تجري مجرى التواريخ المنقولة، ولا يترتب عليها حكم في الشريعة البتة، وكذلك قاله التبريزي (١). قال الشوكاني: وهذا صحيح، فإنه لا يتعلق بذلك فائدة، باعتبار هذه الأمة، ولكنه يعرف به في الجملة شرف تلك الملة التي تبعد بها، وفضلها على غيرها من الملل المتقدمة على ملته. وأقرب هذه الأقوال: قول من قال: إنه كان متعبدًا بشريعة إبراهيم ﵇ (٢). وقال الدكتور محمد سليمان الأشقر: وقد نقل أصحاب السير وأصحاب السنن كثيرًا من أفعاله وأحواله ﷺ قبل البعثة، وليس المراد بنقولهم هذه أن تكون موضعًا لاستنباط الأحكام الشرعية، والاقتداء بما قال أو فعل، وإنما كان مرادهم أن ينقلوا ما يستدل به على أحواله التي تنفع في المعرفة بنبوته، وصدقه (٣). قال ابن تيمية ﵀: فهذه الأمور ينتفع بها في دلائل النبوة كثيرًا؛

стр. 948

ولهذا يذكر مثل ذلك من كتب سيرته كما يذكر فيها نسبه وأقاربه، وغير ذلك بما يعلم أحواله، وكتب الحديث هي ما كان بعد النبوة أخص، وإن كان فيها أمور جرت قبل النبوة، فإن تلك لا تذكر لتؤخذ، وتشرع فعله قبل النبوة، بل قد أجمع المسلمون على أن الذي فرض على عباده الإيمان به، والعمل هو ما جاء به بعد النبوة. ولهذا كان عندهم من ترك الجمعة والجماعة، وتخلى في الغيران، والجبال حيث لا جمعة، ولا جماعة، وزعم أنه يقتدي بالنبي ﷺ لكونه كان متحنثًا في غار حراء قبل النبوة في ترك ما شرع له من العبادات الشرعية التي أمر الله بها رسوله، واقتدى بما كان يفعل قبل النبوة كان مخطئًا، فإن النبي ﷺ بعد أن أكرمه الله بالنبوة لم يكن يفعل ما فعله قبل ذلك من التحنث في غار حراء، أو نحو ذلك (١). لكن النبي ﷺ كان مصونًا عما يستقبح قبل البعثة وبعدها، بل تميز بمكارم الأخلاق قبل البعثة وبعدها، كما قالت خديجة ﵂: كلا والله، لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق. وقال الإمام البخاري في صحيحه: باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها، ولم يذكر فيه إلا حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة، وعليه إزاره، فقال له العباس عمه: يا

стр. 949

ابن أخي، لو حللت إزارك فجعلت على منكبيك دون الحجارة، قال: فحله، فجعله على منكبيه، فسقط مغشيًّا عليه، فما رئي بعد ذلك عريانًا ﷺ (١). وروى أبو داود في سننه، في كتاب الأدب: قول السائب بن يزيد لرسول الله ﷺ : كنت شريكي فنعم الشريك كنت لا تداري، ولا تماري (٢). أما ما يذكر في أنه اشترك في حرب الفجار، وأنه كان يجهز النبل لأعمامه، فلم يرد بذلك سند صحيح (٣). وقيل: لم يقاتل ﷺ في فجار البراض، وعليه اقتصر في الوفاء، أي لم يرم فيه بأسهم، بل قال: كنت أنبل على أعمامي، أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموه (٤).

стр. 950

الفصل السابع: قول الصحابي
следующие страницы →